انضم إلينا
اغلاق
مضطهدات أم متنمرات؟.. هكذا تحولت حملات فضح التحرش لاغتيال معنوي

مضطهدات أم متنمرات؟.. هكذا تحولت حملات فضح التحرش لاغتيال معنوي

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

    

" أرى أننا في وضعية شبيهة بطقوس مطاردة الساحرات في القرون الوسطى، أعتقد أننا نشهد حالة من الجنون تصيب مجتمعاتنا، وفي أكثر الأوساط تقدمية للمفارقة"

(الصحفية البريطانية جوليا هارتلي بريور)

 

بهذه الكلمات عبّرت الصحفية البريطانية التي وقعت ضحية لتحرش وزير الدفاع البريطاني بها "مايكل فالون" حين قام متعمدا بلمس ركبتها، إلا أنه ورغم هذه الحادثة، لم تر جوليا هارتلي(1) نفسها ضحية أبدية، ولا مايكل فالون ملعونا يحمل خطيئة وجودية تُلاحقه أينما حلّ، يجب وصمه نهائيا ونفيه بعيدا عن المجتمعات الإنسانية المتحضّرة، وذلك على الرغم من إثباتها أن ما قام به فالون يعد تحرشا، وتأكيدها أن الحَكَم الوحيد في واقعة كهذه هو قاعة المحكمة، ما تود جوليا وغيرها الإشارة إليه هو المناخ الهستيري الذي ينتشر في الأوساط الصحفية والحقوقية والثقافية النسوية في غالبية دول العالم، فعلى الرغم من أن تلك الأوساط تاريخيا هي المركز النضالي التاريخي ضد السلطات والأيديولوجيات الأبوية من أجل مزيد من الحقوق والحريات، تبدو اليوم على النقيض كأحد أشكال الهيمنة والإرهاب والاغتيال المعنوي باسم القيم التقدمية والليبرالية.

  

لا يبدو المشهد العربي، الشبابي منه على وجه التحديد، بعيدا عن ما يدور خارجه، العالم يزداد تواصلا واضطرابا في الآن ذاته، فعلى الرغم من الأزمة الحقوقية والسياسية الكارثية التي يُعاني منها الشباب العربي، يأتي الجو الهستيري المدعوم من "شرطة الصوابية السياسية" وحملة "#MeToo" ليزيد من عمق الأزمة ويُضفي عليها بُعدا سُلطويا جديدا، بُعدا سُلطويا قادما للمُفارقة من الدوائر التقدمية والحقوقية والليبرالية ذاتها التي تدّعي النضال من أجل الإنسان العربي والمرأة العربية والدفاع عن حقوقهم.

  

    

وفي الوقت ذاته تتوالى الإحصائيات والإشارات الميدانية باستمرار عن تزايد معدلات التحرش والعُنف الجنسي والتمييز والابتزاز الجنسي في المدن العربية، لتؤكد أن وضع المرأة العربية بالخصوص ما زال أمامه الكثير من العقبات التي تقف في طريق التحسن والتمكين، ما يجعل حملة مثل "أنا أيضا - #Me_too" تعبيرا عن أزمة اجتماعية ومظالم قائمة وثابتة بالفعل، والعمل من أجل ذلك يستدعي نضالا سياسيا واجتماعيا وحقوقيا حقيقيا كجزء من نضال أوسع لخلق بيئة قانونية عقلانية غير تمييزية وإقصائية لجميع المواطنين في العالم العربي، ما يجعل السؤال الأكثر أهمية هو: هل الحراك النسوي الحالي خطوة نضالية على طريق الحرية أم إضافة لرصيد الديكتاتورية والشمولية التي نُعاني منها جميعا؟

  

طقوس صيد الساحرات.. انهيار دولة القانون

انتشرت في منظمات المجتمع المدني في مصر العديد من المبادرات النسوية والحقوقية لمقاومة المتحرشين من الرجال، حتى طال الأمر شخصيات عامة ومعروفة كان منها أحد المرشحين للرئاسة في انتخابات الثورة عام 2012، تتلخص الحملة والتي كانت جزءا من حملة "Me Too" العالمية في فضح المتحرشين والتشهير بهم في كل مكان يستطيع النسويات والحقوقيون والنشطاء وأعضاء المنظمات غير الحكومية الوصول إليه، على منصات التواصل وفي أماكن العمل وفي الصحافة الإلكترونية وعلى المنصات الإلكترونية بأنواعها، والهدف النهائي مُحاصرة المتحرش وعزله تماما عن أي محيط اجتماعي ووصمه كمتحرش بصورة نهائية.

 

بطبيعة الحال ليست هذه بدعة مصرية أو عربية، بل هي انعكاس للأيديولوجيا الحقوقية الليبرالية والنسوية التي تجتاح العالم بالفعل، فوقائع مثل اتهام الممثل كيفن سبيسي في أميركا أو المفكر الإسلامي طارق رمضان في فرنسا اللذين بمجرد اتهامهما بالتحرش تم عزلهما -بضغط من المنظمات الحقوقية والنسوية غير الحكومية- من حياتهما المهنية ومحاصرتهما ومنعهما من الظهور الإعلامي، فكيفن سبيسي مثلا تم إنهاء دوره في المسلسل الشهير "هاوس أوف كاردز" (House Of Cards) ولم يظهر في الإعلام أو أي صحيفة، وهو ما يطابق تماما ما وقع مع الأكاديمي البارز طارق رمضان الذي تم إعفاؤه من منصبه الأكاديمي وتم إلغاء محاضراته من جميع الأماكن التي كان قد اتفق على المحاضرة فيها بالفعل، وهذا كله قبل صدور أي حُكم قضائي قانوني يُدين أحدهما بارتكاب الواقعة بالفعل.

 

   

وهذا كله جنبا إلى جنب مع حملات الوصم الاجتماعي والتشهير التي قادتها الحملة وحشودها في المنظمات غير الحكومية والدوائر النسوية والحقوقية في كل مكان تقريبا، لم تكن الصحفية جوليا هارتلي الوحيدة التي استخدمت مُصطلح "صيد الساحرات"، بل عبر به المخرج الأميركي الشهير وودي آلن عن مخاوفه أيضا تجاه هذا الجو الجنوني كما وصفه(2)، يشير مصطلح "صيد الساحرات" إلى حقبة كاملة في القرون الوسطى اجتاح الجنون فيها أوروبا على إثر نشر كتاب لاهوتي كنسي يُدعى "مطرقة الساحرات" الذي يؤكد وجود السحر، وأن غالبية مُمارسيه هُنّ من النساء، لينتشر الهوس بمُطاردة النساء في أرجاء أوروبا بالفعل، ومن يتم الشك فيها حتى لأتفه الأسباب وبواسطة أي فرد مهما كانت أهليته، كان يتم تعذيبها وإحراقها في وسط المدينة وسط حالة هياج جماهيري وبعد عقد محاكمات صورية يحاول فيها القاضي إرضاء الحشود الغاضبة أكثر من تحقيق العدالة، صار المصطلح في الثقافة القانونية الليبرالية يرمز إلى كل عملية اتهام جماعي تتم وسط هياج جماهيري، وتجرف في مسيرتها المذنبين والأبرياء دون تمييز، ودون تثبُّت من الجُرم المزعوم بصورة عقلانية.

 

يصف الباحث السوري سامي الكيال(3) محاكمات موسكو في العهد الستاليني والمكارثية في أميركا في الخمسينيات بأهم وقائع "صيد الساحرات" في القرن العشرين، مردفا: "إن كثيرين أبدوا دهشتهم من الطريقة التي يحدث بها تجريم المتهمين في حملة "#MeToo"، فبمجرد أن يُتّهم أحدهم بالتحرش، تُعتَبر التهمة صحيحة والجُرم حاصلا، وتبدأ على الفور عملية عقاب المتهم وسط حملات إعلامية وهياج جماهيري واسع النطاق، دون مراعاة للمبادئ الأبسط للقانون الحديث، أي كَون المتهم بريئا حتى تثبت إدانته".

 

في كتابه "المُراقبة والمُعاقبة" يوضح ميشيل فوكو أسلوب العقاب في عصور ما قبل الحداثة، حيث كانت إجراءات الاتهام والمحاكمة نفسها جزءا من العقوبة: يُعذّب المتهم في السجن، وفي الشوارع في الطريق إلى المحكمة، وداخلها، وفي الشوارع مرة أخرى في طريقه لنيل العقوبة، حتى لو ثبتت براءته بعد ذلك، "فالاشتباه والعقوبة في حد ذاتهما متلازمان في المجتمعات البدائية لإذلال الفرد أمام العامة، تجسيدا لسُلطة القبيلة"(4)، تُنبئ حملات الحركة النسوية أننا أمام حالة من عدالة الحشود، "وهو الشكل الأكثر بدائية للتعامل الإنساني مع مفهوم العدالة. وفيه يتحرك حشد من البشر ككيان واحد لا عقل له، من أجل اتهام شخص وإدانته وتنفيذ الحكم عليه في اللحظة نفسها. عدالة الحشود في يومنا تجري بواسطة أحدث وسائل التقنية والاتصالات، وهذا أحد التناقضات الشهيرة لما بعد الحداثة: قمة البدائية تجتمع مع قمة التكنولوجيا".

  

ترى الأكاديمية الألمانية مونيكا فرومويل أنه منذ بدايات القرن الماضي نشأ وعي نسوي سياسي نضالي حقيقي، لتتحقق مكاسب تطوّرت على إثرها القوانين في الغرب

رويترز

 

الأنثى هي الضحية.. وهي دائما على حق

يأتي الحراك النسوي الحقوقي في ظرف ثقافي ومعرفي بالغ الخصوصية، حيث تعد الحركة النسوية والحقوقية جزءا من ظاهرة ثقافية أوسع تتمثّل في سياسات الهوية، وهي سياسات كما يُسميها الفيلسوف السياسي فرانسيس فوكاياما(5) لأقليات ثقافية من أصحاب الهويات الضعيفة أو المُهمّشة تسعى من خلالها لنيل الاعتراف بثقافتها وهويتها وحقها في التشارك مع الأغلبية في المجال العام مع احتفاظها بهويتها الثقافية، في سبيل ذلك -يوضح فوكوياما- تؤمن سياسات الهوية بنسبية الحقيقة والقوانين والأخلاق وارتباطها بسياقات وعلاقات قوة وهيمنة معيّنة هي التي فرضتها، وترفض وجود معايير أو بنى قانونية ثابتة أو مرجعيات كونية، وتربط الثقافة المحلية والعادات والمبادئ القانونية بالسلطة والأغلبيات المُهيمنة.

 

على هذا الأساس ترفض الحركة النسوية وتحالفاتها داخل المنظمات غير الحكومية والدوائر الإعلامية والأكاديمية أي تعريف موضوعي وقانوني للتحرش والعُنف والابتزاز الجنسي وحتى الاغتصاب، وتميل أغلب الوقت إلى جعل تعريف أي واقعة منهم بمعايير ذاتية غير ثابتة ترتبط بالضحية الأنثى فقط، ما يعني أن الأنثى بما أنها هي دائما الضحية فإنها هي المسؤولة الوحيدة عن التعريف القانوني لأي فعل سواء كان يندرج تحت بند التحرش أو العُنف الجنسي، أو يندرج تحت بند المجاملة اللطيفة أو المزحة أو حتى مجرد سوء فهم بسيط، وهو ما يضرب في صُلب مفهوم الحقيقة الموضوعية وفكرة القانون، بحيث تكون الأنثى ضحية أبدية وهي دائما مصدر الحقيقة والقانون، ولا يملك الذكر المتهم حتى حق الدفاع عن نفسه.

 

بحسب زيجمونت باومان(6) فالمجتمعات المعاصرة اليوم تلتف أكثر حول ثقافة الضحية والشهرة أكثر من التفافها حول فكرة العدالة والبطولة، فأن تكون ضحية اليوم يعني أنك في الموقع الاجتماعي والأيديولوجي الأكثر تأثيرا داخل المجتمع، تؤكد الأكاديمية الألمانية مونيكا فرومويل(7) الفكرة نفسها بقولها إن الحركة الحقوقية الليبرالية وسياسات الهوية المعاصرة بصفة عامة هي نتاج لازدياد الهوس بالإعلام داخل المجتمعات، حيث بات التسويق الإعلامي للقضايا أهم من النضال من أجلها سياسيا وقانونيا فعلا، تعقب فرومويل أنه منذ بدايات القرن الماضي نشأ وعي نسوي سياسي نضالي حقيقي، لتتحقق مكاسب تطوّرت على إثرها القوانين في الغرب بالتدريج كي تستطيع النساء الرفض والمقاومة واللجوء إلى الحماية القانونية ضد التحرش والاغتصاب من جملة الحقوق النسوية السياسية والاجتماعية التي تم إنجازها. المُمارسة الحقوقية النسوية الحالية، تردف مونيكا، تكرّس دور الضحية بالنسبة إلى النساء وتضيّق مساحات النضال السياسي والاجتماعي وتقوّض فكرة القانون ذاتها.

  

   

وكاستمرار لتراجع مركزية النضال السياسي والقانوني وهيمنة منطق صيد الساحرات والمكارثية الحقوقية، أضحت الحركة النسوية تملك سُلطة تنفيذية وقضائية خاصة بها، ممثّلة في منظمات المجتمع المدني والهيئات غير الحكومية وحشودها من النشطاء والنسويين وشبكاتها الإعلامية والصحفية وحتى الثقافية، هي وحدها تملك الحقيقة والقانون، لتنزل العقاب بمن تراه مذنبا دون محاكمة أو إجراءات قانونية أو حتى إعطاء المُتهم فرصة للدفاع عن نفسه، وتُنهي معنويا واقتصاديا ومهنيا أي طرف يجرؤ على المعارضة والنقاش.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار