هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
كيف تتحكّم تطبيقات هاتفك الذكي في دماغك وتجعلك تدمنها؟

كيف تتحكّم تطبيقات هاتفك الذكي في دماغك وتجعلك تدمنها؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

في اللحظة التي اعتلى فيها تريستان هاريس خشبة المسرح، ساد الصمت المكان. اجتمع نحو ألف شخص في مسرح "تيد" بفانكوفر ذلك اليوم ليتحدث إليهم هاريس حول موضوع بدا غريبا ومخيفا في الآن نفسه: "كيف يتحكم عدد قليل من شركات التكنولوجيا في بليون عقل كل يوم؟". وفقا لهاريس، لم تعد فكرة زرع شريحة في المخ تتحكم فيه عن بُعد محض خيال علمي، إنها حقيقة وواقع نتعامل معه كل يوم، لكن تلك الشريحة ليست مزروعة في المخ، ولم يصنعها كيان غامض قام باختطافنا وزرعها داخلنا رغما عنّا، لقد اشتريناها بأموالنا الشخصية وحصلنا عليها سعداء بمحض إرادتنا؛ تلك الشريحة هي هواتفنا الذكية.[1]

 

بعد أن هدأ التصفيق، بدأ تريستان حديثه: "أود منكم أن تتخيلوا أنكم تسيرون داخل غرفة، غرفة تحكّم بها مجموعة أشخاص، نحو مئة شخص، مُنحنين حول طاولة بها أزرار صغيرة، ستُشكّل غرفة التحكم تلك أفكار ومشاعر بليون شخص. قد يبدو هذا محض خيال علمي، لكنه ليس كذلك، إنه يحدث هنا، اليوم. أعرف كل هذا لأنني كنت أعمل داخل واحدة من تلك الغُرف". [2]

 

  

لا تنتمي تلك الغرف بدورها لأقبية مُنظمات سرية ولا تعمل في الخفاء، إنها جزء من الصناعة الأهم في العقد الأخير، صناعة التقنية. ففي شركات وادي السيليكون العملاقة في كاليفورنيا، يوجد جيش من المهندسين والعلماء يعمل في تلك الغرف، وهمُّهم الوحيد هو الحصول على كل ذرة مُمكنة من انتباهك وكل ثانية ممكنة من وقتك. قد لا تدرك ذلك تماما، لكن أنت شخصيا كنت جزءا من تجارب أولئك العلماء التي شملت العالم أجمع. ألست تمتلك هاتفا ذكيا؟ التجربة لا تحتاج إلى أي شيء أكثر من ذلك.

      

من صندوق سكينر إلى هاتفك الذكي

العام هو 1930. ليست تكنولوجيا الاتصال المُتطورة والهواتف الذكية وتطبيقاتها التي ستقلب حياتنا رأسا على عقب سوى أفكار ضبابية عن مستقبل بعيد قد يأتي أو لا يأتي. يدخل بي. إف سكينر، عالِم النفس الشاب الذي لا يتجاوز عُمره 27 عاما، معمله في جامعة هارفارد. يرتدي سكينر معطفه الأبيض ويذهب مُباشرة للصندوق الذي وضع فيه فأر تجارب جائعا ويأخذ في مراقبة ما يحدث.

  

ليس ذلك الصندوق كأي قفص عادي؛ فيه مقبض صغير موضوع في أحد جوانبه، وحالما يضغط الفأر على ذلك المقبض أثناء سيره داخل القفص مُصادفة، يظهر له الطعام. لا يحتاج الأمر إلى أكثر من بضعة تكرارات لتلك العملية حتى يُدرك الفأر النمط، وبدل من ضغطه مصادفة على المقبض بشكل عشوائي، يذهب إليه مباشرة حينما يشعر بالجوع ليُقدَّم له الطعام. [3]

 

ستُعطي تجربة سكينر تلك دفعة قوية لفرع من فروع علم النفس يُسمى علم النفس السلوكي. يرى علم النفس السلوكي أن البشر يكتسبون سلوكياتهم عبر عملية التكييف. والتكييف هو عبارة عن التعلم الذي يحدث عن طريق التفاعل مع البيئة ومثيراتها، فيُعزز السلوك المرغوب فيه عن طريق المكافأة، ويُثبَّط السلوك غير المرغوب عبر العقاب. لا تختلف ردود أفعال البشر كثيرا في عمليات التكييف عن ردود أفعال الحيوانات، ما جعل عُلماء النفس السلوكيين يُجرون التجارب على حيوانات المعامل ثم يعمّمونها بعدها على البشر. بالنسبة لتجربة سكينر، كان الصندوق هو البيئة، والمقبض هو المثير، والشعور بالشبع بعد تناول الطعام هو الجائزة؛ وقد أدت التجربة لتكييف الفأر، أي تعليمه، أن يضغط المقبض حينما يشعر بالجوع حتى يُقدَّم له الطعام. [4]

   

   

مرت السنوات وخفتت شهرة علم النفس السلوكي. لكن في بداية القرن العشرين، عاد إلى الساحة من جديد لكن هذه المرة كمجال تطبيقي في علوم الحاسب يُسمى التصميم السلوكي (behavior design). لم يعد هنالك أقفاص أو فئران، البيئة الجديدة هو تطبيق هاتفك الذكي، المكافأة هو ذلك الشعور بالمتعة الذي يغمرك للحظة، حينما تفتح هاتفك الذكي لتجد رسالة جديدة على البريد الإلكتروني، أو "إعجابا" أو "مشاركة" أو متابعا جديدا على فيسبوك، أو أي شيء على ذلك الغرار في باقي التطبيقات، أما السلوك المُراد تعزيزه فهو أن تقضي أكبر عدد ممكن من الساعات تتصفح التطبيقات، وفأر التجارب، كما لا بد أنك حدست، هو أنت. [5]

 

ومثلما جاء صعود علم النفس السلوكي في القرن الماضي على يد بي إف سكينر، يرجع انتشار وشهرة تقنيات التصميم السلوكي لعالم النفس بي جي فوج. أثناء تحضيره لماجستير في الإنسانيات، قرأ فوج كلاسيكيات الأدب والفلسفة، وقد كان وهو يقرأ كتاب "الخطابة" لأرسطو -كتاب يتناول فن الإقناع- أن جاءته فكرة عبقرية: "فكرت، يا إلهي، هذه الأشياء يجب أن نطبقها في التقنية يوما ما". وهو ما عمل فوج بالفعل على تحقيقه. [6]

  

اكتشف فوج، عبر واحدة من تجاربه الكثيرة والمتنوعة التي اتخذت من التفاعل بين البشر والتقنية موضوعها، شيئا خطيرا: "يمكن لتطبيقات الحواسيب أن تُصمم بشكل مُمَنهج بحيث تستغل قواعد علم النفس، وستتمكن حينها من التأثير على الأشخاص وتجعلهم يقومون بأفعال لم يكونوا ليقوموا بها خلاف ذلك". [7] كان هذا عام 1997، وقد ظلت أفكار فوج مجرد نظريات لسنوات طويلة. سيحتاج الأمر إلى عقد آخر من الزمن وجيل جديد من تلاميذ نجباء حتى تتحول تلك النظريات لابتكارات عملية نتعامل معها كل يوم.

 

اقتصاد الانتباه

يعمل نير إيال، أحد أنجب تلاميذ بي جي فوج، في تلك المساحة الوسيطة نفسها بين علم النفس والتقنية. بالنسبة إليه، حتى تصنع تطبيقا ناجحا، ليس التطبيق وحده ما سيكون عليك التلاعب فيه؛ عليك أن تذهب أبعد قليلا من هذا، إلى داخل عقول مُستخدمي ذلك التطبيق أنفسهم.

   

طبيقات مثل فيسبوك وبينترسيت وغيرها الكثير تستغل حاجتنا الإنسانية الأساسية إلى التواصل، ومن ثم توزع علينا مكافآتها في أوقات مُنوّعة

مواقع التواصل 
   

فكرة إيال بسيطة حقا، لكنها مؤثرة للغاية: نحن كبشر نُحب أن نخلق لأنفسنا عادات مُعينة، نذهب إليها ونقوم بها بلا كثير من التفكير. وإن نجحت أنت كمصمم في تحويل استخدام تطبيقك بالنسبة للمستخدم من تلبية لحاجة وظيفية إلى عادة يومية، فقد ضمنت نجاح ذلك التطبيق. يقول إيال: "درست كيف يمكن للتكنولوجيا أن تُؤثر على البشر. شعرت بالذهول أمام نجاح فيسبوك وتويتر وغيرها الكثير من الشركات التي استطاعت أن تجعل الناس يتبنون عادات جديدة لم يكونوا ليتبنوها وحدهم. ومن هنا، بدأت أراقب تجربة وراء تجربة، أحاول أن أرى أنساقا وراءها. ومن تلك الأنساق، وبعد عام إضافي من البحث الذاتي، وصلت لبناء هيكل يشرح كيف تقوم المنتجات بخلق الإدمان لدى مستخدميها، وكيف تقوم بتشكيل سلوكهم وعادتهم".[8] في موقع نير إيال الإلكتروني، وفي مقال تحت عنوان: "مقدمة لتصنيع الرغبة"، يشرح إيال بالتفصيل كيف يمكن للمصمم أن يُحوّل استخدام تطبيقه لعادة يومية لدى المُستخدم، ومن ثم إلى إدمان.

 

تتكوّن وصفة إيال لتحقيق ذلك الربط من ثلاث خطوات أساسية[9]، أول خطوة هي الإثارة. تنقسم المثيرات بدورها إلى نوعين، داخلية وخارجية. على التطبيق أن يبدأ بجذب المستخدم عبر مثير خارجي، ثم يحاول أن يُنشئ علاقة معه على المستوى الشعوري تجعله يعود للتطبيق من تلقاء نفسه، وهنا يتحول المثير من خارجي إلى داخلي. يتحقق هذا عندما يربط المستخدم بين التطبيق وبين شعور ما عنده، فيصبح ذلك الشعور بمرور الوقت المثير الداخلي الذي يدفعه مرة أخرى للعودة للتطبيق. يقول إيال في أحد الحوارات: "عندما تشعر بالتردد، قبل حتى أن تتساءل لماذا تشعر بالتردد، تذهب لغوغل. وعندما تحس بالوحدة، قبل حتى أن تعي أنك تشعر بالوحدة، تذهب لفيسبوك. وبالمثل، قبل أن تعي أنك تشعر بالملل، تذهب ليوتيوب. لا شيء يخبرك أنه لا بد عليك أن تفعل تلك الأشياء، ما يدفعك إليها يوجد داخل نفسك".

   

بالنسبة للخطوة الثانية، خطوة الفعل، فبعد أن يقوم التطبيق بخلق مثير يجعل المستخدم يود أن يتصفحه، عليه أن يجعل فعل الاستخدام هذا من أسهل ما يكون. فلا يجب أن يأخذ إنشاء حساب جديد على سبيل المثال أكثر من بضع دقائق، ولا يجب أن يجد المستخدم أي صعوبة في تصفح واجهة التطبيق. بعد هذا، يأتي دور أخطر خطوة، المكافأة المنوعة. [10]

 

لتلك الخطوة أصول بعيدة تعود لتجربة بي إف سكينر. فبإعادة التجربة مرات عديدة وفي ظروف مختلفة، وجد سكينر ما يلي: عندما وضع للفأر المكافأة نفسها في كل مرة، بدأ ارتباط الفأر بالضغط على المقبض من باب التسلية يخبو، وصار يضغط عليه فقط عند شعوره بالجوع. أما عندما نوّع سكينر في المكافأة التي تنتظر الفأر بعد الضغط على المقبض بأن يقدم له أحيانا كمية ضئيلة من الطعام، وأحيانا كمية مهولة وأحيانا لا شيء على الإطلاق؛ وجد حينها أن الفأر يضغط على المقبض بشكل يكاد يكون لا إرادي، وبمعدل يفوق عشرات أضعاف ضغطه عليه عندما كانت المكافأة ثابتة. [11]

   

 "بي إف سكينر" أخصائي علم النفس (مواقع التواصل)

   

يقول إيال عن هذا: "كالفئران في صندوق سكينر، يتلهف البشر للقدرة على التنبؤ، ويكافحون حتى يجدوا نسقا ما وراء الأشياء حتى وإن لم يكن ثمة نسق. فتعطي عقولنا لفعل مثل تخمين علاقات السبب والنتيجة الأولوية فوق أشياء أخرى مثل التحكم في الذات والاعتدال. ومن هنا، تقوم المكافأة المنوعة بشغل العقل، تنزع عنه دفاعاته وتهيئ الفرصة لغرز بذرة عادة جديدة".[12]

 

ليس عليك أن تبحث طويلا في التطبيقات التي تستخدمها حتى تجد أثر المكافأة المُنوّعة في كل مكان: "تطبيقات مثل فيسبوك وبينترسيت وغيرها الكثير تستغل حاجتنا الإنسانية الأساسية إلى التواصل، للشعور أن الآخرين يقبلوننا ويحبوننا، ومن ثم توزع علينا مكافآتها في أوقات مُنوّعة. كل مرة نفتح فيها إنستغرام أو سناب شات أو تندر، لا نعرف أبدا إذا ما كنا سنجد أحدهم قد داس زر "الإعجاب" على صورتنا، أو ترك تعليقا عليها أو كتب تحديث حالة جديدا مُضحكا أو ترك لنا رسالة، فنظل نضغط على النقطة الحمراء، نظل نتصفح التطبيق".[13]

 

لكن ليست صناعة التقنية هي أول صناعة تستغل اكتشافات سكينر، وبالذات تلك التي تُركّز على تأثير المكافآت المنوعة علينا. سبقتها قبل ذلك بعقود طويلة صناعة القمار في كازينوهات لاس فيغاس. فآلة السلوت أو ماكينة الحظ (Slot Machine) تعتمد آليتها على الشيء نفسه: يُدخل المقامر نقوده داخل الماكينة، ويشد ذراعها لأسفل، ولأنه لا يعلم أبدا ماذا ستكون النتيجة، ولأنه يظل هنالك أمل يراوده في الربح، يظل يفعل الشيء نفسه مرات ومرات حتى يخسر مبلغا هائلا من المال. لا تختلف تطبيقات التواصل الاجتماعي الحديثة عن هذا كثيرا، لكن ما تقوم هي على أساسه، وما تُفقدنا إياه، أغلى بكثير من المال، إنه وقتنا ومقدرتنا على التركيز والانتباه. [14]

  

في مؤتمر أكسوس بفلادلفيا العام الماضي، أكّد رئيس فيسبوك السابق شون باركر هذا الكلام: "ونحن نصنع فيسبوك كنا نفكر: كيف يمكن لنا أن نستهلك أكبر قدر ممكن من وقتك ومن تركيزك. لنفعل هذا، وجدنا أنه علينا أن نعطيك شعورا بالمتعة كل فترة، لأن أحدا ما وضع "إعجابا" أو ترك تعليقا على صورتك، وهذا سيجعلك تضع محتوى أكثر على صفحتك، منتظرا هذا الإعجاب وذاك التعليق. إنها دائرة مفرغة تستغل حاجتك إلى الشعور بالتحقق الاجتماعي، بالضبط الشيء الذي سيفكر فيه هاكر مثلي، استغلال نقطة ضعف في النفسية البشرية". [15]

 

 

قد تتساءل: وما الفائدة التي ستعود على تلك التطبيقات عندما تُسيطر على انتباهي ووقتي؟ في الحقيقة، الكثير. نحن نعيش اليوم في ظل سيطرة نوع جديد تماما من الاقتصاد يسمى "اقتصاد الانتباه". العملة الأساسية لهذا الاقتصاد هي انتباهك، ونجاح الشركات يتوقف فيه على مدى قدرتها على اجتذاب ذلك الانتباه إلى منتجاتها.[16]

 

فالانتباه، وفقا للمنظرين لذلك الاقتصاد، هو عنصر نُدرة؛ نمتلك نحن البشر قدرا محدودا جدا منه. وفي المقابل، صار يوجد عدد لا نهائي من المُنتجات الجديدة التي تتصارع كلها في سبيل ذلك الانتباه. لا يكترث أصحاب تلك المنتجات حقا للأهمية التي يعنيها لنا ذلك القدر المحدود من الانتباه لنا على المُستوى الإنساني، أو لكونه الشيء الأساسي الذي يجعلنا نتفاعل مع محيطنا والأشخاص الذين نكترث لأجلهم بعمق؛ هم ببساطة لا يرون فيه سوى عنصر ندرة، إذا لم يبادروا باقتناصه، فسيفعل مُنافس آخر.[17]

 

كان جايمس ويليامز، المخطط الإستراتيجي لقسم الإعلان في شركة غوغل، يعرف كل هذا تماما ولا يجد مشكلة معه. لكن أتت عليه لحظة غيّرت كل شيء: "لاحظت أن تركيزي أنا الشخصي وقدرتي على الانتباه بدأت تقل. شعرت أن شيئا ما خطأ، ألم تكن مهمة التكنولوجيا عكس ذلك تماما؟ ثم في أحد الأيام، وأنا أنظر حولي، وقعت عيني على إحدى لوحات تحكم غوغل الكبيرة المُلونة. كانت لوحة التحكم تلك تُظهر القدر الذي استطعنا الاستيلاء عليه من تركيز المستخدمين لصالح المعلنين، ثم أدركت: هنالك مليون شخص حرفيا الآن جعلناهم أو أقنعاهم بفعل شيء لم يكونوا سيفعلونه تحت أي ظروف أخرى".

 

ما تفعله شركات التقنية لتقتنص انتباهك لم يعد سرا. تريستان هاريس وجيمس ويليامز وغيرهم الكثير ممن كانوا يعملون في تلك الشركات ثم تركوها لشعورهم بلا أخلاقية ما تفعله تحدثوا مع الكثير من الصحف والقنوات حول هذا؛ وباختصار، ليس هنالك حيلة تتخيلها أو لا تتخيلها لا تطبقها شركات التقنية في سبيل حيازة كل ذرة من انتباهك لأطول وقت ممكن.

   

   

الحِيَل.. كيف تجعلك التطبيقات تدمنها؟

يعرف آزا راسكين، المصمم الأشهر في وادي السيليكون، كل تلك الحيل جيدا، ويقول عنها في حواره مع البي بي سي: "نحن نعيش اليوم في أكبر تجربة سلوكية يشهدها العالم على الإطلاق. يتم التجريب عليك طوال الوقت. نفعل أشياء مثل تغيير لون زر "الإعجاب" الخاص بك، ونظل نجرب تصاميم مختلف عليك في أوقات مختلفة من اليوم حتى نجد الزر المثالي بالحجم واللون المثاليين، الذي سيزيد تصفحك للتطبيق للحد الأقصى. فخلف كل شاشة داخل جهازك، هنالك ألف مهندس يحاولون جعلك تدمنها، وكأنهم يأخذون الكوكايين سلوكيا وينثرونه في كل مكان فوق الواجهة". [18]

 

لكن معرفة راسكين بتلك الحيل ليست نظرية فقط، فقد قام هو بتصميم واحدة من أشهرها: خاصية التصفح اللانهائي (infinite scrolling)؛ تلك الخاصية المسؤولة عن الصعوبة الشديدة التي يجدها معظمنا في إغلاق التطبيقات ووضع الهاتف جانبا. ويقول عنها راسكين: "هنالك تجربة شهيرة أجراها العلماء على أوعية الحساء. وقد وجدوا ما يلي: في حالة تناول الحساء في وعاء يقوم بإعادة ملء نفسه ذاتيا بهدوء ودون أن يلاحظ أحد، هل يأكل الناس أكثر؟ نعم. يأكل الناس أكثر كثيرا، أكثر بنحو 75%، ففي تلك الحالة ليس هنالك ما يُنبّههم لكونهم انتهوا". ولا تختلف خاصية التصفح اللانهائي عن هذا كثيرا، فالصفحة التي تتصفحها لا تنتهي أبدا. يستطرد آزا: "وجدنا أنه لو لم نعط لعقلك الوقت حتى يلحق باندفاعك، لو لم نعط لك إشارة أنه عليك التوقف، ستأخذ في التصفح لوقت طويل. ما لم ندركه حينها هو أننا جعلنا بهذا تقنيات التصميم قوية لدرجة جعلت الناس يدمنون استخدام التطبيقات".[19]

  

يتفق لورين بريختر، المهندس السابق في شركة تويتر ومخترع خاصية "pull to refresh" مع آزا راسكين في رأيه. فبالنسبة إليه، هنالك الكثير من الخاصيات التي ابتكرها مهندسو وادي السيليكون في غمرة حماس الشباب، دون أن يعرفوا الآثار السيئة بشدة التي ستترتّب عليها. يقول تريستان هاريس عن الـ"pull to refresh": "لا تختلف تلك الخاصية كثيرا عن ماكينات السلوت؛ فكل مرة تسحب لأسفل، لا تعلم ما الذي سيأتي. مرة تجد صورة جميلة، ومرة محض إعلان". يعقد هاريس ذلك التشبيه لكونه يرى أن هذه الخاصية وماكينات السلوت يعتمدان على الشيء نفسه، مبدأ المكافأة المنوعة.

   

تريستان هاريس (مواقع التواصل)

   

يتفق بريختر مع هاريس ويقول في حواره مع الغارديان: "الأجهزة الذكية أدوات مفيدة. لكنها أيضا تدفعك لإدمانها. الـ"pull to refresh" تدفعك لذلك الإدمان، تويتر يدفعك لذلك الإدمان، وهذا شيء ليس جيدا. عندما كنت أعمل عليهما، لم أكن ناضجا بما فيه الكفاية للتفكير في هذا. لا أقول إنني ناضج الآن، لكنني ناضج أكثر قليلا، وأشعر بالندم على ما آلا إليه". يشاطر بريختر ذلك الندم نفسه جاستين روزنستين، أحد المهندسين الذين عملوا على اختراع زر "الإعجاب". في عام 2007، كان روزنستين واحدا ضمن مجموعة من مهندسي فيسبوك الذين فكروا في ابتكار شيء ينشر مشاعر إيجابية بين المستخدمين. وبعد ليلة طويلة من السهر في مقر الشركة، صمم أولئك المهندسون الزر ليحوز على الموافقة النهائية من الإدارة ويتم تطبيقه عام 2009. [20]

   

عوضا عن نشر مشاعر إيجابية كما كانوا يريدون، فعل الزر أشياء مختلفة تماما. من ناحية، صار يمد الشركات بمعلومات لا تُقدّر بثمن عن شخصية المستخدم وآرائه وتوجّهاته، ومن ناحية أخرى، أصبح الشعور الآني بالمتعة الذي يُصيب المستخدم عندما يكتشف أن أحدهم قد ضغط زر "إعجاب" على شيء أضافه أو كتبه أو شاركه، دافعا في حد ذاته يحثه على مشاركة أشياء أكثر وقضاء وقت أكبر على المنصة.

 

صارت لي بارلمان، أحد أعضاء الفريق الذي ابتكر "الإعجاب"، تعرف ذلك جيدا. فبعد أن استقالت لي من فيسبوك وتركت صناعة التقنية تماما منذ بضع سنوات لتعمل رسّامة، وجدت نفسها تقع تحت وطأة إحساس كبير بالضغط في كل مرة ترفع فيها رسمة جديدة على صفحتها، ويراودها شعور شديد بالخوف ألا تجد الرسمة قدرا كبيرا من التقدير، والذي صار قياسه في منتهى السهولة بعد زر "الإعجاب". تقول بارلمان في حوارها مع موقع رينجر إنها ما عادت تستطيع احتمال تلك الدائرة المفرغة التي ندمنها، فمع كل "إعجاب" جديد، نجد شيئا من التوكيد الإيجابي للذات الذي ما يلبث أن يتحول لشعور بعدم الثقة في النفس في اللحظة التي يختفي فيها الإشعار. "أتفقد الصفحة وأشعر بالسوء، بغض النظر عمّا إذا كان هنالك إشعار أم لا. نحن لا نرى الشيء الذي كنا نتمنى أن نراه حقا، وما نراه، لا يجعلنا نشعر بالتقدير كما كنا نتخيل". [21]

   

   

مثل لي، يتفقد الكثير منّا حساباته الإلكترونية، وعندما يرى تلك الدائرة الحمراء بجانب أيقونة الجرس، يشعر بالإثارة. لكن حتى ذلك الشعور الذي نحسه حينها، وحماسنا ورغبتنا في تفقد أجهزتنا بشكل مكثف، ليس شيئا من قبيل المصادفة. مهندسو التقنية في وادي السيليكون خططوا لهذا من البداية.

 

في حواره مع جريدة الغارديان يروي تريستان هاريس القصة وراء هذا: "أحد أصدقائي في فيسبوك أخبرني أنه في التصميم الأصلي كانت أيقونة الإشعار زرقاء اللون. فكروا أنها هكذا ستناسب ألوان فيسبوك الأخرى، وسيكون لها مظهر بسيط وغير مؤذٍ، لكنّ أحدا لم يستخدمها. وبعد أن حوّلوها للأحمر صار الجميع يستخدمونها". [22] فعلى عكس الألوان الباردة مثل الأزرق، تجذب الألوان الدافئة مثل الأحمر بكل درجاته أعيننا، ومن ثم تلفت الإشعارات الحمراء أنظارنا، ونجد صعوبة كبيرة في مقاومة إغراء الضغط عليها. وبالمثل، غيّرت الكثير من شركات التقنية أيقوناتها في السنوات الأخيرة لتحمل ظلالا من اللون الأحمر. [23]

  

شاهد حديث هاريس في مؤتمر "تيد" حتى الآن مليونا شخص.[24] ما زال هذا رقما قليلا جدا بجانب عدد الأشخاص الذين يخضعون كل يوم لحيل شركات التقنية دون حتى أن يعرفوا طبيعة تلك الحيل، أو يكونوا واعين لما يحدث لهم. وحتى بعد أن عرفت السر وراءها، ستظل وسائل شركات التقنية المُلتوية تمتلك تأثيرا عليك. لكن، من يعلم، قد يخفت ذلك التأثير شيئا ما الآن، قد تتوقف لثانية وسط تصفحك اللانهائي لمواقع التواصل الاجتماعي وتتساءل: هل هذا حقا الشيء الأمثل لأنفق فيه ما أمتلك من وقت وتركيز محدودين للغاية؟

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار