انضم إلينا
اغلاق
هيئة الرقابة الإدارية.. ماذا تعرف عن جهاز السيسي الأكثر فتكا بالمصريين؟

هيئة الرقابة الإدارية.. ماذا تعرف عن جهاز السيسي الأكثر فتكا بالمصريين؟

أحمد خالد

باحث وكاتب
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع


"محدّش يفكّر إن طولة بالي وخُلُقي الحسَن معناه إن البلد دي تقع، قسما بالله اللي هيقرب لها لأشيله من فوق وش الأرض"!

(السيسي، فبراير/شباط 2016م)

 

في الأعوام الخمسة الأخيرة برز من جديد اسم "هيئة الرقابة الإدارية" كأحد الأجهزة النشطة على الساحة المصرية لمحاربة الفساد الحكومي، والقبض على المرتشين، ولا يكاد يمر أسبوع في مصر هذه الأيام إلا وتعلن الهيئة عن القبض على "صيد ثمين" من كبار حيتان مصر، فهل حقا تريد الدولة إعادة تفعيل دور الأجهزة الرقابية للحد من الفساد، والقضاء على الرشوة والمحسوبية؟ أم أن نشاط هذا الجهاز الرقابي الحسّاس له أبعاد أعمق من مجرد محاربة الفساد والقضاء على الفسدة، ومساعدة الأجهزة الحكومية في أعمالها؟

محمد علي أصل السلطوية في مصر!

مما لا شك فيه أن الدولة الحديثة في مصر تستند إلى بيروقراطية عتيقة أصّل لها وأوجدها محمد علي باشا (1805-1849م) حين أعاد تنظيم الجهاز الإداري في الدولة من خلال استحداث عدة دواوين كان على رأسها ديوان المعية اليومي لمتابعة تنفيذ أوامره يوما بيوم، وقد طرأت تعديلات عديدة طوال حكم محمد علي على هذا الجهاز الهيراركي (تراتبي) الذي كان انعكاسا لاستراتيجيته في إدارة شؤون البلاد.

   

الطرق التي اتبعها محمد علي في بناء "الدولة الحديثة" كانت خليطا من النماذج التنظيمية ذات الطراز الأوروبي والممارسات "الشرقية"

مواقع التواصل
 

حرص الباشا على سحق أي دور للجماعات الوسيطة التي لعبت طوال قرون أدوارا كبيرة بين السلطة العليا وبين عامة الناس والمجتمع المدني، وتجلى عنها نظام "الالتزام" الزراعي، وروابط الأصناف الحرفية والتجارية، والطرق الصوفية، والعصبيات البدوية، والتنظيمات الاجتماعية لـ"الملل" الدينية من الأقليات، كل هذا سحقه محمد علي وجعله هامشيا لا تأثير له في الواقع السياسي والإداري في عصره حين أنشأ "بيروقراطية" إدارية جديدة كانت لها أهدافها المغايرة وغير النمطية كما كان في السابق.

 

إن بيروقراطية محمد علي كانت في الحقيقة ذات هدف سياسي بعيد المدى؛ ذلك أن "الباشا" قد واجهَ في السنوات الأولى لحكم مصر صعوبات جمة في سبيل إحكام سيطرته على أقسام مصر الإدارية، ولا شك أنه استفاد في البداية من المؤسسات العثمانية القديمة مثل "الروزنامة"، ونظام الحكم المحلي المؤلف من حكام أتراك يُطلق عليهم نُظّار ورجالهم من الكُشّاف في القمة ثم مشايخ البلد، وكان عليه أن يعتمد على موظّفين من الكتبة الأقباط يحتفظ البعض منهم بدفاتر حسابات الدولة بمنزله.

 

محمد علي باشا أول من جعل البيروقراطية في خدمة الحاكم في مصر الحديثة (مواقع التواصل)


لكن في عام 1824م قرر محمد علي وضع تراتبية بيروقراطية تقوم على تسلسل قيادة يبدأ من القاهرة وينتهي بالقرى، فقُسّمت مصر إلى 24 جزءا، وقُسّم كل من هذه الأجزاء إلى خطط وأقسام ومأموريات ومديريات، وكان يُدير هذه الوحدات -بدلا من النظّار والكُشّاف في النظام العثماني- نوع جديد من الموظفين موفدين من القاهرة، وقد طُبّق النظام على القرى ومن بقي في الخدمة من الموظفين المحليين، وفي وقت لاحق وُضع هذا النظام الإقليمي تحت إشراف ديوان عموم التفتيش(1).

 

بحسب الدراسة القيمة لنزيه الأيوبي "تضخيم الدولة العربية" فإن الطرق التي اتبعها محمد علي في بناء "الدولة الحديثة" كانت خليطا من النماذج التنظيمية ذات الطراز الأوروبي والممارسات "الشرقية"، ومع أنها تعد بيروقراطية حديثة من حيث المظهر تم بناؤها، فإن أسلوب محمد علي في مخاطبة موظفيه في المراسلات الرسمية كان أسلوبا استبداديا ومهينا، كانت كلمة "الخنزير" أحد النعوت المفضّلة التي كان يُسبغها على الموظفين الذين كان يكتشف قصورهم، وإذا ما قام بتفتيش بعض المزارع أو المصانع التابعة للدولة ووجد ما كان يعدّه دليلا على الإهمال من جانب أحد كبار موظّفيه كان يُصدر تعليماته بأن "يُجلد المسيء مئة جلدة على عجيزته بالعصا الغليظة، ثم يُنفى وإذا ما عاد فإنه يُصلب".

 

وقد نصّ قانون "سياست نامة" للعام 1837م الذي أصدره محمد علي، على "أن الموظّفين العاملين، كبارا وصغارا، سيتلقون ما يُناسبهم من عقوبة تأديبية إذا ما أخفقوا في اتباع القوانين والأنظمة، أو إذا ما ارتكبوا شيئا منافيا للشرف الإنساني أو لشرط العبودية (للحاكم)"(2). وهكذا انكشفت التمظهرات الأولى للبيروقراطية المصرية الحديثة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، كممارسة سلطوية مركزية بهدف أساسي ووحيد وهو خدمة مصالح "الباشا" وسهولة وصول يد "الدولة المركزية الحديثة" إلى أي مكان وأي فئة ولو كانت قرية أو شخصا ما في أقصى ربوع مصر المحروسة، وهو ما لم تستطع عليه إدارة العثمانيين ومن قبلهم المماليك في مصر، هذا مع وضع القوانين التي قوّضت من استفحال هذه البيروقراطية أو الخروج عن هدفها الذي وُجدت من أجله، وقد نجح الباشا في ذلك نجاحا كبيرا! 

الملك أحمد فؤاد (1917-1936م) في افتتاح إحدى دورات مجلس النواب (مواقع التواصل)

 

تضخّم البيروقراطية المصرية

استمر الحال طوال عصر محمد علي وأبنائه، لكن دور البيروقراطية المصرية أخذ في التزايد والنفوذ تزامنا مع حالة من التبعية المطلقة للمحتل البريطاني - الفرنسي الذي تدخل اقتصاديا وماليا في عصر إسماعيل منذ سنة 1874م حين غرقت البلاد في الديون، ثم سياسيا وعسكريا بالاحتلال البريطاني سنة 1882م، وفي ظل هذه التبعية أخذت البيروقراطية تتجلى في أشكال جديدة.

 

وفي مقاله شديد الأهمية عن "انتصار البيروقراطية" يؤكد الباحث عمرو عادلي أن الكثير من الدراسات التاريخية والسوسيولوجية تشير إلى أن استقلالية البيروقراطية المصرية وتحولها لفاعل اجتماعي سياسي مؤثر كان بسبب الضعف المزمن للمجتمع المدني، وبخاصة البرجوازية الكبيرة، وهو الضعف الراجع بدوره للظرف الاستعماري الذي تعرّضت له مصر منذ نهاية القرن التاسع عشر.

 

ومن اللافت أن الاستقلال الوطني المصري منذ 1956 وما تبعه من تحرير الاقتصاد من التأثيرات الأجنبية المباشرة لم يترجم إلى دور أكبر للبرجوازية الوطنية، سواء أكانت كبيرة أو صغيرة، إنما انتقل الأمر إلى يد الدولة ممثلة في النظام الناصري الآخذ في التشكل آنذاك، والذي أخذ على عاتقه قيادة عمليات التحديث والتصنيع والتنمية من خلال التوسع في تأميم رأس المال الأجنبي والوطني الخاص، والتوسّع في إنشاء قطاع عام مملوك ومُدار من قِبل الدولة سيطر على مختلف القطاعات الاقتصادية المؤثرة تقريبا منذ نهاية الخمسينيات وحتى مطلع التسعينيات من القرن الماضي.

 

في السياق ذاته، كانت النخب البيروقراطية داخل الدولة والتي كانت مزيجا من ذوي الخلفيات العسكرية والبيروقراطيين والتكنوقراط بديلا عمليا للبرجوازية في إدارة الأصول الإنتاجية والدفع باتجاه التحديث وبناء الدولة القومية في إطار سلطوي نموذجي للتحديث من أعلى لأسفل حيث تقود الدولة ويتبع المجتمع(3).

 

 

هذا على مستوى تكوين النخبة البيروقراطية المصرية وصعودها التاريخي، وبحسب الباحث نفسه فإن للبيروقراطية المصرية ثلاثة تجليات رئيسة، ما يهمنا منها تجليها الأول، حيث إن مجموع مكونات هذه البيروقراطية من المؤسسات والهيئات والوزارات والأشخاص كانت ولا تزال قادرة في أي وقت على التوافق على هدف سياسي في الحد الأدنى، مثل "إيصال السيسي للرئاسة على سبيل المثال، أو على سحق الإخوان المسلمين في مثال آخر، أو مقاومة الثورة في مثال ثالث، وتكون هنا البيروقراطية قادرة على التنسيق بالحد الأدنى للوصول إلى مثل هذا الهدف"(4).

 

وفي حالة نجاح هذه البيروقراطية في الوصول إلى هدفها التوافقي فإنها تعود إلى أحد تجلياتها الأخرى كمجموعات مصالح تتصارع على المغانم والمكاسب، ولكن ذلك يحدث حصرا في إطار الدولة، ومن خلف ستار الرئيس الذي تقدمه البيروقراطية حاميا يقف في خدمة مصالحها، وهو في هذه الحالة السيسي.

 

بيد أن السيسي، القادم من رئاسة جهاز "المخابرات الحربية"، أحد الأجهزة شديدة الأهمية على المستوى المعلوماتي في مصر، والذي تزايد دوره ونفوذه عقب حالة السيولة الأمنية بعد ثورة يناير 2011م، أدرك بطبيعة الحال دور هذه التناقضات وخطورتها داخل دولاب الإدارة المصرية، ومراكز القوى فيها، وكانت الخطوة الأولى أمام السيسي بعد التخلص من الفاعلين الرئيسيين للثورة وعلى رأسهم الإخوان المسلمين والجماعات الوسيطة من الأحزاب والشخصيات الفاعلة، ثم بارتقائه إلى رئاسة الدولة، هو إعادة السيطرة على هذه البيروقراطية واستخدامها لترسيخ سلطته التي أراد -فيما يبدو-  ألا تكون أقل من سلطة محمد علي وجمال عبد الناصر، وهما الرجلان اللذان رسّخا أقدام الدولة الحديثة السلطوية في مصر.

يدرك السيسي القادم من رئاسة المخابرات الحربية طبيعة البيروقراطية المصرية فيما يبدو!

رويترز
 

عمل السيسي طوال السنوات الست الماضية على محور أساسي في ترسيخ قبضته على مفاصل الدولة كافة، وذلك عبر استخدام مؤسسة الجيش وأفرادها لهذا الغرض، ولم يكن غريبا على السيسي القادم إلى السلطة على رأس انقلاب عسكري، بعد التخلص من كبار معاونيه الأقربين بمن فيهم صهره رئيس أركان الجيش السابق الفريق محمود حجازي ومعظم قيادات المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأيضا الرجل الأخطر محمد فريد التهامي مدير المخابرات العامة الأسبق(5)، أن يستمر في اتخاذ الإستراتيجية المزدوجة ذاتها؛ التي تتمثّل في التخلص من كل مراكز القوى العسكرية والمدنية على مستوى الأفراد، مع الاستمرار بالاعتماد على الجيش في ترسيخ قبضته وسلطته.

 

الفريق محمود حجازي صهر السيسي ورئيس الأركان الأسبق، واللواء محمد فريد التهامي أبرز المستبعدين في عصر السيسي (مواقع التواصل)

 

في دراسته "جمهورية الضباط في مصر" يؤكد يزيد صايغ أنه بعد العام 1991م (بعد ارتقاء المشير طنطاوي لوزارة الدفاع) وسّعت القوات المسلحة المصرية توغّلها التام في كل مجال تقريبا من مجالات نظام حسني مبارك القائم على المحسوبيات، وجرت استمالة كبار الضباط عبر وعدهم بتعيينهم بعد التقاعد في مناصب رئيسة في الوزارات والهيئات الحكومية والشركات المملوكة للدولة، ومنحهم رواتب إضافية وفرصا مربحة تمكّنهم من كسب دخل إضافي مقابل ولائهم للرئيس(6).

 

 

الاستراتيجية ذاتها لا تزال تُمثّل إغراء وقوة للسيسي، بل يمكن القول إنه توسّع فيها، وأخرجها إلى العلن حتى على مستوى الإدارة والاقتصاد، بعدما كانت في إطار المحليات والوظائف المهمة والمحسوبيات داخل الدولاب الحكومي للدولة في زمن حسني مبارك، وباتت الإدارة الهندسية للقوات المسلحة -على سبيل المثال- الراعي الأول، والشريك الأبرز لكافة المشروعات الهندسية والإنشائية الكبرى في مصر منذ ارتقاء السيسي، مثل حفر تفريعة قناة السويس الجديدة، والطريق الإقليمي الجديد، والعاصمة الإدارية الجديدة ومشروع جبل الجلالة وغيرها، بعدما كنا نسمع عن "المقاولون العرب" وأخواتها في زمن السادات وحسني مبارك.

 

هيئة الرقابة الإدارية.. يد السيسي الباطشة

في نوفمبر/تشرين الثاني 1962م وكمحاولة من الرئيس عبد الناصر لسحب بساط القوة المتنامي من عبد الحكيم عامر في الجيش، فضلا عن القطاعات الأخرى للدولة، تقدم بمشروع قانون مقتضاه ألا يتم ترفيع الرتب العليا في الجيش من عميد فما أعلى إلا بعد مراجعته، الأمر الذي اعتبره عبد الحكيم عامر سحبا لصلاحياته، وحربا تستهدفه شخصيا، وبسبب تخوّف عبد الناصر من قوة عبد الحكيم العسكرية وولاء الضباط القوي له، وهو الذي ذهب إلى قريته في المنيا محتجا، سحب عبد الناصر مشروع القرار، وعاد الرجلان إلى "الصداقة القديمة" ظاهريا(7)، لكن نشأ وضع جديد في موازين القوى داخل البلاد كان عبد الحكيم ومؤيدوه شمس بدران مدير مكتبه ومدير الأمن العسكري، وصلاح نصر مدير المخابرات العامة هم الجانب الأقوى في تلك المعركة.

 

يصف بعض الباحثين أن ما جرى كان "حرب بيروقراطيات" بين جناح الجيش وجناح الرئاسة في صراعهم على الدولة، وأن "البيروقراطية العسكرية" استطاعت فرض هيمنتها على البيروقراطيات الأخرى، وفي خضم ذلك خلقت "المعارك" البيروقراطية تلك مشاعر بُغض عميق في وسط البيروقراطيات المصرية رافقها نشاطات أسفرت عن تعطيل الأعمال وتشويه السمعات(8).

 

عبد الناصر وعامر الرجلان المتصارعان على النفوذ والسلطة وتطويع البيروقراطية!

مواقع التواصل

 

ولأجل كبح جماح مجموعة عبد الحكيم أصدر عبد الناصر قراره رقم 54 لعام 1964م بإنشاء "هيئة الرقابة الإدارية"(9)، كجهاز رقابي مستقل تابع لرئاسة الوزراء لمحاربة الفساد داخل الجهاز الحكومي في الدولة، لكن ما كان جهازا تابعا في الظاهر لرئاسة الوزراء ولغرض محاربة الفساد، كان في الحقيقة يد عبد الناصر القوية والمتحكمة وعينه داخل الجهاز البيروقراطي المدني في الدولة المصرية، كان في الحقيقة جهازا يعيد موازين القوى إلى نصابها أمام "بيروقراطية العسكر" بقيادة عبد الحكيم وجماعته في إطار "الصراع" على النفوذ والسلطة في مصر.

 

وحرص عبد الناصر وخلفاؤه حتى اليوم أن يكون رؤساء الهيئة وأعضاؤها من رجال الجيش والمخابرات ولاحقا من ضباط الشرطة، فكان اللواء كمال الغر القادم من المخابرات العامة أول رئيس للهيئة وربما أطولهم حيث مكث في منصبه 14 عاما متواصلة، حظي فيها بثقة عبد الناصر، وبفترة طويلة على ثقة السادات.

 

ظلت الهيئة تعمل وفق ما نصّ عليه قانون إنشائها حتى فتحت تحقيقات موسعة في عصر السادات، في قضية عُرفت باسم "عصمت السادات ورشاد عثمان"، ابن شقيق الرئيس، وهو ما أزعج السادات وقتها، فقرر نقل رئيس الهيئة كمال الغر سنة 1978 للمجالس القومية المتخصصة، وحُلّت الهيئة بعد عامين من هذا القرار، وجمد نشاطها في عام 1980، ثم وُزعت ملفات القضايا بالهيئة على الشرطة العسكرية ومباحث أمن الدولة، وفُرمت الكثير من أوراق وأدلة الفساد(10).

 


عندما تولى حسني مبارك الحكم، أصدر قرارا عام 1982 بإعادة تشكيل الهيئة وتعيين اللواء محمود عبد الله، ونقل مقرها من الجيزة بالدقي، إلى المبنى الحالي للهيئة في منطقة الجولف في مدينة نصر، وكانت أول قضية فتحتها الهيئة وقتها هي قضية عصمت السادات وأبنائه، وعلاقاته برشاد عثمان، والتي انتهت بحبسه وبمصادرة أملاكه.

 

يؤكد يزيد صايغ(11) الباحث في الشؤون العسكرية والأمنية أن هيئة الرقابة الإدارية عملت في ظل حكم مبارك كوسيلة لترهيب المعارضين ومعاقبتهم، والسيطرة على مؤيّدي النظام، وكان بالإمكان أيضا كبح جماحها عندما تُهدّد تحقيقاتها السياسيين أو رجال الأعمال المقربين من الرئيس، ففي العام 1996م استُبدل رئيسها اللواء أحمد عبد الرحمن بعد إصراره على متابعة التحقيق في قضية فساد ضد وزير الإسكان وقتها إبراهيم سليمان، وكان بديله اللواء هتلر طنطاوي أكثر إذعانا على ما يبدو، حيث جدّد له مبارك ثلاث مرات، وبعد تقاعد طنطاوي في 2004م، نشرت اتهامات بأنه استغل منصبه للحصول على عدد من الأملاك، وقد خلفه في رئاسة الهيئة اللواء محمد فريد التهامي الرجل الذي سيوليه السيسي في بداية انقلابه رئاسة المخابرات العامة، واللافت أن مبارك جدّد للتهامي أربع مرات منذ أن انتهى تعيينه الأصلي في العام 2008م، كان آخرها من جانب المشير طنطاوي رئيس المجلس العسكري الحاكم بعد الثورة في ديسمبر/كانون الأول 2011م.

 

اللواء هتلر طنطاوي رئيس الرقابة الإدارية الأسبق (1996-2004م) (مواقع التواصل)


حين ارتقى محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية في يونيو/حزيران 2012م استطاع أحد ضباط هيئة الرقابة الإدارية وهو المقدم معتصم فتحي أن يقدم أدلة على فساد رئيسها الأسبق اللواء محمد فريد التهامي لرئاسة الجمهورية، فضلا عن تفجيره لقضية "القصور الرئاسية" التي تورط فيها مبارك ونجلاه، وقد أكّدت بعض الجهات الرقابية الأخرى صحة هذه الاتهامات بالفعل، فأصدر الرئيس محمد مرسي قرارا بعزل التهامي من وظيفته وتعيين اللواء محمد عمر هيبة مكانه(12)، لكن سرعان ما أقاله السيسي بعد الانقلاب العسكري ليعين اللواء محمد عرفان جمال الدين ثم يقيله بالمخالفة للدستور(13)، ويُعيّن من بعده اللواء شريف سيف الدين الرئيس الحالي للهيئة، ويُعيّن للمفارقة اللواء التهامي المتهم بالفساد في منصب رئيس المخابرات العامة ثم إقالته بعد ذلك!

 

من اللافت أن السيسي أعاد الاهتمام بشكل مبالغ بهيئة الرقابة الإدارية ربما أكثر من الرؤساء الذين سبقوه، ففي دستور 2014م جاء تعديل جوهري جعل الهيئة كيانا مستقلاً تابعا لرئيس الجمهورية مباشرة بعدما كانت تابعة لرئيس الوزراء، ثم كانت الخطوة الأكبر في العام 2017م حين أصدر السيسي القانون رقم 207 لإضافة اختصاصات أخرى لعمل هيئة الرقابة الإدارية منها مكافحة الاتجار في البشر، والأعضاء البشرية، لكن اللافت أن هذا القانون أضاف اختصاصا جديدا ومهما لعمل الهيئة جعلها قريبة الشبه من بعض اختصاصات جهاز المخابرات العامة تحديدا؛ حين شرّع التعاون والتنسيق وتبادل الخبرات والوثائق والمعلومات مع الهيئات والأجهزة الرقابية المختصة بمكافحة الفساد في الخارج، وبهذا توسّعت صلاحيات الهيئة من مراقبة ومكافحة الفساد في الداخل إلى كل ما يخص الجهاز الإداري للدولة المصرية ولو كان خارجا، ثم جعل الاتصال اليومي بالأجهزة الرقابية والمعلوماتية الأخرى مفتوحا ومشرعا ومفروضا.

 

السيسي ورئيس هيئة الرقابة الإدارية الحالي اللواء شريف سيف الدين (مواقع التواصل)

 

هذا التضخيم في شكل واختصاصات جهاز الرقابة الإدارية؛ ليصبح الجهاز الرقابي الأول والأكبر داخل الدولة المصرية الآن، لا يُستبعد من ورائه ابن السيسي المقدم مصطفى السيسي الذي يعمل في هذا الجهاز منذ سنوات طويلة، كما أنه على الجانب الآخر وبحسب "مركز يروشليم لدراسة المجتمع والدولة" الإسرائيلي فإن السيسي من خلال نجله الآخر محمود الذي أصبح الرجل الثاني بعد عباس كامل في قيادة المخابرات العامة والذي تورّط بحسب عدة مصادر في إقالة اللواء خالد فوزي المدير السابق للمخابرات(14)، أصبح السيسي من خلال نجليه محمود ومصطفى يسيطر على أهم الأجهزة المعلوماتية والرقابية في مصر.

    

عمل جهاز الرقابة الإدارية ولا يزال بجهد لافت، وسلطت عليه الآلة الإعلامية المصرية ولا تزال الضوء ببطولاته لمحاربة الفساد اليومي، والكشف عن بعض الوزراء والمحافظين ورؤساء الأحياء وغيرهم من كبار موظفي الدولة من المرتشين، فكانت الضربة الأكثر قوة ولفتا للانتباه من هيئة الرقابة القبض على وزير الزراعة الأسبق صلاح هلال في ميدان التحرير بعد خروجه من رئاسة الوزراء في سبتمبر/أيلول 2015م، ثم قبضت الرقابة الإدارية على محافظ حلوان الأسبق في مارس/آذار 2017م،  ثم محافظ المنوفية السابق في يناير/كانون الثاني 2018م بتهم رشوة وفساد.

 




تنوعت مناصب من أُلقي القبض عليهم في العامين الماضيين من قِبل هيئة الرقابة الإدارية، ما بين رؤساء محاكم، ورؤساء أحياء وغالبيتهم من اللواءات المتقاعدين، ورئيس مباحث في القاهرة، وبعض كبار الموظفين في الوزارات المختلفة مثل الصحة والبترول والاتصالات وغيرها، ومدير التفتيش البحري في السويس، وغيرهم من كبار الموظفين المتهمين بالفساد في كافة المحافظات المصرية.

 

وزير الزراعة الأسبق صلاح هلال، أحد كبار المتساقطين بيد الرقابة الإدارية (مواقع التواصل)

 

وهذا الحجم الكبير من القضايا التي بات يُعلن عنها بصورة أسبوعية وربما يومية في بعض الأوقات، لا يكشف فقط عن اهتمام الدولة الجدي بمحاربة الفساد، وقلع جذوره من الموظفين الحكوميين كبارا كانوا أم صغارا، بل يكشف بصورة أعمق عن ممارسة سلطوية تهدف في المقام الأول إلى إخضاع هذا الجهاز البيروقراطي الكبير، وإعلان الولاء التام، وبث الخوف والرعب لكل من تسوّل له نفسه أن يد الدولة/السيسي ربما تكون بعيدة عنه.

 

هذه الممارسة الرقابية الكثيفة التي يحرص عليها السيسي، تناول أصولها ومراميها المفكر الفرنسي المعروف ميشيل فوكو في كتابه المهم "المراقبة والمعاقبة"، وخلص أن هدف السلطة الأساسي هو مراقبة ومعرفة ثم السيطرة على "كل ما يجري"، و"هذه السلطة لكي تمارس نفسها، يجب أن توفّر لنفسها أداة الإشراف الدائم، الدقيق الشامل، الكلي الحضور، الأداة القادرة على جعل كل شيء تحت الرؤية، إنما شرط أن تجعل نفسها وذاتها غير مرئية"(15)، لكي يستمر عملها بهدوء، وحتى لا تنكشف الحقائق لعامة الناس، فتبقى صورة الزعيم كما هي ناصعة برّاقة!

 

في أسبوع جنازة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر تساءلت كبرى الصحف العالمية عن سر "الاكتئاب الجماعي" الذي ضرب المصريين على الرغم من الهزائم الثقيلة التي أنزلها بشعبه والتي فقد فيها أكثر من خُمس الأراضي المصرية، فضلا عن إنشائه الأجهزة القمعية والرقابية والإعلامية التي استحدثها وجعلها تقوم بوظيفة غسيل جماعي لعقول المصريين، هذه الجماهير التي خرجت تطالبه بالبقاء بدلا من التنحي بعد الهزيمة المفجعة لهزيمة يونيو/حزيران 1967م!

 

مشهد من جنازة جمال عبد الناصر (مواقع التواصل)

 

الأمر الذي جعل الدكتور إمام عبد الفتاح في كتابه "الطاغية" يشرح أصل المسألة، وينفي عنها الدعاوى التي طالما وصمت الشرق بالعبودية والاستكانة والذلة للحاكم على مدار التاريخ لعلّة في ذاتها ونفسها، لقد فسّر الأمر من ناحية أخرى حين قال:

 

"إن كل ما نستطيع أن نقوله هو إن الشعوب التي اعتادت حكم الطاغية لعدّة آلاف من السنين قد نجد لديها استعدادا للتسليم بهذا الشكل من أشكال الحكم أسرع من غيرها، كما أننا نجدها لا تُمانع في الحديث عن إيجابيات الطاغية وتمتدح أعماله الجليلة دون أن تجد في ذلك حرجا ولا غضاضة"(16).

 

وهكذا بعد مرور ست سنوات على الانقلاب العسكري، تغلغلت أذرع السيسي الأمنية والرقابية لتصنع واقعا جديدا يُراد منه الدوام والاستمرار، واقع لا يهتم بإخضاع المجتمع المصري وحده، بل وإخضاع هذا الجهاز البيروقراطي الضخم الذي شارك وأسهم بنصيب وافر في قمع وإجهاض الثورة المصرية!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار