انضم إلينا
اغلاق
بعد أزمة شادي سرور.. هل مشاهير "السوشيال ميديا" مرضى نفسيون؟

بعد أزمة شادي سرور.. هل مشاهير "السوشيال ميديا" مرضى نفسيون؟

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

على طاولة اللعب لا تأمن للنرد، فأنت لا تعرف إلى أين ستقودك الخطوة التالية، وفي لعبة السلم والثعبان المسألة كلها حظ، إما أن تستمر في الصعود إلى القمة وتربح دون خسائر، وإما أن تُصاب باللدغة التي ستعيدك من جديد إلى القاع فتتراجع فرصك في النجاح، إذا كنت مغامرا ستخوض اللعبة من جديد، أما إذا كنت مضطربا، فستظن أن خسارتك الصغيرة هي مؤامرة يدبرها الجميع من أجل تحطيمك في لعبة افتراضية تافهة.

 

على أرض الواقع، فإن قرارك لصعود السلم الاجتماعي سيأخذ منك مجهودا أكبر، لن يكون الحظ حينها الرافعة الوحيدة لارتقاء السلم، لكنك بالتوازي مع الصعود ستفتش عن الحب، لتصعد، نعم، حب الآخرين لك، ربما لن يمثل المال أو الشهرة أو السلطة باعتبارهم الجائزة الكبرى التي ستحصل عليها في النهاية، لكنهم سيمثلون وسائلك المتعددة للحصول على الحب، وفي خضم صعودك، سيصيبك القلق بشأن مكانتك بين الناس ومقدار حبهم لك[1] ، لأنك ودون أن تشعر تتغذى على هذا الحب.

     

   

العشرات بل المئات من المقالات والأبحاث والتقارير تخبرنا بشكل يومي عن تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على حياتنا وسلوكنا الشخصي، لكننا على الجهة المقابلة لم ننظر إلى تأثيراتنا نحن على هذه المواقع ومحتواها، بالتحديد على صناع المحتوى الذين حوّلوا منصات التواصل الاجتماعي إلى مجتمع خاص بهم، يعتاشون منه، وتتصاعد قيمتهم فيه، وشيئا فشيئا، تتوطد هناك علاقة دائمة تربط بين الطرفين، صناع المحتوى والمتابعين.

  

"القصة ابتدت بحلم، وكملته بيكم"

(شادي سرور)

 

في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، نشر اليوتيوبر المصري "شادي سرور" فيديو يتحدث فيه عن تجربته مع الاكتئاب وتعرضه الدائم للتنمر الإلكتروني من متابعيه عبر وسائل التواصل، وعلى خلفية موسيقى حزينة على مدار عشر دقائق، يلقي شادي باللوم على متابعيه، ويستنكر عدم محبتهم له، رغم أنه لا يسعى لشيء سوى محبتهم ورضاهم. في كلماته الممزوجة بالبكاء والألم يحاول شادي أن يخبرنا الكثير عن الإيذاء النفسي الذي يتعرض له من أناس لا يعرفهم ولا يراهم، ينظر طويلا إلى الكاميرا/إلينا ونحن نستتر خلف هواتفنا نراقب مشاعره تلك في صمت، ونقيِّمها، ونصفها بالادعاء تارة أو المبالغة أو الصدق. في بداية الفيديو، تحدث شادي عن فترة سابقة في حياته، لم نعاصرها نحن، عندما كان طفلا، وبسبب عيب خلقي عالجه لاحقا كان وحيدا ومنبوذا لا أصحاب له ولا رفقة، اعتاد منذ صغره العزلة وعدم محبة الآخرين له، إلى أن جاءت الشهرة المفاجئة بصناعة فيديوهات ترفيهية قصيرة على موقع يوتيوب اختبر معها شعور الاحتفاء والمحبة الذي يفتقده دوما، الأمر الذي يجعلنا نعيد التفكير للحظات، شادي يحمل منذ الطفولة تبعات التنمر والعزلة وحاول الانتحار سابقا، والقصة الآن تتكرر من جديد.

 

    

" إن لم يلتفت أحد عندما ندخل مكانا، وإن لم يحبنا أحد عندما نتكلم، أو لم يعبأ أحد بما فعلنا، ولكن إذا ما تجاهلنا كل شخص كأننا موتى وتصرف كما لو كنا كائنات لا وجود لها، فسرعان ما يتصاعد داخلنا نوع من الحنق واليأس العاجز، مقارنة به قد يكون أقسى تعذيب بدني مصدرا للراحة"[2]

(وليم جيمس)

 

تنطبق حالة التغذي على محبة الآخرين التي يعيشها شادي سرور على ما قاله آلان دو بوتون عن تأثرنا بغياب الحب، فنحن بحسب وصفه مبتلون بانعدام الثقة في قيمتنا الشخصية، وأننا لا نستمدها إلا من تقييمات الناس، وبشكل "مريض" تركنا هويتنا أسيرة في قبضة الآخرين واستسلمنا لغوايتهم، فأصبحنا بشكل متكرر كاللاعب الذي يستند إلى النرد. يكرر شادي أن هدفه هو إرضاء الناس ومحبتهمه يسعى لنيل حبهم في حالة تشبه تأطير العلاقة بينه وبينهم، أي أن تصبح المعادلة كالتالي: الإرضاء والترفيه في مقابل المحبة، فإذا اختل أحد أطراف المعادلة، سينقلب الحال لما هو أبشع، سنتحول إلى متنمرين وسيكون هو الضحية مرة أخرى؛ هكذا تدور حياته، وحياة الكثيرين، بين المحبة والكره، وهو بين الحالتين يقف تائها ومهزوزا، هنا تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى معركة افتراضية يقف فيها شادي سرور وحيدا في مواجهة المجتمع.

 

على مدار السنوات الماضية، اكتسب مشاهير منصات التواصل الاجتماعي معنى جديدا لحياتهم، وتحوّلوا من أناس عاديين إلى مشاهير في المجتمع تُسلّط عليهم الأضواء التي لا بد أن يدفعوا ضريبتها يوما، وسيرافقهم بصمت شبح صغير، سينمو بمرور الوقت، واسمه مرض القلق.

 

في تفسيره للقلق، يرسي فرويد خريطة مصغرة لمسارات القلق في حياتنا، تبدأ منذ استقلال الطفل في مراحل تكوينه الجسماني مرورا بسلطة الوالدين، ثم المجتمع، هكذا يظل القلق رفيقه الأبدي لأنه مرتبط في نواته بالأنا الأعلى، فإذا تخطى البدايات سيصطدم في النهاية بالقلق المجتمعي وستؤرقه فكرة "الانفصال والطرد من الجماعة"، سيستمر معه مسار القلق إلى الخوف من كل شيء حتى الفكرة الكبرى للحياة أو الموت، فالأنا هي المقر الحقيقي للقلق، وكل ما يمس الأنا يثير بداخلنا القلق النفسي[3]، والأنا من جهة أخرى منبع أصيل لفكرة الانتماء[4].

  

الطبيب النمساوي سيجنود فرويد (مواقع التواصل)

 

"الانتماء هو أحد وجهي العملة، والوجه الآخر هو الانفصال والمعارضة الذي يتطور غالبا إلى استياء، معاداة، وصراع مكشوف"

(زيجمونت باومان)

 

لم تكن المرة الأولى التي يُعبّر فيها شادي سرور عن نفسه في مصاف الأخيار في مقابل الأشرار الذين يسعون بكل ما أوتوا من قوة لتحطيم نجاحه، حيث أطلق من قبل أغاني راب موجهة خصيصا لكارهيه، والذين يرى أنهم لا يحبونه على الرغم من سعيه الدائم لتقديم ما يُسعدهم. يعرف شادي جيدا أنه البطل المدافع عن الخير ويصدق الأمر بشكل جنوني، وعلى غرار محمد رمضان قرر أن يقف أمام المرآة فلا يرى سوى نفسه، وأصدر أغنية "أول واحد" لأنه يرى أنه الأول. تقول كلمات الأغنية: "كرهك بيزيد كل ما أنجح كل ما تزود انتقادات .. كل ما تفكر مستوايا نزل هرجع أعمل طفرات"، هنا تغير الحب في قاموس شادي ليحل محله الكره، وأصبح على وعي أن الكره يزيد من شهرته، وأنه دافعه الجديد لإثبات ثقته بنفسه.

    

ينقطع شادي عن الظهور لعدة أشهر بعد إعلانه التوقف عن صناعة أي محتوى مرئي، وليعود مؤخرا بمنشور على صفحته الشخصية على فيسبوك يخبرنا فيه أنه ما زال حبيس بيته بسبب الاكتئاب والشهرة، وأنه بسبب التعليقات السلبية والعنصرية التي يتلقاها من متابعيه قرر "ترك الإسلام". هنا يعلن شادي معركة شخصية جديدة يخوضها وحده في مواجهة مجتمعه الافتراضي الذي لم يعد يشعر بالراحة في الانتماء له، وهو ما يعيدنا إلى إعادة النظر إلى شكل العلاقة مع المجتمع التي يؤطرها شادي من جديد، البطل الوحيد في مواجهة الأشرار، وهذه المرة يضع نفسه تحت تصنيف محدد، فهو الشاب المصري المسلم العربي الخيّر في مقابل المجتمع المتدين الهمجي الشرير.

    

        

لماذا يوجد أشرار؟

أصبح شادي ناقما على مجتمعه الافتراضي المليء بالشر، وقرر ترك دين الإسلام، بالنظر إلى ما يتعرض له من تعليقات مؤذية واتهامات بالكفر والإلحاد لمجرد أنه رسم وشما على جسده أو نشر صورا مع فتيات غير "محتشمات". ليقرر شادي اختيار "الفخ" بنفسه، وليربط العالم الشرير بالدين، وجوهر الشر بالإيمان؛ في حديثه عن أسباب وجود الشر يرى المفكر سيد نصر أنه في كل الديانات السماوية وغير السماوية يوجد أشخاص توقفوا عن الإيمان بالله لأن هناك الكثير من الشر في العالم، لكن لماذا نخلط دائما بين عالمنا البشري وبين الله؟ يقول سيد إن العالم ليس الله، الله هو جوهر الخير، وأن انفصال الله عن العالم هو مسافة تفصلنا نحن عن الخير وتفسر كمون الشر في عالمنا[5]. تراجع شادي بعدها بأيام ليعلن أنه لم يترك دينه، بل كفر بالتدين المصطنع الذي يدين به مجتمعه، مبقيًا علىل دائرة العداء بينه وبين العالم. منذ الصغر، تخبرنا الأساطير والقصص والأفلام أن هناك خيرا وشرا ونحن نختار المسافة التي نريد المكوث فيها، خيرا كانت أم شرا. ما زال شادي متمسكا بموقعه وبأنه بحسب وصفه "واجهة للخير"، لكن، كيف يرى شادي نفسه حقا؟

  

وهم التأثير

ما يقرب من 1.3 تريليون شاب يمثلون جيل الألفية الجديدة "Millennials"، وهم الوقود الحي لمواقع التواصل الاجتماعي الآن، يتغذون عليها كما تتغذى عليهم، هذا الجيل لم يرتبط بالتلفاز، حيث نشأت أغلب صداقاته وعلاقاته العاطفية وقراءاته وخبراته عبر الإنترنت، وأبعد من ذلك، أصبح مشاهير منصات التواصل الاجتماعي هم مصدر الثقة الأهم بالنسبة لهم، خاصة من يُعرفون بـ"اليوتيوبرز"، هذه الثقة ليست وليدة اللحظة، بل نتاج تراكم صانعي المحتوى المرئي والمتابعين، وتحول هؤلاء الصناع إلى "Influencers" أو "مؤثرين" في هذا الجيل لأنهم يتسببون في شعورهم بالرضا عن أنفسهم وبالترفيه الذي يحتاجون إليه بعيدا عن صخب الحياة الجادة[6]، فهم في نهاية الأمر شباب في مثل سنهم أو أقرب، يصنعون محتوى ترفيهيا و"لا يدّعون الفضيلة الزائفة". في استفتاء لموقع "variety" بين المراهقين الأميركيين من سن 13 إلى 18 سنة، طُلب منهم ترتيب 20 شخصية مشهورة بناء على القابلية والأصالة والتأثير، وكان مشاهير اليوتيوب في صدارة نتائج الاستفتاء[7].

      

يتعامل صانعو المحتوى مع الجمهور بصورة مباشرة، يتحدثون إليهم، وينظرون إلى أعينهم، الأمر الذي لا يمكن حيازته مع المشاهير، الذين بطبيعة الحال يضعون حواجز زجاجية بينهم وبين جمهورهم. هناك من يقدم محتوى ترفيهيا، وهناك من يشارك حياته العادية مع المتابعين، لتتلاشى الحدود، وليوجد الطرفان في مساحة واحدة متداخلة تسمح بالتأثير والتأثر. تشير العديد من الإحصاءات إلى أن المراهقين من متابعي قنوات يوتيوب يتأثرون بما يقوله صناع المحتوى، سواء بآرائهم الشخصية بشأن الحياة، العلاقات، الملابس، الألعاب، الأفلام، وأي شيء قد يكون محل اهتمام هؤلاء المتابعين[8] هو ما يخلق ثقافة جديدة قد تكون غائبة عن الأجيال الأقدم، كلها أمور سمحت لتحول هؤلاء الصناع إلى مؤثرين في فئة كبيرة من الشباب، وهو ما يدفع شادي سرور أن يتصور نفسه فارسا يحمل لواء الخير، وأنه يقدم فنا ورسالة حتى لو كنا لا نعرف ما كُنه هذه الرسالة. لكن الفارس، شادي، يرفض بشدة أن يُقتل بالخناجر، ويقرر إلى الأبد أن يستمر إلى الأبد في خوض معركته مع الجميع، وأطلق هاشتاج #عاشت جمهورية شادي سرور للأبد.

    

    

"ما نحبه هو حالة أن نكون محبوبين، أن نكون شيئا جديرا بالحب، أن يعترف بنا على هذا الأساس"

(زيجمونت باومان)

 

عندما نلتقط لأنفسنا صورة فوتوغرافية أو فيديوهات وننشرها على الإنترنت أو نتحدث مع أحد أو نشتبك معه، حينها فقط ندرك أننا موجودون حقا، فوجودنا يتشكل بالآخر، ولكل منا طريقته في الحضور والاكتمال. اختار شادي سرور مثل كثيرين غيره إثارة الجدل ولفت الانتباه بأي صورة كانت، لكنه في النهاية يريد أن يثبت أنه هنا، مرئي من الجميع، وأن الجميع يلتفون حوله، والأهم أن الجميع يحبه. في مجتمعات أضحت تبني قوامها على الاستهلاك السريع، يتحول هؤلاء المشاهير إلى سلع تشبه الوجبات السريعة، وبداخلنا يتولد هوس جديد لا يخمد لاستعراض ذواتنا الهشّة التي تسعى للاقتيات على الاهتمام المستمر الذي لا يتوقف، فنخوض معارك لا تشبهنا، ونحارب طواحين الهواء، فقط لنثبت لأنفسنا أننا هنا، وأن أثرنا في الحياة لن يزول كما يقول شادي سرور، إلى الأبد.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار