انضم إلينا
اغلاق
الأمر ليس غباء.. لماذا يتخذ الفقراء قرارات خاطئة؟

الأمر ليس غباء.. لماذا يتخذ الفقراء قرارات خاطئة؟

آية ممدوح

محررة
  • ض
  • ض

" إن مشكلة ما يخلقها الفقر تستدعي أخرى، وهذه الأخرى بدورها تسهم في مشكلة جديدة وتؤدي إلى سلسلة لا تنتهي من النتائج المدمرة"

   

يحكي إيريك جنسن كيف شغله التساؤل حول معاناة الفقراء، فيقول: "لم أستطع أن أتفهم لماذا لا يستطيع الفقراء أن ينقذوا أنفسهم خارج دائرة الفقر. كنت أعتقد أن "هؤلاء الفقراء" لو أنهم بذلوا جهدا أكبر أو كانت لديهم فرص أكبر لتمكّنوا من تحقيق النجاح هكذا ببساطة" (1)، حيث إن الفقر ليس مرضا ينتقل بالوراثة عبر الجينات، كما أنه ليس وجهة تُفرض على بعض الأفراد أو الدول، فما الذي يجعل بعض الأفراد أو الدول أحيانا تقبع في الفقر لسنوات طويلة تبدو بلا نهاية؟

   

وكثيرة هي الدراسات التي تحاول أن تعالج هذه المشكلة، ساعية لطرح حلول لتجاوز هذا المأزق، لكن أحد الأبحاث الحديثة نسبيا يخبرنا أن "الفقر يغذّي نفسه"؛ وذلك بسبب أن العبء النفسي للندرة، أي ندرة الغذاء والفرص المتاحة التي تغلّف حياة الفقراء يؤثر في الدماغ البشري، بحيث يؤدي إلى ضعف الإدراك، مما يقود الفقير في نهاية المطاف إلى اتخاذ أسوأ القرارات، وبالتالي الاستمرار في دائرة من الفقر الذي يعيد إنتاج نفسه.

  

 

وهكذا، يتحوّل الفقر في حد ذاته إلى حائط صد منيع مشيّد في مواجهة مساعي التغلب على الفقر، وهو ما يقود مثلا إلى اتخاذ قرارات مالية مكلّفة تزيد الوضع سوءا، مثل شراء ورق اليانصيب، أو أخذ قروض بفوائد عالية، كانت مثل هذه القرارات تُعزى في الماضي إلى شخصية الأفراد ذوي الدخل المنخفض أو البيئة التي يعيشون فيها وقلة التعليم، إلا أن أستاذ العلوم السلوكية بجامعة شيكاغو أنوج شاه يقدم تفسيرا جديدا؛ حيث بيّن أن العيش مع الندرة يغير سيكولوجية الأفراد، وطريقة تفكيرهم واتخاذهم للقرارات. في هذا السياق، كثيرا ما تُتخذ القرارات تحت إلحاح حاجات لا تتوفر الموارد لسدها، وتُهمل -إلى حين- احتياجات أخرى تكون أقل إلحاحا. فتحت ضغط متطلبات مثل دفع الإيجار أو الطعام قد تُهمل الصيانة الدورية لأحد الأجهزة بالمنزل، لينتهي بهم الحال باتجاه دفع ثمن باهظ لاحقا لإصلاح أعطال متراكمة.(2)

   

ندرة قاسية تشوّه الواقع

الفرق بين ظروف الندرة التي يتخذ فيها الفقراء قراراتهم أنها -بخلاف ظروف الندرة التي يمر بها كل الناس- تواجههم في مواقف لا يمكن فيها تعديل رغباتهم أو تطويعها لتناسب الموارد المتاحة، فيما تواجه الأفراد ذوي الدخل الأعلى مشكلة عدم القدرة على شراء سيارة مثلا، تواجه الفقراء مشكلة عدم القدرة على شراء الطعام، أي شراء المقومات الأساسية للحياة ذاتها.

  

وبهذا، تتشوه رؤيتهم للواقع من ناحيتين؛ الرؤية النفقية (وهو بالأساس عيب في الإبصار يؤدي إلى رؤية تشبه النظر من خلال أنبوب) ما يتسبب في التركيز على جانب واحد في رؤية المشهد، وهذا الجانب يكون المورد الغائب، أما الناحية الأخرى فهي ما يتبع هذه الرؤية من زيادة في قدرة العقل على طرح الحلول والأفكار لمواجهة نقص هذا المورد، لكن هذا المشهد المقتطع والذي لا يرى فيه الفرد بوضوح سوى الاحتياجات الملحة يُخفي احتياجات أخرى لا يراها الشخص إلا حين تقترب وتبقى وحدها المسيطرة على المشهد، وهكذا تغيب عن إدراكه جوانب كثيرة تستدعي التفكير في حلول لها قبل أن تستحيل إلى احتياج كبيرة يصعب التعامل معه، فمثلا يرى الفرد في بداية الشهر حاجة وحيدة تسيطر على تفكيره هي التزامه بدفع الإيجار الشهري لمسكنه، بينما يغيب عن إدراكه موعده بعد أسبوع لزيارة الطبيب.

  

إن هذا ما يدفع كثيرا من الفقراء نحو القروض التي تعني زيادة الفوائد، والفقر المستقبلي بسبب زيادة الالتزامات، إن الرؤية النفقية تجعل التفكير منصبا على الوفاء بالاحتياجات الآنية، وهكذا تدور عجلة الفقر دون توقف فيمتد أثرها -أحيانا- للأجيال اللاحقة. (3)

  

  

الأطفال في الفقر

"نستطيع أن نقول إن الفقر وما يصاحبه من عوامل الخطر له تأثير مدمر على الوظائف "الفيزيقية" والاجتماعية والانفعالية والمعرفية لدى الأطفال وأسرهم، حيث يشير برنامج الصحة والنمو لدى الأطفال إلى أن 40% من الأطفال الذين يعيشون في فقر مزمن لديهم قصور في مجالين وظيفيين (مثل اللغة والاستجابة الانفعالية) في سن الثالثة"(4)

   

في أنحاء العالم المختلفة؛ في كينيا والبرازيل والفلبين وجامايكا وزيمبابوي، تشير الدراسات إلى وجود علاقة بين مشكلات ضعف النمو لدى الأطفال في المناطق الفقيرة -وأبرزها سوء التغذية- وبين تحقيقهم لنتائج قليلة في الاختبارات المعرفية واختبارات المدرسة. (5) 

  

"على الرغم من أن مرحلة الطفولة تعتبر وقت الانطلاق والبهجة والاستكشاف وراحة البال، فإن الأطفال الذين يعيشون في فقر يمضون وقتا أقل في استكشاف العالم من حولهم ووقتا أطول في الكفاح من أجل البقاء على قيد الحياة"(6)

   

في ستينيات القرن الماضي في غواتيمالا، أجرى فريق من العلماء تجربة قاموا فيها بتوزيع مكمل غذائي على مجموعة من الأطفال في المناطق الريفية استناد إلى فرضية تقول إن تزويد الأطفال بالبروتين في السنوات الثلاث الأولى من حياتهم سيحسن خيارات النمو لديهم. ولاحظ الباحثون بالفعل نمو بين سنتيمتر واحد أو اثنين لدى هؤلاء الأطفال مقارنة بغيرهم، إلى جانب حصولهم على درجات أعلى في اختبارات القراءة، وبمتابعة حياة هؤلاء الأطفال وجد الباحثون أن الفتيات اللاتي أصبحن نساء قد واصلن التعلم لسنوات أكثر، وأصبح الأولاد وقد صاروا رجالا يحصلون على دخل أعلى في وظائفهم.(7) لقد أشارت عدة دراسات إلى ارتباط تأخر النمو بسوء التغذية والتعرض للإسهال المتكرر في سن مبكرة، الذي قد ينبئ بعجز فكري لاحق، لكن هل يتوقف الأمر على الغذاء؟

     

  

في تجربة أُجريت عام 2000 في إحدى دور رعاية الأطفال في رومانيا لوحظ تأثر نمو الأطفال الرضع الذين تم تغذيتهم جيدا وتُركوا في أسرّتهم دون التفاعل مع أشخاص آخرين، وأكد الباحثون تعرضهم لمشكلات معرفية لاحقا على المدى الطويل بسبب نقص المحفزات الاجتماعية والعاطفية التي تعرضوا لها.

  

تستهلك الندرة قدرا كبيرا من التدفقات المعرفية للآباء الفقراء، فيصبحون أقل رغبة وقدرة على التفاعل مع أطفالهم، وهو ما يؤثر في المحفزات التي يتعرض لها الأطفال، فيتأثر نموهم وتقل فرصهم في تطوير مهاراتهم المعرفية خاصة حين تتفاعل مع عامل الفقر.(8)

   

ماذا يحدث داخل عقولنا؟

"إن تجمع عوامل الخطر تحيل الحياة اليومية إلى معركة، فهي متعددة الأوجه وشديدة التداخل فيما بينها، تبني بعضها فوق بعض بما يضاعف آثارها المدمرة" (9)

  

في محاولة لتصور ما يُحدثه الفقر في عقولنا، قام إلدار شافير أستاذ علم السلوك والسياسة العامة في جامعة برينستون بالولايات المتحدة بعدة تجارب؛ اقترح مثلا تجربة أن نطلب من عدد من الأفراد أن يحفظوا سلسلة من سبعة أرقام: 7، 4، 2،6، 6، 4، 9، ويختبر مدى تذكرهم لها، ويفسر لنا ما يحدث في الدماغ؛ بينما تحافظ على هذه السلسلة في الذاكرة القصيرة حتى لا تنساها فإن عقلك يكون ممتلئا بالمعنى الحرفي للكلمة، وبالتالي لا يدع لك مساحة كبيرة لإدراك أمور أخرى، وهذا تحديدا ما يشير إليه شافير في أعمال كثيرة له؛ العيش في حالة فقر يجعلك في قلق دائم في محاولاتك للتوفيق بين الموارد القليلة وكيفية الوفاء باحتياجاتك، تماما كما لو أنك تحمل الأرقام السبعة في رأسك لكن ليس لبعض الوقت، بل دائما. سيجعلك هذا تنسى أمورا أخرى، فلديك مساحة محدودة للاهتمام بها.

      

    

في أعماله لإثبات العلاقة المباشرة بين الفقر وأداء الدماغ، قام شافير بتجارب واختبارات إدراكية مختلفة، في أحدها أخبر مجموعة من الأفراد بعضهم من ذوي الدخول المنخفضة وآخرين ذوي دخل أعلى أن عليهم إصلاح سياراتهم، وبصرف النظر عن أوضاعهم الاقتصادية أخبر البعض أنه هذا يتكلف 150 دولارا أميركيا، وأخبر البعض الآخر أنه يصل إلى 1500 دولار. وبدأ في إجراء اختبارات معرفية لكلتا المجموعتين، فماذا كانت النتيجة؟

  

حقق الأغنياء نتائج جيدة بصرف النظر عن المبلغ الذي كان عليهم دفعه، بينما حدث الفرق في نتائج الأقل دخلا، كان أداء المجموعة التي كان عليها دفع فاتورة أقل، أعلى بنحو 12 نقطة في معدل الذكاء من المجموعة الأخرى التي كان عليها دفع فاتورة كبيرة، (10) تشير هذه التجربة إلى تأثير الفقر في معدل الذكاء على المدى القصير، ولكن هل يُحدث تغيرات دماغية طويلة الأجل؟

  

تدرس أدينا زكي الحزوري الأستاذة في جامعة ميامي تأثير متوسط الدخل -لسنوات طويلة- في عقول الأفراد بعد بلوغهم سن الشيخوخة، وقد قامت بدراسة على 3500 من البالغين الذين كانت أعمارهم تتراوح بين 18 و30 في عام 1985 تعرفت فيها على دخول هؤلاء الأفراد على مدى عقدين، ومقارنة بنتائج الاختبارات المعرفية لهم بعد بلوغهم سن الشيخوخة فقد وجدت ارتباطا بين الدخل المنخفض وحالات الفقر التي عاشها بعضهم خلال هذين العقدين وبين الأداء السيئ في الاختبارات.

     

تمكن العلماء من استخدام التكنولوجيا لتصوير الدماغ بشكل دقيق كشف عن ثمن تدفعه أدمغتنا نتيجة العيش بالبيئات المهددة والمحرومة

مواقع التواصل
   

"إن الأطباق الكبيرة للأقمار الصناعية فوق أسطح الأكواخ والمنازل المتواضعة؛ الصورة الشهيرة التي نتخذها مثالا على القرارات السيئة للفقراء لا تبدو سبب الفقر، وإنما نتيجة له، الفقراء لا يُسيئون إدارة مواردهم، لكن الفقر يقلل من قدرتهم على إدارتها بشكل أفضل بسبب ندرة الموارد التي تلوح دائما"(11)

  

تمكن العلماء في مجال علم النفس المعرفي العصبي من استخدام التكنولوجيا في تصوير الدماغ مؤخرا بشكل دقيق كشف عن ثمن تدفعه حتى أدمغتنا نتيجة العيش في البيئات المهددة والمحرومة، مما يقيّد أجيالا متعاقبة في الفقر،(12) لكن ما يمكن تأكيده أن الفقراء ليسوا مختلفين عن بقية الأفراد، إن الفقر هو ما يدفع الناس للتصرف بشكل مختلف، إن التشوهات المعرفية المرتبطة بالندرة تحدث سواء كان الفرد على وعي بها أم لا، ولا علاقة لها بالقدرات المعرفية، إنها تفرض نفسها بشكل دائم عند اتخاذ قرارات حيوية، وهكذا يجد الفقراء أنفسهم مدفوعين إلى سلوكيات معينة تقيدهم أكثر في الفقر. (13)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار