انضم إلينا
اغلاق
هل هناك أخلاق بين البشر أم أنها مجرد وهم للضعفاء؟

هل هناك أخلاق بين البشر أم أنها مجرد وهم للضعفاء؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

  

بعد حادثة قطار محطة مصر الأخيرة، والتي راح ضحيتها 20 مواطنا مصريا، كان أكثر ما أثار حفيظة الناس متمثلا في شاب يلتقط لنفسه صورة سيلفي مع بقايا القطار المتحطم، باعتبار أن المتوقع ألا يكون موقفنا تجاه حوادث كتلك بهذا "الاستهتار"، والتي يجب أن نواسي الضحايا فيها، أو على الأقل، أن نستشعر درجة من الحزن. هذه التباينات في المواقف تدفعنا للتساؤل: هل الأفعال الأخلاقية هي أشياء كونية؟ بمعنى أوضح، هل هذا النوع من الأفعال الأخلاقية يتعلق بثقافة المجتمعات أم أنه شيء موجود في طبيعة البشر؟

   

في دراسة جديدة، نُشرت فقط قبل عدة أسابيع، حاول فريق بحثي من متخصصي الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) التطورية والإدراكية في جامعة أوكسفورد أن يجيب عن هذا السؤال. فعلى الرغم من أن الأنثروبولوجيا كانت قد ظلّت على مدى فترة طويلة من دون تعريفات واضحة لظاهرة "السلوك الأخلاقي" لدى البشر، فإن نطاقات أخرى دخلت -في الآونة الأخيرة- في هذا المجال، كالوراثة، وعلم الاقتصاد السلوكي، والبيولوجيا التطورية، لتعطي فرصة أكبر لنطاق جديد متماسك يقول إن الأخلاق تتكوّن من مجموعة من الحلول البيولوجية والثقافية لمشاكل التعاون المتكررة في الحياة الاجتماعية البشرية، تسمى تلك النظرية بـ "الأخلاق كتعاون" (morality-as-cooperation).

       

    

سبع قواعد.. مليارات البشر

في حديثه مع "ميدان"، يقول أوليفر سكوت كيوري، من قسم الأنثروبولوجيا بجامعة أوكسفورد، والباحث الرئيس في الدراسة، إن جوهر نظرية "الأخلاق كتعاون" يقول ببساطة إنه "لا يوجد شيء غامض أو سحري في الأخلاق. فهي مبنية على مجموعة من القواعد التعاونية"، مضيفا أن "هناك أنواعا كثيرة من التعاون، وبالتالي فهناك أنواع كثيرة من الأخلاق، وهي متمايزة نفسيا، وعابرة للثقافات، وذات جذور ممتدة في تاريخ الحياة".

   

في الاستقصاءات الواسعة الخاصة بهم، قام الفريق البحثي باختبار وجود مجموعة من سبع أخلاقيات أساسية، تعد من مخرجات هذه النظرية، في 60 مجتمعا بشريا، هذه الأخلاق هي: احترام قيمة العائلة، الإخلاص للمجموعة التي تنتمي إليها، تبادل المنافع (رد الجميل)، احترام من هم أعلى منك في الرتبة (أبويك مثلا أو رؤسائك)، الإنصاف، وحقوق الملكية والشجاعة. وكان الهدف هو تقييم درجات هذا الاتفاق بين المجتمعات المختلفة حول هذه الممارسات الأخلاقية، من أجل إعطاء إجابة عن سؤال الأخلاق، هل هي موضوعية أم نسبية؟

  

النسبية الأخلاقية (Moral Relativism) هي التوجه الذي يقول إن الأحكام الأخلاقية ليست موضوعية أو عالمية، بل تختلف باختلاف الثقافة أو العِرق أو الزمن أو الجنسية، إلخ، بالتالي فإن التفريق بين ما هو جيد أو سيئ يتعلق بالأساس بطبيعة مجتمع ما وسياقاته، على العكس من ذلك يقع توجه آخر يسمى بالأخلاقية الشاملة (Moral universalism) والتي تعني أن الأحكام الأخلاقية هي قواعد عامة توجد في كل البشر، ولا تتوقف على المعايير التي عرضناها منذ قليل.

     

    

في الاستقصاءات التي قام بها الفريق البحثي، سُئل الخاضعون للتجارب عن موضوعات تتعلق بتلك الممارسات الأخلاقية السبعة. على سبيل المثال، اهتم الباحثون بمعرفة الدرجة التي سيعطيها الناس لسلوكيات مثل كونك "أبا يحمي أبناءه"، "أخا يساعد أخاه"، "العمل كفريق أفضل من العمل مفردا"، الاهتمام باتباع نمط المجموعة"، "مد المجموعة بالموارد"، "رد الجميل"، "رفض الغش"، "الشعور بالذنب تجاه عدم القدرة على رد الجميل"، "وضع نفسك في الخطر من أجل الآخرين"، "استخدام اللغة المناسبة للتعامل مع من هم أكبر منك"، "تقسيم المكاسب بعدل"، "الميل للتفاوض والوصول للحلول الوسطى من أجل حل المشكلات"، "رفض السرقة"، "رفض العبث بممتلكات الآخرين"، إلخ.

   

بعد الانتهاء من جمع البيانات، قام الفريق بفحص درجات التشابه والاختلاف بين كل تلك الثقافات المختلفة، لتجد النتائج تشابها فيما بينها في 99.9% من المرات، هذه السلوكيات السبعة كانت دائما تعتبر "جيدة" من الناحية الأخلاقية، بالإضافة إلى ذلك عثر الفريق البحثي على أمثلة أو حكم شعبية تتعلق بمعظم هذه الأخلاق في معظم المجتمعات، لكن الأهم من ذلك كله كان مرتبطا بدرجة شدّة كل من الأخلاقيات السبعة في المجتمعات كلها، والذي ظهر أنه متساوٍ في القيمة عبر القارات ولم يكن حكرا حصريا على "الغرب" أو "الشرق".

    

   

حينما تلعب الأخلاق

على سبيل المثال، بحسب كيوري، فإن شعوب الأمهرة في إثيوبيا يقولون إن ضرب القرابة بعرض الحائط ليس عملا "لا أخلاقيا" فقط، بل وينبئ بشخصية شريرة كذلك، أما شعب الماساي في كينيا فيرون أن أولئك الذين يتمسكون بفضائل المحارب ما زالوا أناسا محترمين للغاية، وأن البطولة المطلقة تنطوي على التزام بالتضحية بالنفس، أما الكابواكو في غينيا الجديدة فيهتمون جدا بمبدأ الإنصاف ويطلقون عليه "يوتا-يوتا" ما يعني "النصف بالنصف" أو كما يقول المتحدثون بالإنجليزية "Fifty fifty".

  

يستمر كيوري في حديثه مع "ميدان" موضحا أن تلك النتائج لا تُنهي النقاش حول ما إن كانت الأخلاق ظاهرة موضوعية عالمية أم لا، بالطبع، ولكنها "تنقل النقاش إلى مستوى جديد، حيث اعتدنا أن نجادل حول "ما إذا كانت هناك أي قيم أخلاقية عالمية أم لا". نحن نعرف الآن أن هناك أخلاقيات عابرة للثقافات وموجودة في كل المجتمعات، وبالتالي نعرف أن الأشكال الأكثر تطرفا للنسبية الأخلاقية خاطئة، لكن كوري يضيف قائلا: "ومع ذلك، يبدو أن المجتمعات تختلف في كيفية ترتيب هذه القيم السبعة من حيث الأهمية بالنسبة لها، وهذا هو ما يُمثّل أشكال الاختلاف بين الثقافات، لذا فإن السؤال الجديد المهم الآن هو: كيف ولماذا تختلف الأخلاق من مجتمع لآخر؟".

   

تبدأ نظرية "الأخلاق كتعاون" من قواعد تطورية، كان هدف الكائنات الأولى على كوكب الأرض هو الفوز بفرصة لنسخ نفسها، لكن تلك الفرصة كانت تعني أن كائنات أخرى لن تحصل عليها، هنا نكون أمام "لعبة صفرية النتائج" (Zero-Sum Game)، وهي تلك التي تكون نتيجتها دائما "صفرا"، يعني ذلك أنه إذا كان هناك فائز ما، فلمعادلة النتائج يجب أن يكون أيضا هناك خاسر ما، لكن في مرحلة من مراحل تطور الحياة على كوكب الأرض ظهرت فرصة جديدة لتعاون الكائنات مع بعضها البعض، الأمر الذي حقق نتائج أفضل من وضع يعيش الكائن فيه بمفرده، هنا ظهرت "اللعبة غير الصفرية"، وهي لعبة يمكن أن يخرج منها أكثر من فائز إن تعاونوا معا.

  

عمل الانتقاء الطبيعي في صالح هذا النوع من التعاونات، وكنتيجة لذلك ازدهرت وتنوعت صورها والقواعد التي تغذيها وتحددها وصولا إلى الرئيسيات وجنس البشر، دعنا مثلا نتأمل ما يسمى بـ "اصطفاء القرابة" (Kin selection)، والذي يُعرف على أنه أي سلوك إيثاري غير متبادل يقلل من تكيّف الفرد مع البيئة لكنه يرفع من تكيف أفراد آخرين في الجماعة، كأن تقع أنثى الفيل عمدا في الفخ كي تحمي أطفالها، أو أن يقوم أحد أفراد القطيع عمدا بالصياح والكشف عن مكانه لإعلام المجموعة بوجود مفترس.

     

  

يقع هذا السلوك ضمن نطاق يختلف مع فكرة "الانتخاب الطبيعي"، والذي يدفع الأفراد للعمل على رفع درجة تكيّفهم فقط مع البيئة، من أجل تحقيق أفضل فرصة لعمل نجاح تزاوجي وتمرير صفاتهم لنسلهم، دعا ذلك ويليام هاميلتون، عالم البيولوجيا البريطاني، سنة 1964 لوضع فرضية تقول إن الوحدة الأساسية للتطور ليست الكائن الحي، بل الجين فقط، وهي الفكرة التي روّج لها فيما بعد ريتشارد دوكنز في كتابه "الجين الأناني".

   

الأخلاق كتعاون

بالتالي، وحسب نظرية "الأخلاق كتعاون"، فإن كل منتجات هذا النوع من الانتقاء للألعاب غير الصفرية تطورت بيولوجيًّا وثقافيًّا لتصبح ما نعرفه اليوم باسم "الأخلاق"، على سبيل المثال، في نظرية الألعاب، يمكن التغلب على مشكلة الراكب المجاني (المشارك الذي لا يريد أن يدفع كالآخرين) بتطوير نوع من التعاون المشروط، والذي يمكن اختصاره في صورة "شيء مقابل شيء"، يرى منظرو "الأخلاق كتعاون" أن هذا هو ما يفرز السلوكيات الأخلاقية كرد الجميل، أو الاعتراف بالجميل، أو الشكر كرد للمعروف في مرحلة أخرى.

   

من جهة أخرى فإن الكائنات الحية كانت لديها دائما فرص تعاونية أقل تدميرا من أجل تسوية النزاعات على الموارد، إحدى تلك الفرص كانت "المسابقات". وبحسب نظرية الألعاب، يمكن تسوية النزاعات من خلال أنواع مختلفة من "المسابقات" التي يستعرض الأفراد خلالها جانبا من قدراتهم القتالية، هذه المسابقات هي ما يُشكّل التسلسل الهرمي للهيمنة في المجتمعات، بداية من الصراع المباشر على العرش عبر اختبار القوة بين متنافسين، وصولا إلى تقديم مشروعك للشركة، بين آخرين، من أجل الحصول على تمويل، هنا تقول نظرية "الأخلاق كتعاون" إن جانبي المسابقات يعرضان تمايزا واضحا في الظاهرة الأخلاقية البشرية، فهناك الأخلاق البطولية التي تتحدث عن فضائل المحارب وذكائه ومهارته وشجاعته، وكذلك "فضائل الترهبن" والتي تدعو في الجانب الآخر إلى التواضع، والاحترام، والطاعة.

    

  

بالتالي، فإن ما هو جيد أخلاقيا، بحسب تلك النظرية، كان دائما جزءا من اللعبة التعاونية التي كانت بدورها جزءا رئيسيا من طبيعة تطور الحياة نفسها على كوكب الأرض، والتي تخضع في الكثير من جوانبها لقواعد نظرية الألعاب، بحيث يكون الأفضل دائما -من أجل الجميع- هو تقليل الخسائر قدر الإمكان، ومن هنا تم تمرير كل القواعد الأخلاقية للأجيال المستقبلية، بيولوجيًّا في صورة أوّلية، وهو ما تطور بعد ذلك ليصبح ثقافيًّا تتداوله المجموعات المختلفة من البشر بصور مختلفة، ولكنها جميعا ذات قلب واحد.

 

سياسيان وكوبا شاي

قال ديفيد هيوم ذات مرة إن "الأحكام الأخلاقية تعتمد على حس داخلي في كل واحد منّا عممته الطبيعة على كل الكائنات"، ويبدو أن هذا التوجه التجريبي ينتصر لتلك الفكرة، لكن هناك في الحقيقة ما هو أكثر عمقا من ذلك. في عالمنا المعاصر، وفي أثناء كل ذلك التشتت والتخبط حول طبيعتنا كبشر، تصوّر البعض أننا مختلفون عن بعضنا البعض بصورة كارثية، وأن السياقات المختلفة قادرة على خلق بشر مختلفين لدرجة تشبه أن نقارن بين سمكة سلمون وفأر جبلي.

  

بالتالي، يفتح ذلك الباب لتصور يقول إننا نعيش في فوضى أخلاقية، يتطلب الأمر أن تفصّل سياقا مختلفا لارتكاب أي جريمة تريدها وسوف يتقبلها الجميع، لكن تلك النتائج، بحد تعبير "كيوري" في حواره مع "ميدان": "تظهر أنه، تحت السطح، لدينا جميعا الكثير من الأشياء المشتركة"، وينهي كيوري حديثه قائلا: "إن تحديد ما هو مشترك بيننا وفهم كيف ولماذا نختلف يمكن أن يعزز التعاون بين الثقافات، وهذا شيء جيد وقيم!".

    

  

وبغض النظر عن سيل المشكلات التي يواجهها هذا النطاق الواعد من أجل إثبات فكرته، والذي يتزاحم بدوره مع مجموعة واسعة من النظريات التي تحاول جميعها تفسير طبيعة الأخلاق البشرية، بينما كل ما نعرفه إلى الآن هو أننا لا نعرف أيًّا منها صحيح، فإن الحياة على هذا الكوكب لم تستمر إلا باعتناق التعاون كآلية جوهرية للتقدم. لقد كان التطرف دائما هو أحد مرادفات الانقراض، هذه الكائنات التي اختارت ألا تتعاون نُبذت أو حطّمت بيئتها بيديها وانتهى أمرها.

   

لفهم ذلك تخيّل معي ما يلي: يمكن لآلاف المسلحين المنتشرين في كل جوانب دولة ما، أي دولة، أن يشعلوها حربا شعواء تستمر لسنوات طويلة نفقد في أثنائها مئات الآلاف من القتلى وتُسوّى عشرات المدن بالأرض، لكن جلسة واحدة لرجلي سياسة، مع كوبي شاي، في مكان هادئ، ونقاش لمدة خمس ساعات فقط، يمكن أن يحل تلك المشكلة، هل ترى الفارق؟ إن فكرة واحدة فقط ستتحرك في دماغيهما أثناء النقاش، وهي أن أي خسارة يمكن أن تحدث لهذين السياسيين لن تكون بحجم كل تلك الفوضى.

 

يرى البعض أنه يمكن لنا أن نتوقف عن التطرف لأفكارنا إذا وجدنا حلولا لمشكلاتنا فقط، لكن إيجاد الحلول ليس الهدف، الهدف أن نتأمل الصورة الكبيرة التي تشمل الوصول لحلول تُرضي الجميع، أن نكون جاهزين للتفاوض وقبول أفضل الحلول الممكنة بالنسبة للكل، وليس نحن فقط، أو على الأقل أن نطمح لذلك إذا لم تكن تلك الحلول موجودة بعد. هنا يمكن أن نقلل من الأضرار قدر الإمكان. هذه ليست قاعدة بسيطة يمكن تطبيقها أو لا، بل هي القاعدة الوحيدة التي سمحت للحياة بالاستمرار وصولا إلى لحظة كتابة هذه الكلمات.

-------------------------------------------------------------------

ملاحظة:

التقرير بالأساس قراءة في الورقة البحثية التي صدرت قبل عدة أسابيع في دورية "كارانت أنثربولوجي" بعنوان "Is It Good to Cooperate? Testing the Theory of Morality-as-Cooperation in 60 Societies"، بجانب حوار كاتب التقرير مع مؤلف الدراسة الرئيسي، تجد الدراسة هنا.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار