انضم إلينا
اغلاق
دستور القاتل.. ماذا يفيد اعتقال المجرم طالما ظلت أفكاره طليقة

دستور القاتل.. ماذا يفيد اعتقال المجرم طالما ظلت أفكاره طليقة

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

سبع عشرة دقيقة من القتل المُروع، تلك هي مُدة الفيديو الأصلي الذي صوره الإرهابي الأسترالي برينتون تارنت لنفسه أثناء قيامه بإطلاق النار على مجموعة من المُصلين المسالمين في مسجد النور بمدينة كرايستشرش بنيوزيلندا، سبع عشرة دقيقة دامية أزهق خلالها 49 روحا وروع ملايين آخرين. ظهر تارنت وحيدا في الفيديو بلا شركاء، وربما كان بالفعل وحده حين خطط ونفذ أمام عين الكاميرا، لكن وراء الشاشات أثناء المجزرة، جلست مجموعة من الناس، لم يلتقوا بعضهم البعض قط ولا يعرف أحدهم الآخر، وأخذوا يشاهدون الأمر كله ويباركونه.

   

على مجتمع "غير صائب سياسيا" (politically incorrect" pol board") الإلكتروني في موقع 8chan، كتب تارنت منشورا قبل قيامه بالهجوم بدقائق وقال فيه: "حسنا يا رفاق، انتهى وقت كتابة المنشورات السخيفة وآن الأوان أن نقوم بمجهودات حقيقية على أرض الواقع. سأقوم بتنفيذ هجوم ضد المحتلين، وسأبثه مباشرة على فيسبوك. قوموا الآن بدوركم وانشروا رسالتي، اصنعوا ميمز حولها واكتبوا عنها منشورات سخيفة كالمعتاد". قابل مرتادو الموقع منشور تارنت والفيديو الذي سجل فيه عملية القتل لحظة بلحظة بالتشجيع والاحتفاء، فكتب أحد المعلقين: "حظ سعيد يا رفيق"، ورد آخر: "أتمنى أن يأتي رجل فرنسي الآن ويخلص أمته هو الآخر".(1)

    

منشور تارنت قبل قيامه بالهجوم بدقائق (مواقع التواصل)

  

لأجل هؤلاء، ولأجل الآلاف غيرهم ممن يشاركونهم التوجهات المتطرفة، قام تارنت بمجزرته التي صورها وبثها وكتب بيانا حولها، على أمل أن يأخذ آراء تلك المجموعات الموجودة على هامش المجتمع ويضعها في المتن. لا ينتمي أولئك في الغالب لأي جماعات أو منظمات، ولا يجمعهم بلد أو مكان بعينه، لكنهم يشتركون السكن في البقع الأكثر تطرفا من الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، فيرتادون جميعا المواقع والمنتديات التي تحتضن الفكر المتطرف الرافض للآخر وتحاول أن تبثه. في تلك البقع، اعتاد تارنت أن يقضي ساعات طويلة، وقد كان لتلك الساعات، كما يرى المحللون، أغلب الأثر في تشكيل ملامح جريمته، والتي جاءت مصبوغة في كل أركانها بثقافة الإنترنت بنسختها الأكثر دموية، وتأثرت بأفكار وبيانات من سبقوه للإرهاب، حتى قرر تارنت هو الآخر أن يترك بصمته على جثث قرابة الخمسين قتيلا، وفي عقول كل من سيقرأ بيانه ويتأثر به.

 

الحياة المزدوجة لبرينتون تارنت

وجدت عائلة تارنت نفسها في حالة من الذهول والصدمة، لوهلة عجزوا عن تصديق أن ابنهم الذي لم تظهر عليه قط أي ميول للعنف أو أي تصرفات عدائية قد ارتكب تلك الجريمة البشعة. شاركهم الذهول زملاء تارنت في الصالة الرياضية حيث كان يعمل مدربا حتى عام 2010، فوفقا لمدير الصالة، لم يكن تارنت أكثر من شاب طبيعي لا يبدو أنه يحمل أي آراء أو توجهات متطرفة من أي نوع. وبالفعل، فأي تفحص لحياة تارنت قبل ارتكابه مجزرة كرايستشرش، سيؤدي إلى النتيجة نفسها. (2)

  

فقد عاش برينتون تارنت، ذو الـ 28 عاما، معظم حياته في مدينة جرانتون الصغيرة بأستراليا، ابنا لعامل نظافة، وحظي بطفولة عادية اضطربت بعض الشيء ربما عند انفصال والديه وهو في سن صغيرة. وعندما كبر، لم يذهب للجامعة وآثر أن يعمل مدربا خاصا. استمرت حياته على حالها حتى عام 2010، حين توفي والده بالسرطان، وورث هو عنه، وفقا لصحيفة التيلغراف، ثروة صغيرة ساعدته على ترك وظيفته والسفر حول العالم.(3)

  

 برينتون تارنت (مواقع التواصل)

  

إن كانت حياة تارنت الفعلية لا تنطوي على أي شيء غريب أو مثير للاهتمام، فلن نتمكن من أن نقول الشيء نفسه عن حياته في فضاء الإنترنت؛ هناك، كان مشاركا فعّالا في منتديات اليمين الأكثر تطرفا وتلميذا نجيبا لأفكارها الإرهابية التي وقفت محرّكا أساسيا وراء المجزرة التي قام بها صباح الجمعة.

  

لم يرد تارنت أن يصير في الصحافة والإعلام محض شخص مريض جاء قتله نتيجة لخلل نفسي، فتكبّد عناء كتابة بيان في 74 صفحة يعرض فيها بالتفصيل الأفكار التي دفعته للقيام بالجريمة. وكان من بعض ما جاء في ذلك البيان: "نحن نشهد الآن احتلالا غير مسبوق في التاريخ، ملايين الأشخاص يعبرون حدودنا ويودون أن يستبدلونا. ستؤدي أزمة الهجرة الجماعية، في حالة عدم التصدي لها، للإحلال العرقي والثقافي التام للأوروبيين. يجب علينا أن نسحق المهاجرين، يجب علينا أن نُرحّل أولئك المحتلين من أرضنا". (4)

  

راع الكثيرون فكرة أن يترك قاتل وراءه بيانا مُطوّلا يشرح فيه كل شيء عن جريمته ودوافعها، لكن تارنت لم يكن أول من يفعل ذلك، فقد استلهمت جريمته مجزرة أخرى لرجل أبيض شاركه الأفكار والتوجهات وسبقه للقتل بثماني سنوات، ولم ينس تارنت أن يترك له في بيانه تحية خاصة كـونه "مُلهمه الأساسي".

  

بيانات قاتلة

صباح الثاني والعشرين من يوليو/تموز عام 2011، ألقى النرويجي أندرس بريفك بقنبلة في قلب مبنى الحكومة بأوسلو عاصمة النرويج حصد عبرها ثماني أرواح، واتجه بعدها سريعا لجزيرة يوتوا الصغيرة وبدأ في إطلاق النيران، ليقتل 69 شخصا آخرين ويصيب 158 بإصابات حرجة. لم تأت جريمة بريفك ولا ضحاياه بشكل عشوائي، فقد أراد أن يتخلص من ممثلي الحكومة النرويجية وأعضاء حزب العمال اليساري، الذين وفقا له، لم يكونوا سوى "خائنين لأوطانهم سهلوا احتلال المسلمين لها". (5)

    

النرويجي أندرس بريفك (رويترز)

    

نعرف هذا عبر البيان الذي تركه بريفك، في 1518 صفحة، وشرح فيه أفكاره التي تأثر بها تارنت بوضوح؛ فيقول بريفك على سبيل المثال: "هدفنا هو السيطرة العسكرية والسياسية على بلاد غرب أوروبا حيث سنطبق أجندة ثقافية محافظة. علينا أن نقتل 45000 ونصيب مليونا من المدافعين عن التعدد الثقافي في أوروبا الغربية. انتهى وقت الحوار، وآن أوان المقاومة المُسلحة". (6)

  

أُلقي القبض سريعا على بريفك وهو يقضي الآن عقوبته في السجن، لكن الأفكار التي دوّنها في بيانه لا تزال حرة طليقة، تسافر عبر شبكة الإنترنت من جهاز لجهاز، وتنجح في السيطرة على آلاف العقول. من المؤمنين بأفكار بريفك من يحتفظ بها في عقله ولا يجعلها تخرج لحيز الفعل، ومنهم من يحمل السلاح ويوجه فوهته لأي شخص ليس أبيض أو يؤمن بالتعدد الثقافي، تماما مثلما فعل تارنت صباح الجمعة، فقد صار بريفك "رمزا للكراهية على أساس أيديولوجي، للمسلمين، وللمهاجرين، ولأي من حلفائهم". (7)

  

وجدت مجزرة بريفك من يشجعها ويؤيدها على منصات اليمين المتطرف على الإنترنت، تلك التي كان يرتاد تارنت مثيلاتها، فيقول أحد التعليقات: "حان وقت العنف، فقد أطلق أندرس بريفك رصاصة البداية لعصر قتل العدو"، ويقول آخر: "أتمنى لو أنني أستطيع المقاومة بطريقة ما، لكنني لست شجاعا مثل بريفك".

   

لتلك البيانات خطورة خاصة تفوق خطورة أفعال القتل الإرهابي على أساس عرقي التي تأتي بشكل عشوائي، فيغلف مرتكب الجريمة عبرها جريمته بغطاء أيديولوجي يعطيها ثقلا فكريا، وكما حدث في حالة بريفك، فإن تلك البيانات تبقى وتتنشر وتؤثر في أعداد متزايدة من الناس، محولة إياهم من أشخاص عاديين يعيشون في سلام إلى حاملي أفكار متطرفة تهدد في أي وقت بالتحول إلى جرائم دموية، تماما مثلما حدث مع برنتون تارنت.

    

  

في تحليله لظاهرة البيانات التي يتركها الإرهابيون اليمينيون، يقول الباحث جي. إم برجر: "للمزج بين الكلمات والأفعال قوة خاصة، يستعين بها الإرهابيون المنفردون خلال كتابتهم، على أمل أن تقود بياناتهم من يقرؤونها لرحلة التعليم الذاتي نفسها التي قادتهم هم للإرهاب". (8)

  

يُشبّه برجر بعدها تلك البيانات بحجر رشيد، ذلك الحجر الأثري الذي يعود الفضل إليه في اكتشاف اللغة المصرية القديمة؛ فتعمل تلك البيانات بالطريقة نفسها، حيث تخلق حالة من الفضول داخل القارئ العادي من خارج دوائر اليمين المتطرف أثناء قراءته لها، وحتى يفهم إحالاتها ومعانيها، يجد نفسه يتعمق أكثر وأكثر في شبكات الفكر الراديكالي. ونظرا لما تمتاز به البيانات من مدح وإعلاء لشأن الرجل الأبيض فوق غيره من الأجناس والأعراق، ودأبها الدائم على سرد لمظلومية زائفة يتعرض لها على يد المهاجرين الأدنى شأنا الذين يفدون لبلاده ويسرقون قوته، تستطيع تلك البيانات أن تستميل عددا ليس بالقليل من قارئيها غير المثقفين. وبهذا، ينجح الإرهابيون الذين قاموا بكتابتها في مسعاهم، فيتحول فعل القتل من حدث منفرد إلى دعوة عامة ومفتوحة لعدد غير محدود من المجازر. يوجز بيرجر ما سبق ويقول: "تخلق البيانات حولها سردا مُفسرا لأحداث تبدو غير مفهومة، فارضة معنى ما على عنف كان ليبدو بدونها محض فوضى بلا شكل، ولهذا، نجد للقتلة من أصحاب البيانات أثرا يفوق أولئك الذين لا يتركون وراءهم شيئا".(9)

  

وتؤدي التغطية الإعلامية المستمرة لتلك الجرائم إلى ذيوعها وانتشار البيانات التي تفسرها على نطاق واسع، وبالتالي وصولها لعدد ضخم من الناس مع المحتمل أن تتأثر نسبة ما منهم بما تقرأه فيها، يقول بيرجر في هذا الصدد: "في عصر التغطية الإعلامية المفرطة، يمكن للبيانات أن تساهم في "تأثير التقليد" (copycat effect)، النظرية التي أثبتت أن البشر يرتكبون الأفعال العنيفة في أنماط تحاكي تلك التي رأوها. وبيان طويل كذلك الذي تركه بريفك قادر على خلق تغطية إعلامية طويلة ومستمرة، أطول بكثير من تلك التي قد يخلقها قاتل جماعي ارتكب جريمته دون أن يترك وراءه ما يفسرها".(10)

      

    

نُشر مقال بيرجر منذ شهر واحد في صحيفة "الأتلانتك"، تعقيبا على إجهاض هجوم إرهابي كان يخطط له ملازم في الجيش الأميركي وترك وراءه أيضا بيانا كالذي تركه بريفك وتارنت. الكثير مما جاء في المقال يمكن تطبيقه في حالة برينتون تارنت، لكنّ شيئا واحدا تميز الأخير فيه بشدة عن كل ما سبقوه وجعل هجومه يلقى صدى أكبر بكثير من جرائم الإرهاب الأخرى: صمم تارنت مذبحته بكل تفاصيلها من أجل الانتشار بأكبر شكل ممكن على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

  

رسم الإنترنت ملامح جريمة تارنت كلها، من البداية حتى اللحظة الأخيرة، فالأمر لم يكن بالنسبة إليه محض قتل عدائي يستطيع خلاله إزاحة عدد من "الغزاة" المسلمين، بقدر ما كان فيديو تفاعليا حاول من خلاله التشابك مع ثقافة الإنترنت السائدة وما بها من "ميمز" ساخرة، واستخدامها كطُعم يجتذب من خلاله انتباه أكبر عدد من الجماهير.(11) فاختار تارنت أن يأتي بثه لجريمته بشكل فيديو فيسبوك مباشر، ووضع روابط الفيديو على حسابه على تويتر بالإضافة(12) لمنشور 8chan. 

  

وفي التسجيل نفسه، حرص على تضمين أكبر عدد ممكن من الإحالات التي سـتحث من يشاهدها على البحث وراءها وتقوده بالتالي لمساحات اليمين المتطرف على الشبكة. فيُشغل في الخلفية أغنية "تخلصوا من الكباب"، والتي تحولت لميم معروف في شبكات اليمين، ويقول في الفيديو قبل بدء إطلاق النار: "تذكروا يا رفاق، اشتركوا في قناة (13) بيو-داي-باي (PewDiePie)"، أكبر قناة على يوتيوب من حيث عدد المشتركين، وذلك حتى يقوم مؤسس القناة فيلكس شالبرج بالتبرء من الحادث الإرهابي عبر فيديو على قناته التي يتابعها 90 مليون شخص، أغلبهم من المراهقين، وبالتالي يصل وقوع الحادث لعدد أكبر من الناس، وهو ما حدث بالفعل. وحتى بعد إلقاء القبض عليه وأثناء وضعه في قفص الاتهام، لا يفوت تارنت الفرصة، ويلوي أصابعه لتشكل معا علامة "القوة للبيض" (14) (white power).

تقارير متصدرة


آخر الأخبار