انضم إلينا
اغلاق
بلا ضمير أو فلسفة أو أخلاق.. كيف سيغير الذكاء الاصطناعي شكل المعرفة والعالم؟

بلا ضمير أو فلسفة أو أخلاق.. كيف سيغير الذكاء الاصطناعي شكل المعرفة والعالم؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

تقف البشرية على أعتاب ثورة كبرى يُشعلها الذكاء الاصطناعي، وقد تكون هذه الثورة واحدة من أهم الثورات وأشملها في التاريخ؛ لكن هذه الثورة تولّدت من جهود متفرقة لحل مشكلات تطبيقية معينة ولم تسر وفق خطة شاملة. وللمفارقة، فإن حل تلك المشكلات كلٌّ على حِدَة قد يؤدي في النهاية إلى تغيُّر المنطق الإنساني وتحوّل آليات صنع القرار لدى البشر.

 

هذه ثورة لا يمكن إخمادها أو الانقلاب عليها، كما أن محاولات وضع حدٍّ لها قد تسلب المستقبل ذلك الجانب من الطبيعة البشرية الأقدر على مواجهة تبعات اختراعاته. لكن بدلا من ذلك، ربما علينا تقبُّل فكرة أن الذكاء الاصطناعي لا بد أن يزداد تعقيدا وانتشارا، وأن نتساءل حول الكيفية التي سينعكس بها تطوره على إدراك وبصيرة وتفاعل البشر، ومدى تأثيره على ثقافتنا وتاريخنا في نهاية المطاف. 

 

هذه الأسئلة الملخصة جمعت كُتّاب هذا المقال الثلاثة معا، وهم: مؤرخ وسياسي غير منتظم، ورئيس تنفيذي سابق لإحدى كبرى شركات التكنولوجيا، وعميد مؤسسة أكاديمية كبرى متخصصة في التكنولوجيا. وقد التقينا على مدار ثلاثة أعوام لمحاولة فهم تلك القضايا وحل الألغاز المتصلة بها، وَثلاثتنا على قناعة -كل واحد في إطار مجال تخصصه- بعدم قدرتنا على وضع تحليل كامل لمستقبل تساعد خلاله الآلات في توجيه تطورها الخاص، أو تحسين قدراتها على حل المشكلات التي طُوّرت من أجلها ذاتيا. لذا كنقطة انطلاق -ونأمل أن تكون كذلك بداية لمناقشات أوسع نطاقا- تشاركنا في صياغة مجموعة أسئلة أكثر تفصيلا حول أهمية تطور الذكاء الاصطناعي بالنسبة للحضارة البشرية.

     

 تطور الذكاء الاصطناعي بالعديد من المجالات (مواقع التواصل)

        

مفارقة برنامج "ألفا زيرو"

في ديسمبر/كانون الأول، نشر مطوّرو برنامج "ألفا زيرو" بيانهم للطريقة التي اتبعها البرنامج لإتقان لعبة الشطرنج، وهي طريقة تتجاهل -كما اتضح للمطورين- إستراتيجيات اللعبة التي طوّرها البشر على مدى قرون وأيضا المباريات الكلاسيكية العريقة. فبعد تعلُّم قواعد اللعبة الأساسية، درَّب "ألفا زيرو" ذاته بالكامل من خلال لعب مباريات ضد نفسه وأصبح -في أقل من 24 ساعة- لاعب الشطرنج الأفضل في العالم، وتفوق حتى على عمالقة اللعبة المحترفين، ليكون بذلك البرنامج الحاسوبي الأكثر تطورا في لعبة الشطرنج على مستوى العالم كله حتى هذه اللحظة. ولم يفعل ذلك من خلال اللعب مثل العمالقة الكبار أو البرامج المُطورة سابقا. فقد صمَّم ونفذَ حركات يجدها كلٌّ من البشر والآلات المُدرَّبة منافية للمنطق والعقل. ووصف مؤسس الشركة التي ابتكرت "ألفا زيرو" أداءه قائلا إنه "الشطرنج من بُعد آخر"، وإنه أثبت أن برامج الذكاء الاصطناعي المتطورة "لم تعد مُقيدة بحدود المعرفة البشرية".

 

يَدرُس خبراء الشطرنج المخضرمون حاليا حركات "ألفا زيرو"، آملين في استخدام معارفه وتحركاته في مُبارياتهم الخاصة. تُعد هذه دراسات تطبيقية ومهمة بالتأكيد، لكن ثمّة أسئلة فلسفية أكثر تعقيدا تلوح في الأفق أيضا، من بينها أسئلة لا تزال دون إجابة في الوقت الحاضر، منها مثلا، كيف نشرح قدرة "ألفا زيرو" على استحداث أساليب جديدة في الشطرنج معتمدا على فترة تعلُّمه القصيرة للغاية فحسب؟ وما الحقائق المعرفية التي قام باكتشافها؟ وهل سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى توسع يستحيل تصوره حتى الآن، في الحقائق الاعتيادية المعروفة؟

  

  

   

يمكننا توقّع استكشافات مماثلة للذكاء الاصطناعي في مجالات أخرى. سوف يقلب بعضها التصورات التقليدية السائدة رأسا على عقب، وبعضها سيُضيف تعديلات عليها فحسب، وسيستَعصي علينا فهمها كلها تقريبا. دعونا نتأمل مثلا في تصرف السيارات ذاتية القيادة المتوقفة في إشارات المرور، فعندما يتقدم شخص مسافة قصيرة للغاية بالسيارة في محاولة لتجنب الازدحام المروري، تحذو بعض السيارات ذاتية القيادة حذوه، رغم عدم اشتمال أيٍّ من قواعد القيادة التي تم تزويدهم بها على ضرورة فعلهم لذلك.

 

إذا استطاعت السيارات تعلُّم التقدم لهذه المسافة القصيرة للغاية، فكيف جرى ذلك ولأيّ غرض؟ وما الذي يجعل هذا مختلفا عما يدرسه الناس أو يعرفونه بالخبرة حول الانتظار في إشارات المرور؟ ما الذي تعلّمته برامج الذكاء الاصطناعي ولم "تخبرنا" به (لأن الذكاء الاصطناعي لا يفسر الأمور أو لا يمكنه ذلك)؟ فمن خلال تفعيل عملية التعلُّم الذاتي للآلات والبرامج، فإننا لا نعرف حقا مآلات ما قد بدأناه، ولكن علينا اكتشافها.

 

طبيعة الثورة

فيما مضى، اعتمد التطور الرقمي على الإنسان لاستحداث البرمجيات وتحليل البيانات التي تؤثر تأثيرا عميقا على حياتنا. بيد أن أوجه التقدم الأخيرة والتطورات الحديثة أعادت تشكيل هذه العملية. فقد سهّل الذكاء الاصطناعي أتمتة طائفة هائلة من الأعمال، وقد تسنّى لتلك التقنيات الاضطلاع بذلك من خلال تمكين الآلات من القيام بدور متزايد في استخلاص النتائج من البيانات، ومن ثَمَّ اتخاذ الإجراءات اللازمة. ما يميز تقنيات الذكاء الاصطناعي عن غيرها هو قدرتها على التعلم والاستفادة من تجاربها الخاصة، خلافا للبرمجيات التقليدية، التي لا يُمكنها سوى تنفيذ المنطق البشري. لذا مَثّلَ التحول المتزايد في تحليل وتمييز البيانات من الإنسان إلى الآلات مظهرا واضحا من مظاهر ثورة الذكاء الاصطناعي، كما هو موضح في هذا المقال الذي نُشر العام الماضي ("كيف ينتهي عصر التنوير؟"، يونيو/حزيران 2018).

    

تمكنت الآلات بالقيام بدور متزايد في استخلاص النتائج من البيانات وتحليلها (مواقع التواصل)
      

في ضوء ما سبق، لا يُمكن لكلمة الذكاء أن تُفسّر تماما ما يحدث، فضلا عن أن إضفاء الصفات البشرية على الذكاء الاصطناعي يُعد أمرا خارجا عن السياق. إذ إن الذكاء الاصطناعي لا يتسم بصفات خبيثة ولا طيبة؛ بالإضافة إلى أنه لا يتمتع بنيّات أو أهداف مستقلة خاصة به؛ والأدهى من ذلك هو عدم قدرة الذكاء الاصطناعي على ممارسة التأمل في الذات والاستعداد لتعلم المزيد عن الطبيعة الأساسية والغرض والجوهر. بل ما يمكن للذكاء الاصطناعي القيام به هو أداء مهام محددة للمساعدة في اكتشاف الروابط بين البيانات واتخاذ الإجراءات، وتوفير الحلول للمشكلات المستعصية التي قد يجدها بعض الأشخاص صعبة وربما مستحيلة. وهذه العملية تخلق أشكالا جديدة من الأتمتة، وقد تُسفر بمرور الوقت عن طرق جديدة تماما للتفكير.

 

تناضل أنظمة الذكاء الاصطناعي اليوم، وربما بحكم طبيعتها، من أجل تعليم أو تفسير كيفية وصولها إلى الحلول أو سبب كون هذه الحلول أفضل من غيرها. ويتحمل البشر مهمة الكشف عن الغموض الذي يُحيط بأهمية ما تقوم به أنظمة الذكاء الاصطناعي ووضع التفسيرات. يُمكن القول إن أنظمة الذكاء الاصطناعي تشبه في بعض النواحي الوسيط الروحي وكاهنة الإله أبولو، التي اتخذت من معبد أبولو في دلفي مقرا لها، والتي تركت للبشر مهمة تفسير رسائلها الخفية عن مصير الإنسان.

  

إذا ما شهدت تقنيات الذكاء الاصطناعي تحسنا مستمرا -وليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بخلاف ذلك- ستغير حياة الإنسان تغييرا شاملا. فيما يلي مثالان على ذلك: الأول مثال كلي من مجال الأمن العالمي والوطني، والثاني مثال جزئي يتناول الدور المحتمل الذي قد يلعبه الذكاء الاصطناعي في العلاقات الإنسانية.

    

 

   

الذكاء الاصطناعي، والإستراتيجية الكبرى، والأمن

تطور مفهوم إستراتيجية الردع بالتزامن مع بداية العصر النووي، وقد استند مفهوم الردع في ذلك الوقت إلى عقلانية السياسات التي تنتهجها الأطراف كافة، وإلى الفرضية القائلة إن الاستقرار يُمكن ضمانه من خلال الانتشار النووي وغيره من أشكال الانتشار العسكري التي لا يُمكن تحييدها إلا من خلال الأفعال المُتعمدة التي تؤدي إلى التدمير الذاتي؛ عملا بالمبدأ القائل إن احتمال الانتقام يَردع الهجوم. وقد وُضعت اتفاقات الحد من التسلح التي تتضمن أنظمة للرصد لتجنب التحديات التي تُمثّلها الدول المارقة أو الدولة الخارجة عن القانون التي تُشكّل تهديدا على السلام العالمي، أو الإشارات الخاطئة التي قد تؤدي إلى حدوث استجابات كارثية.

  

لا يُمكن تطبيق أيٍّ من هذه الثوابت الإستراتيجية في عالم تضطلع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي بدور كبير في الأمن القومي. فإذا ما تمكّنت أنظمة الذكاء الاصطناعي من تطوير أسلحة وإستراتيجيات وتكتيكات جديدة من خلال المحاكاة وغيرها من الأساليب السرية، فستصبح السيطرة عليها هدفا بعيد المنال، إن لم يكن مستحيلا. فضلا عن أن الفكرة الأساسية للحد من الأسلحة القائمة على الشفافية والإفصاح ستتغير، فجهل الخصوم بالتشكيلات المُتقدمة التي تستحدثها أنظمة الذكاء الاصطناعي سيصبح ميزة إستراتيجية، وهي ميزة يُمكن التضحية بها على طاولة المفاوضات حيث تُعد الشفافية فيما يتعلق بالإمكانيات والقدرات شرطا أساسيا للتفاوض، بالإضافة إلى أن الغموض الذي يكتنف عالم الإنترنت (وكذلك السرعة الهائلة التي يتمتع بها) قد يطغى على طرق التخطيط الحالية.

 

أثبتت التجربة أن وضع إستراتيجية كبرى لنظام الحد من التسلح تتطلب فهما مُتعمقا لقدرات الخصوم المحتملين وانتشارهم العسكري. ولكن إذا شاب الغموض المعلومات الاستخباراتية، فكيف يتسنى لصناع القرار السياسي أن يفهموا آراء وقدرات خصومهم بل وربما حتى حلفائهم؟ وهل ستظهر العديد من شبكات الإنترنت المختلفة، أو في النهاية ستؤول جميعها إلى شبكة واحدة فقط؟ وما الآثار المترتبة على التعاون؟ وعلى المواجهة؟ وفي الوقت الذي تشهد فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي انتشارا واسعا، لا بد أن تظهر مفاهيم جديدة تُعبر عن حاجتها إلى الأمن، ويتمثّل أحد هذه المفاهيم في إمكانية قطع الاتصال بالشبكة التي تعمل عليها.

    

   

ثمة قضايا أكثر وضوحا -وربما أكثر إثارة للقلق- تلوح في الأفق. هل يؤدي وجود أسلحة ذات قدرات مجهولة إلى زيادة احتمال نشوب صراع في المستقبل أم تقليله؟ وفي مواجهة ذلك المجهول، هل سيزيد الخوف من سباق التسلح؟ بالنظر إلى ذلك، سيكون الغموض هو الدافع، وهو ما قد يعني انعدام الأمن المطلق. وفي ظل هذه الملابسات، كيف يُمكن وضع المعايير والقواعد الخاصة بإستراتيجية التوجيه والردع؟ لقد أصبحت الحاجة إلى تطوير مفاهيم إستراتيجية ذات صلة بهذه التكنولوجيا الجديدة والحتمية أمرا بالغ الأهمية.

 

التواصل الإنسانيّ

"غوغل هوم" و"أمازون أليكسا" هما مُساعِدان رقميّان تحويهما ملايين المنازل، وقد صُمّما لإجراء المحادثات اليوميّة؛ إذ يقومان بالرد على استفساراتِك، ويقدّمان النصائح التي تبدو -خاصّة للأطفال- نصائح ذكيّة وربّما حكيمة. وقد أصبحا حلًّا لمشكلة الوحدة المزمنة لدى كبار السنّ، الذين يتفاعل كثير منهم مع تلك الأجهزة بصفتهم أصدقاء.

 

كلّما ازداد حجم البيانات التي يجمعها الذكاء الاصطناعيّ ويُحلّلها، زادت دقّته. لهذا فإنّ مثل تلك الأجهزة تُدرِك تفضيلاتِ أصحابها وتأخذها بعين الاعتبار عند تكوين ردودها. ومع ازدياد "ذكائها" ستزدادُ حميمة. نتيجة لهذا يمكن للذكاء الاصطناعيّ أن يُحفّزَ البشرَ على الشعور تجاهِه بمشاعِر لا يقدر هو على مبادلتها بالمثل.

   

أمازون أليكسا (مواقع التواصل)

 

يرى كثيرون في هواتِفهم الذكيّة أهمَّ مقتنياتِهم؛ ويسبغون الأسماء على أجهزة "Roomba" التي يمتلكونها، ويعزون إليهم بعضَ النيّات والمقاصد رغم عدم وجودِ أيٍّ منها. فما الذي قد يجري حين تصبح تلك الأجهزة أكثر تطوّرا وتعقيدا؟ هل سيصبح ارتباط الناس بأجهزتهم مثل ارتباطِهم بكلابهم؛ أو ربّما أكثر من ذلك؟

 

ستتبنّى المجتمعات تلك الأجهزة بالطرائق الأكثر توافقا مع ثقافتها، وفي بعض الحالات بصورة تُبرِز الاختلاف الثقافيّ. في اليابان، على سبيل المثال، ونتيجة لشيخوخة المجتمع وعقيدة الشِّنتو (التي ترى أنّ للجماداتِ روحا لا تختلف عن البشر)، ربّما تصبح شركات الذكاء الاصطناعيّ أكثر انتشارا منها في الغرب.

 

بالنظر إلى تلك التطوّرات، يمكن ألّا تُصبح المصادرُ الأوليّة للمعرفة والتفاعل -في أنحاء كثيرة من العالم- مستقاة من الوالدَين أو أفراد الأسرة أو الأصدقاء أو المعلّمين، وإنّما من الرفاق الرقميّين الذين سيصبح حضورهم التفاعليّ الدائم منجما للتعلّم وتحدّيا للخصوصيّة على حدٍّ سواء. ستُسهِم خوارزميّات الذكاء الاصطناعيّ في فتح جبهات معرفيّة جديدة، ولكنّها ستحدّ -في الوقت ذاته- من الخيارات المعلوماتيّة وتعزّز القدرةَ على قمع الأفكار الجديدة أو الخطيرة. يمكن للذكاء الاصطناعيّ إزالة عقبات اللغة وغيرها من الموانع الثقافيّة؛ لكنّ التقنية ذاتها توفّر قدرات غير مسبوقة على تقييد انتشار المعلومات أو تشكيل ذلك الانتشار. أيضا نجد أنّ القدراتِ التقنيّة للحكومات على مراقبة سلوك وحركة عشرات أو مئات الملايين تصل إلى حدود غير مسبوقة. يمكن لهذا المسعى أن يصبح منحدرا زلِقا، حتّى في الغرب نفسه. ستصبح موازنة المخاطر الناشئة عن السلوكيّات المنحرفة -أو حتّى تعريف الانحراف- والقيود المفروضة على الحريّات الشخصيّة تحدّيا عصيبا في عصر الذكاء الاصطناعيّ.

 

المستقبل

  

تشبه تصوّرات العامة من الناس عن الذكاء الاصطناعي أفلام الخيال العلمي. لكن في العالم الحقيقي هناك الكثير من الصيحات المشجعة. سيقدم الذكاء الاصطناعي إسهامات إيجابية جوهرية في مجالات حيوية مثل الصحة والأمن وإطالة العمر. لكن تظل هناك مساحات مثيرة للقلق، مثل تناقص الفضول الإنساني للمعرفة بسبب مشاركة الذكاء الاصطناعي له في السعي للمعرفة، وكذلك تناقص الثقة في الأخبار بسبب تزييف الأدلة ومقاطع الفيديو، بالإضافة إلى الإمكانيات الجديدة التي يوفرها للشبكات الإرهابية، وقد يضعف أيضا النظام الديمقراطي إذا استخدم في التلاعب بالانتخابات، وربما يسهم في تناقص فرص العمل البشرية بسبب التوجه المتزايد للأتمتة. ومع انتشار تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال عن كيفية تنظيمها وتقنينها ومراقبتها؟ ونحن نقف على أعتاب عالم يُعلّم فيه الذكاء الاصطناعي البشر، هل سيكون للذكاء الاصطناعي كتب ومناهج تُعادل الكتب المدرسية المصدق عليها؟

 

إدماج هذه التكنولوجيا الجديدة في قيم وسلوكيات ثقافة قائمة وموجودة بالفعل لهو تحدٍّ غير مسبوق، ولعل أشبه مثال على ذلك هو الانتقال من العصور الوسطى إلى الحداثة. في العصور الوسطى، فسّر الناس الكون على أنه مخلوق إلهي وكل تمثّلاته وتجلياته خاضعة للإرادة الإلهية. حين تفتت وحدة الكنيسة المسيحية، انبثق السؤال عن المفهوم البديل الذي قد يحل محله، وظهرت الإجابة فيما يسمى الآن بعصر التنوير، حيث استبدل الفلاسفة العظماء العقل والتجربة والمقاربة النفعية بالوحي الإلهي.

 

وتبعتها تأويلات أخرى على مستوى فلسفة التاريخ والتأويلات الاجتماعية للواقع. لكن ظاهرة الآلة التي تساعد الإنسان أو حتى تتفوق عليه في العمل الفكري وتساعد في توقع وتشكيل النتائج لهي ظاهرة فريدة في التاريخ الإنساني. أرجع فيلسوف عصر التنوير إيمانويل كانط مفهوم الحقيقة إلى تأثير بنية العقل الإنساني على الواقع المشاهد. لكن مفهوم الحقيقة لدى الذكاء الاصطناعي أكثر غموضا وتشعّبا، فهو يعدل نفسه باستمرار وفقا للبيانات الجديدة التي يتحصل عليها ويحللها.

  

نختلف في مدى تفاؤلنا تجاه الذكاء الاصطناعي، لكننا نتفق على أنه سيغير المعرفة والمنظور والواقع الإنساني، وسيغير بذلك مسار التاريخ الإنساني كله

وكالة الأنباء الأوروبية
  

كيف نستجيب للتطور الحتمي الذي سيفرضه الذكاء الاصطناعي على فهمنا للحقيقة والواقع؟ ناقش ثلاثتنا كثيرا من الأفكار بهذا الصدد، منها على سبيل المثال برمجة المساعدين الرقميين على رفض الإجابة عن الأسئلة الفلسفية، خصوصا تلك المتعلقة بحدود الحقيقة؛ أو طلب التدخل البشري في قرارات التعرف على الأنماط ذات المخاطر العالية، كقراءة صور الأشعة السينية؛ أو تطوير محاكيات تُدرب الذكاء الاصطناعي على تعريف القيم الإنسانية الغامضة، مثل ما الأخلاقي؟ المعقول؟ غير المؤذي؟ في مواقف مختلفة؛ أو مراقبة الذكاء الاصطناعي وتصحيحه حين يحاول محاكاة قيمنا بطريقة خاطئة؛ تأسيس مجال معرفي جديد لدراسة "أخلاق الذكاء الاصطناعي" للتفكير في كيفية الإدارة المسؤولة للذكاء الاصطناعي في مجالات الأحياء والطب.

  

الأهم من ذلك أن كل هذه الجهود يجب بذلها وفقا لثلاث مظلات زمنية، هي ما نعرفه الآن بالفعل، وما نثق في أننا سنعرفه في المستقبل القريب، وما يرجح أن نكتشفه حين يشيع استخدام الذكاء الاصطناعي في كل المجالات. نختلف ثلاثتنا في مدى تفاؤلنا تجاه الذكاء الاصطناعي، لكننا نتفق على أنه سيغير المعرفة والمنظور والواقع الإنساني، وسيغير بذلك مسار التاريخ الإنساني كله. نسعى لفهمه وفهم عواقبه ونشجع الآخرين في المجالات المعرفية المختلفة على السعي لذلك.

---------------------------------------------------------------

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار