انضم إلينا
اغلاق
عقوبة الإعدام.. من أعطى الدولة الحق في قتل الإنسان؟

عقوبة الإعدام.. من أعطى الدولة الحق في قتل الإنسان؟

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

   

"إن خطورة الدولة القومية وضررها ليس في أنها أخذت ولم تعطِ، وليس في أنها سلبت الاستقلال القومي، وليس في أنها وظّفت الموارد لصالح الاستعمار، وليس في أنها قهرت المواطنين، وليس في أنها كرّست حالة استضعاف القلة ونظرت لخرافة الأقليات وقننت وضعها المُنْحط، ولا في سائر التُّرهات التي يلوكها الفلاسفة والأكاديميون الغربيون. إن الكارثة الأكبر هي إزاحتها للإله لتحل محله، فهذا هو أصل الداء وكل ما عدا ذلك عَرض له ونتيجة"

(عبد الرحمن أبو ذكري)

   

في إشارة ذكية وساخرة في أحد الأفلام الأميركية "The Ballad Of Buster Scruggs" تتعرض إحدى شخصيات الفيلم لمجموعة من المصادفات السيئة العبثية، لينتهي بها المطاف مقيدة بالسلاسل في حضرة قاض مخمور، ومُتهمة بسرقة واحدة من المواشي أو مجموعة منها؛ لا يتذكر مُدعي التحقيق تحديدا، يحاول المُتهم النقاش مع المُدعي ليُدافع عن نفسه، يتململ القاضي المخمور فيلوح بيديه مُنهيا النقاش: "يكفي هذا، اشنقه"، يذهب به مُدعي التحقيق إلى ساحة الإعدام سريعا، ويسير معه المُتهم إلى موته، ولا يبدو عليه أسف كبير على حياته التي شارفت على الانتهاء.

   

عبر هذه القصة القصيرة، يسخر الأخوان كوين من العقلية الإجرائية التي تحكم المنطق القانوني للدولة الحديثة، فعلى الرغم من كل العقلانية التي توحي بها الإجراءات والآليات القانونية الطويلة(1)، فإنه سُرعان ما تنتهي تلك الأحلام العقلانية على صخرة التَسْييس المُفرط للقضاء -كما في أحكام الإعدام الأخيرة في مصر- واللامبالاة الأخلاقية تجاه الحياة الإنسانية.

       

    

تقدح كارثة الإعدامات المصرية الأخيرة في أمر دائما ما حرصت الدولة على تسويقه باعتباره بديهيا حول امتلاكها حصرا لحق إزهاق أرواح مواطنيها، وليُطرح معها السؤال الأثير: من الذي أعطى الدولة أو أي نظام سياسي الحق في أن يزهق أرواح الناس تحت مظلة القانون والأخلاق والنظام العام، وهل هذا ما ينبغي أن تكون عليه الأمور بالفعل؟، حوادث القتل والعُنف السياسي تملأ سجلات التاريخ، لكنها وعبر المراحل التاريخية المختلفة، كانت تتم على أرضية الحرب والصراع، أما في عهد الدولة الحديثة فإنها تتم على أرضية "العدالة والقانون" وتحوز على شرعية قانونية واجتماعية قبل أن تحوز شرعيةً سياسية. المهم هنا عند الدولة الحديثة وقانونها الأداتي يتمصل في سلامة الإجراءات حين إصدار الحكم، ولتُختزل بذلك قدسية الحياة وقيمة الإنسان في إجراءات تقنية يمكن أن تنهي حياة إنسان بمجموعة من أشكال إجرائية تقنية وخطابية تسمى قانون، مُفرغة إياها من كل قيمة وقُدسية تتصل بالإنسان.

   

الدولة الحديثة.. الإله الجديد

"ليس على الأرض أعظم مني، بَنان الله الناظم أنا - كذلك كان يجأر الوحش"

(نيتشه)

 

يرى كارل شميت(2) أن المفاهيم النظرية للدولة الحديثة في غالبيتها هي مفاهيم لاهوتية مُعلمنة، وذلك ليس بسبب تطورها التاريخي فحسب، لكن باعتبارها مفاهيم تم استنساخها بالأساس من نظرية اللاهوت وعقائد وحدة الوجود الكنسية، ليتم نقلها إلى داخل الحيز السياسي والفلسفة السياسية، فتُصبح مثلا فكرة الله القادر على كل شيء، مُجسَّدة ومقسمة في سلطات المشرع القدير والقاضي العادل والحاكم القوي، وفي الدولة الشمولية يتم دمج كل تلك السلطات الثلاث في شخصية الزعيم الأوحد ليصبح تجسيدا حقيقيا لعقيدة وحدة الوجود الكنسية، فهو الحاكم الإله القوي القدير السيد الوحيد ومن بيده الأمر كله.

    

صارت كل أنشطة الحياة حتى أكثرها حيادا وحميمية والتصاقا بالإنسان أسيرة ومُراقبة من طرف السلطة، صارت فكرة الدولة كإله مادي يهيمن على حياتهم

مواقع التواصل
   

يوضح شميت أنه على المستوى النظري والقانوني ظهرت فلسفة الدولة الحديثة وفكرة السيادة إلى المجال السياسي وعلم التشريع كمعجزة دينية، معجزة تأسيسية بحيث تكون نهاية لعصر وبداية لعصر جديد تماما كما في العهد الجديد، "فلا يُمكننا تقدير الطريقة التي تطورت عبرها الأفكار الفلسفية للدولة كميتافزيقا إلا من خلال وعينا هذا التماثُل"(3)، فمن يقارن بين الإله والمعجزة من ناحية والدولة ذات السيادة من ناحية يرى أن الدولة بالفعل تكاد تهيمن وتتدخل في كل شيء، في الحين الذي تُظهر فيه الدولة خلال تلك الهيمنة كالإله الرؤوف الرحيم الذي يرعى خرافه الضعيفة الخائفة، حيث تتجلى الدولة في تلك الصورة اللاهوتية ككيان عادل وموضوعي فوق الجميع، ويردف شميت أنه من الزاوية العقلانية الوضعية ظهرت الدولة كوجود سابق على العقل، باعتبارها كينونة ما؛ يعجز العقل عن تفسيرها ولكنه يقر بوجودها، كأنها موجودة قبل الإنسان، وهو ما تفسره مقولة شميت أن الدولة الحديثة في الحقيقة ليست بنت العقل الوضعي العلماني، بل هي دين جديد حلّ محل الإيمان القديم بالإله.

  

وعلى مستوى التاريخ والاجتماع كان ظهور الدولة الحديثة وليد حالة من التراكم التقني والتنظيمي السلطوي الناتج عن اتصال غرب أوروبا بالعالم، أتى في شكل تخطيط للمُدن الحديثة على هوى السلطة السياسة وقيام البيروقراطيات التي تُوثق حياة الأفراد وتراقب حركتهم وأنشطتهم حتى أكثرها حيادا واعتيادية كالميلاد والموت والمرض والزواج، ونشأة الأجهزة الشرطية والمستشفيات والسجون وسائر المؤسسات الحديثة التي باتت تنظم حركة الأفراد داخل المجتمع وتتغلغل في نسيجه بعُمق، يوضح جوزيف شتراير في كتابه "الأصول الوسيطة للدولة الحديثة" أنه منذ عصر النهضة أخذت "المُؤسسات السلطوية السياسية الرسمية في أوروبا والمُستعمرات في مُراكمة قدرات تقنية وتنظيمية وأمنية لم تكن متوفرة من قبل، يَسّرت لها سُلطة مادية أوسع في التحكم في حركة أجساد السكان ومُراقبتهم وإدارة حياتهم واستثمارها لصالح أهدافها ومصالحها"، كان الأثر الأساسي لحالة التراكم التقني والتنظيمي والأمني تلك أن شعر الأفراد والفئات الاجتماعية المحلية بحالة حصار وجودي جذري، فقد صارت كل أنشطة الحياة حتى أكثرها حيادا وحميمية والتصاقا بالإنسان أسيرة ومُراقبة من طرف السلطة، صارت فكرة الدولة كإله مادي يهيمن على حياتهم ليست مجرد ثغرة في القانون الوضعي، بل واقع متعيّن يحياه الناس حتى في أدق تفاصيل حياتهم اليومية.

  

السيادة.. الروح كملكية عامة

"يبدأ الحيّز السياسي عندما أتخيل نفسي أنني أضحي بنفسي وأقتل الآخرين، حفاظا على الدولة والقانون"

(Paul W. Khan)

       

لا يصبح المواطن العربي على امتداد الجغرافيا العربية، إلا ما ندر، سوى رهينة وربما جثة تنتظر موعد إعلان دفنها الرسمي، حتى حين!

رويترز
   

بعد قرون من نشأة وتطور الدولة الحديثة أتى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو الذي يُعد من أبرز من اشتبكوا نظريا مع سُلطة الدولة الحديثة وأثرها في تشكيل الإنسان الحديث، موضحا أن تمدد الدولة الحديثة كمفهوم لاهوتي مُعلمَن وكسُلطة مادية في تنظيم حياة الأفراد والتحكم فيها، كان يتبعه بالضرورة تمدد للحيز السياسي السيادي للدولة في مساحات الحياة المُختلفة -العامة والخاصة- بحيث تصير حياة الفرد نفسها هي موضوع السلطة ومساحة تجلي الدولة كسيادة، فالإله يحلّ في الدولة والدولة هي الوطن والمواطنين هم فيض من وجودها وأحد أعراضها ومنتجاتها(4).

   

يُضيف أغامبين(5) على مقولات فوكو مفصلا أن الحياة كفعل طبيعي بيولوجي يمثل هبة إلهية وظاهرة بديعة مُعجزة داخل نظام كَوْني فريد قائم على المعجزات كتجلٍّ لآيات وإبداع الخالق المتعالي على التاريخ، حيث الحياة هنا تستمد قيمتها من ذاتها لأنها فعل مُعجز، تنبع قداستها من خالقها، إلا أنه تم تَسْييسها؛ بمعنى أنها أصبحت مسؤولية سياسية للدولة مُنذ اللحظة التي تدخلت فيها الدولة الحديثة في الحياة الطبيعية منذ واقعة الولادة حتى واقعة الوفاة وما بينهما، لإدراج الحياة داخل نظامها القانوني والحقوقي والتوثيقي العام، تظهر هنا الحياة كموضوع إجرائي للقانون ولسيادة الدولة وتستمد الحياة قداستها من النظام القانوني-السياسي للدولة الحديثة.

   

في الدولة الحديثة أيا كان النظام السياسي سواء كان ديمقراطيا ليبراليا أو نظاما شيوعيا أو فاشيا، تنبع قيمة الحياة من سيادة الدولة والقانون وإجراءاته، فالروح هنا هي ملكية حصرية للدولة وهي المسؤولة عن حمايتها أو التضحية بها أو إنهائها(6)، فاليد السلطوية واهبة القمح تعرفُ كيف تسن السلاح، والمواطن هو الذات السياسية التي تستمد وجودها بشكل كامل من سيادة دولتها، وليس من إله متعالٍ خالق للكون وما فيه، له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، استخلف الإنسان في الأرض ليُعمر فيها ويُسئل عنها.

       

انتهت الحداثة العربية إلى حالة الحصار الأولى التي بدأت بها الدولة الحديثة سيرتها، بلا عقد اجتماعي سياسي بين السلطة وقوى المجتمع، وبلا قانون يحرسه قضاء مستقل

مواقع التواصل
   

"والذي اغتالني: ليس ربا ليقتلني بمشيئته

ليس أنبل مني .. ليقتلني بسكينته

ليس أمهر مني .. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة

لا تُصالح

فما الصلح إلا معاهدة بين ندين

(في شرف القلب)

لا تُنتقص

والذي اغتالني مَحضُ لصْ

سرق الأرض من بين عينيَّ

والصمت يُطلق ضحكته الساخرة!"

(أمل دنقل)

  

وبذلك، وخلال المسيرة الطويلة للدولة الحديثة الغربية انجرفت العديد من الأنظمة تحت دعاوى عنصرية أو طائفية أو استعمارية في رفع القداسة القانونية عن حياة قطاع من المواطنين، حيث مارست الدولة ضدهم باسم السيادة حقها الإلهي في إهدار قيمة الحياة الإنسانية، وأمام هذا كان محور نضال العديد من الحركات الثورية والحقوقية متمثلا في محاولة دمج حياة هؤلاء المضطهدين أو المُنتهكين داخل النظام القانوني-السياسي للدولة الحديثة، أما على الجانب سيئ الحظ من العالم فقد انتهت الحداثة العربية إلى حالة الحصار الأولى التي بدأت بها الدولة الحديثة سيرتها، بلا عقد اجتماعي سياسي بين السلطة وقوى المجتمع، وبلا قانون يحرسه قضاء مستقل، وقد أضاعت كل علاقة بتراث الأمة الروحي والديني كمرجعية حاكمة تحفظ حياة الإنسان وكرامته وعرضه من صراعات الدُنيا وتقلبات السياسة.

   

وبذلك تتجسد أزمة الدولة العربية بصورة مركبة، أولا من حيث سيادتها على رقاب مواطنيها باعتبارها الدولة والسلطة بذاتها، وثانيا من حيث الأزمة التاريخية التي تشكلت وفق انفصال تشكل الدولة العربية عن الأمة، أي أن الدولة في السياق العربي لم تتشكل وفق تطور اجتماعي أنتج نخبة حاكمة كما حدث في "الغرب"،  بل كثيرا ما كانت نخبنا العربية من مخلفات الاستعمار، مما ولد حالة الانفصال بين الشعوب العربية وسلطتها، ولتتولد بذلك كل آليات السيطرة المكثفة في الدولة العربية الساعية لتكريس سلطتها المهترئة على رقاب أي معارض، وبذلك لا يصبح المواطن العربي على امتداد الجغرافيا العربية إلا ما ندر، سوى رهينة، وربما جثة تنتظر موعد إعلان دفنها الرسمي، حتى حين!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار