انضم إلينا
اغلاق
من الكشري إلى "الجبنة السايحة".. ماذا يخبرنا طعام المصريين عنهم؟

من الكشري إلى "الجبنة السايحة".. ماذا يخبرنا طعام المصريين عنهم؟

رنا عفيفي

محررة في قسم رواق
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

   

"الطعام كالمنشور الزجاجي الذي يمتص الضوء ويُحلّله، فالطعام يمتص مجموعة من الظواهر الثقافية ويُحلّلها"

(كارول م. كونيهان)

  

في شارع الدقي في أحد أحياء محافظة الجيزة الشهيرة، تزدحم السيارات أمام مطعم صغير الحجم ذائع الصيت وهو مطعم "سمسمة"، وتُعَدُّ شطائر الشاورما التي يُقدِّمها المطعم أحد أسباب شهرته، ولكنها ليست شاورما سورية ولا تركية كما قد يخطر على البال عند ذكر كلمة "الشاورما" باعتبار المنشأ والشهرة، إنما شاورما مصرية هذه المرة.

  

فقد اعتاد المصريون على حسن استقبال عادات الآخرين وأطعمتهم وإلباسها ثيابهم وطبيعتهم الخاصة فيما يُعرف بـ "التمصير"، أي تحويل العادة أو الشيء إلى صورة يصلح معها تسكينه في بنية الثقافة المصرية، وما الكشري عنا ببعيد، فعلى الرغم من أن أصول أكلة الكشري ترجع على الأغلب إلى الهند والذي انتقل مع جنودها إبان الحرب العالمية الأولى إلى مصر، فقد أبدع المصريون في التعديل عليه والإضافة له حتى أصبح إحدى أشهر الأكلات المصرية على المستوى العالمي.

  

هذا الانفتاح الكبير للمصريين على أطعمة الشعوب الأخرى وعاداتهم، والانشغال الدائم بالطعام والطريقة التي يتناولون بها غذاءهم، ثم الحضور الباهت حاليا للأكلات مصرية الأصل على الموائد، والتغيّر الكبير في مكوّنات هذه الموائد، يعكس لنا الكثير عن حالة المجتمع المصري وخصائصه، فحسب تعبير الأنثروبولوجي المغربي حسن رشيق فإن الطهي وتناول الطعام (وهي أنشطة كثيرا ما نأخذها أمرا مسلما به) باتت تُحدِّد هوياتنا وعلاقاتنا في هذا العالم(1).

    

    

أنت ما تأكله..

"أخبرني ماذا تأكل، أقل لك مَن أنت!"

(جيان سفارين)

   

أصبح الطعام ضيفا دائما في أحاديث المصريين ومشاغلهم اليومية، ففوق كونه تعبيرا عن الحالة الاقتصادية ومقياسا يُحدِّد قدرتهم المادية ومستوى رفاهية الحياة، فقد أصبح يُمثِّل هوسا من نوع آخر، يجتاح النقاش حوله فئة واسعة من الشباب، خصوصا من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، فنرى مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي تُقسّم المهتمين بالطعام إلى راغبين في تحسين شكل أجسامهم وصحتهم عبر الالتزام بنوعية الطعام الصحي مثل مجموعة "Health "Keepers*، أي المحافظين على صحتهم، ومجموعات تقدم الطعام كمتعة تعلو فوق كل المتع، وتتعامل معه كمصدر للمعنى والجمال واللذة في الحياة مثل مجموعة "Kersh Keepers"**، أي المحافظين على كروشهم.

  

وعند تصفّح المجموعتين ومشاهدة الحديث والنقاش المتداول فيهما، يمكن أن نلاحظ بسهولة الهوس الذي يختلط فيه التسويق بمعايير الجمال السائدة برغبة البعض بالشعور بالإنجاز والتغيير، وتجد السخرية سبيلها إلى الأمر على عادة المصريين، فنرى منشورات ساخرة تلفت النظر إلى أن المتعة الوحيدة المتاحة في مصر هي الطعام، لذلك فإن "الأكثر حزنا من إنك تبقى عايش في مصر أنك تبقى عايش في مصر وعامل دايت. تتحول إلى زاهد بوذي محاط بالمصريين وعلب التونة وبقايا الجبن القريش"(2).

  

على الجانب الآخر نجد أن نوعية الطعام وممارسة الرياضة والتحكم في الوزن هي غاية البعض الآخر، حيث يصبح الجسد هو الأداة التي يمكن من خلالها تحقيق التجارب الحسية الممتعة كما يقول عالم الاجتماع زيجمونت باومان(3)، حتى إن الأمر يخرج من كونه هدفا شخصيا إلى مهنة يمارسها الشخص بعد تحصيله لبعض الشهادات، ليصبح ناصحا ومتخصصا ومدربا ومؤثرا وشخصية عامة وشهيرة على مواقع التواصل الاجتماعي يُفتي الآخرين في صحتهم ويُعلّمهم شكل الحياة الأفضل.

    

  

هذه الحالة من الاهتمام بالطعام إقبالا أو إعراضا وما خلفها من تجمعات واتجاهات داخل فئات من المجتمع المصري، تؤكد أن الطعام هو مادة ثقافية يمكن للبشر من خلالها تكوين علاقات جديدة، حيث تُثري عملية إعداد الطعام ووجود ذوق مجتمعي خاص المجالَ الثقافي داخل كل مجتمع، ويمكننا أن نتعلم ونتواصل مع بعضنا بعضا بالذوق والمشاركة والتهادي عبر الطعام(4).

  

وتُعلّمنا طبيعة الطعام وطريقة الطهي الكثير عن حياة البشر وكيفية تعاملهم مع بيئتهم والموارد التي توفّرها لهم، فلطعام كل شعب من الشعوب مكوّنات ونكهات متمايزة عن غيره، بعض المجتمعات لديها مطابخ تعتمد بالكامل على اللحوم، والبعض الآخر يكاد يكون نباتيا بالكامل، ويتميز البعض بتنوع موسمي وتتغير مأكولاتهم تبعا لذلك في أجزاء مختلفة من السنة، فكيف كان يأكل المصريون؟ وكيف يتعاملون مع طعامهم؟

   

طعام المصريين عبر الزمان..

 

منذ أزمنة ما قبل التاريخ تأثرت الأطعمة المصرية بالعالم الخارجي، فالحبوب المصرية الأساسية والشعير والحنطة النشوية ظهرت في الشرق الأدنى أولا، وكثيرا من الوصفات التي كانت منتشرة في العراق كانت معروفة أيضا في المطابخ المصرية، لكن بشكل طبيعي تمايزت نوعية الطعام في مصر عنها في باقي الأماكن بتوفّر نوعيات طعام مختلفة، مثل لحوم الأبقار التي لم تكن تؤكل في بلاد أخرى كانت تعتمد على لحوم الأغنام، وعسل النحل، وبعض الفواكه والخضر التي كانت تنمو في التربة المصرية خصيصا.

  

وعند دخول الإغريق مصر غيّروا بعض طرق الأكل المصرية، فقد اهتموا بزراعة القمح وأصبح المكوّن الأساسي في صناعة الخبز على حساب الشعير، وأدخلوا بعض تقنيات الزراعة التي وسّعت القدرة الإنتاجية للمصريين، فقربوا مكوّنات الطعام المصرية من مكوّنات الطعام الهلنستي.

  

ولم تحتوِ البرديات المصرية على معلومات كثيرة وتفصيلية عن الأكلات المصرية، لذلك نُظر للمصريين القدماء بأنهم كانوا أقل اهتماما من معاصريهم في الحضارات الأخرى بالطعام، وأن طعامهم كان أبسط، فقد وثّق للحضارة الآشورية مثلا وجود وصفات طعام معقدة، وأدبا وصفيا للطعام، لكن النصوص الهيروغليفية احتوت على تعبيرات كثيرة متصلة بالرائحة والمذاق والمتعة، تُثبت أن المصريين كانوا يتمتعون بطعامهم، فإن غابت التفاصيل فإن الحرفية والاستمتاع كانا حاضرين، وما زالا، في خيال المصريين.

   

  

فمن الأدلة كذلك على اهتمامهم بالطبخ وبقدراتهم فيه الولائم العامرة التي كانت تُوضع في قبور الحكّام والنخب، لضمان راحتهم في الحياة الأخرى. كما أظهر فحص بقايا الطعام الأثرية أن المصريين تميّزوا بتنوّع في وسائل إعداد الطعام، فقد كان لديهم عدة طرق وأدوات للطحن والتجفيف والاحتفاظ بالأطعمة، كما أن تصميماتهم للمطابخ كانت تُراعي حسن التهوية والتخلص من الدخان بجعل المطابخ في أعلى المنازل، وكانت المطابخ مجهزة بأفران "التنور" وأدوات طبخ معدنية وغيرها، كما أنه كلما زاد المستوى الاجتماعي زاد الاهتمام بالمطابخ فكانت أكبر مساحة وأحسن تجهيزا(5).

  

وكان طعام المصريين يقوم على الحنطة النشوية -حبوب تشبه القمح- التي كانت الحبوب الأساسية التي يعتمدون عليها في طعامهم قبل الفترة الإغريقية، كما دجنوا الماشية وربوا الطيور كالحمام والأوز ثم الدجاج الذي استخدموا بيضه، واعتمدوا على الأسماك التي كانوا يصطادونها من النيل. أما الخضر فقد كان لديهم البصل والثوم والكراث والبطيخ ومختلف أفراد عائلة القرع، والخس والكرفس والفجل واللفت، ومن البقول العدس والحمص والفول والترمس والبازلاء، ومن الفواكه التمور والأعناب والتين والخروب والكرز، واستخدموا العسل والكثير من الأعشاب المطبخية مثل الكمون والريحان والشبت والنعناع والزعتر.

  

وكان الطعام مرتبطا بالطبقة الاجتماعية، فكان الأغنياء يتناولون ثلاث وجبات يومية في حين كان العمال والفلاحون يكتفون بوجبتين فقط. وكانت مكوّنات الطعام تتراوح تبعا للمكانة الاقتصادية، فطعام الأغنياء يحتوي اللحوم والزيوت والعسل والتي تختفي في طعام الفقراء. إلا أن البحوث الحديثة أكّدت أن المصريين كانوا دائما ما يتناولون القدر الكافي من الطعام، لذلك كانت صحتهم جيدة بشكل عام(6). أما طبقة البسطاء من الشعب كالفلاحين، وهم الطبقة الكادحة الأكثر فقرا، فكانوا يعتمدون على وجود الخبز والجعة وبعض الأطعمة البسيطة من الخضر. أما عن تناول لحوم الحيوانات فكان هؤلاء الفلاحون يُؤْثِرون رعاية تلك الحيوانات لتساعدهم في أعمالهم الزراعية على الاستمتاع بتناول لحومها.

  

وبالنسبة للطبقة الوسطى التي تُمثِّل عمال البناء وجماعة الحرفيين، فكانت أوفر حظا مقارنة بالفلاحين، وتنوّعت أطعمتهم واحتوت على اللحوم والأسماك إلى جانب الخضر، ويشير إلى ذلك ما كشفت عنه أعمال التنقيب في مقابر عمال بناء الأهرام، في منطقة الجيزة، حيث عثرت على بقايا أطعمة من بينها هياكل أسماك كانت تُوزَّع على العمال أثناء أداء مهام عملهم(7). أما الأغنياء أو الطبقة العليا، فكانوا يأكلون اللحوم والأسماك والطيور، وأجود أنواع الخضراوات والفاكهة، بالإضافة إلى الخبز والفطائر والمشروبات المتنوعة، ومنها النبيذ الذي كان يستبدل به الفقراء الجعة الرخيصة.

  

امتدت فكرة الطبقية بطعام المصريين، حيث نجد أن طعام الفلاحين أبسط في مكوّناته من طعام الطبقات الأغنى، فهم أقل تناولا للحوم وأكثر اعتمادا على ما تُوفِّره بيئتهم

رويترز
 

هذا التمايز الطبقي واختصاص الأغنياء بكل هذا التنوع من اللذائذ في الطعام منذ القدم تؤكده نقوش مقابر نبلاء الدولة على مر العصور، ومنها نقش في مقبرة الوزير بتاح حتب، في عهد الملك جد-كا-رع في الأسرة الخامسة، جالسا أمام مائدة عليها قرابين عامرة بكل ما لذ وطاب، يشرب قدحا من "الماء الطاهر" وأمامه الخدم والكهنة يذبحون الماشية ويحملون الأطعمة الطازجة، بينما يوجد نقش علوي لخادمات يحملن الأطعمة(8).

  

وقد امتدت فكرة الطبقية في طعام المصريين عبر التاريخ، فحتى في التاريخ القريب نجد أن طعام الفلاحين كان أبسط في مكوّناته من طعام الطبقات الأغنى، فكانوا أقل تناولا للحوم وأكثر اعتمادا على ما تُوفِّره بيئتهم، فيقول الصحفي يوسف الشريف إنه "كانت لوالده أرض زراعية في قرية أبي صير بمحافظة الجيزة، فكانت أجرة الفلاح المسكين وحماره لا تزيد عن خمسة قروش أواخر الأربعينيات... وإنّ طعام الفلاح مكوّن من المشّ الأجاج (الجبن شديد الملوحة) والنباتات العشوائية مثل السريس والجعضيض. ثمّ يقول من كان في الريف عهدئذٍ كان لا يعرف طعم لحم الأبقار والجاموس والأغنام والجمال، إلا أن تأتيه صدَقةٌ من أحد المُوسِرين، أو ربما أنّ بهيمة وقعت في ساقية فتحطمت عظامها، فلحقها جزار القرية وذبحها وطاف في القرية مردّدا وهو يشير للذبيحة "من ده بكره" ويردّد وراءه الأطفال "بقرشين" أو ثلاثة على حسب وزن الرطل"(9).

   

هذا التباين في طعام المصريين وفقا لطبقتهم الاجتماعية وقدراتهم المادية اتخذ صورا مختلفة حديثا، فلم يقتصر على توفر أنواع محدودة من الطعام فقط، إنما امتد التمايز لنوع المطاعم وأسماء الطعام ومكوّناته المختلفة تبعا للطبقة اجتماعية.

  

فول "الجحش" وكوروسان "باول"

  

زاد الاختلاط والتواصل اللذان وفّرتهما العولمة بين الشعوب من الانتشار المتبادل للطعام بينهم، وكجزء من كل ما طال المصريين من تغيّر كبير في محتويات طعامهم، اعتبر المصريون الأكلة الإيطالية المعروفة "المكرونة بصلصة البشاميل" أكلة مصرية، يعيدون اختراعها على الدوام بالتعديل على مكوّناتها، وصار "الكاري" و"صلصة الصويا" مكوّنات معروفة ومتداولة في البيوت بشكل اعتيادي، وأصبحت نوعية الطعام وأسماء المطاعم مُحمَّلة بقدر كبير من الرمزية الاجتماعية، فقد أصبح الطعام دليلا على المستوى الاجتماعي لمتناوليه ومرتادي أماكن تقديمه.

  

فبداية من منتصف التسعينيات، كما تذكر آنوك دي كونينج في كتابها "أحلام عولمية"، بدأت تظهر في مصر المقاهي الحديثة (الكوفي شوب)، ومطاعم الوجبات السريعة استجابة لمقتضيات العولمة والانفتاح، وارتبط نمو ورواج هذه المحال في الألفينيات بصعود الطبقة المهنية المتوسطة التي نشأت من الأشخاص الذين تلقوا تعليما عاليا، والتحقوا بوظائف في شركات أجنبية ومصرية خاصة، وفّرت لهم مستوى من الدخل يسمح لهم بنمط حياة استهلاكي مشابه للغرب.

  

وتعكس المقارنة بين المقاهي الحديثة المغلقة والمكيفة والتي ينتشر فيها الاختلاط بين الجنسين، و"المقهى البلدي" بالمفهوم المصري حيث طاولات على الرصيف مليئة بالرجال، التغيّر الحادث في مظاهر الاستهلاك والحياة اليومية(10)، كما تعكسه أيضا المقارنة بين المطاعم الشعبية التي كانت تُشكِّل صلب ثقافة المصريين الغذائية، مثل مطاعم الفول الشهيرة كمطعم "الجحش" والمسمط الذي يُقدم كل أجزاء الحيوان مطهوة بشكل بسيط، وبين المطاعم الغربية التي حملت للمصريين ثقافة ونمط غذاء مختلفا وجديدا، كمطعم "باول" الذي يشتهر بوجبات الإفطار من المعجنات والأجبان والوصفات الغربية، والتي تحل في المخيال المصري محل وجبات الإفطار التقليدية. كذلك مطاعم الوجبات السريعة والمطاعم ذات الطراز الغربي التي أصبحت أماكن ترفيه وملتقى للشباب، كما أصبحت ملجأ الأسرة المصرية التي يغيب فيها كلٌّ من المرأة والرجل عن المنزل طوال اليوم للعمل، وتعجز الأسرة عن سد حاجات أفرادها الغذائية.

   

من مطابخ الجدات لشاشات التلفاز..


   

"نفسي أفتح مطعم يستهدف المغتربين واللي عايشين لوحدهم، واللي نمط حياتهم شبه المغتربين واللي مفتقدين الدفء وعايشين على الذكريات، واللي بيعشقوا النوستالجيا، والحياة الحديثة أرهقتهم، مطعم للإنسان المعاصر الوحيد البائس".

 

هكذا كتبت أميرة محمود في منشور على فيسبوك(11) تنسج في ثنايا كلماتها حالة اجتماعية دافئة، كانت مرتبطة بمركزية الطعام داخل الأسرة، والدور الذي كان يلعبه في تشكيل نسيجها والحفاظ عليه، والذي اختفى، أو يكاد، نتيجة التغيّر المتسارع في طبيعة الحياة الاجتماعية. فرائحة الطعام التي كانت تفوح من المطابخ المنزلية، ومشاركته التي كانت تقوم عليها العلاقات الاجتماعية، وانتقال وصفاته بين الأجيال المختلفة بما في ذلك من حفظ للثقافة وإعادة إنتاج للروابط الإنسانية والمجتمعية، أصبحت كلها تحت تهديد التغيّرات التي طالت بنية المجتمع المصري.

 

فالمرأة المصرية التي كانت العامل الأهم في استمرار تلك المنظومة تغيّر دورها، لتبلغ نسبة النساء اللواتي يعملن بعمل دائم خارج المنزل 89%، وفقا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء(12)، وهذه النسبة تعكس التغيّر الحتمي الذي طال المجتمع، فاستبدلت الأُسر الوجبات السريعة بالطعام المعدّ منزليا، واستعانت بالمطاعم لملء فراغ البطون الذي عجزت مطابخ البيوت عن إشباعه.

 

ونتيجة الانشغال الدائم للمرأة والعزوف عن ممارسة الطبخ كنشاط يومي، حصل بتر في مسار انتقال ثقافة الطهي كما كان يحصل سابقا في المجتمع من الجدات للأمهات والأحفاد. فأصبحنا نرى نساء يقضين ساعات أمام شاشات التلفاز لمساعدة برامج وقنوات متخصصة في الطهي بداعي التعلم والتجديد، برامج تختلط فيها الوصفات وتتغيّر النكهات لتؤكد أن الأُسر المصرية فقدت طرق السيطرة على طريقة إعداد الطعام، فلم تعد الأسرة هي المربي الوحيد الذي يُنشئ الأفراد على إعداد الطعام، بل أصبح الإنسان المصري خاضعا لقدرته الشرائية على توفير طعام سريع يسد جوعه ويعوّضه عن الطعام المنزلي الذي وإن كان بسيطا إلا أنه بالتأكيد أكثر صحة.

 

أي حاجة في رغيف.. إشباع البطون على حساب الصحة

"المصريون فقراء يعانون من السمنة وسوء التغذية في آنٍ واحد"

(د. حبيبة واصف)

   

في مصر،  كلما كنت أكثر فقرا، أصبحت تحت رحمة ما هو متاح في محيطك المباشر وما هو مدعوم. ومن هنا يأتي ارتفاع نصيب الكربوهيدرات

رويترز
   

من المعروف أن ما نأكله يؤثر على صحتنا، وتُعَدُّ النسب والأرقام للأمراض المتعلقة بالصحة الغذائية للمصريين هي المؤشر الواضح على سوء الحالة الغذائية عندهم. فوفقا لمنظمة الصحة العالمية فإن 45% من المصريين يعانون من مرض الأنيميا(13)، و35% من أمراض الأطفال دون الخامسة سببها سوء التغذية(14). وجاءت مخاطر التغذية وارتفاع ضغط الدم وارتفاع السكر في الدم وارتفاع مؤشر كتلة الجسم -السمنة- والتدخين وسوء التغذية على التوالي كأخطر العوامل التي تؤدي للعجز والوفاة وفقا لمعهد المقاييس الصحية والتقييم التابع لجامعة واشنطن(15). وهذه الأزمة ليست فقط نتاج تغيّر في طبيعة حياة الأسرة المصرية وخروج النساء للعمل وقلة الاهتمام بطهي الطعام المنزلي، ولكنها أيضا نتاج سياسة اقتصادية وغذائية تنتهجها الدولة وتفرضها على المواطنين.

 

فمنظومة الدعم المصرية، التي اعتاد معظم المصريين على الاعتماد على ما تُقدِّمه لتسيير حياتهم، كانت توفر للمواطنين في عهد السادات على سبيل المثال 18 صنفا من المنتجات الغذائية، منها الفول، والعدس، والأسماك، والدجاج، واللحوم المجمدة، بالإضافة إلى الخبز، والأرز، والزيت، وغيرها، ولكنها تقلصت مع الوقت لتقتصر على الخبز، والسكر، وزيت الطعام(16)، في حين ارتفعت أسعار الخضراوات والفاكهة ومنتجات الألبان واللحوم، ليختلّ ميزان الغذاء وتختل معه صحة عموم المصريين غير القادرين على تحمل كلفة غذاء صحي ومتوازن.

   

 

كما توضح د. حبيبة واصف أنه "كلما كنت أكثر فقرا، أصبحت تحت رحمة ما هو متاح في محيطك المباشر وما هو مدعوم. ومن هنا يأتي ارتفاع نصيب الكربوهيدرات، التي تأتي من مصادر رخيصة مثل الأرز والمكرونة. إنك في هذه الحالة تأكل سعرات فارغة، أي سعرات ذات قيمة غذائية محدودة للغاية"(17). وتضيف في السياق نفسه "أن المصريين اعتادوا في الماضي على تبني النظام الغذائي السائد لدى شعوب البحر المتوسط، والذي يتألّف من الخضراوات والفاكهة الطازجة والبروتين، لكن حدثت تغيرات أساسية في العادات الغذائية بفعل التحولات في أنماط العمل وارتفاع تكلفة الغذاء… فالفقر يُلغي القدرة على الحصول على غذاء أعلى ثمنا وأفضل للصحة نسبيا، خاصة الخضراوات والأعشاب الأساسية. كما أن المعرفة الصحية، أي الأساسيات التي يحتاج الناس إلى معرفتها كي يقوموا باختيارات غذائية جيدة، تُعتبر جزءا لا يتجزأ من صحة الأمة، ونحن ليس لدينا أي قدر من هذه المعرفة"(18).

  

وفي مقابل اضطرار الطبقات الأفقر لتناول ما هو متاح لسد الجوع، يسود حاليا اهتمام كبير بالطعام الصحي وتتبّع مكوّناته بين الطبقات الأعلى قدرة مادية، والسعي لاتباع الأنظمة الصحية وتوفير البدائل للطعام غير الصحي، فانتشرت محال لبيع المكوّنات اللازمة للطهي الصحي، وليس الهدف الصحة فقط، وإنما هناك أيضا سعي حثيث لدى النساء خصوصا للوصول لشكل جسم يوافق معايير الجمال السائدة حاليا.

     

صارت النساء اليوم مهووسات بالسعي نحو النحافة واتباع الحميات الغذائية، وتُسهم المعايير الحالية للموضة فيما ينتاب النساء من هاجس نحو الطعام بعرضها للجسد النحيف كنموذج أمثل للجمال

مواقع التواصل
  
الطعام على مذبح الموضة.. من نساء نجيب محفوظ لمسيرات الحمية الغذائية

في روايات نجيب محفوظ التي رصد فيها الطبيعة الاجتماعية والفكرية للمجتمع المصري، نجد أن جمال المرأة فيها صورة قلّ وجودها حاليا في خيال المصريين ومجال أذواقهم، فنساء نجيب محفوظ ممتلئات الجسد وإن لم يختفِ التنوع أو يُستنكر. "فالنحافة موضة العاجزات عن السمانة"، كما جاء على لسان خديجة ابنة السيد أحمد عبد الجواد في رواية "قصر الشوق"، وكما يصف ابنه ياسين جمال جارتهم بأنها "سمنت واكتنزت، فزادت حسنا عما كانت أيام صباها"(19)، فهذا التغني بالجسد الممتلئ واعتباره دليل الصحة والجمال انقلب لهوس مضاد بفقدان الوزن والنحافة.

  

أما النساء اليوم فصرن مهووسات بالسعي نحو النحافة واتباع الحميات الغذائية، وتُسهم المعايير الحالية للموضة فيما ينتاب النساء من هاجس نحو الطعام بعرضها للجسد النحيف كنموذج أمثل للجمال، كما تُسهم فيه أيضا وسائل الإعلام بترويجها للمثال النحيف الذي يكاد أن يكون من المستحيل الوصول إليه، ومعظم مَن يصلن إليه يُصبن بضعف جسماني بالمعنى الحرفي للكلمة بسبب سوء التغذية، ويزيد هذا الأمر الصراع الداخلي للمرأة، حيث تُصاب بحالات من فقدان الثقة والخوف وتنتابها الوساوس(20).

  

هذا الصراع النفسي بين ما هو واقعي وبين ما هو مُروَّج له ومرغوب يشرحه المسيري بمصطلح "علمنة الجسد"، حيث تضع الحياة الحديثة مقاييس محددة تُماشي أهدافها ولكنها مقاييس مستحيلة التطبيق، فالمقاييس الجمالية المطلوبة من المرأة غير متناسبة مع وظائفها الإنسانية كأم بحسب المسيري، فاختلاف جسد المرأة بعد الزواج والإنجاب والرضاعة يتضاد مع المقاييس الجمالية القياسية التي تفرضها شركات الموضة والجمال، وهو ما يخلق صراعا مع تحوّل الجسد لشكل غير مرغوب ومستنكر من المجتمع. وهذا الصراع ليس حكرا على النساء، وإنما يمتد لذوق المجتمع واستحسانه لكل مكوّنات حياته ومن ضمنها الطعام نفسه، مسببا حالة من السيولة الذوقية والثقافية.

   

   

"الجبنة السايحة" والثقافة السائلة

في عصر الاستهلاك الذي نحياه يحتاج السوق دائما إلى تجديد نفسه لتستمر عجلة الشراء ويستمر رأس المال في الدوران، وفي ظل العالم الرقمي الذي يحتوي تفاعلاتنا وحركتنا أصبحت ثقافة "الترند" هي وسيلة السوق الحالية لترويج السلع ومراكمة الأرباح، فكل فترة يطفو على سطح التفاعلات الاجتماعية موضوع معين أو ظاهرة أو سلعة تحتل حيّزا من اهتمام المصريين، تأخذ وقتا ثم يُستبدل بها غيرها. ورغم أنها ظواهر مؤقتة فإنها تعكس لنا في كل مرة جوانب من التغيّر الثقافي الذي يطول المجتمع المصري.

  

ومن هذه الصيحات التي ظهرت في مجال الطعام صيحة "الجبنة السايحة" التي أصبحت تُضاف إلى كل أنواع الطعام حتى أصبحت أداة ترويج لأماكن تقديمه، وبحث صغير يستطيع أن يأتيك بعشرات النتائج لإعلانات الطعام بـ "الجبنة السايحة"، فيقول تامر إبراهيم في منشور ساخر من إعلانات المطاعم على فيسبوك: "بعدها.. تيجي كلمة السر اللي بتبيع أي حاجة بتتاكل.. الجبنة السايحة"(21)، فيما هاجم البعض إضافة "الجبنة السايحة" المبالغ فيه لأنها تجعل الطعام مائعا فلا تتذوق له طعما ولا تعرف له شكلا.

     

  

ميوعة الطعام وغياب خصوصيته حين يُغطى "بالجبنة السايحة" يُمثِّل امتدادا لحال الثقافة داخل المجتمع المصري وقيمه، فالثقافة هي طريقة الحياة، بما في ذلك المعرفة والعادات والمعايير والقوانين والمعتقدات التي تُميّز مجتمعا خاصا أو مجموعة اجتماعية معينة(22)، والقيم التي تولّدها ثقافة المجتمع تتحول إلى تقاليد وأعراف وأذواق تحكم اختيارات أفراد المجتمع اليومية، فمجموع المظاهر الثقافية لمجتمع معين يُمثِّل ما يسمى في الأنثروبولوجيا "الحدود الثقافية"، حيث تطبع هذه الممارسات كل جماعة إنسانية بسمات خاصة ومميزة، فوجبة طعام أو شكل لباس قد يشيران إلى انتماء الشخص لجماعة معينة، كشكل الجلباب الذي يرتديه الرجال والنساء، أو وجبة الطعام التي تخص شعبا معينا وتشتهر به ويشتهر بها كالكبسة السعودية على سبيل المثال.

  

والطعام كما ذكر مؤلفا كتاب "مذاق الزعتر: ثقافة الطهي في الشرق الأوسط" كان أحد محددات الهوية قبل القوميات الحديثة، فهو مفعم برسائل اجتماعية ومعنوية ورمزية". ولأن الطعام صورة حية من صور الثقافة فإنه يُعبِّر بشكل جيد عن الهوية الثقافية لكل مجتمع والتغيرات التي تطرأ عليها، وكلما أصبح العالم أكثر عولمة أصبح من السهل الوصول إلى مأكولات من ثقافات مختلفة، والاستمتاع بها وحتى تفضيلها على المأكولات المحلية. وحينها إذا كانت ثقافة المجتمع المحلي قوية ومرنة، فستستقبل ما يرد لها وتستوعب منه ما يناسب ذوقها وترفض ما لا يناسبه، وهو ما كان يحدث سابقا حين يتعرض المجتمع المصري للتغيرات، أما إذا كانت ثقافة المجتمع هشة فإن أي مظهر ثقافي خارجي سيؤثر فيها أكثر مما قد تؤثر هي فيه. لذلك فإن نموذج الجبنة السايحة والتفاعل معه ينبئنا بأن الثقافة المصرية فقدت تماسكها وقدرتها على توجيه منتميها وتشكيل ذائقتهم الجمعية نحو الحياة ومظاهرها المختلفة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار