انضم إلينا
اغلاق
الدولة على فراش الزوجية.. هل تتحول الحركة النسوية إلى منظومة سلطوية؟

الدولة على فراش الزوجية.. هل تتحول الحركة النسوية إلى منظومة سلطوية؟

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

في سابقة قضائية تُعَدُّ الأولى من نوعها، قضت إحدى محاكم الجنايات المصرية بمحافظة الجيزة في يونيو/حزيران من العام 2018 حكما بالحبس سنة مع إيقاف التنفيذ على أحد الأزواج لقيامه بـ "اغتصاب زوجته" وممارسة الجنس معها قسرا على خلاف رغبتها (1)، استقبلت منظمات المجتمع المدني الحقوقية والنسوية هذا الحكم بفرح حذر (2)، باعتبار الحكم خطوة طال انتظارها، واستجابة متأخرة من طرف أجهزة الدولة للحدّ من حوادث العنف الأسري وحوادث الاغتصاب التى تتم على فراش الزوجية (حسب الوصف النسوي الحقوقي)، وأيضا فرصة مهمة يجب على المنظمات النسوية والحقوقية استغلالها لفتح المجال لنقاش حقوقي أوسع حول تدخُّل الدولة لتقنين العلاقة بين الزوج والزوجة وتقنين العلاقات الأسرية عامة، كما أفادت إحدى الناشطات النسويات في مصر تعليقا (3) على الحكم.

  

في صورة أوسع، تُشير العديد من الإحصائيات على امتداد الوطن العربي إلى نسب مرتفعة من حالات العنف الأسري، خاصة ضد الإناث كالزوجة أو الابنة أو الأخت (4)، مما يجعل الحراك الحقوقي والنسوي للعمل على الحد من العنف الأسري في السنوات الأخيرة حراكا ذا وجاهة، وله أسبابه الموضوعية، ونابعا من همّ حقوقي وأخلاقي حقيقي، بيد أنه من الضروري كذلك التحلي بوعي سياسي نقدي والوقوف على مسافة من حماسة النضالات الحقوقية -القانونية الدولتية في أغلبها- للوقوف على الآثار السياسية والاجتماعية من هكذا تحركات، خاصة في واقعنا العربي، ومع دول وأنظمة مثل تلك التي تحكمنا، فالحديث هنا بات عن دعوة نشطاء حقوق الإنسان والحركات النسوية لتدخُّل الدولة، وإنفاذ آليات المراقبة والعقاب في مساحات شديدة الخصوصية، وفي صلب الحياة الخاصة للإنسان. وعليه، بات من الضروري أن نتوقّف للحظة ونسأل أنفسنا؛ هل هذا ما نرغب به فعلا؟

   

    

الحداثة والشمولية وتسييس الحياة

"السيادة تملأ الزمان والمكان، فهي حاضرة بالقدر نفسه في كل لحظة من حياة مَن هم تحت هيمنتها، وفي كل موقع ضمن حدودها"

(كارل شميت)

  

بحسب الفيلسوف السياسي والقانوني كارل شميت، يُعَدُّ الحيّز الأساسي أو النطاق المركزي للحداثة هو الحيّز السياسي، وبحسب تعريفه فإن نطاقا ما يُصبح مركزيا "حين تحل مشكلات النطاقات الأخرى في إطار النطاق المركزي. وتُعَدُّ هذه المشكلات ثانوية إذ يأتي حلها بصورة تلقائية ما أن تحل في إطار النطاق المركزي" (5). ينطبق هذا بشكل واضح على المجال الحقوقي والقانوني، فالحيّز الحقوقي بوجه خاص غير منفصل في جوهره عن الحيّز السياسي بكل مفاهيمه وآلياته، بل إن مسألة الحقوق والحريات تحديدا مرتبطة هيكليا بالحيّز السياسي وتستمدّ شرعيتها وفاعليّتها منه، فتمدّد الحيّز القانوني والحقوقي في مساحات جديدة داخل الحياة والأنشطة الإنسانية، يصاحبه تمدّد للسياسي بالكيفية نفسها داخل المساحات والأنشطة نفسها.

   

يوضّح شميت جذور المسألة مُفصِّلا بأن الحيز السياسي في العصر الحديث يكتسب مركزيته وفاعليته القصوى من مفهوم السيادة، المفهوم الذي يُعَدُّ حجر الزاوية لأي سلطة سياسية حديثة، فالسيادة هي "ميتافيزيقا الدولة الحديثة ولاهوت النطاق السياسي الحديث"، وعبر السيادة وتحت هيمنتها يتم تسييس سائر أوجه حياة السكان، أي تصبح الحياة بشكلها الطبيعي المحايد على تماسٍّ واحتكاك بالسلطة، ويتم دمج حياة الإنسان بدءا من واقعة الولادة حتى واقعة الوفاة وما بينهما داخل النظام التوثيقي البيروقراطي السياسي والسيادي للدولة الحديثة، فتصبح الحياة بمعناها الطبيعي البيولوجي في أنشطتها الأكثر حيادا وعادّية داخل النطاق السياسي والمساحة الأساسية التي تتجلّى من خلالها سيادة الدولة؛ فالأجهزة السيادية هنا هي التي تمنح الحقوق والقداسة والتقنين على مساحات الحياة وهي التي تنزعها (6).

    

  

يُمكننا من وجهة النظر تلك ربط ممارسات الصين العنصرية تجاه مسلمي الإيغور بأُسس حياتية خاصة وتبدو محايدة تماما، حتى تطور الأمر ليصل إلى الممارسات الحياتية الخاصة جدا والمتعلقة بطريقة تعامل المسلمين مع أجسادهم، كتجريم الختان للذكور، والوضوء وحركات الصلاة محرمة باسم القانون والسيادة في الصين، فالجسد والحياة العادية نفسها هي الموضوع الأول للسيادة، يلخص شميت فكرة السيادة قائلا: "سيادة الدولة هي الحيازة -شبه الحصرية- لحياة مواطنيها"، وجوهر المواطنة هو أن يتم النظر لحياة المواطن كمنتج من منتجات الدولة، والدولة هي المخوّلة برعايتها والحفاظ عليها وتنميتها واستثمارها والتضحية بها إن لزم الأمر (7).

  

كارل شميت يُعَدُّ من أبرز المُنظِّرين السياسيين التاريخيين لليمين الأوروبي، وله ارتباطات واضحة بالنازية والفاشية، ويُعَدُّ مشروعه مَدًّا لخط الحلم الحداثي بالسيطرة والتحكم لأقصى استقامته، مُتجسِّدا في شكل الدولة الشمولية المُهيمنة التي تستحوذ على حياة الناس وتدمجها داخل نطاقها السيادي -البيروقراطي والصحي والأمني والاقتصادي والأيديولوجي- وتنتجها من جديد طبقا لتوجهاتها، فالسيادة عند شميت -كما يوضح في مقالته "الوحدة الثلاثية: الدولة والحركة والشعب"- هي عملية تسييس ودمج مستمرة للجماهير وأفراد المجتمع بحيث تكون العلاقة بين السلطة والمواطنين علاقة مباشرة ويومية ومستمرة طوال الوقت بلا أي وسائط، "السيادة تملأ الزمان والمكان، فهي حاضرة بالقدر نفسه في كل لحظة من حياة مَن هم تحت هيمنتها، وفي كل موقع ضمن حدودها"، تصبح حياة الناس بالكامل خاضعة لسيادة الدولة، لا فرق فيها بين ما هو عام وما هو خاص، فحياة الناس ذاتها هي فضاء مكشوف بشكل كامل للممارسات السياسية السلطوية بكل تجلياتها؛ كل هذا يجعل الدعاوى الحقوقية والنسوية المتكررة لتدخل أجهزة الدولة في حياة المواطنين الخاصة لتنظيمها أو تقنينها حتى على فراش الزوجية محل نظر ويتناقض في جوهره مع حركات ذات أفكار تحررية أو حقوقية وتقدمية، لأنه من المفترض أن تدعو الحركات التقديمة والحقوقية لانعتاق الناس من السلطوية، وليس لتكريس مزيد من السلطوية، ومنح السلطة مبررات للهيمنة على الحياة الخاصة للأفراد!

  

الحركة الحقوقية وتصفية الحياة الخاصة

  

بطبيعة الحال، كانت أطروحات كارل شميت محل جدل ونقد واستقطاب تاريخي بين تيارات سياسية وفلسفية مختلفة، وكان جوهر نضال العديد من الحركات التقدمية والتحررية مُتمثّلا في الحدّ من هيمنة الدولة التي حلم بها شميت ونظّر لها في العديد من كتبه وأطروحاته، ولعب هنا التقليد الفلسفي السياسي الليبرالي دور البديل الخطابي، الإصلاحي في كثير من الأحيان، أمام الأطروحات الدولتية السلطوية مثل أطروحات توماس هوبز وكارل شميت.

  

في فيلم الخيال العلمي الأميركي للمخرج الشهير ستيفن سبيلبيرج "تقرير الأقلية" (Minority Report)، تبدأ الأحداث بقيام حكومة الولايات المتحدة الأميركية -كمحاكاة لتخيّلٍ ما عن المستقبل القريب- بتطوير تقنية تساعدها على توقع الجرائم قبل حدوثها في إطار سعيها لنشر الأمن ومنع الهجمات الإرهابية قبل حدوثها، ساعدت هذه التقنية كما نرى خلال أحداث الفيلم حكومة الولايات المتحدة على حماية المنشآت الإستراتيجية والحيويّة للحكومة الأميركية، كما ساهمت في تأمين المساحات العامة ونشرت الإحساس بالأمن والطمأنينة داخل المجتمع الأميركي، ومع انتصاف الفيلم بدأت هذه الصورة الجميلة المبهجة في الاختفاء حينما أخذت أحداث الفيلم منحى آخر؛ بدأت باستجابة الحكومة لدعوات ناشطين مدنيين وليبراليين للعمل على مكافحة جرائم العنف المنزلي والأسري، لتستجيب الحكومة الأميركية تحت ضغط الصحف ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، وتكلّف وكالة الأمن القومي بالتعاون مع مكتب التحقيقات الفيدرالية بتعميم تلك التقنية لتراقب المواطنين الأميركيين داخل جدران حياتهم الخاصة لمنع وقوع الجرائم المحتملة، تنقل لنا كاميرا سبيلبيرج الجو الخانق الذي أخذ يحاصر شخصيات الفيلم، والذي تفرضه آليات الضبط والمراقبة على حياة الناس داخل حياتهم الخاصة باسم سيادة القانون، قاتلة كل براح التراحم والمودة والإحساس بالألفة والتغافل والحب حتى بين أفراد العائلة الواحدة، لتقف جميع شخصيات الفيلم في الأخير أمام نهايات مفتوحة سوداوية خانقة لما آلَ إليه واقعهم من فرط الضبط والتسييس وحضور السلطة والمراقبة في أدق تفاصيل حياتهم الحميمية والخاصة.

   

  

الإنجاز السياسي والقانوني الأهم للمخيال السياسي الليبرالي كان في التقسيم بشكل واضح لما هو مجال عام وما هو حيّز خاص، والاشتباك مع السيادة والدولة من خلال هذا التقسيم الرمزي، في هذا السياق تُشدِّد حنة أرندت في كتابها الفذ "أسس التوتاليتارية" أن دخول الدولة كحكم وطرف في الحيز الخاص للأفراد هو بمنزلة ناقوس الخطر بشأن تحوّل النظام الحاكم إلى نظام شمولي، إذ إن سمة أساسية للأنظمة الاستبدادية هي تصفية وإغلاق المجال العام، وكي تتحول تلك الأنظمة من كونها أنظمة استبدادية إلى أنظمة شمولية، فهي تنطلق بعد إغلاقها للمجال العام إلى اقتحام الحياة الخاصة للمواطنين، وعقدة صراع الحركات الديمقراطية والتحررية طوال القرن العشرين مع تلك الأنظمة -توضّح حنة أرندت- تنطلق من مبدأ قداسة الحرية الفردية والحياة الخاصة للمواطنين.

  

بحسب الفيلسوف جورجيو أغامبين (8) تُعَدُّ الأطروحات السياسية والفلسفية لكلٍّ من ميشيل فوكو وحنة أرندت هي التعبير الأكثر دقة عن السياق السياسي لعصرنا، وهي العتبة بين الحداثة وما بعد الحداثة؛ ففي السنوات الأخيرة من حياة فوكو كان قد بدأ يتوجه بأبحاثه بشكل مُلِحّ أكثر نحو ما أسماه البيو-سياسة أو ظاهرة "تسييس الحياة"، وهي تعني الانخراط المتزايد لحياة الإنسان الطبيعية واليومية في آليات وحسابات السلطة السياسية، في عبارة نموذجية يلخّص فوكو في كتابه "إرادة المعرفة" نهاية المسار الذي تصبح به الحياة أحد مواضيع ورهانات السياسة: "لقد ظل الإنسان لآلاف السنين ما كانه بالنسبة إلى أرسطو: حيوانا حيا، وقادرا فضلا عن ذلك على تكوين وتشكيل وجود سياسي عام خارج حياته الخاصة والاجتماعية، أما الإنسان الحديث فهو حيوان في السياسة، أي إن حياته نفسها ككائن حيّ هي المعنيّة، وهي الموضوع الأساسي للسياسة". فمع قيام الدولة الحديثة والمواطنة والسيادة تنتهي تماما الحياة الخاصة الأصلية للأفراد التي كانت قائمة على مدار التاريخ والحضارات المختلفة على هامش التنظيم السياسي، حين كان الإنسان يخرج من حياته الخاصة واليومية بإرادته لتشكيل حياة سياسية عامة ومشتركة مع آخرين لتسيير أمور جماعته البشرية، لتصبح باسم السيادة والمواطنة حياة الفرد وجسده الأساس الذي يقوم عليه النظام السياسي.

   

من زاوية أخرى تصل حنة أرندت إلى النتيجة نفسها (9)، إذ إن النزوع نحو الهيمنة التامة كان المشروع الأساسي للحداثة وليس مجرد حادث عارض، مؤكدة أن المعتقل أو معسكر العمل هي صور مجازية مثالية لشكل المجتمعات الحديثة في الخيال السياسي الحداثي، باعتبارها أمكنة وفضاءات "يتعرض فيها ما هو داخلي وخاص للانكشاف المستمر أمام ما هو خارجي وعام حيث تقبع السلطة السياسية"، ذلك "أن المعتقل هو الهيمنة الشاملة على الحياة بشكلها المجرد، فلا حدود ولا فواصل بين ما هو عام وما هو خاص داخل المعتقل"، وعليه تطرح حنة أرندت وصيتها للحركات التقدمية والتحررية بالعمل على حماية الحياة الخاصة للأفراد لا كشفها أمام السلطة.

     

حنا أرندت (مواقع التواصل)

  

على هذه الأطروحات يبني أغامبين فكرته النقدية الرئيسية عن الحركات الحقوقية المتمركزة حول قضايا الجندر وقضايا النسوية والنوع الاجتماعي ودورها في تسييس الحياة وإعادة إنتاج السيادة والهيمنة داخل مساحات الحياة الخاصة، فغالبا ما يظهر التاريخ النضالي لتلك الحركات -القائمة كرد فعل لمظالم حقيقية- بوجهين؛ "وجه بطولي تحرري يقوم بكسب فضاءات وحريات وحقوق واعترافات قانونية في صراعهم مع السلطات المركزية، ووجه ذو نزعة دولتية شمولية خفية يهيئ الأفراد فيه كل مرة تنزيلا ضمنيا -لكنه دائما أكثر عمقا- لمساحة جديدة من الحياة تحت نظام الدولة السياسي، مقدمين بذلك مساحة وقاعدة جديدة -أشد إرعابا- للسلطة السيادية التي كانوا يودّون الانعتاق منها" (10)، حيث يتم إدخال مساحات من الحياة الاجتماعية داخل نظام الدولة بفعل المطالبات الحقوقية بتقنينها وتنظيمها سياسيا، فهي في النتاج الأخير مساحات من صلب حياتنا الخاصة الفردية والحميمية، يزداد تسييسها وتقنينها، ويعمل على ذلك صاحب السيادة بتناغم تام مع الحقوقي المدني الليبرالي والناشطة المتحررة النسوية.

   

في العالم العربي لا يزال العدوان على الحرية والإنسان العربي خارجا بشكل رئيس من المؤسسات الانضباطية والسلطوية الصلبة كما كان طوال أكثر من قرن، ولكن إلى جانب تلك المؤسسات توجد الآن وبصفة متزايدة فئات بيضاء من نشطاء وحقوقيين وأعضاء في منظمات غير حكومية ونسوية تشعر بتفوق أخلاقي ما، وتحاول، بكثير من الضجيج، استنساخ بروتوكولات الرقابة السائلة مُمثَّلة في تخليق نزعة سلطوية في رداء تقدمي وحقوقي لفرض رقابة شاملة على حياة وسلوك البشر، وتطرح نفسها كمرجعية أخلاقية عُليا تنفجر على شكل عدالة حشود وانتهاك وحشي واغتيال معنوي للمختلفين شكلا أو سلوكا، ومنهمكة بإعطاء أحكام أحادية إقصائية للقيمة والصواب والخطأ، والتشهير بالمخالفين وتعميم الشعور بالذنب على أساس الثقافة والهوية. إنه جمع لأسوأ ما في العالمين (11)، فليس من المستبعد أن نكون مقبلين في عالمنا العربي التعيس على مزيج قمعي فريد من نوعه تقف فيه الأنظمة والمؤسسات القمعية الصلبة جنبا إلى جنب مع الحشود البيضاء من النشطاء وشبكات منظمات المجمتع المدني المتفوّقة أخلاقيا على ما سواها أمام تطلعات الشعوب العربية بالتحرر والعيش في حرية و كرامة.

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار