انضم إلينا
اغلاق
"خرافة الحب".. كيف تحولت المشاعر في عصر الاستهلاك إلى وهم؟

"خرافة الحب".. كيف تحولت المشاعر في عصر الاستهلاك إلى وهم؟

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

يلتفتُ "كوري" لأبيه في أحد أكثر المشاهد درامية التي أدّاها دِنزل واشنطن في فيلمه الشهير "الأسوار" (Fences)، حين يسأله ولدُه عن حبّه له، ومدى علاقة هذا الحبّ بالرعاية التي يقدّمها له ولأسرته، إلّا أنّ دنزل يقدّم لولده منظورا مختلفا تماما حين يُبعِد "الحبّ" عن التعامل اليوميّ بينه وبين أسرته، ناصحا ألا ينتظر من أحد حبًّا، بل أن يسير في حياته وهو يبحث عن أخذ حقّه لا غير:

    

-أبي، هل تحبُّني؟

- أحبُّكَ! بحق الجحيم! من قال إنّ عليّ أن أُحبّك؟ أيُّ قانون يقول إنّ عليّ أن أُحبّك؟ أتريد الوقوفَ أمام وجهي وتسألني سؤالا غبيًّا مثل هذا؟

- لا شيء.

- [...] أيها الزنجيُّ، أنت في بيتي، في نهاية حديثك معي تضع لفظة "سيدي"، هل تأكل كلّ يوم؟

- أجل سيدي.

- هل هناك ملابس على ظهرك؟

- أجل سيدي.

- ما سببُ ذلك باعتقادكَ؟

- لأنّك تحبُّني.

    

- أُحبُّكَ!! هل تظنُّ أني أعملُ كلّ يوم حتى يكاد ظهري ينكسر لأني أحبُّك! إنّها مهمّتي، مسؤوليّتي، يجب على الرجل أن يرعى أسرته، أنتَ تعيش في بيتي، وتملأ بطنكَ بطعامي، وتضع ظهركَ على سريري، لأنّكَ ابني، وليس لأنّي أحبكَ، بل لأنّ رعايتك من واجبي، فأنا مدين بالمسؤوليّة تجاهك، وعليّ أن أوضّح لك شيئا قبل أن يتمادى هذا الأمر، أنا لن أحبّك.. السيّد "راند" لا يعطيني المال وقت الدفع لأنّه يحبّني، بل لأنه مدين لي، وأنا أعطيك كل شيء يمكنني إعطاؤه، لقد أعطيتُكَ حياتك، أنا وأمُّك أعطيناك إياها، والآن لا تحاول السير في الحياة وأنت قلِق حيال شخص ما إن كان يحبُّك أو لا، تأكّد من أنهم يعطونكَ حقّك".

 

     

ملمح دِنزل هنا لم يكن سوى صورة من المشهد، حيث يُختزل الحب هنا وتحقيق الذات والمشاعر الإنسانية الحميمية في صيغة "المسؤوليّة" و"أداء الحقّ المفروض" على عاتق الإنسان وتعبير عن تصور بصيغة محددة تجاه العلاقات الإنسانية. في مشهد وملمح آخر، يقدمه لنا مسلسل "هاوس أوف كاردز" (House of Cards) حول السبيل الأفضل لتحقيق الذات، يجسّد "كيفين سبيسي" دور فرانك أندروود زعيم الأغلبيّة الديمقراطيّة في مجلس الشيوخ والذي يسعى للوصول إلى السلطة بأيِّ ثمن، حتى وإن كان الثمن هو القتل.

 

اضغط للاستماع
 

لا أحد يعرف حقيقة "أندروود" سوى ساعده الأيمن دوغ ستامبر وزوجته كلير التي اتفقت معه على تحقيق طموحه في الوصول إلى السلطة، مهما كلّف الأمر من أثمان كثيرة دفعتها طيلة حلقات المسلسل. وعلى الرغم من إطلاع المشاهدين على خفايا ما يقوم به أندروود، فإن حبكة المسلسل الدرامية، وما يمثّله فرانك من قوّة وفرادة ودهاء، تدفع كثيرا من المتابعين للتعاطف معه، وربما الوقوف إلى جانبه، وتمنّي انتصاره على خصومه، على الرغم من دوره "التآمري" و"اللاأخلاقي".

 

يقف فرانك أمام قبر والده في افتتاحية الموسم الثالث من المسلسل، وقد بات رئيسا للبلاد، يكسر جدار الصمت مخاطبا مشاهديه، ومسوّغا وقفته تلك بقوله: "هذا يجعلني أبدو أكثر إنسانيّة، بل عليك أن تكون إنسانيًّا بعض الشيء عندما تصبح رئيسا"، ليقوم بعدها وبصورة مفاجئة بالتبوّل على قبر والده في مشهد صادم يُعبّر به عن رفض حياة الفقر والذلّ التي عاشها الآباء، كما لا يفوّت "فرانك" أن يعدنا بأن قبره لن يكون في الباحة الخلفية لمنزله، بل سيقف الناس في طوابير لتأدية واجب العزاء له.

 

   

في مشهد آخر ضمن الحلقة الرابعة من الموسم الثالث، يقف فرانك أمام تمثال للسيد المسيح في إحدى الكنائس، مخاطبا إيّاه: "الحبّ؟ أهذا ما تبيعنا إيّاه؟ حسنا، أنا غير مقتنع"، ثم يبصق في وجه تمثال المسيح، في لقطة أخرى صادمة وغير متوقّعة[1].

 

تحقيق الذات.. بين المسؤوليّة والطغيان

تدفعنا تلك المشاهد للتساؤل عن السبب الذي يدفع لظهور "الذات" في المنظومة الغربيّة عبر هذين الشكلين من "المسؤولية" أو "الأنانيّة الطاغية"، لنستدعي في هذا السياق "النموذج المعرفيّ" الذي استخدمه د. عبد الوهاب المسيري في العديد من كتبه*، حيث يرى أنّ الفلسفات الغربيّة وتيّاراتها المختلفة ناتجة عن الرؤية المادّية للعالم والحياة؛ حيث تنطلقُ من افتراض أن العالم ليس فيه نظام "غير مادّي"، أي ما يمكن وصفه بـ "الروحي" أو المتعالي؛ ولذا فإنّ كلّ ما في العالم وفق هذا التصور متغيِّر ونسبيّ؛ -وهو ما يعبّر عنه وصف "السُيولة" بحسب عالم الاجتماع "زيجمونت باومان" في سلسلته الشهيرة عن السيولة في مجتمعات الرأسماليّة المعاصرة- ولذا فإنّ المجتمع الغربيّ -غالبا- يُغَلِّبُ أفكارَ "الذاتيّة" و"البراغماتيّة" والكسب المادي المباشر على حساب التصوّرات الكُلِّيَّة عن طبيعة الإنسان والكون، ومن ثمّ فإن الحقيقة الوحيدة المقبولة عند المجتمع الغربي هي ما تقرّه "الذات" التي تتعالى وتتجاوز على أي تصور غيبي وقيمة عليا.

 

يتّفق نقّاد النموذج الغربي ومنظّروه على وجود عدّة أزمات تعصف بالبنية الفكريّة والاجتماعيّة للمدنيّة الغربيّة المعاصرة، ولعلّ أبرزها ما يعلنه المفكّرون -المعروفون بفلاسفة "ما بعد الحداثة"- عن موت مشروع الحداثة وفشلِهِ[2] وسعيهم الدائم لتقديم "نبوءة" جديدة في تحقيق عالم مريح و"مختلف" للإنسان[3].

  

عالم الاجتماع "زيجمونت باومان" (مواقع التواصل )

 

وبذلك، فإنّ الفكر النقديّ الغربيّ يكشف حقيقة عن وجود أزمة عميقة في بنية فكر "الحداثة" و"ما بعد الحداثة" على حدّ سواء، حيث تنكشف لنا تناقضات مختلفة وصعبة في مختلف القضايا[4] كتَحُوُّل المجتمع البشريّ من مجتمع إنسانيّ إلى مجتمع استهلاكيّ يقدّس الاستهلاك، تماما كتقديس الأديان لفكرة الألوهيّة[5]، ومن مجتمع فاعل مفكّر إلى مجتمع تصنع السلطاتُ ثقافته[6] ومن حضور الإنسان في شتّى مجالات الحياة إلى اغترابه أمام سطوةِ التقنيّة وتغوّلِ الاستهلاك؛ ممّا يجعل العالم "مقلوبا".

 

نظام الرأسمالية الاجتماعي

كثيرا ما تُفهم "الرأسماليّة" بوصفها نظاما اقتصاديّا بحتا، خاصّة أنّ سرّ تراكم رأس المال في العمليّة الاقتصاديّة الحرّة قائم على الاستغلال للعمّال المأجورين الذين لا يتقاضون سوى معاشات زهيدة، فيما يذهب فائض القيمة الذي يولّده عملهم إلى أرباب العمل. تُمثِّل هذه العمليّة "الاستغلالية" -من خلال المنظور الماركسيّ التقليديّ- قلبَ النظام الرأسماليّ النابض، حيث إنها تعطي رأس المال قدرة غامضة على "التوسُّع الذاتيّ" وذلك من خلال علاقة طبقة "مالكي وسائل الإنتاج" الذين يستولون على أرباح الناتج الفائضة بطبقة العمّال المُجبَرين على بيع طاقتهم المستخدمة في الإنتاج حتى يعيشوا[7].

  

   

لا يزال هذا المنظور -على الرغم من قيمته النقديّة- قاصرا عن الإحاطة بتحليل "الرأسماليّة" ودورها في صناعة الحياة الحديثة؛ حيث يغفل عن الدور الاجتماعيّ والطبيعة التاريخيّة في تثبيتها، إذ إن "الرأسماليّة" في حقيقة الأمر ليست محضَ نظام اقتصاديّ قائم على العلاقة الاقتصاديّة بين طبقتيه، بل هي نظام اجتماعيّ متكامل[8].

 

يفترض ماكس فيبر في هذا السياق أن القواعد السلوكيّة الاجتماعيّة في عصر النهضة إنّما هي قواعدُ أخلاقيّة مأخوذة من نصوص دينية، فوصيّة "أحبَّ جارَكَ" -مثلا- الاجتماعيّة والأخلاقيّة جاءت من الكتاب المقدّس، وعلى الرغم من الاستشهاد بهذا النصّ -برأي فيبر- فإنّ هذا السلوك الاجتماعيّ يكاد يكون فارغ المضمون، فالأخلاق أو القِيَم التي تسود الحياة العامّة في العالم الحديث مختلفة تماما عن قواعد الأخلاق التي جاءت بها الأديان؛ حيث إنّ أخلاق الرأسمالية أو الحداثة شخصيّة أو ذاتيّة أو نفعيّة المنشأ، وذلك بفعل انتشار معايير "الحداثة" التي كسرت معايير عديدة كالأخلاق الدينيّة والزواج وتعريف الجمال والعمليّة الجنسيّة؛ ولذا أصبحت القِيَمُ ملكا للفرد على نحو متزايد وليس للمجتمع في تحديدها نصيب كبير.  

 

لقد أصبح السلوك العام في المجتمعات المعاصرة باردا ومحترِزا وصارما، محكوما بالانضباط الذاتي الشخصيّ في أغلب أحواله، وأصبح السلوك الصحيح يكمن في مراعاة الإجراءات الصحيحة كما لو أنه يسير على نصّ من القانون، كما أصبح السلوك العام الحديث منطقيّا ومتّسقا ومتماسكا كحال الذي أطاع حقائق جديدة لا مجال للجدال فيها مثل قوّة الأعداد وقوى السوق والتكنولوجيا[9].

 

    

أزمة الإنسان في عصر الاستهلاك

يأخذنا "تشاك بولانيك" في تحفته الروائيّة "نادي القتال" -التي تحوّلت إلى فيلم سينمائيّ لاحقا- إلى عمق الأزمات التي يعايشها الإنسان في ظلّ الرأسماليّة والحداثة، خاصّة تلك الشروط المفروضة علينا، أو القواعد التي تفرضها الرأسماليّة الغربية لنعرِّف أنفسنا من خلالها.

      

ترسمُ لنا الشخصيّات الرئيسة في الرواية الأنماط التي يمكن أن يكون الإنسان عليها في مجتمعات المال والاستهلاك، فهناك الإنسان المنضبطُ كالآلة وفق برنامج زمنيّ معيّن فُرض عليه من خلال طبيعة عمله ومواصلاته، وثمّة الرجل المتمرّد الذي يرفض الخضوع لشروط الحياة المحيطة ويقنع من حوله بالذهاب نحو الجحيم بدهاء لافت، فالحياة كالعبوديّة أو أشدّ، وللخلاص منها لا بدّ من إطلاق غرائز النفس لتجاهل آثارها، وهنا يأتي دور "القتالِ بلا قواعدَ" ليكون الشكل الأوضح لخلاص النفس البشرية من ترويض الحضارة الغربيّة لها، فـ "كينونة الناس في العالم الحقيقيّ تختلف جذريّا عن كينونتهم في نادي القتال"[10] حيث لا يشعرُ المقاتل بالحياة في الخارج كما يشعر بها في نادي القتال حين يقف مع الآخر تحت الضوء الوحيد وسط المشاهدين [...]، نادي القتال لا يهتمّ بربح أو خسارة في المباريات، ولا يهتمّ بالكلمات، لأنّ القتال هنا حتميّ وإلزامي على كل عضو جديد[11].

   

يقول "تايلر" ملخّصا الأسباب التي دعته للتمرّد على الواقع المشؤوم عبر الدعوة إلى نادي القتال: "نحن عبيد لأشياء لا نحتاجها، أشياء نقضي حياتنا في البحث عنها من دون التوقف للحظة والتفكير في سبب مقنع لهذه الحاجات النمطيّة والبحث عن مدى حاجتنا لها، المنزل المثاليّ، والزوجة اللطيفة، والأطفال الرائعين، وقطع الأثاث المتينة، والتُّحَف الفريدة التي تُبرِزُ الجانب الثقافيّ المفترَض وجوده عندنا"[12].

 

   

تذكّرنا هذه الأسباب بالتشخيص الذي قدمه "إيريك فروم" حول الإنسان المستَلب في عصر الرأسمالية، حيثُ صار الإنسان بلا ذات حقيقيّة في هذا المجتمع، فأمسى مستهلَكا ومستهلِكا بصورة مطلقة، بل صار منطق الحياة كلها قائما على مقولة: "املك واستعمل، أنا موجود أقلّ فأقلّ"[13].

 

لقد كان للنموذج الغربيّ -من خلال عولمة "الرأسماليّة"- قدرة كبيرة على رسم حدود الحياة المعاصرة بأكملها، فخُطِفَت السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية بجانب العقل المسلوب بفرضيّات الوعي الغربيّ، وتآكلت المخيّلة الإنسانيّة أمام سطوة المال والاستهلاك، حتى بات من المستحيل تصوّر بديل آخر عن نمط الحياة الغربية، وقد كان -على سبيل المثال- صدور نظرية "نهاية التاريخ" تجلّيا واضحا لمعنى حتميّة الحداثة الغربية الممثّلة بـ "رأسماليّتها" المتمدّدة، فأصبح محض التفكير بنظام بديل نوعا من العبث عند كثير من الناس، فقد انتهى التاريخ ولم يتبقّ من المستقبل سوى تكرار نماذج الغرب وسيناريوهاته الماضية وإعادة قولبتها[14].

 

خيالاتُ الرأسماليّة

"ما زالت البشريّةُ قابعة في كهف أفلاطون"

 

هذا ما يخبرنا به الأديب البرتغاليّ جوزيه ساراماغو[15] مستندا إلى تصور أفلاطون في أنّ المحتجَزين في الكهف يحتفون بالصور التي يرونها والخيالات التي تظهر لهم من خارج الكهف متصورين أنها حقيقة الأشياء، فيعدُّون ذلك كلّه حقائق أزليّة لا يمكن رفضها أو نقضها، وكذلك حال الناس في مجتمعات الرأسماليّة المعاصرة، حيث يقبلون ما تظهره لهم الشركات التجارية ووسائل الإعلام المحكومة بأجندات كثيرة على أنها حقائق لا يمكن تجاوزُها.

  

الأديب البرتغاليّ جوزيه ساراماغو (مواقع التواصل )

  

يوضّح لنا ساراماغو في روايته "الكهف" الأزمات التي يعيشها إنسان عصر الرأسماليّة والحداثة، حيث لا تظهر لنا سوى صور المادّة والاستهلاك وغياب الإنسان عن التأثير في هذا الوسط المادّي الرهيب. حيث تُظهِر لنا الرواية الحجم الهائل من التغيُّر الذي غزا حياة الناس، حيث يعمل العجوز سيبريانو ألجور في صناعة الخزف بيديه وانطلاقه بما ينتجه إلى ما يسميه بـ "المركز" حيث يقدّمه ساراماغو كصورة تعبيريّة عن المجتمع الاستهلاكي الذي طغت عليه قيم الحداثة، ليفاجَأ بعد مدة بأن مدير المشتريات في المركز يخبره بأن منتجاته لم تعُد مقبولة، فهي لا تجلبُ النفع أو الربح، خاصّة بعد قرار "المركز" استبدال الخزف بالبلاستيك المصنّع في المصانع الآليّة الحديثة[16].

 

يريد خوزيه لنا -من خلال "الكهف"- أن نصل إلى الحقيقة الآتية: لقد نُسيَ الإنسان، وها هو يعيش على الهامش، فقد تغلغلت مظاهر الاستهلاك الفارغة في كل شيء، حتى إنّه لا يستشعر حياته إلا عبرها. لقد قامت الشركات والنظُم الدعائية الجبّارة بمحوِ وعي الإنسان وخلق وعي جديد له، لقد جعلت منه كائنا نهما وجائعا إلى منتجاتها في كل موسم[17].

 

تصفُ ريبيكا غولدشتاين عمق الأزمة المعنويّة التي تعايشها المجتمعات الغربية بقولها: "لقد وقعت مجتمعاتنا اليوم -وبخاصة الرأسمالية منها- في فخ النزعة الاستهلاكية المتفشية وفي قبضة الميديا الإعلامية في محاولة لمنح الناس معنى لحياتهم، وقد ساهمت هاتان الوسيلتان في طغيان مظاهر التمركز حول الذات، وتراجعت الموضوعات ذات الأهمّيّة المجتمعيّة -مثل العدالة الاجتماعيّة- إلى الخلف كثيرا.  لقد نكص أفراد مجتمعنا اليوم إلى حالة من تضخيم الذات وتمجيدها مثلما فعل الأثينيّون من قبل تماما، وهذه الحالة هي تماما ما سعى "سقراط" إلى الوقوف بالضدّ منها عبر الفلسفةِ وأدواتها المعروفة، وهو ما تسبّب في قتله نهاية المطاف"[18].

  

 

عبادة المال

الكائن الاستهلاكيّ مسكون بالرغبات التي تُقْلِقُه كلها، فلا بلاغة الشعر أو روعة الفنّ أو روح الدين تسترعي قلقه، إنّ ما يقلقه على الدوام هو "الرغبة" التي تفترس وجوده "الزائف" من خلال سعيه في محاولة إشباعها بالاستهلاك المستمرّ، إلا أنّ ذلك أمر لا نهاية له، ممّا يجعل الإنسان "مملوكا" لما يملك من المال أو لما سيملكه عن طريق الاقتراض المصرفيّ، ويعد مثال أزمة "الرّهن العقّاري" التي افتتحت عصر الأزمة الرأسماليّة باعتباره أوضح النماذج على خطورة هذا الاستعباد النَّهِم[19].

 

في روايته الموسومة بـ "هيّا نشترِ شاعرا" يغوص "أفونسو كروتش" عبر تخيُّلاته في أعماق المجتمع "الاستهلاكيّ" الذي تعاظمت فيه المادّية إلى حدّ أن البشر تخلّوا فيه عن التسميات الطبيعيّة إلى التسمية بالرموز والأرقام، واستبدال ما لديهم من التحايا المعروفة بعبارة: "نموّ وازدهار" ذات الإيحاء الماليّ الواضح، فلا تجد إلا مجتمعا فقدت اللغة فيه شاعريّتها وتخففت من مجازاتها، لتركّز على الأرقام في معرفة وزن الأشياء وطولها وثقلها وحجمها.

  

تتمدّدُ "الرؤية النفعيّة" في مفاصل الرواية بأكملها، فلا وجود للمودة والمحبة في التعامل مع الآخرين حتى وإن حقّق ذلك ربحا معنويّا، فالربح مقصور على القيمة المادّيّة فقط، كما أنّه لا يمكن تحقيق مكاسب من الإيمان بهذه القيم، فذلك سلوك مبنيّ على الأوهام[20].

 

"أودُّ أن يكون لي شاعر، هل يمكن أن نشتري واحدا؟[21]"

  

  

يُشكّل هذا السؤال بداية الانطلاق للغوص في عالم هذه الرواية، حيث تتراكم في الحوارات عبارات مستلزمات المال "المعبود": كم ثمنه، كم حجمه، كم يأكل، كم يكلّف، إلا أنّ الأهم من ذلك هو الإشارة إلى "الشاعر" وكأنه ليس أكثر من "ديكور" ومهرّج يسلّي ابنة صاحب الشركة الغنيّ. يصطحب الوالدُ ابنتَهُ إلى متجر يضمّ شعراء ذوي أشكال وألوان مختلفة، إلا أن شاعرا لا توجد علامة لأي "ماركة" على ثوبه ويمسك كتابا يثير انتباه الفتاة فيقع اختيارها عليه، ولا سبيل لأن يرفض الأب شراءه خاصة "أنه من الفصيل الذي ينسى الأكل بعد فترة" كما أنه لا يوسّخ الأرضية كالرسّامين.

   

يمضي السردُ في تتبعِ ما يعنيه مفهوم "الشعر" ووظيفته في طبقة ثريّة من "كائنات الاستهلاك" الغنيّة، إلا أنّ المثير يأتي من ظهور بوادر التحوُّل في حياة الفتاة عندما تبحث عن ماهية النفع في الأشياء غير الربحيّة خاصة عندما تناقش مع صديقاتها قيمة الثقافة غير الاستهلاكيّة، إضافة إلى ذلك فإنَّ الأخَ لا يفلح في نيل إعجاب الفتاة التي يعشقها إلا بعدما يخاطبها بكلمات يتعلمها من الشاعر، في إشارة مقصودة من أفونسو للتأكيد أن لغة المشاعر تمتلك تأثيرا يفوق تأثير المال والأرقام.

 

سلعة الحب

يقدّم عالم النفس "إيريك فروم" في كتابه "فنّ الحب" مجادلة قويَّة في هذا السياق، حيث ينبّه إلى أنّ المشاعر الإنسانيّة كـ "الحب" تتأثّر بالبيئة التي يوجد فيها الإنسان. لذا، نشاهد تغيُّرات كثيرة لمفهومه في مختلف العصور والحضارات مما يؤكّد دور الأحوال الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة في تحديد وتقرير أشكال العلاقات العاطفيّة ونظرة الإنسان للحبّ.

  

لا غرابة في ملاحظةِ انتشار أسلوب المقايضة الذي يحكم سوق العمل ذاته في علاقات الحبّ والعاطفة الإنسانيّة

مواقع التواصل الاجتماعي
  

يشير "فروم" بذلك إلى تغيُّر مفهوم الحب في الثقافة الغربيّة المعاصرة ذات الأنظمة الرأسماليّة، حيث تتحوّل جميع الأشياء النافعة والطاقة الإنسانيّة وفق هذه المنظومة إلى سِلَع تتمُّ مُقايَضَتُها أو الاستغناء عنها حسب محدّدات الطلب. يمكن وفق هذا الحال أن تتحوّل الطاقة والمهارة الإنسانية إلى أشياء لا قيمة لها وفق معايير السوق، ومن ثمّ لا غرابة في ملاحظةِ انتشار أسلوب المقايضة الذي يحكم سوق العمل ذاته في علاقات الحبّ والعاطفة الإنسانيّة، خاصّة أنّ الثقافة "السائدة" ترى في نجاح السوق المادّي القيمة البارزة لها، ارتكازا على فكرتي "النفع والمصلحة"، ومن ثمّ تتغيّر زاوية النظر للعلاقات العاطفيّة، فتقوم أيضا على الفكرة نفسها ممّا يؤثر في البناء الهرميّ للقِيَم، لتصبح الأشياء المادّيّة من "السِلَع المتكدّسة" أعلى قيمة من "الإنسانِ" ومشاعره وكل ما هو حيّ، ويفضي تقسيم العمل في المشاريع الكبرى إلى انتزاع هُويّة الفرد وشخصيّته، فيصبح كقطعة مستهلَكَة في آلة ما، بل يتحوّل هو نفسُه إلى آلة[22].

 

حبٌّ خالٍ من المخاطر

حب دون تكلفة، هذه إحدى أبرز سمات الحبّ "المعاصر" التي ينبّهنا إليها آلان باديو في أحد حواراته، حين يوجه الصحفيّ سؤالا: أعتقد أن الدعاية التي تقوم بها المواقع الإلكترونية لتنظيم المواعيد الغراميّة قد صعقتك على وجه الخصوص؟

 

يجيب "باديو": "هذا صحيح، تغطّي باريس ملصقات الإعلانات عن الموقع الإلكتروني "Meetic" لتنظيم المواعيد الغراميّة، وهو العنوان الذي جعلني أتساءل بتعمُّق حول تلك المقولات [...] "تستطيع أن تحبَّ دون أن تقع في الحبّ"، "تستطيع أن تحبَّ على الوجه الأكمل بلا معاناة"، وكل هذا بفضل موقع "ميتيك"، وتبدو لي عبارة "تدرّب على الحبّ" فريدة، حيث أعتقد أن هذه الدعاية الترويجيّة تعكس "مفهوم الأمان في الحب"، حيث إنّه حبّ مؤمّن في مواجهة المخاطر كلّها، سوف يعرض لك كل ما تحبّ حتى تجد خيارا تقول عنه: "أوه، هذا خيار آمن يخلو من المخاطر" [...]، إن منهج ميتيك يذكّرني بالدعاية الترويجيّة التي قام بها الجيش الأميركي لفكرة القنابل "الذكيّة" بعبارته الشهيرة: "صفر قتلى""[23].

  

   

يشير24 "بن فيشل" (Ben Fishel) إلى أنّ السبب في فقدان إحساس الناس بالمشاعر الصافية وهويّتهم الحقيقيّة وتقديرهم لذاتهم بعيدا عن منطق المال عائد إلى التوحُّش البراغماتي الذي أصاب المجتمعات الإنسانيّة في الثقافة المعاصرة إثر طغيان الطابع النفعيّ اليوم.

 

هذه السطوة التجارية وطغيان المادّة في قِيَم الحبّ والمسؤوليّة والثقة بالذات وقواعد السلوك العامّة تدفعنا للبحث عن نظرة الرأسماليّة إلى سؤال القيمة والمعنى الذي يقود الإنسان في أيّ شيء يندفع لفعله، سواء كان مادِّيّا أو معنويّا، فهل يحتفي "النموذج" الرأسماليّ بالإجابة عن هذا السؤال.

 

في هذا السياق، نسترجع ما ذكره "المسيري" في تحليله للنموذج الفكري الغربيّ، حيث إنّ الإطار العام للفكر وما يجسّده من أحداث حقيقيّة على أرض الواقع يتجاوز سؤال القيمة بالمطلق، فالذات الرأسماليّة تنطلق من إطار مادّي نفعي شخصيّ بعيد عن المعايير الثابتة، وهو ما تشير إليه دراسات ماكس فيبر أيضا، حيث أكّدت أن حضور "العقلنة" كمحدد للوعي والسلوك في عصر الحداثة دفع إلى جعل كل شيء تحت منظار الإدراك والكشف والمنافسة والتفكيك، ولذا فإنّ هيمنة هذا النمط من الرؤية والتفكير أدّت -وستؤدي- إلى أزمات في المعنى وخواء في الثقافة، في اختزال واضح لمصدر قوة الحداثة ومكمن إفلاسها في آن واحد[25].

 

    

وبالعودة لمشهد دِنزل واشنطن الذي تفجّرت فيه مشاعره بصورة باهرة، فإنها لا تعدو أن تكون سوى مقولة في نَسَق مادي يحكم تصوراتنا حول طبيعة العلاقات الإنسانية الحميمية، والتي تعيد تعريفها وتطويعها لتتوافق مع المعايير المادية التي تتحكم فيها ثنائية الربح والخسارة، لتتشكّل ذواتنا وفق ما سبق باتجاهات تشابه تماما أن نكون مجرد أدوات في مصنع إنتاج كبير، تتحول فيه كل العلاقات وتنحصر لخدمة الناتج الكلي، ولا مكان للفرد فيها سوى ما يستطيع أن ينتزعه، بوعي، وحب حقيقي، ومقاومة ازدحام التفاصيل الاستهلاكية وسط هذه الترسانة الهائلة.

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار