انضم إلينا
اغلاق
عقدة الخواجة.. جذور احتقار الذات عند المصريين

عقدة الخواجة.. جذور احتقار الذات عند المصريين

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

حين اعتزم الوالي محمد علي باشا الشهير بـ "مؤسس مصر الحديثة" عام 1826م إرسال بعثات من الطلبة المصريين إلى أوروبا وخاصة فرنسا، رشّح له الشيخ "حسن العطار" تلميذه النجيب "رفاعة رافع الطهطاوي"، وهو التلميذ "النجيب" الذي تعلم خلال بعثته اللغة الفرنسية ودوّن ما رآه، ليخرج وفق هذه الرحلة كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" ثم ألحقه بكتاب "مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية" ليصف فيهما انبهاره بهذا العالم الغربي (1) ونظامه ومصانعه ومدارسه ونشاط أهله ورفاهيتهم ورقيهم.

 

وبعد عودته من بعثته في باريس، وضع طهطاوي حجر الأساس للنظام "المصري الحديث" في التربية والتعليم والتصنيع الذي يجب أن تسير عليه مصر من وجهة نظره لتلحق بركب الأمم الغربية "المتقدمة"، فقام النظام التعليمي الحديث مستندا على محاولاته لتتبع الأثر الأوروبي، إلا أن شخصا آخر يعد أهم شخصية تربوية في تاريخ مصر الحديث قام باستكمال مهمة طهطاوي في تأسيس النظام التعليمي على الأساس الغربي، وهو "علي مبارك".

 

في شتاء 1867-1868 أُتيحت لعلي مبارك وهو "مدير، وأستاذ ومهندس مصري ضليع، فرصة السفر إلى باريس في مهمة لحساب الحكومة المصرية، وقد قضى عدة أسابيع يدرس النظم الباريسية الجديدة في مجال التعليم والصرف الصحي، وفحص المباني والكتب والبرامج الدراسية للمدارس الجديدة، وسار مع الزوار الآخرين عبر الأنفاق الضخمة لشبكة الصرف الصحي التي أُقيمت تحت شوارع مدينة هوسمان الجديدة. وليُعيَّن وقد حين عودته إلى مصر ناظرا للمعارف وناظرا للأشغال العمومية، وعلى مدار العقد التالي، خطط وبدأ بناء القاهرة الحديثة ونظام التعليم الحديث" (2).

    

رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك (مواقع التواصل)

     

ذلك النظام الذي جعل الثقافة والتعليم في مصر متأرجحة بين التعليم الديني الأزهري وبين التعليم النظامي الغربي. وهو الأمر الذي ترسّخت جذوره في الواقع المصري، وهو ذاته الذي سبّب -فيما بعد- عقدة للكاتب المصري "أحمد أمين" حينما تعرض في صباه لسخرية زملائه عندما رأوه قد استبدل  الزي الأزهري بالزي المدرسي الأوروبي، وذلك بعدما خامره الشك في نظام التعليم الحديث ورغبته بالعودة للنظام التعلمي المصري، وهي القصة التي حكاها ابنه المفكر الاقتصادي "جلال أمين" في كتابه "خرافة التقدم والتأخر" وسماها "عقدة الخواجة" أو الشعور بدونية الذات إزاء الشخص الأوروبي والأميركي.

 

لكنّ الأمر تطور في عصرنا إلى مظهر من مظاهر "جلد الذات" وتدميرها وسحقها أمام كل ما هو غربي، فاللغة العربية لغة محلية دونية إزاء اللغة الإنجليزية، والزي المحلي -إن وُجد- هو زي دوني ومخجل أمام الزي الغربي والأميركي، وحتى التعليم والثقافة والمنتجات وجهة العمل والتكنولوجيا، كلها تخضع لتلك العقدة النفسية التي تجعل العربي عموما والمصري خصوصا يُفضّل كل ما هو غربي على كل ما هو شرقي أو محلي، بل ويحترم الإنسان الغربي، وصولا لحدّ التبجيل إن لم نبالغ، ويعطيه فوق ما يستحق، بينما وعلى الجهة المقابلة، فإن حالة من انعدام الثقة، والاستحقار، تطال الإنسان الشرقي العربي، وحتى لا نُغرق في الوصف، يكفي أن نذكّرك بالمرات التي سمعت فيها، أنه لا أمل في العرب، وأن الهجرة للبلاد الغربية هي الحل! فكيف تكوّنت تلك "العقدة" النفسية عند العرب عامة والمصريين خاصة، وهل يستحق المصريون كل ذلك الاحتقار، أم أنه شيء مكذوب عليهم؟

 

عقدة الخواجة.. سياق النشأة والظهور

  

في عصرنا الحالي، لا نستطيع التفكير في الإصلاح دون التفكير في النهضة الاقتصادية، ولا نستطيع التفكير في النهضة الاقتصادية إلا بالنظر إلى الأمم "المتقدمة"، وأول ما يتبادر إلى ذهن الناظر هو الرخاء المادي، بجانب التقدم التكنولوجي، ويليهما التفوق العسكري الذي مكّن الأمم الأوروبية وأميركا من التفوق على الأمم الأفريقية والآسيوية، هذا التفوق العسكري هو الشرط الذي حقق لتلك الأمم الرخاء المتمثل في الغذاء الكافي، والملبس النظيف، والمسكن الواسع، والراحة ووقت الفراغ الطويل، والثراء، هذا بجانب توفر التعليم والعلوم والتكنولوجيا التي ترفع الكفاءة وتصنع النهضة.

 

هذا كله، يجعل الناظر يعتقد أن ارتفاع الكفاءة في التصنيع والإنتاج المادي والعلمي والأدبي والفني والفلسفي "لا بد أن يعني أيضا تقدما في التنظيم الاجتماعي… وارتفاعا في مستوى الرفاهية الإنسانية بوجه عام، وليس فقط في مستوى الرفاهية المادية". وهكذا يستقر في النفوس، و يتجذر في العقول والقلوب، أن التقدم في مضمار القوة والرخاء المادي والكفاءة لا بد أن يعني تقدما في سائر جوانب الحياة، وفي العلاقات الاجتماعية، والتنظيم السياسي، والمستوى الأخلاقي والجمالي، والرفاهية الإنسانية بكل عناصرها، مادية كانت أو غير مادية، ويستقر النظر إلى كل شيء "متقدم وعصري" بانبهار، والنظر إلى كل شيء من العصور السابقة بأنه "عقيم وبلا فاعلية وبلا فائدة".

 

وأمام هذه السطوة لأضواء "التقدم الغربي"، تضعف الإرادة وتلين الأخلاق، ويغض المرء بصره شيئا فشيئا عن التمسك بالتقاليد والقيم، فيبدأ بتقليد الأجنبي في كل شيء (3)، ويُبدي استعدادا "عصريا" للمرح الأصفر أن يملأ وجهه سخرية من كل عادات قومه وقيمهم وطريقة عيشهم وأزيائهم ولغتهم، لينتهي به الأمر "مسخا" يحاول التشبه بالغرب في كل شيء دون وعي لما يستقيه.

    

  

في السياق نفسه، يتساءل المفكر "جلال أمين": "من أين تسربت إلينا هذه الفكرة، فكرة التقدم والتأخر، فتشربت بها عقولنا إلى هذه الدرجة، ولم يعد يخامرنا أدنى شك في أنهم "متقدمون" ونحن "متأخرون"، ليس في هذا الشيء أو في ذلك الميدان بعينه، ولكن "بصفة عامة"، حتى بدأنا نتساءل، خفية أو صراحة، عما إن كان فينا عيب متأصل، أو نقائص تمنعنا أصلا من التقدم مثلهم، عيوب أو نقائص تعود إما إلى لون البشرة أو نوع الجينات، أو طبيعة اللغة أو العقيدة الدينية، أو المناخ وحتميات الجغرافيا، أو أشياء سحيقة حدثت في التاريخ نتيجة لتفاعل كل هذه العوامل مجتمعة؟ كيف تسربت إلى عقولنا هذه الخرافة، خرافة التقدم والتأخر؟".

 

قبل ذلك التساؤل يقرر "أمين" أن هذا التفكير خرافة أصلا، "إذ أين العلاقة بين كون أمتك أقوى من أمتي عسكريا، أو أكثر رخاء أو أكثر تقدما في العلم والتكنولوجيا، وبين ما إذا كان دينك أقرب إلى الحقيقة من ديني؟ لغتك أرقى أم لغتي؟ أدبك في عصر ازدهاره، أجمل أو أقل جمالا من أدبي في عصر ازدهاره؟ موسيقاك أقدر على تحريك المشاعر أم موسيقاي؟ شعبك أخف دما أم أثقل ظلا من شعبي؟ أسرع بديهة أو أكثر فصاحة؟ معاملتك للمرأة أكثر إنسانية أم معاملتي لها؟ حبك للأطفال أقوى أو أضعف من حبي لهم؟ ما العلاقة بين القوة العسكرية أو الرخاء المادي أو التقدم العلمي أو التكنولوجي بما إذا كنت أسرع إلى الصفح مني؟ أكثر أم أقل استعدادا للعفو عند المقدرة؟ أو أقدر أم أقل على ضبط النفس عند الغضب؟" (3).

 

يعود أمين بعد ذلك ليقر أن هناك علاقة لكنها علاقة غير مباشرة وغير واضحة، "لكن ما أسهل أن يقع الإنسان في الفخ، وما أكثر طرق الخداع التي تستدرجك إلى توهم وجود علاقة أكيدة بين شيئين العلاقة بينهما جد واهية"، أما تفسير ظهور "عقدة الخواجة" و"خرافة التقدم والتأخر" عند أمين، فهو يتلخص في القانون الذي وضعه المؤرخ المسلم الشهير "ابن خلدون": "إن المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب، فالانتصار والغلبة في أي ميدان من الميادين شيء مرغوب فيه دائما، والصفة المرغوب فيها تُضفي على صاحبها جاذبية قد تُخفي عن العين ما يتسم به من عيوب، فالقوي والغالب بقوة السلاح ليس بالضرورة أقوى الناس خلقا أو أخفهم دما أو أجملهم منظرا، ولكن شدة الجاذبية التي يتمتع بها بسبب قوته وغلبته قد تخدع البصر فيظن الناظر إليه أنه ليس فقط أقوى الناس، بل أيضا أفضلهم وأجملهم" (3).

   

       

  

بيد أن التفسير الذي عرضه جلال أمين المقتبس من نظرية "ابن خلدون" مهما كان صحيحا ومقنعا فهو لا يفسر جذرية هذا الولع والتحول الكبير الذي حدث للعرب والمصريين، ولا يفسر التحول من الولع بتقليد الغالب إلى الولع باحتقار الذات وجلدها، والارتماء المستمر في أحضان الغربي، والتعاون معه على سحق عامة الشعب واستباحاتهم بدعوى أنهم "متخلفون، رعاع، لا يستحقون الحياة"، كما أن الأمر يزداد إرباكا عند النظر في المشاريع الاجتماعية والتربوية التي دشّنتها النخبة المصرية منذ رفاعة الطهطاوي وحتى اليوم مرورا بشخصيات مثل أحمد لطفي السيد، وسلامة موسى، وطه حسين، ومحمود عزمي، وعلي عبد الرازق، ومنصور فهمي، وشبلي شميل، وفرح أنطون، وإلياس أبي شبكة. وقد ارتبط كل هؤلاء بتيار "التغريب" والدعوة إلى ثقافة الغرب ونظمه السياسية، والدعوة للعلمانية وترك التاريخ الإسلامي والعربي وترك العربية الفصحى، ومعاداة عامة الناس واحتقارهم (4).

 

كل ذلك، وحتى ما يعرضه أمين من تساؤل عن علاقة التقدم والرخاء بالأخلاق والدين والقيم وعلاقة كل ذلك بالحرية والنضال والتحرر من الاحتلال أو النفوذ الغربي المتحكم في مفاصل بلادنا، هو أمر يدعو لنقاش جاد، يحاول فض ذلك الاشتباك المعقد والمربك والذي يُشكّل حتى الآن عقبة كبرى في كل تصوراتنا السياسية والاجتماعية الإصلاحية، وهو ما يدعونا للعودة للتاريخ.

   

النخبة المصرية الجديدة التي كانت تتولى أمر تحديث نظام التعليم كانت تؤمن أن صناعة نهضة مماثلة للنهضة الأوروبية تستلزم تبديل أذواق وعادات الشعب بأكمله

مواقع التواصل 
    
عقدة الخواجة ما قبل الاحتلال الإنجليزي

"نحن السادة يجب أن نستولي على رعايانا في شبابهم المبكر، سوف نبدل أذواق وعادات كل الشعب، وسوف نعاود البناء بدءا بالأسس نفسها ونعلم الشعب أن يحيا حياة مقتصدة، بريئة عامرة بالنشاط وفق قوانينا"

 

ترجم هذه الكلمات إلى العربية رفاعة الطهطاوي عن نص لـ"تليماك فينيلون" وقد نُشرت ترجمتها عام 1867، أي قبل الاحتلال الإنجليزي لمصر، لكن الغريب أن النخبة المصرية الجديدة التي كانت تتولى أمر تحديث نظام التعليم وتأسيس النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحديث كانت متصالحة مع تلك الكلمات (5)، وكانت تؤمن أن صناعة نهضة مماثلة للنهضة الأوروبية تستلزم تبديل أذواق وعادات الشعب بأكمله، وأن يستولي "النظام السياسي" أي الدولة على الفرد وتحوّله عن طريق وسائل التعليم الجديدة إلى "ذات سياسية حديثة مقتصدة وبريئة، وبالأخص منكبة على العمل".

 

لكن لحدوث ذلك التغيير كان يجب أن يكون هناك نصوص تُعرّف من هم "الشعب" ومن هم "المصريون"، أي أن يصبحوا "موضوعات للمعرفة" يمكن دراستها وإجراء النظام الجديد عليها (6) لمعرفة مكمن الخلل الذي يمنع مصر من النهضة. في ذلك الوقت، تحديدا في عام 1869، أرسل عالم الآثار والعلامة والطبيب جياردو بك رسالة إلى الخديو إسماعيل المشهور برغبته في إعادة خلق القاهرة باعتبارها "باريس الشرق"، مقترحا إنشاء مؤسسة علمية للاستكشافات الجغرافية مع إطار مصاحب من المتاحف والمكتبات العامة والبرامج التعليمية.

  

وأكّد جياردو أن أهمية هذا المشروع تكمن في روحه الإصلاحية والتمدينية، وهو استمرار للإصلاحات التي بدأها الوالي العثماني محمد علي نفسه. وأوضح جياردو أن إنشاء هذه المؤسسة سوف يكون الأول من نوعه في الشرق، ومن ثم يضع إسماعيل على رأس التجديدات العلمية، ولم يتردد الخديو في قبول الأمر معربا عن ابتهاجه لكل ما هو جديد وعلمي.

      

الجمعية الجغرافية الملكية المصرية (مواقع التواصل)

  

تأسست الجمعية الجغرافية الملكية المصرية في 19 مايو/أيار عام 1875 برعاية الخديو إسماعيل، وكان هدفها الأول هو وضع مصر في مركز الرحلات الجغرافية من أفريقيا وإليها، وتشجيع تطور علم الجغرافيا باعتباره علما يسهل المصالح الصناعية والتجارية في الشرق، وكانت القاهرة في ذلك الوقت تحتل موقعا مثاليا كمكان لالتقاء المستكشفين كي يزيلوا بقعا خالية من خريطة الشرق وأفريقيا، وبإنشاء تلك الجمعية تُوّجت الجهود الاستشراقية بإكليل العلوم الجديدة مثل الجغرافيا والإثنوغرافيا والأنثروبولوجيا التي حوّلت الشعوب المحلية وفي قلبها الشعب المصري إلى "موضوعات للملاحظة والتصنيف والتبويب، أي باعتبارهم عينات، وممثلين فرديين أو جماعيين لجنسهم مغروسين داخل خطاب التقدم الحضاري التراتبي"، ومفرّغين نصيًّا كأقسام للممارسات الاستشراقية، التي قدمت معرفة فنية خاصة باللغات والمعتقدات الدينية وأساليب الحكم الشرقية، كما قدمت "سلسلة الاختلافات المطلقة التي يمكن بناء عليها فهم الشرقي على أنه نقيض الأوروبي" (6)، مما ساعد في ظهور الخطاب الاستشراقي الذي يفرق بين الذات الأوروبية النشيطة والمتقدمة وبين الآخر الشرقي الكسول المتخلف.

   

أي إن هذا الخطاب الاستشراقي وممارساته من الأوروبين وأتباعهم أو ممن تأثروا بمناهجهم هو من خلق تلك "العُقدة" المتوهمة من البداية، وَهْم الأوروبي الرائع المتقدم والشرقي الكسول المتخلف، لكن الأمر لم يكن مجرد خطاب وتدوينات وتعليقات ونصوص أدبية، بل دراسات تمتلك سطوة العلوم الجديدة. وكانت الدراسات التي أنجزها أونوفريو أباتي باشا الذي أصبح رئيسا للجمعية الجغرافية عام 1890 مؤشرا على ذلك التحول من الخطاب الاستشراقي ذي الأساس النصي المهتم بالجمع والتعليق، إلى علم تجريبي إكلينيكي خاص، فقد حشد أباتي باشا كل طرق التفكير السائدة في البيولوجي في وقتها بجانب طرق علم النفس والتشريح المقارن لفهم من هو "الشرقي" ومن هو"المصري" بناء على التحليل النفسي والجسدي وليس مجرد النظر إلى اللغة والعقيدة (6).

   

احتفظ الجنس المصري، والفلاح على وجه الخصوص، بالقدرة على الأعمال الميكانيكية والمحاكاتية، باعتبارها جزءا من الميراث النفسي لقدماء المصريين

مواقع التواصل
  

وكانت أبحاث الإيطالي أباتي باشا الذي وصل مصر عام 1845 وكتاباته عن الفسيولوجيا وعلم النفس المحليين تدور حول موضوعين أساسين، هما التحديد العلمي للفروق الفسيولوجية والبنيوية والعضوية بين السكان المحليين المصريين والأوروبيين، ومحاولة شرح أخلاق وعادات بعينها كتعاطي الحشيش أو الإيمان ببعض الممارسات الخرافية، ومن خلال ملاحظة أباتي باشا للمصريين أثناء العمل والقيام بأبحاث تجريبية في معمله أو بيته، ومن خلال اطلاعه المباشر على الجثث باعتباره طبيبا، تراكمت لديه مجموعة مختلفة من البيانات عن "الكائن الحي المصري" (6)، وقد دونها بالنَفَس الاستشراقي الذي كان سائدا وقتها.

 

وطبقا لما خلص إليه أباتي، "فقد احتفظ الجنس المصري، والفلاح على وجه الخصوص، بالقدرة على الأعمال الميكانيكية والمحاكاتية، باعتبارها جزءا من الميراث النفسي لقدماء المصريين" (6)، وقد حكى أباتي عن زيارته لمعامل ساويرس لتكرير السكر في قرية مصرية جنوب الجيزة، وفي إشارة إلى صفات العمال المحليين الذين وهبوا أنفسهم للجهود الصناعية، وانكبّوا على العمل بصبر وإخلاص واجتهاد كما أرادهم رفاعة الطهطاوي وزكي مبارك، تأمل أباتي ذلك الشباب المصري الماهر فكتب:

  

"ما تلك القوة العضلية التي ينفقها هذا العربي الشاب كي يستخدم في فترة قدرها بضع ساعات هذه الكمية الهائلة من الورق المعد لتغليف أقماع السكر؟ وثانيا: من أين نبعت هذه المقدرة الميكانيكية الصعبة؟ إنها المقدرة التي يمكن أن أقول إنه يستحيل العثور عليها تقريبا في الأجناس الأخرى"

  

ورغم ذلك الإعجاب الذي أبداه أباتي، فقد أرجع هذه القدرة الآلية والعضلية الهائلة للشباب المصري إلى كونها أنشطة "خالية من التعقل" (6)، أي إنها ذات طبيعة بدائية أو فطرية، ورغم أنهم يتمتعون بموهبة القدرة على القيام بأعمال آلية موحدة ومطولة، والاستغراق التام في العمل البدني، فإن أباتي خلص إلى أن حركة عمل الفلاحين المصريين حركة منظمة ومتطابقة وغير واعية وغير إبداعية وتبعث على النعاس!

    

بدلا من أن يصححوا نظرتهم للفلاح المصري، كانت وظيفة وسائل التعليم الجيدة هي قولبة "الفلاح المصري" واقناعه أنه شخص كسلان وضعيف وفوضوي وغير قادر على حكم نفسه

مواقع التواصل
   

في السياق نفسه كان على أباتي أن يجرد "الشخصية المصرية" أي يجعلها كيانا ثابتا بصفات دائمة وتعميمية، كي يتم تكييفها في النظام الجديد الذي شرع إسماعيل في تبنيه، والذي تُوّج بالاحتلال الإنجليزي لمصر، فعالج أباتي مسألة "أخلاق المصريين المحدثيين وعاداتهم الخرافية وغير العقلانية"، واعتمد أباتي على نصوص "إدوارد لين" صاحب مؤلف "أخلاق المصريين المحدثين وعاداتهم" الذي يعد المؤلف الرئيسي الذي ستعتمد عليه السلطة في رؤية "المصري" (6) حتى تبزغ ترجمة مؤلفات "جوستاف لوبون" الذي سيحاول تأطير "حضارة العرب" وسلوكهم خلال الزحام في مؤلفاته.

   

لكنّ صدمة كبيرة أصابت السلطة الإنجليزية في القاهرة بعد ذلك، عندما وجدت الفلاح المصري ليس كما هو مدون عندهم، "كسول، جبان، خاضع"، بل رأوه شخصا يقاوم السلطة الاقتصادية والعسكرية الجديدة، وتأخذه فورات غاضبة تهدد سلطتهم، بل رأوا تنوعا كبيرا في سمات المصريين وتعقيدا في الروابط بينهما وبعض.

   

لكن بدلا من أن يصححوا نظرتهم للفلاح المصري، كانت وظيفة وسائل التعليم الجيدة هي قولبة "الفلاح المصري" في الصورة التي رسموها له سابقا، كي يقنعوه بشكل قاطع أنه شخص كسلان وضعيف وفوضوي وجاهل وغير قادر على حكم نفسه، فهو دائما يحتاج إلى سلطة الإنجليز المتقدمين المتفوقين والنخبة الراقية المتعلمة لتُرشده ماذا يفعل.

   

هل هو نقص متأصل فينا أم خيال الإنجليز؟

  

قبل أن يأتي الإنجليز إلى القاهرة مستعرضين قوتهم بالرشاشات الآلية، وقبل أن يبنوا سلطتهم الاستعمارية التي ستُشكّل أساس الدولة المصرية كما نراها اليوم، كانت مهمة حكومة الخديوي بناء على تنظيرات رفاعة الطهطاوي وجهود الجمعية الجغرافية الملكية ومن يتبعها من مستشرقين أوروبيين هي كما كتب أحد المفتشين العموميين للمدارس المصرية: "عمل تقرير عن كل عيوب الأخلاق الشعبية، والبحث عن مصدرها، وتحقيق شفائها بوسائل كتلك التي سببتها" (7).

 

ومن ثم، ظهر كتاب عام 1972 وحتى قبل تأسيس الجمعية الجغرافية، عن التعليم المدرسي في مصر، وقد كُرست صفحاته الخمسون الأولى كما يشير تيموثي ميتشل لموضوع الأخلاق المصرية، وجاء في الصفحة الأولى أن "التعليم العام" هو في الوقت نفسه "رسم صورة لسلوك وأخلاق شعب ما"، وتم ذلك في لغة سياسية واضحة، بناء على تصور روّجه النظام السياسي الجديد عن الشخص المصري مفاداه أن المصري "خجول لكنه متوحد، وهو قابل للحماس لكنه يفتقر إلى أي مبادرة، وأخلاقه أخلاق لا مبالاة وسكون، ولّدها افتقاد الأمان بالنسبة إلى المستقبل وعدم استقرار الملكية مما قتل روح الاجتهاد والحاجة إلى التملك" (7).

 

عندما دخل الإنجليز إلى مصر، أكملوا مسيرة تلك السياسة المستمدة أصلا من التصور الغربي "الاستشراقي" لمصر والشرق عموما، وكان هدف السياسة الجديدة "المصوغة وفق نموذج عمليات التعليم المدرسي أن تكتسب السيطرة فرديا على كلٍّ من الجسم والعقل"، وقد شرح اللورد كرومر منهج السياسة الاستعمارية البريطانية في مصر، فقد أوضح أن المشكلة أمام النظام البريطاني الاستعماري في مصر هي أن "الروابط الاجتماعية والتقليدية بين الحاكم والمحكومين، أي الوحدة القومية أو وحدة الجنس والدين واللغة وعادات التفكير لم تكن موجودة" (7)، مما يصّعب على السلطة التعامل مع المصريين ككيان موحد له خصائص ثابتة.

 

من ثم كان من الضروري للحكومة -كما يشرح ميتشيل- أن تصوغ ما أسماه كرومر بـ "الروابط الاصطناعية" وكان على هذه الروابط الاصطناعية أن تتكون بالدرجة الأولى من بيانات الحكومة، التي استخلصتها من فهمها لأولئك الذين تحكمهم، وهو نوع من الفهم أسماه كرومر "التعاطف العاقل المنضبط" المبني على "دراسة دقيقة للحقائق المصرية وللأخلاق المصرية" والتعامل مع "المصري" على أنه شيء له سمات محددة، وهذا بالضبط ما وجده كرومر في كتاب إدوارد لين "سلوك وعادات المصريين المحدثين".

  

كتاب إدوارد لين "سلوك وعادات المصريين المحدثين" (مواقع التواصل)

     

حيث تضمن كتاب لين فصولا متتالية في وصف أخلاق المصريين وعاداتهم مثل "استخدام التبغ، والقهوة، والحشيش والأفيون"، كما وصف الكتاب "كيف يعم الكسل كل طبقات المصريين باستثناء من يضطرون إلى كسب قوتهم بالعمل اليدوي الشاق، وكيف أنه حتى الميكانيكيون شديدو النهم للكسب يقضون عادة يومين في عمل يمكنهم إنهاؤه بسهولة في يوم واحد، وكيف أن المصريين بالغو العناد ويصعب حكمهم واشتهروا منذ العصور القديمة برفض دفع ضرائبهم حتى ينالوا الضرب المبرح. وكيف أنه يندر أن يكون بالإمكان حث عامل مصري على شيء كما هو مطلوب تماما، فسوف يتبع رأيه عموما ويُفضّله على رأي مستخدمه، ويندر أن يُنهي عمله في الوقت الذي وعد به. وأخيرا كيف أن إدمان المصريين المفرط للتبغ والقهوة والحشيش والأفيون قد جعلهم أكثر خمولا مما كانوا في العصور السابقة، مما جعلهم يضيعون ساعات طويلة يمكن استخدامها في شيء مربح" (7).

 

ورغم أن هذا التوصيف فيه شيء كبير من الصحة فإن تعميمه كان منهج السلطة الإنجليزية لإقناع المصريين أن النقص داخلهم، وليس في الظروف السياسية والاجتماعية، وليس في الاستغلال الاقتصادي لكبار ملاك العزب الزراعية والمصانع والتجار الذين يخدمون مصالح الإنجليز في مصر.

 

وسرعان ما خطت النخبة المصرية التابعة للإنجليز على خُطى رفاعة الطهطاوي، الذي كان قد كرس مؤلفه من قبل "مناهج الألباب المصرية" لتتبع سمة الكسل على طول التاريخ حتى قدماء المصريين، ثم ينتهي إلى "ضرورة أن يكون هناك مدرس حكومي في كل قرية ليعلم أبناءها مبادئ الأمور السياسية والإدارية وفهم أسرار المنافع العمومية". ومن هنا بدأ سيل الكتابات التي تُلصِق صفة الكسل والتخلف بعموم المصريين والشرقيين كلهم.

      

 "مناهج الألباب المصرية" لـ "رفاعة الطهطاوي" (مواقع التواصل الاجتماعي)

    

جلد الذات لأجل عيون الإنجليز

"وفي إحدى المناسبات يسأل الباشا ما هذه الضوضاء العظيمة؟ وما هذا المجتمع الملتحم والموقف المزدحم.. فيجيب عيسى بن هشام: لا، بل هو مجتمع عام تتزاحم فيه المناكب والأقدام، لمسامرة الأصحاب، ومعاقرة الشراب"

 

كان هذا الاقتباس من رواية "حديث عيسى بن هشام"، أول عمل أدبي مصري في العصر الحديث، ظهر بنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ويتناول الواقع المصري بشكل نقدي، وكان محمد المويلحي صاحب الرواية يجتمع مع أصدقائه وزملائهم من موظفي الحكومة والقضاء ورجال النيابة، وأعضاء بعض أهم عائلات البلاد التركية والشركسية، والموظفين البريطانيين والدارسين والمستشرقين، وكان موضوع النقاش في جميع هذه الجلسات وتلك الصالونات لا يتعلق كثيرا بالاحتلال الإنجليزي لمصر الذي بدأت عائلاتهم تستفيد منه، بل كان "القلق من الزحام الذي يتهددهم في الشوارع والمقاهي بالشوارع المصرية" (7).

 

وفي عام 1902 ألّف كاتب يُسمى محمد عمر كتابا بعنوان "حاضر المصريين أو سر تأخرهم"، وناقش فيه سمة المصريين عامة وهي الكسل والبطالة، ووضح بعض العواقب الأبعد مدى لهذا الكسل، وإدمان الكحول والمخدرات والزنا والمرض والجنون، ليس بشكل أخلاقي ديني، بل من وجهة نظر صناعية، تحذر من أضرار تلك الصفات على الإنتاج.

     

كاتب لـ "محمد عمر" بعنوان "حاضر المصريين أو سر تأخرهم" (مواقع التواصل الاجتماعي)

    

أما طبقة المؤلف نفسه -كما يُعلّق ميتشيل-، أي الطبقة التي تتمتع بالرفاهية وتمتلك التجارة والزراعة والصناعة مع نخبة المثقفين "المتغربين"، فقد انفصلت عن كل ذلك نتيجة إحساسهم بـ "النظام"، فلم يصابوا بالكسل الموجود بين الفقراء وشديدي الغنى، وكان ذلك كما يؤكد عمر، ويوضح ميتشيل، بفضل النظام الذي أدخله البريطانيون، والذي منحهم الثقة بالنفس والمبادرة في شؤونهم. هذا النظام الذي خلّصهم من الفوضى التي سبّبتها الثورة العرابية التي جاء الاحتلال البريطاني ليُنهيها.

   

وكانت هذه النقطة هي محل الصراع الذي سينشب بين الإنجليز والنخبة التابعة لهم وبين عموم الشعب والفلاحين المصريين، والذي بدأ بحادثة دنشواي في عام 1906 ووصل لذروته في عام 1919 بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بتفجر الثورة المصرية على خلفية اعتقال السلطات الإنجليزية لسعد زغلول وثلاثة من الوفد المصاحب له لمناقشة مطلب استقلال مصر، ونفيهم لجزيرة مالطا.

   

تجريم الفلاح المصري

انتهت حادثة دنشواي المعروفة بحكم المحكمة التي ضمت مريت بطرس غالي وأحمد فتحي زغلول على أربعة فلاحين بالإعدام شنقا، وحُكم على اثني عشر فلاحا آخر بالسجن، وعلى تسعة بالجلد علنا، وفي الثامن عشر من يونيو/حزيران من عام 1906، أُجبر سكان قرية دنشواي على الخروج من بيوتهم لمشاهدة تنفيذ الإعدام والجلد.

  

إعدام المتهمين بحادث دنشواي (مواقع التواصل)

   

وكان أحمد فتحي زغلول الذي أصدر الحكم بشنق الفلاحين هو الأخ النافر للزعيم الوطني "سعد زغلول"، والذي سيكون اعتقاله شرارة اشتعال أكبر ثورة شعبية عرفتها المنطقة في مطلع القرن العشرين، وهو نفسه وكيل وزارة العدل المصرية المهتم بالترجمة، وكان قد ترجم كتاب جوستاف لوبون "روح الاجتماع".

  

وبعد ترجمة ذلك الكتاب وانتشاره بين النخبة المصرية، كتب أحد المثقفين في مطلع عمود صحيفة المؤيد المصرية عام 1910: "تعودت أن أنقم على مصر نقمة لم استشعرها تجاه أي مجتمع… وربما اعتقدت أن أطوارها وصفاتها جعلتها استثناء شاذا غريبا، حتى قرأت هذا الكتاب" (7). كما ترجم أحمد زغلول كتابا آخر للوبون هو "القوانين السيكولوجية لتطور الشعوب"، بينما وُضعت ترجمة لدراسة لوبون العلمية عن التعليم المدرسي بعنوان "سيكولوجيا التربية" قام بها رجل يرعاه الرئيس المستقبلي للجامعة، وهو طه حسين الذي سيصبح عميد الجامعة المصرية ويؤلف كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" الذي يجادل فيه طه حول أهمية الالتحاق الصناعي والمعرفي والثقافي بالغرب المتقدم.

   

فكانت رؤية أحمد زغلول التي استمدها من مؤلفات جوستاف لوبون تقوم على احتكار هذا الفلاح المصري ووجوب عقابه إذا أثار الشغب، لأنه يهدد النظام وينشر الفوضى، وعادت النخبة المصرية والأوروبية مرة أخرى لاستدعاء النصوص الإثنوغرافية الاستشراقية لوصف الفلاحين وتصنيفهم، ففي مطلع القرن العشرين، وفي مقال منشور لبايوت بك، مدير الخدمات البيطرية بالأملاك الأميرية وسكرتير المعهد المصري، استخدم بايوت النصوص نفسها التي تصف الأصول العرقية للفلاحين المصريين، وأسلوب لباسهم وأنماط معيشتهم، وتعاطيهم لمواد الأفيون والحشيش والكحول والتبغ.

     

   

وباعتبارهم نمطا سيكولوجيا أو شخصية لها سمات عامة "كان الفلاحون في رأي بايوت بك كسالى بطبعهم، وأشخاصا أشبه بالأطفال تتسم قدرتهم على التفكير أو الحكم بكونها ضعيفة، وذلك نتيجة للانحطاط الأخلاقي وتراجع القدرة على التفكير العقلاني… وجعل الجهلُ الفلاحَ يتأثر بسهولة بالمعتقدات والممارسات الخرافية، وجعلت قرون من القمع الفلاح متحديا وشكاكا، ومراوغا ووقحا، ولديه قابلية للسرقة، وطاغية مع من هو دونه، ومتغطرسا مع أقرانه، وخاضعا لرؤسائه، ومتبلد الحس، وصابرا على المكاره في سلوكه" (8)، وينتهي بايوت بك إلى مساواة انحطاط الفلاح المصري بانحطاط الحمار، "رفيق الفلاح المخلص".

    

وعلى الخط نفسه، قدم الأنثروبولوجي المصري عباس مصطفى عمار مسحا اجتماعيا لمحافظة الشرقية في عام 1939، وفي نتائجه أكد عمار "فقر غالبية الناس، كما ظهر من توزيع رأس المال المستثمر ومديونية الفلاحين. ولم يدخر عمار نقدا للموقف الرسمي تجاه الفلاحين، وهو الموقف الذي كان يُلقي اللوم باستمرار فيما يتعلق بالفقر على جهل الفلاحين وليس على مسبباته الحقيقية: مثل التوزيع التقليدي الظالم للثروة، والنظرة اللا مبالية للفلاح، وسوء فهم حاجات المجتمع الريفي الحقيقية" (8).

   

وعلى خلفية الشغب الذي أصبح الفلاحون يثيرونه، وتحوّلهم إلى خطر مقلق في عيون الحكومة، بعد احتجاجات 1919 وما تلاها، شهدت الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين بداية ظهور خطاب جعل إنتاج المعرفة الإحصائية ينصب على مسألة جرائم الفلاحين ويضخمها، فبدأ مكتب مخابرات المخدرات المركزي بجمع البيانات عن تعاطي مواد الإدمان كالحشيش والكحول والتبغ وحتى الشاي الأسود، وجُمعت كل تلك الإحصائيات والبيانات كمعطى لخطاب تجريم الفلاح وشيطنته. (8)

    

  

في الإطار نفسه، ظهرت في أواخر الثلاثينيات دراسة تحت عنوان "الإجرام في مصر" لمحمد البابلي، ودراسة إحصائية أخرى عن جرائم الفلاحين لباحث آخر يسمى محمد القللي (8)، ولم ينظر الباحثان إلى عدم استعداد الفلاح للتعاون مع السلطات عند التحقيق مع المجرمين على أنه فعل سياسي، ولم يضعوا علاقة بين تلك الجرائم والصراعات الطبقية والاجتماعية والاقتصادية، بل نظروا له على أنه مشكلة جهل.

    

وبالمثل "لم يكن يُنظر إلى الجرائم ضد أشخاص أصحاب الأطيان أو وكلائهم وأملاكهم على أنها جرائم تغطي على العنف الطبقي، بل كبقايا لتراث جرائم الثأر القديم. والواقع أن البابلي قطع شوطا بعيدا في نفي الآثار المحتملة للدعاية الشيوعية السوفيتية الثورية، قائلا إن المصريين بطبعهم ليس لديهم استعداد لقبول ذلك" (8). وكان الحل الأمثل لمشكلة إجرام الفلاح هي إعادة تنظيم الريف المصري وإعادة خلق المجتمع الريفي بأكمله، وبالتالي إعادة خلق المصريين ليكونوا ملائمين للسلطة الجديدة ولمصالح الأسياد "الإنجليز".

   

خلق مصر الجديدة

كانت الثقافة المصرية الجديدة التي صنعها الاستعمار الإنجليزي في مصر خليطا من كل ذلك، من المشاريع التربوية والتوجيهية لرفاعة الطهطاوي وزكي مبارك، والمشاريع السلطوية للورد كرومر ومكتب المعتمد البريطاني، والمشاريع الاستشراقية التي تحوّلت إلى دراسات تأسيسية بعد تدشين الجمعية الجغرافية الملكية، إضافة إلى أفكار جوستاف لوبون الذي أعطى قبلة الحياة للتوجهات القديمة بإعادة بناء المجتمع المصري وخاصة المجتمع الريفي والتي لاقت قبولا عند النخبة الثقافية في مصر. وفي قلب كل تلك المشروعات ترعرعت نبتة شيطانية، ما زالت تحيط بتصوّراتنا كلها "عقدة الخواجة وجلد الذات واحتقارها" التي غرسها بنا الاحتلال الأوروبي وأذنابه ونخبه، ليبقوا على خضوعنا ومصالحهم التجارية.

     

يقول جلال أمين: "لا أظن أن أبي قد استطاع أن يتخلص تماما من عقدة الخواجة، لقد دخلت الجرثومة في جسمه فلم ينج منها مثلما نجا منها جدي ونجت منها أمي"

مواقع التواصل
   

ويكمل جلال أمين قصة بداية "عقدة الخواجة" عند أبيه بعد تعرضه صبيا لسخرية زملائه بعد أن رأوه قد خلع الزي الأوروبي وارتدى الجبة والقفطان، فتركت السخرية ألما في نفسه، قائلا: "كانت هذه الصدمة الأولى تتعلق بشيء مادي بحت، وهو الزي، ولكن الأهم من ذلك، هو ما تعرض له أبي من صدمات فكرية بحتة. وكان من أكبر هذه الصدمات اكتشافه أن من الممكن جدا أن يكون ما كتبه بعض المستشرقين "الخواجات" عن تاريخ الإسلام أفضل مما كتبه كثيرون من المؤرخين المسلمين".

  

ويختم أمين قصة أبيه دكتور أحمد أمين أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب قائلا: "لا أظن أن أبي قد استطاع أن يتخلص تماما من عقدة الخواجة، لقد دخلت الجرثومة في جسمه فلم ينج منها مثلما نجا منها جدي ونجت منها أمي، وقد انتقلت العدوى منه إليّ وإلى بقية إخوتي، ثم انتقلت أيضا إلى جيل أولادي".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار