انضم إلينا
اغلاق
ملائكة وشياطين.. كيف تطور العنف والتعاون البشري؟

ملائكة وشياطين.. كيف تطور العنف والتعاون البشري؟

New Scientist

مجلة علوم وتكنولوجيا
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

    

تكمن جذور طبيعتنا المتناقضة في القتل والتدجين الذاتي. إنها قصة غريبة لكنها قد تكون كفيلة بتفسير سبب نجاة البشر. هل البشر بطبيعتهم أخيار أم أشرار؟ لقد انقسمت الآراء حول هذا السؤال منذ فجر الفلسفة. يرى البعض، مثل أتباع جان جاك روسو، بأننا مخلوقات سلمية بطبيعتها، لكن المجتمع يفسدنا. أما مؤيدو توماس هوبز، فيرون أننا مخلوقات عنيفة بطبيعتها، لكن المجتمع يُحضّرُها. وكلاهما منطقيان، وإن كان من المناقض القول بأننا "مسالمون بطبيعتنا" و"عنيفون بطبيعتنا" في آن واحد، فإن هذه المفارقة هي محور كتابي الجديد.

   

ستحل هذه المفارقة إن أدركنا أن الطبيعة البشرية عبارة عن "كِمير"، وهو كائن بجسم عنزة ورأس أسد وفقا للأساطير اليونانية. أي إننا مزيج من الاثنين. وأرى أنه فيما يتعلق بالعدوانية، فالإنسان يتصرف كعنزة وأسد في آن واحد؛ فلدينا نزعة مخفضة للعدوان التلقائي، ونزعة عالية للعدوان المدبر. تجعل هذه الإجابة كلا من أتباع جان جاك روسو وأتباع توماس هوبز محقين جزئيا، لكنها تطرح سؤالا أعمق: لماذا يتطور هذا المزيج غير العادي من الفضيلة والعنف؟ لم يسبق أن قُصّت حكاية امتلاكنا هذا المزيج الفريد من قبل، لكنها تقدم وجهة نظر ثرية وجديدة بشأن تطور ميولنا السلوكية والأخلاقية، كما تتناول السؤال الرائع والمُهمَل في آن واحد عن كيف ولماذا نجا جنسنا البشري "الإنسان العاقل" (الهومو سابينس)؟

   

"كِمير" هو كائن بجسم عنزة ورأس أسد وفقا للأساطير اليونانية (مواقع التواصل)

     

منذ ستينيات القرن الماضي، والجهود لفهم بيولوجيا العدوان تدور حول فكرة مهمة. إن العدوان، أي السلوك الذي يقصد به التسبب في ضرر بدني أو عقلي، ينقسم إلى نوعين رئيسيين متمايزين في الوظيفة والبيولوجيا، ووفقا لعلم الأحياء التطوري يجب النظر فيهما بشكل منفصل. إنني أستخدم لفظَيْ "استباقي" و"تلقائي" لوصفهما، لكن هناك العديد من الكلمات وأضدادها التي يمكن أن تحل محل هذا الوصف، بما في ذلك "بارد" و"ساخن"، "هجومي" و"دفاعي"، "مدبر" و"مرتجل".

   

بالحكم من خلال الحيوانات الأخرى ذات الصلة، فإن المستوى المرتفع من العدوان الاستباقي يرتبط بمستوى مرتفع من العدوان التلقائي. "الشمبانزي القوي" هو من الرئيسيات التي تستخدم في الغالب عدوانا استباقيا "هجوميا" للقضاء على أفراد من نوعها الخاص، كما أن لديها معدلا مرتفعا من العدوان التلقائي "الدفاعي" داخل المجتمعات. غالبا ما يكون العدوان الاستباقي للذئب ضد أفراد من نوعه قاتلا. وكما هو الحال مع الشمبانزي، فإن العلاقات داخل مجموعات الذئب تكون حميدة وتعاونية بشكل عام، لكنها أكثر تفاعلية من الكلاب من الناحية العاطفية. كما إن الأسود والضباع تشبه الذئاب في هذه النواحي. لدى النسل البشري حدث شيء مختلف؛ في حين بقي العدوان الاستباقي بنسب عالية، فإن وتيرة العدوان التلقائي قد انخفضت. أرى أن الأدلة تشير إلى أن التدجين الذاتي هو "شيء مختلف" جعل البشر مميزين.

   

يُدجَّن الحيوان إذا ما تعرض للترويض نتيجة تغيير في جيناته، بدلا من أن يُروَّض من خلال بيئته. تعود فكرة التدجين الذاتي كطريقة لفهم الانقياد والانصياع البشري إلى ما لا يقل عن ألفي سنة منذ الإغريق القدامى، وقد أعيد اكتشافه مرارا وتكرارا. حتى وقت قريب، كان "التدجين الذاتي" يُستخدم فقط كوصف للتأكيد على الصفات السلوكية الخاصة التي نتقاسمها مع الحيوانات الأليفة، مثل التسامح الاجتماعي وانخفاض التفاعل العاطفي ردا على الاستفزازات. ولكن الآن يمكننا أن نضيف حقيقة أن التغيّرات التشريحية التي وُجِدَت في الإنسان العاقل مقارنة بأشباه البشر القدماء تُظهِر تشابها قويا مع التغيّرات التشريحية التي تحدث في التدجين. "المُدجنون" يمتلكون في الغالب أجساما أصغر حجما عن أسلافهم المتوحشين؛ تميل وجوه المُدجنين إلى أن تكون أقصر وأقل بروزا إلى الأمام من أسلافهم، كما أن الاختلافات بين الذكور والإناث أقل تطورا، وعادة ما يكون دماغهم أصغر حجما. إن الاختلافات بين البشر المعاصرين وأسلافنا السابقين تبدو كالاختلافات بين الكلب والذئب.

     

     

إذن، كيف أصبح البشر مُدجنين ذاتيا؟ تكشف الأدلة المستقاة من الحفريات أن هذه العملية بدأت بالتأكيد قبل مئتي ألف عام، وربما مع أول ظهور للإنسان العاقل قبل أكثر من ثلاثمئة ألف عام. لقد كان تطور اللغة هو العنصر الرئيسي الذي ساعد الأفراد الضعفاء والمهمشين داخل المجموعة في حبك المؤامرات ضد من كانوا في الغالب ذكورا متوحشين، فميل الرجال للعنف أكبر منه لدى النساء. ومثلما يحدث في المجتمعات التقليدية الصغيرة اليوم، فقد سمحت اللغة للمستضعفين بالاتفاق على مخططات القتل، وهو ما جعل عمليات القتل متقنة ورفع احتمالية النجاة من المواجهات مع الآخرين. وهكذا أدّى مقتل الطغاة إلى أن يوقف الانتقاء الطبيعي ميل الذكور المتوحشين للعدوان التلقائي. وأدى ذلك إلى حياة هادئة على نحو متزايد داخل مجتمعات الإنسان العاقل. أصبح جنسنا الآن أقرب لنظرية جان جاك روسو، أي أصبحنا "سلميين بطبيعتنا" أكثر من أي وقت مضى.

  

تكيَّف وإلا فمُت

هكذا، أدَّت القدرة على تنفيذ الإعدام إلى التدجين الذاتي، وهي ذاتها القدرة التي خلقت أيضا الحواس الأخلاقية، كما جادل كريستوفر بويم في جامعة جنوب كاليفورنيا. كان من الخطر في الماضي أن تكون متمردا أو أن تهين معايير المجتمع أو أن تكتسب صيتا سيئا بدناءتك؛ وما زال الأمر ينطبق على مجتمعاتنا اليوم إلى حد ما. لقد هدد من يخالفون القوانين مصالح الزعماء، وتحالفات رجال السلطة، وعليه فقد جازف هؤلاء بتعرضهم للنبذ واعتبارهم دخلاء. كما تم إعدام أولئك المتمردين الذين رفضوا تغيير سلوكهم. بناء على ذلك، اتجهت عملية الانتقاء الطبيعي إلى تطوير الاستجابات العاطفية التي دفعت الأفراد إلى الشعور بالاتحاد مع المجموعة وإظهار هذا الشعور؛ لقد كان التوافق شرطا أساسيا لتحقيق ذلك.

   

وهكذا تطورت الحواس الأخلاقية للأفراد بحيث ينتهجون سلوك حماية وقائيا على نحو لا تُظهره الرئيسيات الأخرى. لقد وفرت سلوكيات الانقياد والانصياع التي أنتجتها الميول الجديدة ممرا آمنا لنا في الحياة، وكان لها أيضا تأثير ثانوي؛ فمن خلال تقليل المنافسة والأنانية، مكّنت هذه السلوكيات من استمرار السلوك الذي أفاد المجموعة ككل. إنَّ فكرة أن الحواس الأخلاقية تطورت لحماية الأفراد من القوى الاجتماعية تشير إلى أن انتقاء المجموعة قد يكون غير ضروري لشرح الأسباب الكامنة وراء كوننا مخلوقات جماعية.

    

إذًا ماذا عن العدوان الاستباقي؟ كان لدى أسلافنا البشر الأوائل استعداد لهذا العنف قبل ما لا يقل عن ثلاثمئة ألف سنة، بل ربّما منذ نحو مليوني سنة خلت. لم يظهر العدوان الاستباقي بأي شكل مثلما ظهر في سلوك التدجين، وما يصاحبه من أعراض، ومن خصائص سلوكية وبدنية. أما الميل الكبير للعدوان الاستباقي الجماعي، فعند تحليل سلوك أسلافنا في تلك الفترة، يبدو أنه قد وقع خلال مليوني عام أو أكثر من فترة "العصر الحديث الأقرب".

    

الإنسان العاقل والإنسان البدائي (مواقع التواصل)

     

سبب هذا الادعاء هو عصور الصيد القديمة، فالإنسان المنتصب (Homo Erectus)، وهو أول أسلاف الإنسان العاقل الذين عاشوا على الأرض مثلنا، قد تطور منذ نحو مليوني سنة. وتُظهِر علامات التقطيع على العظام التي تسبب بها الإنسان المنتصب بأنه ذبح حيوانات بحجم الظباء الكبيرة.  هناك إشارات على اعتماد الإنسان على كمائن الصيد قبل مليون سنة مضت، حيث أعاد البشر استخدام موقع في كينيا كانت فيه مسارات التنقل ضيقة، وبالتالي يمكن قتل الحيوانات بسهولة؛ مما يعني تعاون الإنسان المنتصب والتخطيط فيما بينهم أيضا.  

    

ومع ذلك، فقط مع قدوم الإنسان العاقل والإنسان البدائي قبل بضع مئات آلاف من السنين الماضية، وجدنا أدلة كافية على أن الصيد قد أصبح مع سبق الإصرار بشكل جلي، فاستخدموا الرماح ونالوا من الحيوانات الأصغر حجما من خلال نصب الأشراك، كما أن الصيد كان يتم من مواقع مرتفعة. لذا فإن التفسير المحافظ قد يحدّ من الصيد الاستباقي إلى ما قبل ثلاثمئة سنة فحسب.

    

بعد أن أتقن أسلافنا الصيد، كان بوسعهم أيضا قتل الغرباء من بني البشر أيضا وليس الحيوانات فحسب؛ فالصيد مهارة مفتوحة على العديد من الخيارات. لكنّ كلا من الصيد والحرب البسيطة يتطلبان البحث والتوجيه الآمن، كما أن كليهما يستفيدان من التنسيق الجيد والسفر لمسافات طويلة.  تستخدم الذئاب والأسود والضباع المرقطة عدوانا استباقيا جماعيا تعاونيا ليس فقط للحصول على الطعام، ولكن أيضا لقتل المنافسين في مجموعات أخرى. كما أن الشمبانزي أيضا يتبع الصيد الاجتماعي وقتل الشمبانزي الآخرين.

   

أما شمبانزي البونوبو فعلى النقيض من ذلك، ليس من المعروف عنهم بأنهم صيادون اجتماعيون على الرغم من حُبّهم للحوم؛ وحتى الآن لم يُظهروا دليلا واضحا على العدوان الاستباقي. وهناك علاقة مماثلة بين البشر الذين لا يزالون يعيشون في مجتمعات صغيرة، إذ تزداد وتيرة الحروب لدى المجتمعات التي تعتمد على الصيد أكثر.

   

شمبانزي البونوبو (رويترز)

  

ولجميع هذه الأسباب، يبدو أن الصيد البشري للفرائس قد ارتبط بالقدرة على قتل الخصوم في مجموعات مجاورة قبل مليوني عام. ومع ذلك، قد تكون أصول العنف الاستباقي أعمق بكثير، في كتابنا الصادر عام 1996 بعنوان "الذكور الشيطانيون" (Demonic Males)، جادلتُ ودايل بيترسون بأن قتل الغرباء ربما يعود إلى سبعة ملايين عام أو أكثر إلى سلالتنا المشتركة مع الشمبانزي والبونوبو، عندما كان أسلافنا في أفريقيا يصطادون ويقتلون كما يفعل الشمبانزي. بمجرد أن حقق أسلافنا القدرة على القتل بأمان، كان من المحتمل أن يكون هناك حافز لقتل الغرباء أيضا بالقدر نفسه الذي يهاجِم الشمبانزي والذئاب الغرباء. لا يبدو أن هناك سببا لإعفاء أسلافنا من الروابط بين الصيد والعنف الموجودة لدى الحيوانات الأخرى.

 

وبغض النظر عن الوقت الذي بدأ فيه العدوان الاستباقي الجماعي ضد الغرباء، كان القتل داخل الجماعات محدودا حتى طوّر البشر قدرة لغوية فائقة. تغيّر الكثير بعد أن أصبح الأفراد قادرين على تبادل الأفكار المعقدة فيما بينهم. استطاع الناس بعد ذلك تشكيل تحالفات قائمة على الاهتمامات المشتركة التي يمكنهم التعبير عنها. مع وصول عمليات الإعدام المخطط لها والموافَق عليها بشكل جماعي، استبدلت بلطجة الذكور المهيمنين بطغيان المستضعفين السابقين. أصبحت الائتلافات الجديدة القوية للذكور عبارة عن مجموعة من الزعماء الذين يحكمون المجتمع، وهو نظام يستمر إلى حد كبير اليوم، وإن كان بالقوانين والتهديدات والسجن أكثر من الإعدام.

 

ومن ثم، فإن تطوّر كل من ميولنا "الملائكية" و"الشيطانية" يعتمد على الأشكال المعقدة من التعمّد المشترك الذي أمكن تحقيقه من خلال لغة عالية المستوى؛ وهي قدرة ساهمت بلا شك أيضا في الكثير من السلوكيات الاجتماعية الإيجابية. إن أسلوب الشمبانزي عند وجود أهداف مشتركة قد بدأ هذه العملية قبل سبعة ملايين سنة على الأقل. استلزم الأمر بزوغ لغتنا المحسّنة في فترة ما بين خمسمئة ألف وثلاثمئة ألف سنة مضت، ليُدفع بنا إلى عالم جديد. خلقت اللغة جوانب خيالية من شخصيتنا؛ قوة قتل عالية إلى جانب انخفاض التفاعل العاطفي. زوّدتنا القدرة المعرفية الفريدة بسيكولوجية متناقضة على نحو فريد؛ والتي تمثلت في ميل لكل من الفضيلة والعنف.

------------------------------------------------------------------------

ترجمة: آلاء أبو رميلة

هذا الموضوع مترجم عن new scientist ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار