انضم إلينا
اغلاق
قليل من القتلى وكثير من المشاهدات.. لماذا علينا أن نخشى الإرهاب الأبيض؟

قليل من القتلى وكثير من المشاهدات.. لماذا علينا أن نخشى الإرهاب الأبيض؟

  • ض
  • ض

"يرغب الإرهابيون في الكثير من المشاهدين، لا الكثير من القتلى"

(برايان مايكل جنكينز)

    

لم يكن بمقدور أحد أن يتخيل أنه في المرة القادمة التي سيستمع فيها لمقولة من ستينيات القرن الماضي عن أنه يمكن للجميع في المستقبل أن يُصبحوا مشهورين لخمس عشرة دقيقة فقط*، لا يجدر به أن يغلق عينيه ليتذكر جريمة إرهابية وقعت في واحدة من أكثر مناطق العالم هدوءا ونأيًا عن جرائم القتل والقتل الجماعي. لكن الواقع يقول الآن إنه سيتذكر جريمتين، إحداهما في كرايستشيرش - نيوزيلندا، والأخرى في أوتريخت - هولندا، ويفصل بينهما أقل أو أكثر قليلا من 72 ساعة فقط.

  

وفي حين أن الجريمة الإرهابية الأولى في نيوزيلندا قد وقعت في الخامس عشر من مارس/آذار الحالي (1)، فإنها قد بدأت قبل ذلك الوقت بأربع سنوات تقريبا في قارة أخرى ودولة تشهد نموا لنشاط اليمين العنصري منذ عقود، حتى وإن قررت التغاضي عنه، لتكون النتيجة هي جريمة بعد أخرى من جرائم القتل الجماعي، كانت إحداها تلك التي جرت في تشارلستون - كارولينا الجنوبية (2) في السابع عشر من يونيو/حزيران 2015، وحينما قرر الإرهابي "ديلان روف" ذو الواحد والعشرين عاما أن يجلس لأكثر من ساعة في الكنيسة التاريخية الأفريقية بالمدينة لحضور درس ديني، قبل أن يُخرج مسدسه من عيار 45 ويبدأ في إطلاق نار عشوائي على جميع الحاضرين.

   

وفيما يبدو أنه لكي تكون يمينيا متطرفا ومؤمنا بتفوق العرق الأبيض على غيره، لا تحتاج إلى سبب منطقي أو سبب على الإطلاق كي تقتحم دار عبادة أو ملهى ليليا وتبدأ في قتل الجميع بلا استثناء، إلا أن إرهابي تشارلستون فعل هذا وترك مانيفستو خاصا به، تماما كما فعل من قبل مرتكب مجزرة أوتويا بالنرويج عام 2011، وكلاهما نجوم لامعة في عقل إرهابي نيوزيلندا وحلقة الوصل بين إرهاب اليمين المتطرف والعنصريين البيض بين كافة أنحاء الغرب.

   

أندرس بريفيك منفذ هجوم النرويج اعترف بارتكابه المجزرة ورفض محاولة هيئة الدفاع إثبات أنه مختل عقليا (الجزيرة)

  

يحكي داريل جونسون، مدير أحد مكاتب الأمن القومي المتخصصة في شؤون التطرف المحلي، عن المكالمة العجيبة التي تلقاها (3) في أحد صباحات يناير/كانون الثاني 2007 من أحد معارفه بشرطة العاصمة يسأله فيها عما إذا كان قد سمع بثرثرة ما عن تهديدات محتملة قادمة، وفي حين لم تكن لدى جونسون معرفة عن تلك الاحتمالات، فإنه قد اكتشف أن المكالمة تتعلق بالسيناتور "باراك أوباما" عن ولاية إلينوي الذي أعلن مؤخرا عن نيته الترشح لرالي الرئاسة الأميركية القادم في 2009، والذي سيجعله إن فاز -وهو ما حدث بالفعل- أول أميركي من أصول أفريقية يصل للمنصب، وأن التهديدات المقصودة تتعلق بالمتطرفين من أنصار تفوق العرقية البيضاء كما بدا واضحا.

 

كان فوز أوباما نقطة تحول أخرى على طريق اليمين المتطرف، حتى مع الثبات والتركيز الذي تابعت وكالات استخباراتية كالأمن الوطني والمباحث الفيدرالية توجيهه ناحية عمل المتطرفين الإسلاميين على أراضيها متجاهلة تماما تصاعد حدة جرائم اليمين المتطرف على الأراضي ذاتها، إلا أن وصوله للرئاسة في حد ذاته أصبح تهديدا لليمين ولفكرته المنحرفة عن "أميركا للجنس الأبيض فقط"، وكان استمرار التجاهل من الوكالات الأمنية وإدارة أوباما حتى منح هذا اليمين الأكسجين الكافي للاستمرار والانتشار، ليس فقط لإلهام المزيد من الأميركيين للانضمام إليهم، بل لمنح رجل أسترالي في العشرينيات من عمره سببا كافيا لقتل 50 شخصا في نيوزيلندا بحجة أن وجودهم في ذاته يعد تهديدا لجنسه وجماعاته في كل مكان في الغرب، حيث يُفترض -كما يرى بالطبع- أن الأولوية والأفضلية فقط للعرق الأبيض، وفي هذا كان الإنترنت هو الوسيلة التي استطاعت من خلاله مثل هذه الأفكار تحقيق كل من الانتشار والأثر المطلوب، وبتعاون تام من وسائل التواصل الاجتماعي التي خدمت التطرف بالكثير من الطرق، ودون أن تنتبه.

 

هل أتاكم نبأ أوروبا المسلمة؟

تختبر النظرية القائلة بأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مساحة خصبة لنمو وانتشار اليمين المتطرف (4) صحتها منذ سنوات، وإن تجاوز الأمر عمالقة التواصل الاجتماعي كفيسبوك وتويتر ويوتيوب ليصبح الإنترنت كاملا مثلث برمودا الذي تضيع فيه الأجهزة الأمنية بحثا عن التهديدات المحتملة، ويُبرِز العامين الفاصلين بين إعلان أوباما ترشحه وانتخابه كدليل تابعت من خلاله "جانيت رايتمان" صحافية النيويورك تايمز في تحقيق مطول نشرته عام 2018 كيف أن تجاهل القوى الأمنية لتصاعد اليمين المتطرف في أميركا قد انتهى باختصار إلى عدم قدرتها على إيقافه الآن.

  

تعددت المواقع التي تمنح المستخدمين المساحة الكافية، ليس فقط لنشر محتواهم دون تتبع، بل لخلق شبكة واسعة تابعة من المتطرفين حول العالم.

مواقع التواصل 
  

تحكي رايتمان كيف أن وحدة جونسون في الأمن القومي قد لاحظت تدفق سيول الأوصاف العنصرية على وسائل التواصل مرافقة لسير الحملة الانتخابية لأوباما عبر الولايات الأميركية، لكن الأشهر الثلاثة التالية لتنصيبه رئيسا حققت طفرة في أعداد المشتركين التي حظيت بها مواقع المتطرفين والعنصريين على الإنترنت مثل "ستورم فرونت" على سبيل المثال والذي انضم لصفوفه في تلك الفترة ضعف عدد المشتركين خلال عام 2008 كاملا، وبتعبير آخر فإن الموقع قد أضاف إليه في ثلاثة أشهر فقط أكثر من 32 ألف مشترك جديد.

 

بدأت مواقع أخرى مثل 4chan، الذي انطلق في 2003 مُتيحا لمستخدميه التسجيل وكتابة المنشورات دون الحاجة إلى إدخال بيانات تخصهم أو التأكد من هويتهم، في الدخول إلى سباق المواقع المستضيفة لأعداد كبيرة من المتطرفين على اختلاف توجهاتهم، ولحق به بعد ذلك بعشر سنوات موقع 8chan مضيفا خاصية الصور والفيديوهات إلى عالم المتطرفين الواسع على الإنترنت ومانحا إياهم المساحة الكافية، ليس فقط لنشر محتواهم دون تتبع، بل لخلق شبكة واسعة تابعة من المتطرفين حول العالم.

 

كان الصوت والصورة هما كلمتا السر في طريقة عمل اليمين المتطرف، لذا، وعلى الرغم من الانتشار الذي حققته المواقع الإلكترونية التابعة لجماعات المتطرفين الجدد، ظل يوتيوب هو صاحب الرقم واحد على رأس قائمة الأولويات ضمن اهتماماتها، وبمجموعة واسعة من الفيديوهات التي تبدأ من خطابات عنصرية لقادة اليمين المتطرف عالميا وتنتهي بعمليات قتل وقتل جماعي وحشي يتم على نطاقات واسعة حول العالم، وهو الأمر الذي لم يكن يوتيوب ولا أي من منصات التواصل الاجتماعي الأخرى على استعداد لمواجهته، ففي النهاية تظل الغاية التي خلقت من أجلها هذه القنوات هي التواصل والانتشار.

  

 

لم يكن مستبعدا مع القيمة الإضافية التي خلقها تأثير الفيديو أن يبدأ الهجوم في نيوزيلندا -قبل أن تبدأ فكرته بالأساس- بفيديو شاهده إرهابي نيوزيلندا على الإنترنت. فيديو حاول الإرهابي الترويج له باعتباره يوم الدين لأوروبا التي هي على وشك أن تقع ضحية الغزو الإسلامي واحتلال المهاجرين من أصحاب معدلات الولادة المرتفعة مقارنة بمعدلات الولادة لدول أوروبية عدة، وبما قد يتسبب خلال أربعة عقود على الأكثر في انتهاء العرق الأبيض بأوروبا والغرب.

 

يغلب الظن أن إدارة يوتيوب قد قامت بحذف الفيديو المزعوم بعد انتشاره على إثر تضمينه في مانيفستو المذبحة، وضمن 1.5 مليون مقطع كان قد حذفهم فيسبوك هو الآخر بعد الاتهامات التي وُجّهت لوسائل التواصل بمساعدتها في نشر العنف والتطرف على إثر بث الهجوم الإرهابي مباشرة من كرايستشيرش في نيوزيلندا، إلا أن الفيديو لم يلبث قليلا إلا وعاد للظهور على يوتيوب باسمه القديم ومتضمّنا المقطع الخاص به من المانيفستو تاركا وراءه أسئلة متناثرة كقطع الليغو ليس فقط حول مدى التأثير الذي قد أحدثته وسائل التواصل بسعيها لحذف الفيديو بعد حدوث المذبحة، بل وحول حقيقة الفيديو ذاته وما إذا كان جزءا من محاولة ترهيب الغرب أم هو فقط جزء من التخطيط الذي استغرقه منفذ المذبحة في الإعداد لكل شيء كي يبدو في ظاهره فقط وكأن هناك تهديدا حقيقيا يستدعي التصرف بعنف قاتل كما حدث.

 

من نحن إن لم نفعل شيئا؟

لم تكن مستساغة الفكرة القائلة بأن شخصا ارتكب لتوه مذبحة بشرية كما حدث في كرايستشيرش لم يكن على قائمة الأشخاص الذين تراقبهم حكومة نيوزيلندا (6) أو أي حكومة أخرى، كما يُعرف حتى هذه اللحظة، إلا أن هذا بالفعل ما حدث، كما حدث من قبل في حادثة 2011 في النرويج وفي 2015 في تشارلستون بالولايات المتحدة.

  

   

تجمع شخصيات مرتكبي المذابح الثلاثة، وكما وصفتهم وسائل إعلامية عدة (6) (7) (8)، صفات كالانطواء والانتماء للطبقة المتوسطة، وفي مراحل الشباب الأولى، كما أن جميعهم لم يُبد أي نوع من الندم على ما فعل، منذ اللحظة الأولى وحتى آخر لحظات المحاكمة، كما في حالات النرويج وأميركا، وفي الجلسة الأولى له فيما يخص إرهابي نيوزيلندا.

 

لا يمكن القول على الرغم من هذا إن أيهم لم يكن له حضور مستمر على قنوات العنصرية البيضاء على الإنترنت، أو إن أيهم لم يرغب في الشهرة التي منحتها إياه المذبحة الخاصة به أو وسائل الإعلام فيما بعد، والتي جعلت الأمر أشبه بسباق جماعي على من يقتل أكثر.

 

في محاولتها للخروج بالأسباب التي تدفع المتطرفين في طريقهم لارتكاب مذابح عظمى، تقول ألكساندرا هيتشن، مدير أبحاث برنامج التطرف بجامعة جورج واشنطن (9)، إنه على الرغم من أن أعداد القتلى أصبحت هدفا في حد ذاتها، فإن الإيمان بقوة القتل الجماعي لا توازيها لدى المتطرفين -على اختلاف توجهاتهم- سوى الرغبة في قول شيء ما، وفي حالة نيوزيلندا كانت الرغبة متمثلة في التعبير عن التهديد الذي يُمثّله المهاجرون على الجنس الأبيض في الغرب، وهو ما يقودنا -وفقا لهيتشن- إلى دافع آخر وهو الإحساس بالتهديد في حد ذاته والرغبة في الدفاع عن الجماعة.

  

  

لكن هذا هو ما تقوله فقط كلمات الإرهابي، توازيه على الجانب الآخر طلبات غير منطقية لمريديه، كالإعلان عن اسم شخصية مشهورة بالفعل على يوتيوب وطلب متابعتها، أو اسم لعبة فيديو، إلخ، وهو الأمر الذي لم يتعلق بحال بالمذبحة بقدر ما هو القدر الهائل من الانتشار الذي صُمم لأجله هجوم نيوزيلندا كما عبّر عنه "تشارلي وارزل" في النيويورك تايمز.

 

"لقد صُمم الحادث لينتشر" (10)، هكذا قال وارزل مُضيفا إلى ذلك أن الطريقة التي يتم بها تداول الأفكار على صفحات الإنترنت -وما تحققه من شهرة بالتبعية نتيجة الانتشار الواسع الذي قد تحققه لأصحابها-، شكّلت في حد ذاتها دافعا لمطلق النار، وربما دافعا أكبر من العنف العرقي. لقد بدا وكأن الإرهابي ينفذ وعده لمتابعيه أكثر مما كان يسعى لتحقيق غاية ما عُظمى كانت أو حقيرة.

 

يمكن القول هنا إنه يُحسب لرئيسة وزراء نيوزيلندا "جاسيندا أرديرن" اختيارها عدم نطق اسم الإرهابي (11) في حديثها أمام البرلمان اليوم التاسع عشر من مارس/آذار طالبة من الجميع أن يحذو حذوها، كما يُحسب للشرطة النيوزيلندية اختيارها إخفاء وجه الإرهابي في كافة الصور التي ظهرت له منذ بدء محاكمته في السبت السادس عشر من الشهر ذاته.

  

صورة الإرهابي وملامحه مشوشة خلال المحاكمة، نيوزيلندا (رويترز)

  

يصعب تطبيق القول ذاته على الصحافة في المقابل، والدور الذي تلعبه التغطيات الإعلامية فيما يتعلق بحوادث إطلاق النار العشوائي، ففي حين جاهدت وسائل التواصل -ولو متأخرة- لحذف المقاطع المنشورة من الحادثة، كانت بعض هذه المقاطع إضافة إلى رابط مباشر لتحميل مانيفستو المجزرة قد وجدت ركنا خاصا لها في مواقع للصحف العالمية، والبريطانية (12) خاصة، مثل "الدايلي ميل" و"الدايلي ميرور" و"ذا صن" و"ذا ميل"، ولم تُحذف إلا بعد هجوم عنيف عليها جعل المتحدث باسم "ذا ميل" يصرح بأن المانيفستو تم تحميله إلى الموقع عن طريق الخطأ.

 

وضع أحد الأبحاث (13) التي نشرها "معهد اقتصاديات العمل" في أكتوبر/تشرين الأول الماضي هذا الأمر موضع تطبيق، فالدراسة التي تناولت أحداث إطلاق النار العشوائي في الولايات المتحدة في الفترة ما بين الأول من يناير/كانون الثاني 2013 وحتى الثالث والعشرين من يونيو/حزيران 2016، وعلاقتها بالتغطيات الإعلامية اليومية لقناة "ABC World" الأميركية لها كنموذج، خرجت بواحدة من أكثر النتائج إثارة للجدل الذي لم يكن قد اتخذ من قبل طابع الدراسة المنهجية كما فعل البحث.

 

استنتجت الدراسة أن التغطية الإعلامية لهذه الجرائم قد تساهم في حدوث المزيد منها، وبما يصل إلى ثلاث حوادث قتل جماعي مباشرة خلال الأسبوع التالي للحادثة الأولى، وهو ما يُفسر نسبة تصل إلى 58% من الحوادث التي تناولتها الدراسة. ليس بالإمكان الآن سوى القول بأن حادثة إطلاق النار العشوائي في مدينة أوتريخت - هولندا بالأمس الثامن عشر من مارس/آذار، وبعد ثلاثة أيام فقط من هجوم نيوزيلندا، تعد دليلا على صحة الدراسة التي وجدت كذلك أن أثر التغطيات الإعلامية لحوادث إطلاق النار العشوائي لا يتوقف عند حدوث حالات أخرى من إطلاق النار العشوائي، بل يتعداها إلى حالات الانتحار.

  

في مطلع 2010 كان ضباط الشرطة في الولايات المتحدة على علم بكافة التعليمات والإجراءات التي يمكن اتخاذها في حالة حدوث تهديدات من المتطرفين المسلمين، لكن هذا لم يطمئن الشعب.

رويترز
  
قل لي من هم.. أقل لك من أنت

لم تكن النتائج التي استخلصتها الدراسة الأخيرة هي وحدها المثيرة للجدل على مر السنوات السابقة، فعلى الرغم من التقارير المختلفة التي تنطق بشكل صريح بتصاعد خطر اليمين المتطرف والجماعات العنصرية للجنس الأبيض، فإن التركيز لا يزال منصبا على ما يُسمى التطرف الإسلامي وحده، والذي يقول التقرير الصادر عن مركز مكافحة التشهير الخاص بالتطرف عن الفترة ما بين 2008-2017 إن أعداد ضحاياه قد وصلت نسبة 26% في الولايات المتحدة في وقت كانت فيه نسبة ضحايا اعتداءات التطرف اليميني والأبيض 71%، لتتعدى بمراحل أي نسبة أخرى ضمن قائمة ضحايا "التطرف المحلي".

 

ليس هذا فقط، ففي منتصف تلك الفترة السابقة، وتحديدا في مطلع 2010، وبشهادة "نايت سنايدر" مستشار الرئيس الأميركي لمكافحة الإرهاب ما بين 2009-2017، ففي الوقت الذي كان فيه ضباط الشرطة بطول الولايات المتحدة وعرضها على علم بكافة التعليمات والإجراءات التي يمكن اتخاذها في حالة حدوث تهديدات من المتطرفين المسلمين، كانت جُل الاتصالات التي ترد مكتب سنايدر تتساءل فقط عما يمكن لهؤلاء الضباط أن يفعلوه في حالة تهديدات الجماعات المتطرفة اليمنية والعنصرية البيضاء دون غيرها.

 

وفي حين أن هذه الجماعات المتطرفة تسعى للقضاء على المهاجرين من المسلمين وعلى فئات أخرى كاليهود والأفارقة الأميركيين، وبما يشمل هذا هجوم كرايستشيرش في نيوزيلندا، والذي اعتُبر -من وجهة نظر الإرهابي- رد فعل على التهديد الذي يُمثّله المهاجرون على المسيحيين وأهالي البلد خاصة من ذوي البشرة البيضاء والغرب عامة، ودليله في هذا، ودليل المتطرفين البيض جميعا معه، هو ارتفاع نسب المواليد الخاصة بالمهاجرين على اعتقاد أنها ستتغلب يوما ما على نسب أهل البلد الأصليين، فإن دراسة قد نشرها معهد "بيو" للدراسات في أبريل/نيسان 2017 تقول ببساطة إن نسبة السكان المسيحيين في العالم عام 2060 ستظل متفوقة على المسلمين بمعدل واحد في المئة، وبنسبة 32% للمسيحيين مقابل 31% للمسلمين.

 

    

لم تتوقف دراسات معهد "بيو" عن التغيرات السكانية التي قد تحدث في المستقبل عن قول المفاجآت، واحدة من هذه المفاجآت تخص الشكل الذي قد تكون عليه الولايات المتحدة عام 2065، وعلى عكس ما يروج له المتطرفون البيض فإن نسبة سكان أميركا من العرق الأبيض ستكون 46% مقابل 13% فقط من السكان من أصل أفريقي و14% من أصول آسيوية (14).  أما في أوروبا 2050 فإن أقصى ما يمكن أن تصل إليه نسبة أعداد المهاجرين من النسبة الأصلية للسكان، وكما يتوقع المعهد (15)، لن تتجاوز 14% على أقصى تقدير، و11.2% على أقلها.

 

الضحايا في معادلة صفرية

في الثاني والعشرين من يوليو/تموز 2011 شهدت النرويج، ومعها أوروبا، واحدة من أسوأ الهجمات العنصرية وأكثرها تطرفا في تاريخها الحديث. بدأ الأمر في العاصمة أوسلو بانفجار سيارة مفخخة قرب مقر رئاسة الوزراء في "حي الوزارات" حاصدة أرواح سبعة من القتلى بينما أصيب تسعة آخرون بجروح، كان هذا قبل ساعات من اندفاع رجل بزي الشرطة إلى داخل جزيرة أوتويا وحيث يقام المخيم الصيفي لاتحاد شبيبة حزب العمال النرويجي ويبدأ في إطلاق النار بشكل عشوائي على الجميع.

 

يحكي الناجون من المذبحة الثانية كيف كانت الأمور مرتبكة وغير مفهومة بالنسبة لهم، فقد كانوا قد سمعوا من قبل عن الحادث الإرهابي بالعاصمة، وكان الشرطي الذي اندفع للداخل بهدف الاطمئنان على الجميع كما أعلن على بوابات المخيم والذي نادى على الموجودين للهدف ذاته هو نفسه الذي بدأ بإطلاق النار دون توقف، ولم ينفعه اندفاع الفتيان إلى المياه هربا من القتل، بل بدأ بتصيدهم داخل المياه بسلاحه الناري.

  

بعض الناجين من هجوم النرويج 2011 (رويترز)

 

انتهى اليوم بحصيلة تجاوزت التسعين من القتلى ومثلهم من الجرحى، لكنّ جرحا غائرا آخر قد وجد طريقه لأعماق الكبرياء الأوروبي حينما عُلم أن منفذ الهجومين ليس سوى شخص واحد فقط هو الإرهابي المتطرف "أندريس بريفيك" والذي كان قد أرسل -قبل ساعات من هجومه- "إعلان الاستقلال الأوروبي" المكون من 1518 صفحة، أو ما يعرف الآن بمانيفستو مجزرة النرويج الذي استغرق تسع سنوات لكتابته، وفيه ذكر كافة التفاصيل المتعلقة بالحادثة وبالأشخاص الذي يُجلّهم، كما وضع قائمة أخرى بهؤلاء الذين يرغب في قتلهم جميعا وهم "كل من يؤيدون التعددية العرقية".

 

يسعى المعتدلون في الغرب للترويج لصوت العقل في وقت لا يعلو فيه صوت فوق المذابح التي تطول الآلاف في الغرب كل عام، وهي في هذا لا تفرّق بين كبير وصغير، رجل وامرأة، مكان للعبادة وملهى ليلي، حديقة عامة ومبنى للبرلمان، أبيض وأسود. لا يبدو أن أيًّا من هذا يُشكّل فارقا أمام رغبة اليمين والجماعات الداعية لوجود محدود ومخصوص بالعرق الأبيض دون غيره في مناطق واسعة من العالم، ودون أي رغبة في ملاحظة مدى انحراف الفكرة التي يتبنونها أو مدى عدم الثبات الذي قد تبدو عليه أمام البحث والتنقيب. وإن كان هذا لا ينفي أن اليد العليا الآن تظل لليمين في أوروبا وللسلاح حول العالم لقول الكلمة الأخيرة، متجاهلين في ذلك ما يمكن أن يوفره بعض الفهم للوقائع والحقائق على الكثيرين من حمامات الدم وبطاقات التعازى.

 

تذهب الأصوات تجاه الاعتقاد بأن محاولات البرلمان النيوزيلندي للتضييق على صناعة السلاح لن تؤتي ثمارها في وقت ستتخذ فيه عبارات كالبحث عن الحماية والأمان عناوين عريضة لإخفاء حقيقة أن اليمين له الصوت الأعلى وأن صناعة السلاح مربحة للدرجة التي لن يكون معاها بعض الضحايا مؤثرين في سير الأمور، لا في برلمانات أوروبا ولا بين أروقة وسائل التواصل وغرف الأخبار التي تسعى فقط لنشر قصة ما لأجل جذب أكثر عدد ممكن من المشاهدين دون مراعاة لما يمكن أن يتركه هذا من أثر، ليس فقط على المشاهدين، ولكن على الطريقة التي يسير بها العالم الآن تجاه هلاك محقق.

آخر الأخبار