انضم إلينا
اغلاق
"تخلص من الكباب" .. كيف يقتل "إنسان" 49 آخرين بكل سعادة؟

"تخلص من الكباب" .. كيف يقتل "إنسان" 49 آخرين بكل سعادة؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

  

"إنها بالفعل عملية إرهابية، لكني أسميها حرب تطهير"  
     (تارانت)

   

خلال ساعات قليلة من اللحظة التي بدأ فيها البث المباشر للحادث المفجع الذي راح ضحيته(1) حوالي 50 مواطنًا نيوزيلانديًا مسلمًا في مسجد النور بمنطقة كرايست تشيرش، والذي نفذه الإرهابي اليميني المتطرف "برينتون تارانت"، عملت إدارات وسائل التواصل الاجتماعي كافة على سحب أية نسخ ممكنة من الفيديو بسبب قساوته الشديدة، في الفيديو.. ضَبط القاتل الكاميرا بزاوية يبدو فيها وكأنما يقف في ساحة أحد الألعاب الإلكترونية، وكل هؤلاء الذي يهربون يمينًا ويسارًا هم وحدات من جيش الأعداء.

تخلّص من الكباب


لاشك أن ما حدث قبل ساعات، وانتشاره على الإنترنت بهذه الطريقة، سيكون أحد العلامات الانتقالية في تاريخنا لفترة طويلة، ليس بسبب عدد الضحايا الكبير، أو بسبب طبيعة العملية نفسها والتي تتكرر بمعدلات متزايدة شيئًا فشيئًا خلال السنوات السابقة، ولكن بسبب مدى وضوح الفكرة للعيان هذه المرة، "تارانت" – ببساطة – لم يتعامل مع هؤلاء كأنهم بشر، كان ذلك واضحًا في كل تصريحاته أثناء الفيديو ("لتبدأ الحفلة")، بل تعامل معهم كأنهم "أشياء"، أشياء في لعبة إلكترونية، لا باعتبارهم بشرا حقيقيين، وكأنهم حسابات على لعبة PUBG، أشياء لا تختلف كثيرًا في طبيعتها عن مجموعة من الحشرات كالصراصير، أو الحيوانات القابلة للصيد.

الصراصير، لقد سمعنا هذه الكلمة من قبل، هل تتذكر ذلك؟ في رواندا بين(2) أبريل ويوليو 1994، حينما بدأت قبائل الهوتو عبر الجيش والميليشيات الخاصة في قتل كل ما تقع أيديهم عليه من مواطني التوتسي، في أثناء تلك المجزرة أنشأ متطرفو الهوتو محطات إذاعية لنشر الكره والغضب الشديد ضد التوتسي، كانت الجملة الأشهر والأكثر تكرارا، لمئات المرات في اليوم الواحد، هي: "تخلص من الصراصير"، تسبب ذلك في مقتل حوالي مليون شخص واغتصاب مئات الآلاف من النساء، معظم حالات القتل كانت بالساطور، إنها أحد أعنف المجازر البشرية على الإطلاق.

هل يمكن أن نربط بين اقتباس "تخلّص من الصراصير" وآخر بعنوان "تخلّص من الكباب Remove Kebab"؟ يبدأ الفيديو الحادث الإرهابي الخاص بـ "تارانت" في سيّارته، لكن هل لاحظت ذلك؟ في الخلفية يمكن أن نستمع إلى ما يشغّله "تارانت"، إنها أحد أشهر الأغنيات(3) العنصرية في تاريخ المجازر: "تخلّص من الكباب"، وهو "ميمي" شهير الآن يشير إلى التطهير العرقي الموجه ضد الأتراك البوسنيين على وجه التحديد (الكباب كوجبة عربية إسلامية) وأتباع الإسلام بشكل عام.
  

   

نشأت هذه الأغنية في صربيا، من قبل جنود الجيش تحديدًا، وكانت تدعو "رادوفان كاراديتش" إلى قيادة جيشه للاستمرار في التخلص من المسلمين في البوسنة والهرسك، كاراديتش قتل آلاف المسلمين الأبرياء سنة 1995 في أحد أعنف وأبشع المجازر إلى الآن، تلك التي تضمنت، بجانب أعمال التصفية الجسدية المباشرة والمنظمة، عمليات الترحيل وأفعال غير إنسانية على الإطلاق ضد مسلمي البوسنة والهرسك كالتعذيب الشديد والاعتداء الجنسي بأوامر مباشرة من كاراديتش ووضع الناس في السجون وتركهم للموت يأكلهم ببطء شديد.

وهم التفوق

منفذ عملية الهجوم على المسجد في نيوزلندا

مواقع التواصل 


لكن، كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ كيف يصل الأمر بشخص ما أن يتعامل مع آخرين كأنهم مجموعة من الصراصير أو قطع من الكباب لا أهمية لحياتهم على الإطلاق؟ لقد نشأ البشر على تقديس الكيان الاجتماعي كجزء من غريزة البقاء بجانب الجنس والحاجة للطعام، الإقدام على القتل هو قفزة عالية للغاية لا يمكن بسهولة أن تنفذها بتلك الصورة إلا حينما تفقد القدرة على إطلاق لفظ "إنسان" على شخص ما، فكيف يمكن أن يحدث هذا التحول؟

قبل عدة سنوات(4) قام "تشين بو زونج" مع "كاتي ليلينجيكويست"، متخصصا علم نفس المنظمات، بتجربة جديدة من نوعها، في التجربة:  هناك مجموعتان من الأفراد، يتحدث القائمين على التجربة مع أفراد المجموعة الأولى حول أشياء عادية، الحياة الجامعية مثلا، أما أفراد المجموعة الثانية، فيستدرجونهم للحديث حول حوادث تصرفوا فيها بدرجة ما من عدم الأخلاقية، حوادث مشينة، ثم بعد التجربة يُعرض على كل فرد من المجموعتين أقلامًا أو مناديل كهدية، تكون النتيجة العادية في عيّنة عشوائية هي أن يأخذ نصف الناس المناديل، والنصف الآخر الأقلام، لكن قد تتعجب حينما تكتشف أن معظم الحاضرين للتجربة الثانية سيودون الحصول على المناديل وليس الأقلام.

للبشر قدرة على استخدام فكرة "المجاز" بشكل بيولوجي بسبب تفعيلهم لمنطقة من المخ تدعى القشرة الخزامية الأمامية. في التجارب السابقة، وهي فقط أحد الأمثلة من نطاق واسع سجّل نتائج جوهرية، أخذ الناس المناديل لأنهم يريدون التخلص من ذنوبهم عبر مسحها، وكأن المنديل هو رمز للتطهير عبر المسح، تجارب أخرى اختبرت رغبة المشاركين في غسل أيديهم أو الاستحمام بعد أحاديث مشابهة. في النهاية، فنحن نتمكن بسهولة من ترميز العالم من حولنا، ونتعامل مع تلك الرموز كأنها حقائق، لكن أسوأ ما في الأمر أن ذلك قد يتخذ منحى كارثي، لأننا قد نُقدم على القتل بسهولة لمجرد قدرتنا على ترميز الآخرين، كصراصير أو كقطع كباب لا قيمة لها.

لكن، لايزال سؤالنا قائمًا، كيف يمكن أن يصل إنسان ما إلى تلك الحالة؟ هناك مليارات البشر في العالم، وهم لا يقومون بالقتل العشوائي كل يوم، في تلك النقطة يمكن لنا أن نتأمل ما يسميه "توماس جيلوفيتش" و"لي روس" من ستانفورد، في كتابهما "أكثر الناس حكمة The Wisest One in the Room"، بـ "الواقعية الساذجة(5)"، وهي ميل الإنسان إلى الاعتقاد أنه يرى العالم بشكل موضوعي وصحيح، وأن أي شخص "طبيعي" من المفترض أن يرى العالم بنفس الطريقة، وإلا فهو خاطئ.

يتطور الأمر لما هو أبعد من ذلك، حيث نضع -في بعض الأحيان- "هؤلاء" الذين لا يتفقون مع آرائنا وقناعاتنا في قائمة خاصة نسميها "هُم"، تلك المجموعة "المختلفة عنّا"، المتحيزة، الجاهلة، غير العقلانية، التي لا تستمع للصواب (رأينا)، بينما نحن عقلانيون أكثر كفاءة وخبرة، ثم نبدأ بعد ذلك في تعديد مزايا مجموعتنا الخاصة ومدى عقلانيتها في مقابل لاعقلانية، غباء، وعجرفة المجموعة الأخرى المتآمرة علينا، بعد ذلك يصل الأمر إلى الحط من شأن الآخرين شيئا فشيئا حتى نقوم في النهاية بنزع إنسانيتهم عنهم، سوف نطلق عليهم - في مرحلة تالية - ألقابا من عالم الحيوانات والأشياء، سوف نسمّيهم مثلا "صراصير" أو "كباب"، ثم بعد نزع إنسانية أي انسان يصبح كل شيء متاحا، على مدى تاريخ هذا الكوكب تسببت تلك الأفكار -وما زالت- في أكثر المجازر خطورة في تاريخ البشرية.

أين نعيش اليوم؟

    
أين نعيش اليوم؟ في علم النفس الاجتماعي والإدراكي نتعلّم أن البشر ليسوا عقلانيين بالكامل، وأن تفضيلاتهم بالأساس قائمة على انتماءاتهم السياسية والدينية، هناك درجة من "القَبَلية" في تفكيرنا جميعًا، حيث يساعدنا انتماؤنا إلى توجه سياسي ما، على تعريف هويّاتنا، ما نحن عليه، ويعزز إحساسنا بذواتنا، وهو ما يمكن أن يكون أكثر أهمية بالنسبة إلينا من الدقة في مسألة ما، حتى إذا كانت الدقة أمرا يهمنا في العادة. هنا، سوف نميل إلى تصديق الأفكار التي تتماشى مع آراء حزبنا، مهما كانت غير معقولة.

لكننا، في المقابل من ذلك، نعرف أيضًا أنه يمكن التحكم في هذه الدرجة من التحيز، يمكن لنا أن نتعامل كعقلانيين، أو نصحح أخطاءنا كلما وقعنا فيها. على سبيل المثال، في تجارب لـفيل فيرنباش(6)، من جامعة بون، سنة 2013، كان واضحًا أن هؤلاء الذين تم تعريفهم بالحقائق، بهدوء وعقلانية، تراجعوا بشكل واضح عن تطرفهم، كذلك فإن تجارب عاموس تفرسكي ورفاقه في التسعينات(7)أثبتت أنه على الرغم من التحيز فإن الأمور كانت أكثر "لطافة" حينما قُدمت للجمهور بصورة هادئة، لكن ذلك يحدث فقط في الأوقات العادية، أوقات الاستقرار، أمّا الذي نمر به الآن، في هذا العالم، فهو على العكس من ذلك تمامًا.

حينما ترتفع الأصوات اليمينية المتطرفة، تلك التي تنادي بتفوق أعراق على أخرى وديانات على أخرى وثقافات على أخرى، تلك التي تتناثر فيها التعليقات والإشارات من كل حدب وصوب تجاه فئات معيّنة من البشر على أنهم أقل في الذكاء والخبرة والدماثة، تسقط الشعرة العقلانية الرفيعة التي تربطنا بالواقع، كيف يمكن أن تتصرف إذا كانت الرسالة التي يعطيها أحدهم إليك يوميًا هي أن هذا المُهاجر سوف يسرق مالك، سوف يسرق زوجتك، سوف يسرق عملك؟ هل تعتقد أن هناك أي اختلاف بين رسائل كـ "تخلّص من الصراصير" أو "تخلّص من الكباب" وتلك التي يراها مواطن أوروبي أو أميركي أو أسترالي يوميًا في التلفاز وعلى وسائل التواصل.

إن مواطنًا عاديًا، في أية دولة في العالم، بما فيها دولنا العربية، قد يتحول لجندي مجهول في جيش الهجوم المتطرف على المهاجرين أو المختلفين في الرأي أو المعتقد في أية لحظة، ورغم أن القفزة من شخص عادي إلى قاتل تتطلب الكثير من المعايير الأخرى، إلا أن رسائل كتلك ترفع من احتمالات حدوث ذلك حد السماء،  ويمتد ذلك ليشمل السود، المرأة، اللاجئين، الأقليات.. إلخ، الآن دعنا نتأمل أحد تصريحات "برينتون تارانت" في فيديو الحادث الكارثي:

"تذكروا يا رفاق، اشتركوا في قناة بيو-داي-باي PewDiePie"

ما هي " بيو-داي-باي "؟ أسس فيليكس أرفيد أولف شالبرج تلك القناة قبل تسعة أعوام، شالبرج هو "يوتيوبر" وكوميدي ومعلق ألعاب فيديو سويدي، يلقى انتباه العالم أجمع، تخطت فيديوهاته الـ 20 مليار مشاهدة على اليوتيوب، وجمهوره الأساسي من المراهقين، لكن.. أليس عجيبًا أن يدفع "تارانت" الناس في أثناء حادثة بتلك الفجاعة إلى الإشتراك في قناة كتلك؟ هل للأمر علاقة بعالم الألعاب الإلكترونية؟ ربما، لكننا نعرف أيضًا أن شالبرج متهم(8) بالتسويق لمحتويات عنصرية في أكثر من مرة، آخرها كان قبل عام واحد فقط حينما روج لقناة يوتيوب أخرى تروج بدورها لمحتويات عنصرية تتحدث في تفوق العرق الأبيض على الأعراق الأخرى.

المشكلة التي نواجهها ليست فقط في متطرف إرهابي يميني يقتل 50 شخصًا آمنين في مسجد، المشكلة في الأعداد المهولة من هؤلاء المعبّئين بكل أنواع الرسائل المتطرفة

الجزيرة,أسوشيتد برس
 

إنها الرسالة نفسها مجددًا، لكنها هذه المرة تدخل لملايين البيوت في العالم، تدخل -ليس إلى كبار السن- وإنما إلى مراهق في عمر حرجة للغاية، ومع تصاعد هذا النوع من الرسائل المتطرفة في العالم أجمع لا يمكن أن نتوقع إلا مزيد من الفوضى في كل الجوانب، ومع صعود اليمين في عصر آثر الكثيرون على تسميته "عصر ما بعد الحقائق(9) Post Truth Era"، لا يمكن أن نتوقع إلا المزيد من الكذب، المزيد من الإقصاء، المزيد من إطلاق الأحكام العنصرية المتطرفة فقط بغرض نيل مكانة سياسية.

في مجموعته الخاصة من التجارب، خلال عدة عقود مضت، يشير إيميل برونو(10) من معهد "إم آي تي" (MIT)، وهو مدرس كان يعمل متطوعا للخدمات الاجتماعية والطبية في المناطق التي تشهد حروبا ثم التفت لدراسة علم نفس الصراع السياسي، إلى أنه كلما ازداد التطرف انخفضت درجات تعاطف الناس تجاه الآخرين في حالة الخلافات السياسية، انخفضت لدرجة السعادة في موت الآخرين!

   

المشكلة التي نواجهها اليوم ليست فقط في متطرف إرهابي يميني يقتل 50 شخصًا آمنين في مسجد بعيد صلاة الجمعة، المشكلة في الأعداد المهولة من هؤلاء المعبّئين بكل أنواع الرسائل المتطرفة على مدى سنوات، هؤلاء الذين سيصرخون بعد الحادث: "برافو يا تارانت، تخلص من الكباب".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار