انضم إلينا
اغلاق
بوبجي وصناعة القتلة.. هل ألهمت ألعاب الفيديو قاتل نيوزيلندا؟

بوبجي وصناعة القتلة.. هل ألهمت ألعاب الفيديو قاتل نيوزيلندا؟

أنس غنايم

محرر رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

    

مزوّدا بأسلحة نصف آلية، وعلى وقع أنغام موسيقيّة، قام إرهابي ومجرم نيوزيلنديّ يُدعى "برينتون تارانت" بإطلاق النار عشوائيا على مجموعة مصلين داخل مسجدين في مدينة كرايستشيرش النيوزيلندية، ليحصد أرواح تسعة وأربعين مُصلّيا، وحيث نقل المهاجم مباشرة، على الإنترنت، مقاطع من اعتدائه أثناء ارتكابه لمجزرته، أمكن ذلك من رؤيته وهو ينتقل من ضحية إلى أخرى، مطلقا النار على الجرحى الذين يحاولون الهرب منه، في محاكاة رمزيّة لإحدى ألعاب القتال المعروفة بـ "PUBG".

 

أثارت هذه المحاكاة التي جاءت على صورة مشهد سينمائي حفيظة العديد من الناس، وبعثت نقاشا راهنا ما زال يتجدد بين الحين والآخر حول مدى تأثير ممارسة ألعاب الفيديو من فئة ألعاب القتال، أو الألعاب ذات الطابع الحربيّ والإجراميّ، على السلوك العدوانيّ عند الأطفال والمراهقين. فما علاقة الألعاب الإلكترونية العنيفة بالسلوك العدوانيّ؟ وهل توجد علاقات ذات دلالات إحصائيّة، أم أنّ المسألة لا تعدو عن كونها خوفا مبالغا فيه؟

     

صورة من كاميرا الإرهابي في حادث نيوزيلندا الأخير (مواقع التواصل)

  

الذعر الأخلاقيّ.. وسواس الوصاية بين الأجيال

في كتابهما الصادر مطلع عام 2017 بعنوان "القتال الأخلاقي: لماذا الحرب على ألعاب الڤيديو خاطئة؟"[1] يناقش الباحثان في علم النفس الإعلاميّ والاجتماعيّ باتريك ماركي وكريستوفر فيرجسون ظاهرة "شيطنة ألعاب الفيديو" بشكل عام، وألعاب الفيديو العنيفة على وجه الخصوص، وكيف يتم تحميل انتشار أمراض عضويّة واجتماعيّة ونفسيّة في أعناق صُنّاع هذه الألعاب ومبرمجيها، بداية من اضطراب فرط الحركة، ونقص الانتباه، والسمنة في مراحل الطفولة، وليس انتهاء بإطلاق النار في المدارس، والسلوك المعادي للمجتمع.[2]

 

يرى ماركي وفيرجسون بأنّ مسألة الشيطنة والنقد هذه ليست وقفا على ألعاب الفيديو، بل تنسحب على مظاهر عديدة، متعلقة بالجلوس على أجهزة الهاتف المحمول، والدخول على منصات التواصل الاجتماعيّ، وطبيعة اهتمامات الجيل الحالي (الدينيّة، والاجتماعيّة، والأخلاقيّة، والسياسيّة). هذا الجيل الذي يوصف عادة بكونه جيلا تافها، يعاني من تدنٍّ في الأخلاق والمروءة، وينفق أوقاته على الأمور الرخيصة والصغيرة، في مباينة للجيل الذي سبقه ذي الأخلاق العالية والاهتمامات العظيمة.

 

تندرج هذه الظاهرة بحسب الباحثين تحت عنوان "الذعر الأخلاقيّ"، حيث يقوم كل جيل بمحاولة إظهار تفوقه الأخلاقي والقيميّ على الجيل الذي يليه، وذلك من خلال شجب طريقة عيشه، وإظهار الذعر والفزع ذي الطبيعة الوسواسيّة والوصائيّة تجاه تفكيره وانغماسه في بعض السلوكيّات، وتفاعله مع المخترعات والظواهر الجديدة التي لم يألفها الجيل القديم.[3]

  

في سياق العلاقة بين الألعاب والعنف، برز تياران، أحدهما يربط ألعاب القتال بالآثار السلبية، والآخر لا يرى ارتباطا مباشرا بينهما

مواقع التواصل الاجتماعي
  

ووفقا لفيرجسون وزميله، فإنّ ظاهرة "الذعر الأخلاقيّ" عابرة للأجيال، والتي تظهر باستمرار وكأنها قانون اجتماعيّ لا يكاد ينجو منه جيل، حيث وجدت بعد ترجمة الكتاب المقدّس، وانتشار الطابعة، واختراع المذياع، والتلفزيون، ومؤخرا مع وسائل التواصل الاجتماعيّ. ينتشر ويذيع هذا "الذعر الأخلاقيّ" نتيجة لاختلاف العالم كما تمّ اختزانه في أذهاننا؛ أي عالم لم نألفه، أو سار على غير أهوائنا.[4]

 

هل ثمّة علاقة بين ألعاب القتال والسلوك العدوانيّ؟

بناء على ما سبق، هل تندرج ظاهرة "شيطنة ألعاب الفيديو" ضمن حالة "الذعر الأخلاقيّ"؟ أمّ أنّ هذه الشيطنة وهذا التحذير ينبني على أدلة وقرائن حقيقيّة، خلافا لما يدّعيه فيرجسون وماركي؟ في هذا السياق، برز تياران، أحدهما يربط ألعاب القتال بالآثار السلبية، والآخر لا يرى ارتباطا مباشرا بينهما. هنا، تُلخص الباحثة في علم النفس الأخلاقيّ دارسيا نارفيز[5] وجهة النظر القائلة بأنّ لألعاب القتال آثارا سلبية في ثلاث نقاط تتعلق أساسا بالأداء الأخلاقي وتنامي السلوك العدوانيّ:

 

أولا، يمارس اللاعب مرارا وتكرارا، ولآلاف المرات، الخيارات العنيفة المتاحة في اللعبة أكثر بكثير من الأنشطة العادية داخلها، وهذا ما يطبع في ذهنه استجابة تلقائية تُعلّمه كيف يتصرف كمجرم يؤذي الآخرين عمدا وبمحض إرادته.[6] وبذلك يتحول العنف إلى محض فرصة -كما يعبّر جان توسان ديزانتيّ-[7]، مباحا، مشرّع الأبواب.

  

  

ثانيا، في ألعاب الفيديو العنيفة، يتعلّم اللاعب ربط العنف بالمشاعر الجيّدة (مكافآت لإيذاء شخصية أخرى)، وهذا بدوره يقوض الحساسية الأخلاقية عند الإنسان. في الظروف العادية، جُبِل الإنسان في بنائه العاطفيّ والفطريّ على اكتشاف العنف، والشعور بالمكافأة على مساعدة الآخرين، في حين أنّ الممارس لألعاب الفيديو العنيفة يبني حدسا معاكسا يتطور معه ليحمله في بقية حياته.[8] وذلك بناء على ما تدّعيه المدرسة السلوكيّة الكلاسيكيّة في علم النفس من أنّ السلوك الإنساني متعلّم، ومحكوم بتاريخ من الإشراطات والاقترانات وفق منطق المثير-الاستجابة.[9]

 

ثالثا، يمكن لألعاب الفيديو أن تسبب الإدمان، لمنحها مكافآت مباشرة، وفورية للتعلّم، وعادة ما تكون أدمغة الأطفال والمراهقين عرضة للإدمان في هذه الفترة، لأن عقولهم قيد النمو حتى منتصف العشرينيات، وتشير الأبحاث الحديثة في الدماغ إلى أن أي سلوك إدماني (مخدرات، كحول، مواد إباحية، مقامرة، عنف) يمكن أن يضر بالمراحل الأخيرة من نمو الدماغ لدى الشباب، تاركا لهم "نظام صنع القرار" أقل نضجا، وتناقصا في التعاطف مع الآخرين.

 

3×3، النظرة المعاكسة

في بيوت العائلات، يلعب ملايين الأطفال والمراهقين ألعاب الفيديو القتاليّة، عبر التجوال في عوالم افتراضية عنيفة، مع وجود أسلحة افتراضية في أيديهم، فيما يبدو أحيانا أنه عالم يتسم بالعنف بشكل متزايد.[10] إثر ذلك من الطبيعي أن يتصاعد القلق بشأن تأثيرات هذه الألعاب، ولكن هل هذا القلق في غير محله؟

 

    

بإزاء النقد الموجّه لألعاب القتال، الذي يقرن بينها وبين السلوك العدوانيّ كما وضّحته دارسيا نارفيز وغيرها[11]، يعرض فيرجسون وزميله في كتابهما -آنف الذكر-[12] على طاولة البحث وجهة النظر الأخرى، التي ترى بأنّ "الذعر الأخلاقيّ" يقرن بصورة بدهيّة بين السلوك العدوانيّ والممارسات العُنفيّة من قبيل فتح الأسلحة في المدارس من جهة، وبين ممارسة ألعاب القتال من جهة أخرى، من غير الالتفات إلى ثلاث أفكار أساسيّة تنهض في وجه القائلين بوجود أثر سلبيّ لألعاب القتال.

 

أولا، يرى باتريك ماركي وكريستوفر فيرجسون أنّ خوف وسائل الإعلام والسياسيّين والتربوييّن الذين يعمدون لدقّ ناقوس خطر وسائل الإعلام العنيفة مع كل مأساة جديدة تنطوي على ارتكاب شاب ما لجريمة لا تسدده الأدلة في الواقع. تعد نقطة البيانات المتعلقة برماة المدارس تاريخيا الدليل الأبرز على نفي الأثر، إذ هم في الغالب أقل اهتماما بألعاب العنف من أقرانهم. في الواقع، يلعب معظم الأطفال والمراهقين ألعاب فيديو عنيفة دون إظهار سلوك عنيف في الحياة الحقيقية. وما هو أكثر من ذلك، حيث إنّ الطفرات في مبيعات الألعاب العنيفة تتوافق في الواقع مع انخفاض معدلات جرائم العنف. وهذا ما حيّر "الحوار الوطني حول الألعاب والعنف" بشكل ميؤوس منه -على حد تعبير فيرغسون-، وهو ما حدا بقسم علم النفس والتكنولوجيا التابع للجمعية الأميركية لعلم النفس لإصدار بيان في عام 2017 يدعو فيه صُنّاع السياسة ووسائل الإعلام عن التوقف بربط الألعاب الإلكترونيّة العنيفة بالعدوان الواقعيّ في العالم الحقيقي، لأن البيانات ببساطة لا تدعم هذه المعتقدات.[13]

 

وعلى ذلك يراهن ماركي وفيرغسون على كون الألعاب العنيفة ليست مجرد شرور كبيرة في المجتمع، بل قد تكون قوة لأجل الخير، حيث يمكن لألعاب الفيديو -حتى الأكثر دموية- أن يكون لها تأثير إيجابي على كل شيء، من المهارات الاجتماعية إلى الحساسية الأخلاقيّة[14] (التعامل الإيجابيّ مع مشاعرهم، والاستمتاع بالمواقف الصعبة، ومواكبة أقرانهم الذين يلعبون ألعابا مماثلة، وخلق عوالمهم الخاصة، وتخفيف التوتر).

  

من يمارس هذه الألعاب الإلكترونيّة يقيم داخلها في الغالب، ويعمد لفصل عمليّ بين العالم الواقعيّ والافتراضيّ

مواقع التواصل الاجتماعي
  

ثانيا، لا يمكن فهم أثر ألعاب القتال الإلكترونيّة من غير الوعي بالطبائع الإدراكيّة والشخصيّة للإنسان، وطبيعة الشخصيّات الذهانيّة، والعصابيّة، ومدى تعرّض الإنسان للقلق، والغضب، واتجاه الإنسان نحو التوافق الاجتماعيّ، والحالة العاطفيّة، والرغبة في كسر القواعد، أو العمل دون تفكير، والنزاع العائلي، والعنف الأسري، والفقر، والتمييز العنصريّ، ورفض الأقران، والتنمّر المدرسيّ، والأفكار المتطرّفة، كلها عوامل فاعلة ومؤثّرة.[15]

 

ثالثا، في الغالب من يمارس هذه الألعاب الإلكترونيّة يقيم داخلها، ويعمد لفصل عمليّ بين الواقعيّ والافتراضيّ، فهو يمارس العنف والإرهاب لكن في داخل اللعبة لا خارجها، إذ تأثيرات ألعاب الفيديو العنيفة على المشاعر العدوانية والأفكار العدوانية تتلاشى في غضون أربع دقائق، ويمكن أن يستمر تأثيرها على معدل ضربات القلب والسلوك العدواني لمدة خمس إلى عشر دقائق[16][17]، ولذلك فالحديث عن إشكاليّات وآثار سلبيّة غير العنف قد يكون أجدى، مثل الإدمان عليها، وما يستتبع ذلك من إهدار الوقت لدرجة إهمال النوم، والتقصير بالواجبات المدرسيّة، وفرط السمنة، وتوقف النشاط البدني، وتبلّد التفاعلات الاجتماعية الشخصية.

 

صخب القضايا الثانويّة

يختلف الباحثون حول مدى أهمية هذه الآثار، لكنّ الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أنّ الباحثين على طرفَيْ هذا الخلاف يتفقون عموما على أنّ حجم تأثيرات ألعاب الفيديو العنيفة على الأفكار أو المشاعر أو السلوك "صغير"، عند تجميع الدراسات على طريقة التحليل التجميعيّ/التلوي* (Meta-Analysis) كما تشير الباحثة إيلين كينيدي مور.[18]

  

  

وختاما، من الحري بنا الالتفات إلى أنّ القاتل النيوزلنديّ ليس رجلا أهوج تقتاده خيالات ألعاب الفيديو ومخزونها العنيف، بل هو قاتل محترف، تدرّب على عمله لمدة عامين، ينتمي إلى تيار يمينيّ عنصريّ، يؤمن بتفوق العنصر الأبيض، كما أبرز ذلك في رسالة صغيرة حرّرها ليشرح فيها أفكاره العُنصريّة والتمييزيّة ضد المهاجرين والمسلمين وغيرهم من الأعراق غير البيضاء.[19]

 

لأجل ذلك، قد يكون فتح النقاش حول تأثير الألعاب الإلكترونيّة العنيفة في هذه الحادثة بالتحديد هو من قبيل ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسيّ ميشيل مافيزولي بـ "صخب القضايا الثانويّة"[20] التي تنشغل بالمفضول عن الفاضل، وبالجوهر عن الزخرف، وبالميول اليمينيّة الواضحة إلى تأثير الألعاب القتاليّة الخفيّة!

----------------------------------------------

الهوامش:

*التحليل التجميعي/التلوي: هو منهجية تحليلية مصممة للتقييم المنهجي وتلخيص النتائج من عدد من الدراسات الفردية، وبعبارة أخرى هو "منهج دراسة الدراسات".

آخر الأخبار