انضم إلينا
اغلاق
"جسد للبيع".. هكذا حوّلت الدعاية الفتاة إلى دمية استهلاكية!

"جسد للبيع".. هكذا حوّلت الدعاية الفتاة إلى دمية استهلاكية!

مزنة حسناوي

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

تطلّ على الشاشة فتاة بشعر لامع يجري على كتفيها جريان الماء، ويتلاعب الهواء بخصلات شعرها، فيما يفيض وجهها سرورا، وتدفع بعبوة شامبو بانتين مخاطبة المشاهد بالقول: "أحافظ على شبابي لأنني أستخدم شامبو بانتين".

 

هذه واحدة من حملات عديدة تحذر النساء من إهمال جمالهن، مقدمة إليهن الحل السحري في شامبو بانتين "ليشعرن بالانتعاش والحيوية والقوة كل يوم"[1]. لم يعد مستغربا في عصر التلفاز ومواقع التواصل أن تطلّ علينا فتاة في دعاية لمستحضر تجميل أو حقيبة نسائية أو كل ما يخص المرأة، لكنّ المستغرب أن تتصدر الفتيات دعايات السيارات والعقارات والملابس الرياضية. غرابة سرعان ما تتلاشى حين تنكشف دوافع الشركات الرأسمالية وراء استخدام الفتيات في موادها الدعائية، حيث يعد هذا الجسد موردا ماليا مربحا باعتباره مادة إعلامية رائجة، ففي الحين الذي يتقاطع هذا الاستثمار الدعائي مع شعارات الحركة النسوية التي استندت إلى المرأة في شعاراتها التنموية، تستغل الشركات الدعائية المرأة، باعتبارها مادة دعائية جذابة بطبيعتها.

 

فكيف أصبح جسد المرأة وجها تلاحقه العدسات ويستقطب الأضواء؟ يقودنا هذا التساؤل لقراءة التحولات التي شهدها الخطاب النسوي، فبعد أن اعتمد في بداياته على مطالباته بالحقوق الأساسية للمرأة من انتخاب وتملك[2]، انتقل للمطالبة بالحريات الجنسية وتغيير مفهوم الأسرة والمساواة وتمكين المرأة ومن ثم الفتاة في سوق العمل، وهو انتقال سننظر من خلاله للتحولات التي توازت معه على الصعيد الاجتماعي.

    

       

تطويع الجماهير

ستنشب في منتصف القرن الماضي، في عام 1940 تحديدا، أشرس حرب عرفها البشر على مر تاريخهم، الحرب العالمية الثانية التي ستقتل 20 مليون إنسان، لكنها بعد أن تقتلهم على الأرض، وتحت قصف الصواريخ وقذائف المدافع، ستدفع بمن تبقّى منهم لاحقا للعمل داخل المصانع ليل نهار، لا الرجال وحسب، بل النساء كذلك[3].

    

دشنت الحرب، بعد إسدال الستار عن مآسيها الدموية، أكبر وجود للنساء داخل المصانع، ليصبح لهن دور بارز في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، لكن وبعد انتهاء مراحل الإعمار، ظهرت أزمة جديدة في الأسواق العالمية، وفي السوق الأميركية خاصة، وذلك بعدما قلّت مبيعاتها بسبب اكتفاء الناس بحاجاتهم الأساسية. أزمة شكلّت ملامح دين جديد لسوق الرأسمالية العالمية، ليكون شعاره المقدّس: "خلق الحاجة، وخداع الناس، واللعب على رغباتهم الدفينة"، كان إدوارد برنايز نبي هذا الدين الذي نحت أصنامه من أطروحة خاله سيجموند فرويد عن اللاشعور، ومن سيكولوجية الجماهير للوبون، وبدأ في العمل مع الشركات لتحقيق نبوءته، مفتتحا إنجازاته بإقناع النساء بالتدخين حينها ليزيد مبيعات شركات السجائر[4].

   

  

الناس غوغاء ينبغي للدولة ضبطهم بأي وسيلة ممكنة، هكذا رأى برنايز الجماهير، معتبرا الدولة الكيان الأعرف بما يصلح لهم ويحسن ظروف حياتهم. ليبتكر وفق هذا الفهم إستراتيجياته في الدعاية الإعلامية التي تدغدغ مشاعر المواطن لتطوعه في سبيل تحقيق مآرب سياسية واقتصادية. ونحا برنايز منحى يتصور فيه القدرة على التحكم الكامل بالجمهور، حيث قال: "إذا كنا قد فهمنا آليات ودوافع العقل الجماعي، فهل من المستحيل أن نتمكن من السيطرة والتحكم بالجماعات بما يصل في مصلحتنا ودون علم منهم؟ لقد أثبتت الممارسات الحديثة في مجال البروباغندا أن هذا الأمر ممكن الحدوث، على الأقل وفقا لشروط وظروف معينة"[5].

      

تتجلى آثار نظرية برنايز في شقين، سياسي واقتصادي، يتضافران ويصبان في خدمة أهداف السلطة وأصحاب رؤوس الأموال. تعزف الدولة عبر الدعاية الإعلامية على وتر مفهوم المواطنة مقدمة آمالا خادعة تسلب المواطن ما تدّعي منحه إياه، لتستثير مشاعره بعبارات من قبيل: "الانتماء والأمان والرفعة والنهضة والرخاء"، ثم تستلم الشركات الراية لتطلق حملات تسويق منتجاتها بشعارات تُستقى من مفهوم المواطنة الصالحة[6]. وشكّلت هذه المرحلة بداية ظهور الفنانات في الإعلانات التجارية، مرحلة ظهور النساء وجها إعلانيا جذابا، لتقدَّم أجسادهن أدوات لترويج منتجات الشركات. كما كانت كذلك نقطة الانطلاق التي تطورت لصيغ تتسع نطاقاتها باتساع الصور واللقطات التي نراها، والتي تعيد تشكيل الكثير من الأذواق العامة والخاصة في مجتمعاتنا.

   

من حملة "This is us" (مواقع التواصل)

        

الفتاة.. إعادة تعريف المواطن الصالح

ومع تصاعد موجات الحركة النسوية، وتجسّد المرأة كقيمة لمجرد ظهورها في المجال العام لا باعتبار الجسد فقط مركز قوتها، نحت الخطابات الدعائية منحى يتخذ من القيم الاجتماعية سندا لانتشاره، مستخدما مصطلحات "التحرر" و"التمكين". لتقدم الإعلانات بذلك قيمة الربح في قالب محبب لدى المجتمع عموما، وللفتاة على وجه الخصوص، دافعة إياها عبر ما تحمله من معانٍ للانصياع برضى تامّ للعالم الجديد الذي ستتحقق فيه الفتاة والمرأة أحلامهما عبر حيازة السلع التي يتم تسويقها[7].

 

تخاطب الدعاية الفتاة بالقول: "انفعي نفسك وبلدك، لا بد أن تستقلي ماديا، ما الذي قدمتِه لبلدك؟ ابحثي عن عمل واكسبي المال، تسعدين عائلتك، وتنعمين بصحة ومال وفيرين". في سعي واضح لرسم النموذج المثالي لـ "المواطَنة الصالحة"، والذي ينص أنه على كل رجل وامرأة تكريس حياته لكسب المال في سبيل تحقيق نهضة اقتصادية، وهو ما يعني أن كل مواطن لا يعمل ويكسب المال ضمن المنظومة الاقتصادية التي تم تحديدها هو بالضرورة مواطن غير صالح[8].

 

يأتي هذا الخطاب باعتباره الإطار المحدد الذي ينبغي للفتاة أن تتحرك ضمنه لتكتشف نفسها وتثبت وجودها في مجتمعها الاقتصادي، وليرتبط ما تقوم به في مساحة العمل المادي مع القيم الفضفاضة التي تسعى المجتمعات لتحقيقها، "كالتمكين" و"التحرر" و"تطور المجتمع" و"تحطيم العادات"، ليتراءى لها إمكانية مساهمتها في التغيير، ولتُعاد بذلك برمجة سلوكيات الأفراد، والفتاة تحديدا في هذا السياق، في سبيل الإبقاء على حركة الاقتصاد[9].

      

      

ووفق هذه التبعية لنمط السوق والتي انعكست على أكثر المساحات خصوصية، كإعادة تعريف العلاقات العاطفية ومعايير الجمال وغيرها، انتقل الخطاب النسوي من مساحة الحقوق لمساحة التواؤم مع السوق، وتلاقت أهداف الحركة النسوية بصيغتها النيوليبرالية الحديثة مع أجندات الشركات الرأسمالية، ليصوغا معا حملات تكتشف "رأس المال" في الفتاة وتستثمره، وتبشرها بخيرات تفيض عليها وعلى عائلتها ووطنها والعالم[10].

 

انتهاك حقوق الطفلة

تتراءى للفتاة أحلام التمكين والنجاح المادي وتسعى لتحقيقها ونيل رضى العائلة والمجتمع، لكنها لا تدرك السياق الأعم الذي يعيد تشكيل الخيارات، حيث تلعب المراكز البحثية ومكاتب إدارة الشركات دورا في إعادة تعريف العالم الذي نعيشه، بعد أن وجدت أنّ تراجع نسب الخصوبة والإنجاب توازى مع ارتفاع في الناتج المحلّي الإجمالي للفرد الواحد، لتدعو إلى "تعليم الفتيات" وإعلاء قيمة العمل على العلاقات الاجتماعية[11].

     

 إن هذين القفازين يخفيان طلاء أظافر بديع! (مواقع التواصل)

  

ومع توغل الدولة الحديثة في كافة مساحات حياة الفرد الشخصية، وسعيها لتطويعه لخدمة منظومتها وآلتها الإنتاجية الضخمة، سعت إلى إعادة تعريف قيمة الإنسان لتتمثل فيما يُنجزه داخل تلك المنظومة. فمفهوم المواطنة الصالحة أداة تطويع للجماهير، والفرد وفقا لأغامبين مواطن قبل أن يكون إنسانا، وبناء عليه، تمنح الدولة حقوقا لمن تراه مواطنا صالحا باذلا للولاء والطاعة المطلقة، الذي يكسب قوت عيشه ويرفدها بالعوائد، وتجرد المتخلف عن الركب برفضه الإذعان لأوامرها بحذافيرها. وليست المرأة عموما، والفتاة على وجه الخصوص، خارج هذه المنظومة[12].

 

حيث تبلور توغل الدولة في اسم "رأس المال البشريّ"، الوجه الآخر لما يُمكن أن يوصف باستعباد الدولة لرعاياها، وهو مصطلح حصل على جائزة نوبل بعد أن صاغه ثيودور شولتز والاقتصادي الشهير في مدرسة شيكاغو جاري بيكر عام 1960. حينها، كان هذا المفهوم ثوريا، وتغير بظهوره وجه السياسات الاقتصادية العالمية. وهو ما يشير إلى مقدرات الأفراد من معرفة ومهارات وقيم وصحة تُمكّنهم من تحصيل الربح المادي، وهي شبيهة بالمواد الخام المستخدمة في إنتاج البضائع والخدمات. اصطبغت حملات الدعاية بهذا المفهوم الذي يشير إلى قدرات الفتاة الدفينة وغير المستغلة والتي ستحقق لها، ولشركتها بالطبع، ولاقتصادها الوطني أرباحا اقتصادية مستقبلية في حال تم استثمارها[13]. حيث يرسم مشروع "أثر الفتاة" على سبيل المثال فانتازيا حالمة تضع كل ثقل مستقبل العالم الاقتصادي على نموذج الفتاة-الطفل المجرَّد والمعولَم[14].

 

      

يضع مشروع "أثر الفتاة" الفتاة أمام خيارين: العيش في رخاء وثراء إن قررت التعلم وتأخير الزواج والإنجاب، أو مواجهة شتى أشكال المعاناة إن قررت الزواج وعدم متابعة التعليم. هذه الصورة جزء من حملة "لأنني فتاة".

   

الفتاة.. فأر اختبار؟

لم تكن تلك التحولات، والضخ الإعلاني منقطعة عن سياقات عمل منظم ودؤوب يعمل على صياغة مجتمع اقتصادي، حيث تتوالى دراسات الجدوى، والأبحاث المعملية، في ضخ توصياتها لتحقيق السلوك القويم الذي يحافظ على نمو اقتصادي مرتفع، لتدخل بذلك أكثر لحظات العلاقة الزوجية حميمية وقرارات الأسرة المفصلية المتعلقة بالإنجاب من تكاليف وعوائد مترتبة على المولود، وتوضع قيد الفحص والمراجعة، وتستحيل مسودة قرار ترسم خطوط سياسات تقليص أعداد المواليد مثلا، دراسات جدوى بطلها "الإنسان الريادي" لا "العامل" أو "المستهلك" كما يقول شولتز من الفلاحين الفقراء والنساء وحتى الأطفال[15].

 

ويدلّل على هذا ما قاله مورفي عن إطلاق المنظمات غير الحكومية النسوية والشركات في الولايات المتحدة وكندا حملات تصوغ نموذج "الفتاة" الخاضع لمنطق المال. وهي لا ترحّب بالأطفال الذين يتوقع ولادتهم مستقبلا لأمهات غير فاعلات في السوق الرأسمالي بدعوى أنهم لا يستحقون الاستثمار فيهم. كما لا تولي هذه الحملات الاهتمام ذاته للمراهقين الذكور، فهم لا يمثلون وجها جاذبا للربح في حملاتهم. وعلى العكس من الفتاة الموهوبة والقادرة على القيام بالكثير، يبدو الشاب جامحا وصعب المراس[16].

  

حوّلت دفّة رأس المال البشري اتجاه الحملات لتنتقل من الترويج لموانع الحمل بين "النساء"، إلى الدعوة لزيادة العوائد عبر تشغيل "الفتيات"، ومن تقنين الخصوبة إلى الترويج للتعليم. وهو ما عبّرت عنه سياسات برامج البنك الدولي والأمم المتحدة في القرن المنصرم، التي تناولت فتاة العالم الثالث الجنوب آسيوية والأفريقية والمسلمة منذ الألفية أيقونة لرأس المال البشري، الفتاة التي تعمل لتحقيق عوائد تغطي حاجة العائلة، والتي تستحق أن تكون "فتاة" بكل ما للكلمة من معنى[17].

    

   

فبعد أن استثمرت الشركات في المرأة لتغدو عنصرا فاعلا فيها يجلب الربح ولا يكلف الكثير، رأت في الفتاة فرصة لزيادة الأرباح، وهو ما يمليه منطق رأس المال الذي لا يأبه لهموم الإنسان وظروفه. وإن كانت النساء الراشدات يعانين من التحرش وتدني الرواتب وظروف عمل غير منصفة وقاسية، فإنّه من المرجّح أن تجد الفتاة المراهقة نفسها جزءا من آلة ضخمة، تعمل ليل نهار دون كلل، وهي التي ما زالت تتلمّس بدايات طريق الحياة، في مرحلة المراهقة، المرحلة الحساسة التي سيكون لتجاربها أثر كبير يستمر مدى العمر.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار