انضم إلينا
اغلاق
سيكولوجية الصدمة.. لماذا يغير المرء أفكاره ومعتقداته بلا سبب عقلي؟

سيكولوجية الصدمة.. لماذا يغير المرء أفكاره ومعتقداته بلا سبب عقلي؟

  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

   

"أشعر بشعور فظيع من القلق والتوتر وده ما طبعي.. لسّه بتذكّر صوت الدانات والضرب وصواريخ الناس البكا، والناس اللي ماتت، وجريتنا في الضالم يوم الهلع داك... حتى بعد جينا للأمان لسه بخاف واتخلع من أي صوت عالي، وحتى عند النوم تتحول أحلامي لكوابيس ماعندها نهاية عن الضربة المرة ورا التانية.. آه أنا تعبت.. بتين ترجع حياتي عادي!"

[أحد اللاجئين][1]

  

على أنقاض الثورة، الحرب، الفقد، الهجرة أو اللجوء، يجلس الطبيب النفسي، أو الإعلامي، على كرسيه، يواجه فردا أو يعرضه للجماهير، مُنصِتا للمعاناة على وجه بشري فرّ، أو نجا بجسده، من هذه الأحداث، ولكن في تبعات الأمر أمور تختفي في نبرة الصوت، وتتوارى في زيغ الأعين وبعثرة الكلمات.

 

نماذج كشف بعضها وثائقي "في سبع سنين" لشباب انسلّوا من إيمانهم بأسباب ذاتية محضة لا علاقة لها بالمعتقد أو الدين، اللهم إلّا تعرّضهم للإيذاء لإيمانهم بمعتقداتهم. كما أن في حياتنا الطبيعية ما هو أوسع طيفا من هذه التحولات، ما بين ما هو أخف حدّية أو أشد انحرافا، تلك التي تُعلِن عن إنسان آخر غير الذي كان، حاملة في خباياها اضطرابا نفسيا، يذهب بالنفس إلى تحوّل لم يكن ليرضى به العقل في الظرف الطبيعي، ولكنّه عنفوان الصدمة وهشاشة التعامل مع تبعاتها.

 

    

وفي كتابها "عقيدة الصدمة"، نجد أن "ناعومي كلاين" عرضت مفهوم الصدمة على مقياس سياسي واسع، كأداة للحكومات لتمرير سياستها أثناء الكوارث والصدمات العامة، في استغلال لصدمة الشعب بكارثته، ولكنّنا في حالة الاضطراب النفسي الناتج عن هذه الصدمة، سنجدنا بصدد شأن أكثر غورا في النفس وأعمق أثرا، على كل إنسان بمفرده، فهي عقيدة الصدمة الخاصة التي تمر بالمرء لقرارات لا يميل لها في حالات الاتزان.

 

فلو كانت الصدمة أداة سياسية لغرض مدروس، فإنها ذبذبة نفسية تشوش صاحبها عن الاختيار الصحيح، فيهرب من كل شيء يذكّره بها، حتى من نفسه التي كان يعرفها قبل ذاك. ما الذي يحدث؟ وما كُنه الرجّة التي أصابت طيفا من جيل الثورات، ولماذا؟ هل هي حتمية للكارثة؟ أم أن للأمر عوامل فردية تُباين الآثار بين من تعرضوا للصدمة نفسها وتفتح السبيل للاحتواء والعلاج؟

 

الصدمة وما بعدها

في كتابه "الصدمة النفسية"، يُعرِّف الدكتور "أحمد عبد الخالق" الصدمة على أنها كل حادث يهاجم الإنسان ويخترق الجهاز الدفاعي لديه، مع إمكانية تمزيق حياة الفرد بشدة، مما ينتج عنه تغيّرات في الشخصية، أو مرض عضوي، إذا لم يتم التحكم في الأمر والتعامل معه بسرعة وفاعلية.

  

  

ويميز الطب النفسي بين أنواع الصدمات النفسية[2]، فهي تتباين في تصنيفها، بين الصدمة الناتجة عن حدث فردي كالاغتصاب، والأخرى الحادثة بإيذاء جماعي كالاعتقال والتعذيب أو الاستغلال الجنسي. وهي أيضا تختلف في مُسبِّباتها، ومن ثم آثارها، إذ إن الصدمات النفسية الناجمة عن إيذاء بشري تكون أكثر شدة من تلك التي تُسببها كوارث طبيعية، فالتعذيب أعمق أثرا من حادثة على الطريق السريع.
   

لكن، قد لا يتوقّف الأمر عند هذا الحد، فيتبع الاهتزازة -بفترة قد تطول حتى ستة أشهر[3]- رجّة ما بعدها، فيما يُعرف سيكولوجيا باضطراب ما بعد الصدمة Posttraumatic stress disorder (PTSD)، والذي يعرّفه "ديميان نيلنج" بأنه "حالة من الفوضى طويلة الأمد للحياة النفسية للفرد، تؤثّر على تفكيره وسلوكه"[4]، مما يؤدّي إلى التجنّب المستمر للمؤثرات المرتبطة بالصدمة، لتخدير الاستجابة[5].

 

فبالإضافة إلى ما يصاحب المرء -حينها- من اضطرابات جسدية وسلوكية، فإن خبرات كالاعتقال أو التعذيب والاضطهاد، أو حتى معايشة الحروب والهزائم الكبرى، قد تودي بالمرء في اضطراب طويل الأمد -خاصة إذا تجاهل علاجه- فيُصبح غير قادر على رؤية الصدمة كحدث محدود الوقت، بل يتطور الأمر للتلاقي مع اضطرابات أخرى، كالاكتئاب والقلق ونوبات الذعر المتكررة[6].

 

     

كما أن جملة الأعراض التابعة لهذا الاضطراب تتضمّن المعاناة الفكرية المتكررة مع ذكريات الماضي، مما يؤدّي إلى تجنّب المثيرات المرتبطة بالصدمة أو الهرب منها (أعراض تجنبية)[7]، وهو ما تدرّج في حالة إحدى شخصيات الوثائقي، من ترك الحجاب وحتى إعلان إلحادها، نتيجة لما لاقته من الاستهداف العنصري لها من المجتمع بعد أحداث فض رابعة، نتيجة لمظهرها الإسلامي، وهو ما يفسّر اضطرابها النفسي الواضح في حديثها، الذي يفسِّر بدوره النتيجة التي آلت هي إليها.

 

آمال كبرى.. خبرات صغيرة

في تقرير عن التعددية الدينية بالمغرب، أعرب أحد الطلاب الشباب عن تحوله للإلحاد نتيجة لسخطه على حرب غزة الأخيرة[8]، الأمر الذي يواجه سؤالا معتادا عن الشر والحكمة من وجوده، مع كل نازلة تصيب الوطن، مما يتبعه حالة من التمرد -عند البعض- نتيجة لذلك[أ].

 

ذلك التمرد الذي اتسعت رقعته في أعقاب الربيع العربي، وانقلب إلى "حالة من الإحباط العام سادت بعد فشل ثورة 25 يناير وما صاحب ذلك من شعور بالاغتراب وفقدان للمعنى وضياع للهوية بين الشباب المصري"[9]. هذا التفاوت، بين حجم الطموح الضخم والخبرة الناشئة، حين اصطدامه بالردّة السياسية لمجتمعات الربيع العربي أفرز نوعا من الاكتئاب الموسمي يُسمّى "اكتئاب ما بعد الثورات"، وهو المقابل الاصطلاحي لاضطراب ما بعد الصدمة[10].

  

  

وفي هذا السياق تقول الكاتبة، وطالبة علم النفس، "غيداء أبو خيران"، إنه على الرغم من قِدَم الاضطرابات النفسية في الوطن العربي لدى الشباب، نظرًا لتردّي الأحوال الداخلية، فإن فشل الثورات العربية "فتح بابا كبيرا لضعف الثقة بالنفس والمجتمع بين الأفراد، الأمر الذي أدى بهم للكثير من المشاكل النفسية المضاعفة مثل الاكتئاب والقلق المتزايد والمزاج المتقلب وعدم الإيمان بالأفكار والمشاريع والمستقبل، أو حتى التفكير بالانتحار والإقدام عليه"[11].

 

ثم تعود لربط الأمر بالصدمة واضطراب ما بعدها، فتقول إن هذا الاضطراب يُعدّ "واحدا من أهم الاختلالات النفسية التي انتشرت بشكل واسع في الدول العربية ما بعد الثورات"، وإن أهم ما يميز هذا الاضطراب "هو الاهتزاز الذي يحدث في فهم الشخص لذاته والعالم من حوله وتكوين مشاعر العجز لديه والإحساس بعبثية الحياة ولا جدواها بعد الذي حدث"[12].

 

وتقول الدكتورة "داليا رشدي"، أستاذة العلوم السياسية، إن ما حدث ويحدث من أزمات نفسية لدى شعوب الربيع العربي إنما هو نتاج تصورنا للفعل الثوري وارتفاع سقف التوقعات، فالثورة في إدراك الأفراد "هي مرحلة تاريخية تفصل بين ما هو مرفوض وما هو مقبول، وترتفع خلال هذه المرحلة توقعات أفراد الشعب لما سيحدث بعد الثورة، ومن ثم يصبحون أكثر عرضة للمشاعر السلبية -خاصة الإحباط- لأنهم يتوقعون التغيير، وينتظرونه في أسرع وقت، كما أنهم لا يقبلون بالحلول الوسطى التي طالما قبلوها من قبل"[13].

  

أدّى التحول الثوري بالبعض إلى عدم تحمّل الاهتزازات العنيفة، والانفصال عن السُّنّة التاريخية حول صراع القوى

رويترز
 

كما ترى أن التحولات الثورية، وما صاحبها من تغيرات سياسية، قد أدّت إلى إصابة كثير من أفراد الشعوب العربية باضطراب ما بعد الصدمة، خاصة مع انتشار الاضطرابات الإدراكية في أعقاب الثورات مباشرة، كتحيّزات الرؤى حول الذات، "حيث غلب على إدراك الأفراد لذواتهم -خلال المراحل الانتقالية للثورات- الصورة الإيجابية المليئة بالفخر الذاتي والمجد الأخلاقي والصواب الدائم"[14].

 

الأمر الذي ألقى بظلاله على طموحات الشباب، الذين لم يكونوا بدورهم على تأهيل كامل للتعامل مع المرحلة من الناحية النفسية، لتظهر الفجوة بين الطموح وتضخيم الذات من جهة والخبرة الضئيلة وتعقّد المشهد من جهة أخرى، مما أدّى بالبعض إلى عدم تحمّل الاهتزازات العنيفة، والانفصال عن السُّنّة التاريخية حول صراع القوى، فواجهتهم الصدمة بحقيقة الفجوة، وواجهوا هم الفجوة بالهرب منها بدلا من محاولة سدها.

 

أسباب مبكرة واستدراك ممكن

بأرقام مليونية، كانت مشاركات الشباب في ربيع البلاد الخمسة في عامي 2011 و2012، لكن ثمة سؤال ناتج عن أزمة هذا الربيع، وقياسا على ما سبق، حول العوامل التي تُهيّئ لتلك الصدمة سبيلها عند البعض، وتنخفض فيه عند الآخرين. تلك الأسباب التي ترجع لتكوينات خارجية تارة، أو ذاتية في شخصية الفرد تارة أخرى، والتي تحمل بيئته وتربيته كِفلا من تكوينها.

  

   

فحسب الباحثة النفسية "أميرة عبد الحفيظ"[15]،فإن درجة الخطر لاضطرابات ما بعد الصدمة تتحدد وفقا لطبيعة الصدمة، وعمر الفرد، وجنسه، وطبيعة مجتمعه المحيط، بالإضافة إلى وجود عوامل مساعدة تفاقم من ضعف الفرد أثناء الأزمة فتحوِّل الاضطراب العابر إلى اعتلال نفسي، مثل التنشئة النفسية في مرحلة الطفولة، والتي قد تستمر آثارها -في حال عدم العلاج- لمراحل متقدمة من العمر، ولكن بتشوهات أعمق للنفس.

 

الأمر الذي تُصنّفه الباحثة السيكولوجية "مريم شرشاري"[16] بمصطلح الهشاشة النفسية الذي يكبر مع المرء من طفولته، فتقول إن الاختلال الوظيفي العائلي وقصور المحيط النفسو-عاطفي للطفل يمكنهما إنشاء مقاومة نفسية ضعيفة وهشّة إزاء الاعتداءات والمنغصات، مما يفاقم احتماليات الأذى الناتج عن الصدمات والمعتركات النفسية.

 

وإجمالا، فثمّة عاملان يحكمان النتائج النفسية لهذه الصدمة على المدى الطويل، وهما -وفقا لـ"إيميلي أوزير" وآخرين[17]- خبرة الفرد في مواجهة المواقف الضاغطة أو الأحداث الصادمة، ومستوى الدعم الاجتماعي الذي يتلقّاه من محيطه عند الأزمة، وكلما كان القصور بالغا في أحد العاملين كان الأثر أكثر وضوحا وأطول أمدا.

  

لأن الأشخاص في حالة الصدمة لا يستوعبون المعلومات بشكل طبيعي نتيجة لانخفاض مستوى تركيزهم.

رويترز
  

ففي أعقاب الصدمة، حسب أستاذ علم النفس والعلوم الإنسانية "زكريا الشربيني"[18]، ينقسم رد الفعل إلى أحد هذين الفعلين: إما إنكار ما حدث، ومن ثم العجز عن إدراك الموقف سبب الأزمة، وإما ثورة الشعور والعاطفة بما يزيد من الصراخ والهلع. وعلى الرغم مما تبديه ردات الفعل هنا من قلق للمحيطين، فإنها تلعب دورا مهما في إدراك حالة المرء ومن ثم علاجه قبل أن يتفاقم الأمر.

 

ذلك لأن الصدمات الشديدة، كما يضيف الشربيني، "لا يمكن فهمها في فترة زمنية قصيرة، وبالتالي فإن مرحلة الصدمة تتيح الوقت لمواجهة ما حدث، وعادة ما يحتاج الناس في حالة الصدمة إلى الأمن الملموس والشعور بأن الناس من حولهم يسيطرون على الموقف". كما يشدد أستاذ علم النفس على ضرورة احتواء الموقف بهدوء في الحديث؛ لأن الأشخاص في حالة الصدمة لا يستوعبون المعلومات بشكل طبيعي نتيجة لانخفاض مستوى تركيزهم.

 

كما يرى أن مواجهة الأزمة، لا الهروب منها أو تجنّب معالجتها تخوفا من رد فعل المريض، هو أسلوب إيجابي على الرغم من قلة العمل به، ولكنّه في الوقت نفسه يحتاج إلى وعي كبير بأهداف الأزمات، أو الحكمة من الابتلاء في التعبير الديني، "وقلب منفتح وقبول إرادة الله ليتفهم حكمته" ومن ثم استلهام "الخطوات الصحيحة للاستفادة من الأزمة، أو ما يصطلح عليه الطبيب النفسي "محمد علي" باستيعاب الخبرة الصادمة.

 

 

كما يضيف "علي" أن هذه الطريقة تؤتي ثمارها من خلال مناقشة الحدث مع الفرد، ما يؤدّي إلى تنميط الموقف وتخفيض حدته التي كانت تدفع الشخص للأعراض التجنبية السابق ذكرها، مما يكسبه القدرة على التعامل مع عواقب الحدث الصادم. إضافة إلى ضرورة العلاج النفسي والدوائي في الحالات التي يشكّل لها الأمر أزمة يصعب تجاوزها.

 

في النهاية، فإنه من المنطقي، والمتوقّع بشدّة، أن تُنتِج الأحداث الكبرى التي تمر بها الأوطان، من ثورات وحروب وخلافه، اضطرابات واعتلالات نفسية تتناسب مع حجم صدماتها، خاصة مع اعتبار الطموحات الكبيرة التي تفرضها الانتصارات الأولية مقارنة بالهزائم العنيفة التي تواجه أصحابها، أو حتى طول الأمد الذي يُعلِّق الوضع بلا نهاية ظاهرة.

 

لذا، قد يكون في التفسير النفسي إرشاد لطبيعة التعامل مع هؤلاء المضطربين، بالإضافة إلى الوعي الذاتي باحتمالية الاصطدام مثلهم، إذا كانت الصدمة أقوى من قدرتنا على تحمّلها، مما يترتب عليه اهتمامنا بصلابتنا النفسية والبحث عن سُبل تدعيمها والبحث حول السنن الكونية والحكمة الإلهية من الحوادث العِظام، أو الالتفات لمن هم في محيطنا وتدعيمهم بما يحتاجون إليه في ذلك الشأن، بدلا من التفاجئ بأن أحدهم ترك معتقداته هربا، بدلا من التقوّي بها في مواجهة الاهتزازات.

---------------------------------------------------------

الهوامش:

أ - لمزيد من التفصيل حول معضلة الشر يمكن الرجوع لتقرير: إذا كان الإله يحكم الكون فلماذا لايقضي على الشر؟

تقارير متصدرة


آخر الأخبار