انضم إلينا
اغلاق
المهرب الأخير.. لماذا نلجأ للمشاعر في عصر المادة؟

المهرب الأخير.. لماذا نلجأ للمشاعر في عصر المادة؟

محسن سليمان

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

يأخذنا الفيلسوف الفرنسي ميشيل لاكروا إلى رحلة تأملية بسيطة إلى عالم السينما نسبر بها أغوار حالة التهييج الشعوري في العصر الحديث، والتي لا تلبث إلا أن تطفو للسطح مع كل حادثة، أو كارثة، أو مجزرة، أو حدث رياضي، أو حتى فيلم سينمائي يعيد "إنتاج العواطف"، حيث يقول لاكروا: "انظر مثلا إلى سيناريوهات الأفلام، فعندما يريد أحدهم أن يمدح فيلما ما، تكون العبارة المستعملة: (إنه فيلم مفعم بالمشاعر)، فمراكز الإنتاج تقوم بصياغة السيناريوهات بهدف استخلاص كل عصاراتها العاطفية، بما يضمن للعبة التنقل بين المشاعر أن تفرض نفسها. هل جعلنا المشاهد يشعر بالخطر؟ إذن يجب تدفئته في الحال بشيء من الحنان. هل أضحكناه؟ إذن يجب أن نبكيه. هل ارتعد؟ إذن يمكنه أن يستمتع ويتلذذ بمشاهد جنسية في القصة. لندخل المشاهد في حالة حزن جنائزي، يتم إتباعها بتلطيف للأجواء ببهجة الأطفال".

  

"الحكايات التلفزية ما هي في غالب الأحيان سوى تركيب ذكي ومنتجات تمت صياغتها انطلاقا من مادة المشاعر"

   

وفي زمن الآلات، والرغبات الفورية، والثقافة الاستهلاكية، تبدو الأشياء التي نطلب منها تحريك روحنا، والمواقف التي تهيج حياتنا العاطفية، في غالب الأحيان، اصطناعية: السيارات، الأسفار المنظمة، الأنشطة سابقة التخطيط، الخيال، الإنترنت. ألا يمكننا القول بأننا نميل إلى استغلال المشاعر بطريقة استهلاكية؟

  

مظاهر طغيان المشاعر في العصر الحديث

يأخذنا لاكروا في كتابه "عبادة المشاعر" في جولة إلى عالمنا الحديث، ويركز على منطق المشاعر الهائجة التي يمتلئ بها عالمنا: فقد أصبحت المشاعر أداة للتسويق بين أيدي المتحكمين في أنشطتنا الترفيهية، الذين يستغلونها من أجل التأثير فينا، فيمزجون بين الهلع والمفاجأة والحزن والغضب والارتياح والتعاطف والدموع والضحك، في لعبة من التناوب تحبس الأنفاس.

  

شعار حملة كوكاكولا التسويقية في 2016م: "ذُق الإحساس" وهي إحدى صور استغلال المشاعر في التسويق (مواقع التواصل)

    

ثم ينتقل إلى الحركات الهوياتية الجديدة: حركات "الشواذ" جنسيا، الحركات النسوية، حركات أصحاب البيئة، ونحوهم، يرجح لاكروا أن هذه التيارات والحركات الاجتماعية الحديثة "ما هي إلا تطلعات لتجديد الحياة الشعورية، إنها تعبر عن الحاجة إلى إضفاء صبغة عاطفية قوية على وجود الإنسان في العالم".

  

كذلك يشير لاكروا إلى ميلنا إلى إحياء الذكريات وتقديس الماضي، وهو ما يدخله لاكروا في إطار هذه الحركة المعاصرة للعودة إلى المشاعر. الكثير منا يلبي حاجته إلى الحماس وإلى الرغبة في غمر الروح في حمام من الحنين إلى الماضي.

  

كما يؤكد أن الشغف بكل ما هو مخالف للعادة واللامعقول ينبع من الرغبة في القيام بتجارب عاطفية استثنائية. بتعطيلهم للعقلانية الباردة ينجذب معاصرونا إلى الغموضية، يريدون أن يتذوقوا الخوف العجيب الذي يستأثر بالذين يجرؤون على المغامرة في مجال السحر، العلوم الخفية، وعلوم الغيب. كيف أصبحت المشاعر في عصرنا بهذه الدرجة من الالتهاب؟

 

المشاعر وسيلة النضال!

تكمن إجابة السؤال السابق، وفقا للاكروا، في كلمة واحدة: التعويض. فالمشاعر تشغل الفراغ الذي سببته انهيار الأيدولوجيات وضبابية الرؤى المستقبلية، واللجوء للحياة العاطفية يُعد علاجا للارتباك الذي يعتري أغلب العالم الحديث حاليا. يقول لاكروا: "لم يعد هناك مشروع ضخم بإمكانه أن يحركنا، طاقاتنا محرومة من متنفس لها في الوسط السياسي. وبما أنه يتعذر عليها الانتشار في الخارج، فإنها تتركز في المحيط الداخلي، تتخمر، ونتيجة هذا التخمر هي المشاعر".

    

التقوقع إذن داخل الحياة العاطفية يُعد نتيجة لشعور الإنسان بأن العالم الحالي خارج عن سيطرة الإنسان

مواقع التواصل الاجتماعي
   

وهكذا، بسبب اليأس في القيام بعمل سياسي ضخم، يكتفي الكثير من الناس بالمشاركة في الحياة العامة على الطريقة العاطفية للتنديد بالسياسي المحض والعادي، فالمشاعر هي وسيلتهم في النضال. المشاعر هي ما تؤكد وجودهم وحياتهم، بدون المشاعر لن يستطيع المرء أن يواجه قسوة العالم، وغموض المستقبل.

  

الملاذ الأخير

"نحن لا نتطلع لمخرج من ناحية السياسة. لا توجد آفاق للفعل لخدمة فكرة مثالية أو صراع للطبقات. التخطيط الدماغي مسطح، والأمل في تغيير جذري للحياة منطفئ في القلوب".

  

التقوقع إذن داخل الحياة العاطفية يُعد نتيجة لشعور الإنسان بأن العالم الحالي خارج عن سيطرة الإنسان. عملية تطور العالم تجر الكوكب نحو مستقبل لا يتحكم فيه أحد. نحن نعلم جليًّا أننا لسنا فاعلين في هذا التطور ولكن مجرد متفرجين عاجزين. ولهذا، ولتعذر إمكانية الفعل، فإننا ننفعل عاطفيا.

  

لقد انهارت فكرة صراع الطبقات مع انهيار الاتحاد السوفيتي وأفول النجم الماركسي، والعالم يرفض أن يخضع لسيطرتنا، لكن لحسن الحظ، يخبرنا لاكروا أن معركة الأحاسيس القوية "ما زالت متاحة لنا لتفريغ حمولتنا الزائدة من الطاقة. كالمدمن الذي يهرب من الواقع في رحلة تخديرية، نحن كذلك نخدر أنفسنا بمغامرات شعورية، أونتعاطى رياضات خطيرة".

  

في هذا السياق، يرغب الإنسان المعاصر في المشاعر أساسا لكونه يعتبرها أداة لتحقيق ذاته. لقد أصبحت مركز اهتماماته، موضوع بحث في كل لحظة، لكونها تحقق نموذج الحياة الكاملة الذي يتجسد في عبادة النفس، ومن ثم فإنها تستمد جاذبيتها من كونها تُمثّل مفتاح الانفتاح الشخصي.

   

  

الفردانية والمشاعر

"الرجوع إلى المشاعر هو بالأساس تعبير عن النزعة الفردية المعاصرة".

  

يعلق الباحث عبد الله الوهيبي على هذه النزعة المعاصرة للتوجه نحو المشاعر قائلا: "يصوّر لاكروا التحوّل المعاصر من زاوية انتقال الوعي الذاتي من الكوجيتو الديكارتي (أنا أفكر إذًا أنا موجود) الذي يتناول التأمل الذاتي من وجهة نظر إدراكية، وهذا التأمل يهدف إلى تحقيق سلسلة من التعقلات الموجهة للوصول إلى يقين فلسفي تتأسس عليه معرفة الحقيقة. وقد انتقل هذا التحقق من الوعي الذاتي وأصبح يُطرح من زاوية شعورية. فالإنسان لا يعود إلى ذاته من أجل تحليل مضمون تفكيره، بل من أجل إيجاد آثار انفعالاته وأحاسيسه، ليصبح الكوجيتو المعاصر “أنا أحسّ إذًا أنا موجود”"[1].

  

تُعبّر المشاعر إذن وفقا للاكروا عن الذات، إن عبادة المشاعر "هي التعبير الأقصى عن الانفرادية، وتُمثّل قمة تقديس الأنا". وفي عالم يقدس الفردانية، صارت هناك حركة تبشيرية تنشر ثقافة تحرير المشاعر لا بشكل عشوائي، وإنما عبر عملية تتنقل بين ثلاث مراحل تمت صياغتها منهجيا في الثقافة الحديثة بشكل منمط، فما فائدة أن نردد على مسامع الأشخاص أنهم يمكلون مؤهلات شعورية بدون أن يتم الإشارة إلى الطريقة التي يمكن بها تجديد هذه المؤهلات؟ وهذه هي طبيعة الإنسان المعاصر كما يرى لاكروا، فهو لا يقبل أن يُعطى نصيحة بدون أن يمتلك خطة وأدوات وإستراتيجيات.

  

"حرروا مشاعركم" هي القاعدة والهدف الأسمى إذن، فلم يعد الانعتاق من السلطات الاستبدادية أو انفتاح الحريات العامة في مجال الأخلاق هي مقاصد الحرية الحديثة، ففي عصر ما بعد الحداثة: صار كل شيء الآن شخصيا، وانعكست قضية الحرية على الحق في التعبير عن الحالات العاطفية.

  

مراحل تحرير المشاعر

"المشاعر هي الحدود الجديدة للنزاع من أجل الحرية"

  

تبدأ المرحلة الأولى لهذا التحرر الشعوري، كما يوضح لاكروا، من الانخلاع عن قيود الإكراهات الاجتماعية المفروضة على المشاعر. فقد ساهمت المجتمعات في قمع التجاوزات الشعورية ووضع عدة حواجز أمامها، حيث تُمثّل قواعد آداب التعامل (الإتيكيت) أحد الأمثلة الصارخة التي وضعت كمًّا من العوائق الكابحة للمشاعر: على مائدة الطعام، في الصالون، في الحوارات، في الأماكن العمومية، وعند الزيارات. كل هذه قواعد معيقة للتقدم الشعوري، وينبغي إزالتها من أجل "الانطلاق".

   

يؤكد لاكروا أن الأطفال يولدون أبرياء، بدون كبت أو شعور بالذنب تجاه أحاسيسهم، لكنهم سرعان ما يُطردون من جنة التلقائية

مواقع التواصل الاجتماعي
 

لكن، في الوقت ذاته، ينبّه لاكروا أن العالم الرأسمالي، الذي تتوسع فيه القطاعات الخدمية التي تقوم على العلاقات الإنسانية، يروّج حاليا لقيم أكثر أنوثة مثل اللطافة والحنان، أما الغضب فلا يتم تحريره هو كذلك بل يُستمر في قمعه من أجل الحفاظ على حركة الاقتصاد الخدمي، وهو ما يبيّن أن عملية التحرر هذه عملية انتقائية يكرم فيها الإنسان بعض المشاعر مقابل حظر أخرى. إن الغضب حاليا يُعدّ حالة نفسية مرضية، فعندما يواجهنا شخص غاضب، يراودنا دائما سؤال: هل هو إنسان عادي؟ أي خلل يختبئ وراء هذا التعبير الأخرق عن النفس؟

  

أما المرحلة الثانية من تحرير المشاعر، بحسب لاكروا، بعد إزاحة الضغوط الاجتماعية فهي مرحلة "تطوير الذات" عبر الأدوات المستعارة من علم النفس ومن تقنيات تطوير الشخصية والصحة الجيدة. تُمثّل هذه المرحلة تأملا واختبارا للجسد، لحواسنا الخمسة، عبر تمارين التنفس وتدريبات اللعب بالطين والرسم بالأصابع ونحو ذلك. هذه الأنشطة، كما يُعبّر لاكروا، "مرتبطة بتربية الإحساس، فهي موجهة لجعل الأشخاص يعون الإحساس الجسدي، ويصبحون أكثر استقبالا للمشاعر". ثم تأتي المرحلة الثالثة، الأخطر والأخيرة.

  

المرحلة الثالثة: حرر الطفل الذي بداخلك!

"العذاب النفسي لا يأتي من الأحاسيس التي نُعبّر عنها، ولكن من تلك التي نبذل مجهودا لكبتها. ما يضر بالتوازن المعنوي ليس هو امتلاك شعور ما، ولكن عدم القدرة على الإحساس به".

 

يؤكد لاكروا أن الأطفال يولدون أبرياء، بدون كبت أو شعور بالذنب تجاه أحاسيسهم، لكنهم سرعان ما يُطردون من جنة التلقائية. فمشاعر الطفل لا تلبث أن تصطدم بالممنوعات: "الولد الصغير لا يبكي"، "البنت الصغيرة اللطيفة لا تغضب"، "من البشاعة أن تكون عابسا"، "لا ينبغي الصراخ حتى ولو عند الفرح". وعندما يحزن الطفل، نُعطيه الحلوى كي يكف عن البكاء، لكن لاكروا يوضح أننا بهذا السلوك نصنع شرها عصبيا لدى الطفل مستقبليا: فيصبح رد فعله الوحيد تجاه الحزن هو فتح ثلاجته.

  

والنتيجة، بحسب لاكروا: "ستنتهي هذه التوجيهات بالاستقرار في نفس الطفل، وستختبئ عميقا داخل أعماق اللاوعي لديه، ككوابح ومعوقات للمشاعر، فالطفل يبتلع دموعه، ويحتوي غضبه، ويكبح فرحته. وللحفاظ على حب والديه يتخلى عن أجزاء كاملة من عواطفه ويزور أحاسيسه".

   

(إعلان شركة "Evian" في عام 2013م الذي يصور "الطفل النقي الذي بداخلنا" ويحث على إطلاقه وتحريره)

    

لكن الكبت، وفقا للاكروا، "لا يشكل حلا مُرضيا، فعلى الرغم من إنكارها، تبقى المشاعر حاضرة وتتخمر تحت الغطاء الواقي للدفاعات النفسية، فتمارس ضغطا صامتا وشديدا، حتى يصبح الشخص معذبا بالخوف من الإحساس بالمشاعر، فيخشى أن تقوم باكتساحه وغمره، ويخاف من إطلاق العنان لها".

  

هنا تحديدا تأتي المرحلة الثالثة والأخيرة والأهم، وهي العلاجات النفسية التي تعمل على تحرير هذا الطفل الداخلي لدى كل إنسان. فوفقا لاكتشافات العصر الحديث فنحن نمتلك نعمة لا تقدر بثمن: القدرة على التعبير الحر عن المشاعر. هذا الطفل الداخلي يكون بالتناوب سعيدا، تعيسا، غاضبا، مشمئزا، مرعوبا، مندهشا، وتتمتع كل هذه المشاعر بميزة خاصة: التعبير التلقائي عن كل ما نحس به دون أي كبت أو تفكير.

  

أسلوب العلاج الهستيري

يأخذنا لاكروا إلى حصة من الطاقة الإحيائية، ندخل في قبو عمارة باريسية قديمة، حيث يتجمع عدد من المشاركين تحت إشراف المعالج. الحوائط مبطنة بحيث لا يُسمع أي صوت من الخارج. على الأرض هناك أفرشة منشورة، يضربها المرضى بالعصى بطريقة عنيفة، وجوههم معوجة من الغضب، صيحاتهم تهز أرجاء العمارة، وهم جميعا في حالة قصوى من الهيجان، والمساعدون يشجعون اندفاعهم، والمعالج يصرخ فيهم: "أطلق نفسك"، "اذهب إلى نهاية أحاسيسك"، "بالغ في مشاعرك".

  

(شكل من أشكال العلاج الجماعي (Group Therapy) الذي يعتمد على إطلاق المشاعر بأسلوب قليل من العنف)

    

يرى لاكروا أن العلاج النفسي يهدف إلى إرساء الحياة الشعورية عبر توعية المرضى بعملية الكبت التي تقدم وصفها، وبعد ذلك سيصبح الأمر متعلقا بمواجهة هذا الكبت وفك شبكات المقاومة الداخلية عبر مجموعة من الأنشطة: الصيحات، الحركات، الدراما النفسية، والتمرينات الصوتية. ويحدث هذا الفعل غالبا في إطار جو ساخن لمجموعة من المرضى يكون وجودهم في المكان نفسه ذا أثر تضخيمي للعلاج.

  

وعادة ما يتم تكرار مصطلح "الانطلاق"، أي انطلاق المشاعر. ويمكن إضافة لمسة علاجية أخرى: ضرب الفرش بالعصى أو رمي الدمى على الحائط، وغيرهما من الوسائل المبتكرة التي تستهدف إعادة تمثيل مشاهد الطفولة، بأقصى ما يمكن من الدقة، عندما كان يجب كبح المشاعر، في سبيل تحريرها من هذا القمع عبر الضرب والعنف.

  

وربما يتم من وقت لآخر استحضار صورة الشخص الذي تسبب في قمع المشاعر أمام المريض كما لو كان موجودا، ثم يوجه إليه المريض خطابه بصيغة المخاطب الحاضر، ويوجه إليه مشاعره العنيفة والانفعالية. يحكي ماكس باجي وهو عالم نفس سريري تجربته في هذا السياق قائلا: "شد انتباهي خلال تجربتي العلاجية الفرق بين التعبير عن رغبتي في موت أحدهم بالكلمات وبين التعبير عنها بالمشاعر.. فكراهيتي تجاه الأم والرغبة في قتلها شيء، وتمثيل عملية خنقها باليدين أثناء ربطهما بالوشاح شيء آخر"[2].

  

(فيديو تم تداوله بمصر في 2016م يظهر إحدى دورات التنمية البشرية وهي تعتمد على إطلاق المشاعر، مخاطبين أنفسهم خلال العملية)

    

من وجهة نظر سوسيولوجية، يشير لاكروا إلى أن الانتشار الضخم لهذه العلاجات الشعورية والجسدية يؤكد أننا مقبلون على عصر تحرر المشاعر وتقديسها، يصمم الإنسان الحديث على مشاعر الحماسة والهيجان التي تتوق للانفعال في إطار بحثهم الدائم عن الأحاسيس القصوى. وتعزز هذه العلاجات الهستيرية الشكل والمتفجرة المضمون من تقديس المشاعر والانغماس في الإحساس.  

  

وعليه، إذا أتم الإنسان المراحل الثلاثة لتحرير المشاعر، يحقق مفهوم "التطهير"، والذي يعرّفه لاكروا بأنه ارتياح يأتي بعد حالة حادة من التوتر. فقديما كانت المشاعر تعتبر عائقا أمام طريق الحكمة والعقلانية، أما الآن فإنها وسيلة ينبغي الاستمتاع بها لأقصى حد من أجل تحقيق الإنسانية بأفضل شكل. تقنيات الطاقة الأحيائية إذن، والعلاجات النفسية، والتدريبات، هي تطهيرات غير موجهة للتخلص من المشاعر وإنما للتمتع بكامل الإمكانيات الشعورية.

  

عبادة المشاعر والبحث عن الحماس

"نحن نتأثر كثيرا، ولكننا لا نعرف أن نحس حقيقة"

     

هل سألت نفسك يوما: لماذا لا أعرف جيراني الذين يسكنون في الشقة المقابلة أو في العمارة المجاورة؟ ما الذي تسبب في تفكيك الروابط الاجتماعية لهذه الدرجة؟ لماذا صرنا غرباء مع أننا ننتمي للشارع نفسه بل والبناية؟ يطرح ميشيل لاكروا التساؤل نفسه، ملاحظا أن المواطنين صاروا لا يتعارفون داخل الدولة التي لم تعد كيانا مجمعا، فلم يعد هناك مشروع جماعي محرك، ولا معتقدات فكرية ثابتة، ولا دين قادر على حكم الناس، ولا حتى شخصية منتمية لسلالة حاكمة تُمثّل الوحدة الوطنية. في هذه الظروف، ماذا يبقى لضمان استمرارية الرابط الاجتماعي؟

  

"المشاعر بطبيعة الحال"، كما يؤكد لاكروا. المشاعر المشتركة هي أداة أساسية لإعادة تشكيل الرابط الاجتماعي، هي "المنقذ" للإنسانية. فبفضل التهاب المشاعر الجماعية يمكن إعادة بناء عالم مشترك، ويعزز لاكروا موقفه عندما انتبه إلى أن فوز لاعبي كرة القدم الفرنسيين بالبطولات العالمية قد أثّر بدون شك في تعزيز الرابطة الاجتماعية بين الفرنسيين أكثر مما أثّرت عشرون سنة من السياسات الحكومية من أجل دمج الأحياء الهامشية.

   

  

في هذا الإطار يرى لاكروا أن مسيرات "الفخر" للشواذ جنسيا هي نتيجة من نتائج عبادة المشاعر، إذ يوضح أن مثل هذه المظاهرات مرغوب فيها لأنها تجعل الرابط الاجتماعي يتوهج ويعمم شعورا بالانتماء الملتهب. كما يشير إلى أن النفس الإنسانية، الفردية والجماعية، بحاجة إلى الحماس من وقت لآخر، لهذيان جماعي، للارتواء بمشاعر عنيفة وللاهتزاز بموجة صادمة. فعلى غرار الدماغ الفردي الذي يطالب بتغيرات في حالات الوعي، كذلك الرابط الاجتماعي يحتاج إلى النشوة الدورية للالتحام والتلاصق المفرط للفرديات.

  

ثم ينتقل لاكروا من عالم الشذوذ إلى عالم كرة القدم، ويسرد لنا حكاية روتها له جدة عمرها ناهز الـ 75 عاما. تحكي الجدة: "كنت أذهب خلال كأس العالم لكرة القدم عام 1999م يوميا إلى أحد المحلات التجارية الضخمة لمتابعة المباريات التي كانت تبث على الشاشات الكبيرة. أنا لا أهتم إطلاقا بكرة القدم في أوقاتي العادية، وإذا أردت أن أتابع مباراة ما يمكنني بسهولة أن أفتح تلفازي الصغير في بيتي الهادئ".

  

وتستكمل السيدة حكايتها قائلة: "ولكني كلما شاهدت اللحظات الأخيرة للمباريات، عندما يبدأ التشويق يكهرب الجمهور، أشعر بالحاجة إلى التفاعل مع جميع المشجعين أمام الشاشة العملاقة. عندما أجلس مع الناس هنا، أشعر بفرحة غامرة، لم أشعر بمثل هذه الفرحة سوى خلال تحرير باريس عام 1944م".

  

 

   

يرى لاكروا إذن أن مثل هذه التجمعات الشعورية تتكاثر في أيامنا الحالية. تارة يتجمع الأفراد أمام شاشات ضخمة موضوعة في أماكن عمومية لمتابعة المنافسات الرياضية مباشرة، وتارة أخرى يشاركون في حفل غنائي أو مهرجان موسيقي، تارة أخرى يتفاعلون مع تجمعات روحانية أو حنينية للماضي، وتارة يتجمعون من أجل المسيرات المناهضة أو المناصرة لقضية ما. المهم كما يظهر هو تشارك الغبطة الاجتماعية، المشاركة في النشوة العاطفية وتسليم النفس لروح الحشد، الذوبان في الجماعة وتذويب الأنا داخل الكتلة الجماعية.

 

ثقافة الهيجان الدائم للمشاعر

يقول لاكروا: "لغة الحياة اليومية تُظهِر تفضيلا للمشاعر القوية على حساب المشاعر الهادئة، ففي أيامنا الحالية نحن نميل إلى المبالغة، ومفردات الاستهلاك والترفيه والأخبار والإشهار تُثير توترا عاطفيا مفرطا، ويظهر هذا في عبارات متكررة على الدوام: "شحنات عاطفية"، "هذه قصة مجنونة"، "ارتعاشات مضمونة"، "سيذهلك هذا الخبر"، كل شيء في حالة هيجان وكل شيء يطبعه التشنج".

  

يشير لاكروا إلى أن استعمال مثل هذه التعابير يسلبنا القدرة على التأمل، وعلى اعتناق المشاعر طويلة الأمد، فنحن نبحث دوما عن مزيد من الإثارة والاهتزاز والغضب، وننفر من الهدوء والتأمل والخشوع. يظهر هذا بوضوح في ثقافتنا الاستهلاكية اليومية: سرعة، تقلب، مؤثرات صادمة، ألعاب فيديو مهيجة، عروض باهرة، سباقات خطرة، رياضات عنيفة، أنشطة صاخبة، مغامرات مجنونة، عنف، وحالات من التغير الفوري للوعي. كيف يمكننا تحقيق الاستقرار النفسي ونحن نبحث دون توقف عن المواقف المولدة للأحاسيس القوية؟

  

يعلق الباحث السعودي بدر الثوعي على فكرة تهييج المشاعر المستمرة في عصرنا الحديث فيقول: "كتبت قبل أيام رسالة لصديق عن "خدعة الملل"، وأن الرتابة نعمة في أصلها، لكننا لجهلنا نبحث عن تهييج مستمر لمشاعرنا؛ ونصنع مع أرواحنا نفس طريقة "الوش" للقهوة، كلما ابتعدَت عن مصدر الإلهاب أعدناها. هذا ما تصنعه التقنية؛ روابط لبرنامج "صراحة" حتى يظل في حالة إلهاب مشاعري دائم، هذه المشاعر قد تكون حبا/ عتبا/ اهتماما/ شتائم؛ لا بأس؛ المهم أن يبقى الموقد مشتعلا. صورة فيسبوكية أو منشور تفاعلي بين الفينة والأخرى؛ وتظل روحه ملتهبة بانتظار التفاعل، وعيناه لا تفارقان الجهاز الذي يمده بالاشتعال اللازم"[3].

 

    

كما يوضح لاكروا أن هذا الشره للأحاسيس القوية يؤدي ليس فقط إلى تردي الإحساس الذاتي وإنما إلى إتلاف العلاقات بين الأشخاص أيضا. ومن أخطر الآثار المدمرة لهذا الطغيان العاطفي المعاصر: انهيار علاقات الزواج، وغياب قيم الزواج الأصيلة مثل الوفاء والإخلاص والاستقرار.

  

يقول لاكروا: "حياتنا العاطفية تُعاني من اختلال راجع إلى الإفراط في مشاعر الصدمة والنقص في مشاعر التأمل، ففي مجال المشاعر؛ لدى الفرد المعاصر ميول لانتقاء تلك التي تزوده بأقصى الإهاجات، فيفضل مشاعر الصدمة التي يصحبها الصياح، على مشاعر الصدمة التي يصحبها التنهد. حياته العاطفية هي عبارة عن حركة وليس عن خشوع، عن فعل وليس عن تأمل، تجري كمسلسل من الصدمات، بدل الامتداد في شكل هادئ من الجاهزية تجاه العالم".

  

وبسبب هذا التمحور حول المشاعر الذاتية، صار يُنظر إلى فكرة الزواج على أنها مجرد أعباء، وأن حاجاتنا من الممكن أن تتحقق من خلال علاقات عابرة غير مكلفة، يسمي الفيلسوف البولندي زيجمونت باومان هذه العلاقات: "علاقات الجيب العلوي"، أي إنها لا تحتاج إلى مجهود للاحتفاظ بها، وإنما هي في جيبك العلوي تخرجها متى شئت[4].

  

ويفصل لاكروا أخيرا بين العواطف الآنية والمشاعر المستدامة، ويفرق بينهما بقوله: "العواطف والمشاعر لهما توقيت مختلف. الإنسان العاطفي يحتفظ برابط دائم بموضوعه، كأنه يهب نفسه له. لكن هذا الثبات والإخلاص هو في تناقض مع الطابع النفسي الحالي. فالناس حاليا تهرب من الارتباط الحصري والتعاقد المطلق، وتفضل المواقف العابرة والروابط الهشة".

   

   

يبدو إذن عصرنا الحديث غارقا في تقديس المشاعر، فهو عالم اختفت فيه قدرتنا على إحداث تغيير جذري، فوجهنا نضالنا من الخارج إلى الداخل، حتى صارت المشاعر هي وسيلة التعبير عن ذواتنا. وعززت الثقافة الاستهلاكية، التي تساهم في تحرير مشاعرنا، في تعميم المشاعر الملتهبة بشكل دائم لا ينقطع، مما حولنا إلى كائنات لا تشبع من العواطف المتفجرة، فسلبتنا قدرتنا على الانتماء الهادئ والسكون المستقر. والنتيجة أنه لم نتأثر نحن فقط بهذه الثقافة، وإنما تدهورت معنا علاقاتنا الإنسانية، وروابطنا الاجتماعية.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار