انضم إلينا
اغلاق
هل يمكن لفيسبوك وتويتر أن يُحدِّدا رئيس أميركا القادم؟

هل يمكن لفيسبوك وتويتر أن يُحدِّدا رئيس أميركا القادم؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

يمكن القول إن السيد "إلبردج جيري" كان رجلا ذكيا ومحظوظا في الوقت نفسه، وهو توافق نادر في الحقيقة، حينما كان حاكما على ولاية ماساتشوستس الأميركية، في أوائل العقد الثاني من القرن التاسع عشر، أُعطي السلطة لتقسيم الدوائر الانتخابية في ولايته بحسب حكمته السياسية، لكن جيري كان مناهضا لفكرة الأحزاب من الأساس، لذلك ابتكر خطة ذكية يتمكّن من خلالها أن ينصر أتباعه في انتخابات حرة ونزيهة. 

  

انتخابات بطعم السلمندر

لفهم فكرة جيري تخيّل ولاية أو محافظة افتراضية بها فقط 16 فردا لهم حق الانتخاب، ثمانية من هؤلاء يؤيّدون الحزب الأزرق، وثمانية يؤيّدون الحزب البرتقالي، وأنت حاكم هذه الولاية وتود أن ينتصر الحزب الأزرق في انتخابات حرة ونزيهة بأربع دوائر انتخابية، إنها مُعضلة صعبة بالطبع، لكن حينما يكون لك الحق في تقسيم الدوائر الانتخابية يمكن أن تبدأ بوضع ثلاثة من أنصار الحزب البرتقالي في دائرة انتخابية واحدة، هنا بالتأكيد سينتصر الحزب البرتقالي في تلك الدائرة، لكن تلك الحركة ستعطيك أفضلية عليه، حيث ستقوم بتوزيع باقي أفراده على دوائر بها عدد أكبر من أنصار الحزب الأزرق، وبالتالي تكون احتمالات فوزك هي 75% بدلا من 50%.

   

   

تُسمى تلك الحالة بالجيرماندرية، نسبة إلى صديقنا جيري (مقطع "جيري") وحيوان السلمندر (مقطع "مندر")، وتعني التلاعب بالحدود الانتخابية عبر تقسيم منطقة ما إلى دوائر انتخابية مصطنعة لمصلحة الحزب المهيمن من أجل تأمين فوز أنصاره في الانتخابات، حينما أعاد إلبردج جيري توزيع الدوائر بحيث تخدم أنصاره، حدث أن أصبحت إحدى الدوائر ذات شكل غريب جدا يشبه حيوان السلمندر، ومن هنا جاء الاصطلاح، كنوع من التهكم على هذه الحالة الغريبة من الفساد السياسي، والتي ما زالت موجودة إلى الآن وتتسبب في مشكلات كبيرة بين الأحزاب المتصارعة حينما لا تكون هناك معايير واضحة لتقسيم الدوائر الانتخابية.

   

في تلك النقطة يدخل فريق بحثي مشترك بين ثلاث جامعات أميركية ليُشير في دراسة مُثيرة للانتباه نُشرت مؤخرا في دورية "نيتشر" المرموقة إلى أن هذا النوع من التلاعب يمكن أيضا أن يحدث في نطاق مختلف تماما وغير متوقّع، إنها شبكات التواصل الاجتماعي، في حديثه مع "ميدان" يقول الدكتور "محسن مصلح" من معهد ماساتشوستس العالي للتكنولوجيا (MIT)، وأحد مؤلفي الدراسة: "تُشير دراستنا إلى أن كيفية انتقال المعلومات عبر شبكات التواصل الاجتماعي يمكن أن تؤدي إلى تحيز قوي في نتائج القرارات، حتى عندما تكون المعلومات صادقة تماما".

  

السنجاب الذي يموت قبالة منزلك

لفهم الأمر دعنا نبدأ من سؤال ورد إلى مارك زوكربيرغ ذات مرة، من أحد الصحفيين، عن أهمية الصفحة الرئيسية لفيسبوك الخاص بكل واحد منّا، فأجاب بذكاء شديد: "إن سنجابا يموت أمام منزلك الآن قد يكون وثيق الصلة باهتماماتك أكثر من الناس الذين يموتون في أفريقيا". ببساطة، الصفحة الرئيسية لفيسبوك الخاص بك تتشكّل من رغباتك، لو افترضنا أننا صديقان على فيسبوك، لنا الأصدقاء المشتركون أنفسهم، ومعجبان بالصفحات نفسها، ومشتركان في المجموعات نفسها، هل يعني ذلك أن الصفحة الرئيسية لكلٍّ منّا ستكون الشيء نفسه؟

  

في الحقيقة، لا، لأن كلًّا منّا له رغبات غير الآخر، كلًّا منا يقف عند منشور بعينه يُؤيّد حزبا سياسيا ما، ويلتفت لإعلان مختلف، ويضغط على رابط مختلف، فأنا أحب أنواع الطعام، وأنت تميل إلى منشورات الرحلات والسفر، تُصمَّم خوارزمية فيسبوك، وكل وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، ومحركات البحث مثل غوغل، لكي تتبّع رغباتك ثم تغذيها باقتراحات جديدة.

    

  

هذا هو ما يُسمى بـ "فقاعة المعلومات"، وهي الفكرة القائلة -كما يشير مصلح في حديثه مع "ميدان"- إن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي تهتم بفحص الكثير من المعايير الخاصة بك، مثل تاريخ التصفح وشكل وعدد النقرات والروابط التي تضغط عليها وتلك التي تقف أمامها قليلا لتفكر، شيئا فشيئا تكوّن تلك الخوارزميات معرفة متشابكة عن ميولك، ثم بعد ذلك تُغذِّي صفحتك الرئيسية بمنشورات تميل إلى توجّهاتك، تجيب عن أسئلتك، وتُحفِّزك لقضاء وقت أطول معها.

  

الفكرة البسيطة هي أن وجودك على وسائل التواصل الاجتماعي يُمثِّل نقطة ترتبط بنقاط أخرى عبر وصلات إلكترونية، الوصلة بينك وبين الآخرين تزداد قوة عبر التفاعل بينكما، وتنقطع تماما إذا انعدم تفاعلكما فلا ترى -تلقائيا- أي منشورات جديدة لأحدهم بعد فترة من عدم الاهتمام بما يكتب، وهكذا تُشكِّل الشبكات ذاتها بشكل تلقائي، يحدث ذلك في كل شيء، بداية من اختياراتك في الموضة وصولا إلى ميولك السياسية.

  

في الحالة الأخيرة تميل شبكة التواصل الاجتماعي إلى إحاطتك بمنشورات المؤيدين لحزبك السياسي، فتصبح صفحتك الرئيسية مع الوقت أشبه بمظاهرة تأييد، بينما تعمل الخوارزميات على تجنيبك التجارب السلبية، وهنا تعني تلك التجارب -ببساطة- منشورات مناهضة لحزبك السياسي، يقول مصلح في حديثه مع "ميدان": "في تلك الحالة ستعيش داخل فقّاعة من المنشورات التي تدور فقط حول تأييد رغباتك".  

    

  

بحسب الدراسة الجديدة، فإن المشكلة هي أن مواقفنا السياسية تتحدد بقدر النقاش الدائر حولها على وسائل التواصل، إذا كنت في مجموعة تؤيد كلها "الحزب الأزرق" فإن قناعاتك ستتكوّن شيئا فشيئا لتؤيّد هذا الحزب بعد النظر إلى اختيارات المحيطين بك، أما إذا تعرضت لعدد أكبر من مؤيدي الحزب البرتقالي في محيطك فسوف تميل إلى الحزب البرتقالي لأنك ستظن أنه صاحب أفضلية، لكن ماذا لو قرّر العاملون على تنسيق الوصلات في شبكات التواصل الاجتماعي أن يتلاعبوا قليلا؟

  

المتلاعبون بحدود الشبكات

هنا يبدأ العبث، لو افترضنا مثلا أنك مسؤول عن إحدى شبكات التواصل الاجتماعي وتود لمرشح ما أن ينتصر في الانتخابات الأميركية لأنه يؤيد موقفك في مواجهة هجوم صارخ من مجلس الشيوخ، كل ما تحتاج إليه هو إعادة برمجة القوانين الرياضية للشبكة خاصتك، والتي تتمكّن من معرفة توجهات العملاء، لتسمح بتدفق منشورات مختلف، فقد تكون محبا للحزب البرتقالي ومن المفترض أن ترى منشورات برتقالية في الفقاعة الخاصة بك، لكن الشبكة ستُعرّضك لمنشورات زرقاء بعدد أكبر من البرتقالية، هنا قد تتغير ميولك ناحية تأييد الحزب الأزرق، خاصة في حالة لم تتخذ فيها قرارك بعد، أما أفراد الحزب الأزرق فسيعيشون في فقاعاتهم الزرقاء بشكل طبيعي.

   

   

في التجارب الخاصة بهم، أخضع مُصلح ورفاقه أكثر من 2500 شخص، على الإنترنت، لحالات شبيهة، حيث تم تقسيمهم إلى مجموعات يتكوّن كلٌّ منها من 12 شخصا، مُقسَّمة إلى مؤيّدين للحزب الأزرق ومؤيّدين للحزب البرتقالي، استخدم الفريق البحثي أفكارا من نظرية الألعاب لإشعال الصراع بين المجموعات في التجارب، يقول مصلح في حديثه مع محرر "ميدان": "إذا كنت من مؤيدي الحزب الأزرق وربح حزبك فستحصل على مكافأة، أما إذا ربح الحزب الآخر فسوف تحصل على مكافأة أقل، لكن لو حدث تعادل (لم نحصل على نتيجة) فلن تحصل على مكافآت".

 

بالتأكيد ستفكر في شيء واحد وهو النصر، لكن ماذا لو شعرت أن الحزب الآخر يميل للانتصار؟ هنا ستميل لتأييد الحزب الآخر من أجل الحصول على مكافأة المركز الثاني بدلا من لا شيء، عبر تلك التجارب الذكية وجد الباحثون أن تعمّد التلاعب في هيكلة الشبكات بين المتسابقين، بحيث تميل لصالح حزب منهم، دفع هذا الحزب للانتصار بفارق 20% كاملة، قد ترى أنها نسبة صغيرة لأننا نعيش في منطقة من العالم لا تؤثر فيها أرقام كتلك، لكن في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية فإن 1% من الأصوات هو مسافة كبيرة بين النجاح والخسارة، يقول مصلح في حديثه مع "ميدان": "أظهر نموذجنا الرياضي، إلى جانب تجارب الشبكات الاجتماعية، أن نتائج الانتخابات يمكن أن تكون منحازة بشدة بسبب  الطريقة التي تم بها توزيع معلومات الاقتراع عبر الشبكات المشاركة في الألعاب".

 

علاوة على ذلك، فإن الأمر قد يتخطّى حاجز كونه تغييرا متعمّدا لهيكلة الشبكات من قِبل مشغّلي وسائل التواصل الاجتماعي ليصل إلى الأحزاب نفسها والتي تتنافس على تطوير آليات تستهدف المصوتين، ليس كمجموعات وإنما كأفراد تبحث عنهم أدوات التسويق الإلكتروني بدقة شديدة، ما قد يعمل على تحويل حركة الشبكة الخاصة بالبعض في اتجاه الخروج من الفقاعة لأنهم يتعرضون شيئا فشيئا لمنشورات من الحزب الآخر بشكل إجباري، من جهة أخرى يمكن أن تنشأ الجريماندرية المعلوماتية كنتيجة غير مقصودة يختارها الذكاء الاصطناعي في أثناء بنائه للخوارزميات وتتبّع نتائجها ثم تعديلها بناء على التغذية الرجعية.

 

لفهم النقطة الأخيرة، يمكن تأمل جزء مختلف من التجارب نفسها أراد فيه الفريق البحثي فحص ما إذا كان ممكنا لروبوتات إلكترونية متعصبة (Zealot-bots) القدرة على تغيير هيكلة الشبكات ناحية تأييد حزب بعينه، والفكرة أن يضع الباحثون برنامجا يفحص حوارات أصحاب المجموعة فيما بينهم ثم يتم تفعيله حينما تظهر أي إشارات تطالب بالتسوية مع الحزب الآخر فيقوم بالرفض وحث الآخرين على الرفض، هنا جاءت النتائج لتقول -بحد تعبير مصلح في تصريحه لـ "ميدان"- إن هذه الروبوتات "كانت قادرة على التأثير على رأي الأغلبية تجاه الحزب. كان هذا صحيحا حتى عندما كان للأحزاب عدد الأعضاء نفسه تماما، وعندما كان لكل لاعب القدر نفسه من التأثير".

   

في يدي مَن؟

  

لهذا السبب فإن مصلحا، في حديثه مع "ميدان" يشير إلى أنه "يجب أن نكون حذرين بشأن الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للمعلومات عندما يتعلق الأمر بتكوين الآراء واتخاذ القرارات، خاصة في السياقات المهمة مثل الانتخابات"، في الواقع فإنه مع كل خطوة لنا بعالم التواصل الإجتماعي نتعلّم يوما بعد يوم أنه بات من الواجب أن ننتبه قليلا، انغماسنا في هذا الواقع المختلف وانهماكنا في التلذذ بجوانبه الممتعه جعل من الصعب أن ندرك تأثيره الخفي علينا، والذي قد يمتد إلى كل شيء بداية من اختياراتك الموسيقية إلى رئيس دولتك. ينهي مصلح حديثه مع "ميدان" قائلا: "على الناس أن يدركوا عمق التأثير الذي تمتلكه وسائل التواصل الاجتماعي عليهم".

 

لا شك أن ما حصلت عليه الدراسة الجديدة من نتائج لا يُمثِّل بعد معلومات صلبة يمكن الاعتماد عليها للتأكد من أن شيئا ما يحدث بشكل خاطئ، ولا تزال هناك العديد من المشكلات التي تواجه أبحاثا كهذه أولها هو حجم العينة الصغير وطبيعة الألعاب المستخدمة المختلفة عن أرض الواقع وطبيعة، بالتالي ما زلنا في حاجة إلى المزيد من البحث العلمي في هذا النطاق، لكن تلك النتائج -وإن كانت فقط تُشير إلى إمكانات واحتمالات- تتقاطع لا شك مع مخاوف معاصرة من عبث جهة ما، كانت منصة أو جهاز استخبارات، بالحدود الإلكترونية بين المصوتين لصالح حزب بعينه.

 

أحد أشهر الأمثلة المتعلقة هي الأزمة الأخيرة المتعلقة بإمكانية تدخُّل الاستخبارات الروسية في نتائج الانتخابات الأميركية التي جاءت بدونالد ترامب إلى السلطة، يتصاعد هذا وصولا إلى أثر مستقبلي لا يمكن -في الحقيقة- توقّع مداه، لكننا بلا شك أمام شيء يهدد جوهر مشروع الديمقراطية ذاته، فقد أصبح ببساطة في قبضة جيريماندرية جديدة (جريماندرية معلوماتية) تقسّم الدوائر كما تحب، لكنها هذه المرة ليست في يدي جيري إلبردج، بل شخص مثل مارك زوكربيرغ، أو ربما فلاديمير بوتن، ولا أحد يعرف يدري مَن أيضا يمكن أن تطول تلك القوة!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار