انضم إلينا
اغلاق
حكمة المهزومين المتأخرة.. لماذا أصبح المصري خبيرا في التحول الديمقراطي؟

حكمة المهزومين المتأخرة.. لماذا أصبح المصري خبيرا في التحول الديمقراطي؟

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

بمجرد رحيل بوتفليقة، وإعلانه عدم نيته للترشح للمرة الخامسة رئيسا للجزائر، ظهر اسم الفريق قايد صالح رئيس أركان الجيش الجزائري الذي أعلن أن الجيش الجزائري سيتولى إدارة شؤون البلاد، ليخرج الجزائريون في الجمعة التي تلت إعلان بوتفليقة وتصريح قايد صالح رافعين شعار واحدا: "لا للسيناريو المصري.. لا نريد سيسي في الجزائر"، بعد ذلك بأيام قليلة، أزيح البشير عن منصبه على إثر حراك جماهيري واسع في المدن السودانية، لتتولى المؤسسة العسكرية إدارة شؤون البلاد، وليتظاهر مئات الآلاف من السودانيين، رافعين هتافا جديدا: "إما النصر وإما مصر".

   

خلال تلك الأحداث، كانت تعليقات المصريين تشعل مواقع التواصل على حراكَيْ السودان والجزائر، تراوحت في مجملها بين النصيحة والتحذير من ناحية، والسخرية المريرة اليائسة تجاه أولئك الناصحين على الناحية الأخرى، حيث بدت المفارقة التي أثارت سخرية البعض متمثلة في السؤال التالي؛ أي استحقاق لدى المصريين المشغولين بتعديلات دستورية تنصّب السيسي إلها يُعبد من دون الله في مصر، جعلهم يشعرون بأحقية مشاركة خبراتهم وتجاربهم مع السودانيين والجزائريين؟

       

منشور ساخر على الفيسبوك بعد انتشار هتافات في السودان: "إما النصر وإما مصر" (مواقع التواصل)

    

حكمة المهزومين المتأخرة

"تمنح الحكمة للخاسرين، للبحث عن أسباب خسارتهم، لقضاء العمر في تبرير الهزيمة، لم ير أحد حكيما منتصرا، فالحكمة انتصار لا يحدث إلا في اللغة"

(بلال علاء)

   

يبدو العنوان الفرعي ساخرا، إلا أنه يحمل في مضمونه شقّين، الأول، اعتبار التفاعل مشاركة ذاتية، يسعى خلالها المصري للدخول في مساحة يحقق فيها ذاته الثورية والنضالية التي تلاشى تأثيرها، وانحسرت معها مساحات المشاركة السياسية عقب متوالية الفشل السياسي التي مني بها المشهد المصري منذ الانقلاب على مكتسبات الثورة، ليستعيد المصري على إثر حراك السودان والجزائر بعضا من ماضيه وفاعليته السياسية على اختلاف مستوياتها وتأثيراتها. والثاني، رغبة حقيقية في نقل "حكمة"، أو خبرة ولّدتها التجربة بكل ما حملتها من تفاصيل وتقلّبات ومنعطفات حادة رآها المصري ماثلة أمامه، والتي رسمت مع كثافتها ملامح مصري جديد. هذا مع الابتعاد المقصود عن نقاش "ادّعاء الحكمة"، باعتباره أمرا يتعذر الخوض فيه، لما يتطلّبه من خوض في النيّات، وهو أمر، في الحقيقة، لا نملك خبرة فيه!

    

أحد نماذج التفاعلات تلك ظهرت منذ صدور بيان وزير الدفاع السوداني، والذي عبّرت الناشطة المصرية سارة صادق عقبه عن قلقها وخوفها الشديد من نية العسكر في السودان، ومآلات الحراك الشعبي، ومعربة عن أملها في أن يتجنب السودانيون وقوى التغيير في كل من السودان والجزائر الأخطاء التي وقعت فيها الثورة المصرية موضحة: "أن الانقسامات والخلافات السياسية التي ظهرت بعد تنحي مبارك سهّلت مهمة المجلس العسكري المصري في تعزيز تلك الانقسامات خلال الفترة الانتقالية والتفاوض المدني-العسكري لإفشال عملية الانتقال الديمقراطي وإعادة إنتاج النظام بصورة أشرس وأكثر قمعا"، ومعربة أن الشعار السوداني "إما النصر وإما مصر" شعار حزين ومثير للأسى لها كمصرية تحلم بوطن ديمقراطي حر، إلا أنه في الوقت ذاته أعطاها قدرا من الأمل بوعي الثورة السودانية بأخطاء سابقتها المصرية.

  

من جانبه عبّر الباحث علاء بيومي أن الحذر المعلن، السوداني والجزائري، من تكرار النموذج المصري لا يقتصر فقط على الخوف من ظهور "سيسي" جديد في المؤسسة العسكرية، ولكن يعني الحذر من ظهور نماذج جديدة مثل قيادات الإخوان والبرادعي وحمدين صباحي، كقيادات ضيقة الأفق ساهمت في إضاعة فرصة مصر التاريخية في الانتقال الديمقراطي، ومع ذلك يؤكد علاء أن رفض انتهازية نخب كالبرادعي وقيادات الإخوان لا يعني الانجرار خلف رومانسية جذرية بلا أفق سياسي قائلا: "بالنسبة لمن يرفضون أي دور للجيش الجزائري ويطالبون بقطيعة كاملة مع قيادته الحالية، ماذا يقترحون كبديل؟ يعني لو طالب الجزائريون برحيل قايد صالح وقادة الجيش حاليا، فمن سيلبي طلبهم؟ ومن سيأتي بعدهم؟ أصوات الرفض والغضب الأعمى أهلكتنا!".

  

    

نهاية النرجسية المصرية!

في مقابلة مع "ميدان" عبّر محمد حسين، الطبيب والقاص، بشاعرية شديدة أن تعاطف المصريين وتفاعلهم على مواقع التواصل، حتى ولو بسخرية ويأس، يكشف التأثير العميق للثورة في وجدان قطاع واسع من المصريين بحيث ينتمون لقيمة جميلة وكونية كقيمة الحرية: "إنك تكون مهزوم، أو شايف نفسك كده، وتلاقي ناس بعيد رايحين ورا نفس الأمل القديم، فتحس بالمشترك بينكم، وتتمنى لهم النصر والخير، وتبقى بتصارع تشاؤمك المبني على تجربتك الذاتية المؤلمة، وتشجيعك تخالطه نصيحة إنه يتفادى أخطاءك ويبقى أحسن منك، وحتى لما هو يقول النصر أو نبقى زي مصر تآمن على كلامه وتتنازل طوعا عن النرجسية الوطنية الفارغة اللي كادت تبقى صفة شخصية وراثية فينا، كل ده معناه إننا بقينا فعلا لأول مرة في مجرى التاريخ، أفعالنا تلهم إخوة لينا في الإنسانية، وتجاربهم تشجعنا، والهزيمة تحبطنا جميعا وكأننا خلايا في جسد واحد".

   

وفي سخرية مريرة من النرجسية المصرية علّق الباحث المصري الشاب مصطفى عبد الظاهر عن الوصاية ودور الخبير السياسي الذي يلعبه المصريون خلال تعليقهم على الحراك في الجزائر وكأن التجربة المصرية هي مركز الكون قائلا: "نداء إلى الإخوة الجزائريين، اخوانكم المشارقة مقطعين معارك الوعي ومعديين براميل الراديكالية فبيدوكوا دروس عن الحتميات التاريخية اللي لسه متعلمينها السنة اللي فاتت، دروس مهمة جدا، برجاء إلقائها في الزبالة. شكرا."، مضيفا في سخرية أكثر حدة من ادعاء دور المثقف الثوري الذي يدعيه ويمارسه البعض في حق حراك الجزائر والسودان: "إنت كمثقف ثوري وإنسان ناضج أدى بيك وعيك المتفجر لأنك تبقى قائد طابية في معركة الجبنة النستو، أو تشارك مع توفيق عكاشة في مظاهرات ليها مطالب واضحة، طبيعي تفقد حماسك (الذي كان يبدو ملتهبا: حقيقة ومجازا) لمتابعة الاحتجاجات في السودان والجزائر، لأن الناس هناك بيعملوا حاجات مهمة على الأرض، وممكن تراهن على وعيهم، ومكملين في مطالبهم اللي بتطور كل يوم ومنخدعوش بنفس اللي اتخدعت بيه، وكمان خلفوا ظنك فيما كنت تظنه عودا أبديا لحياتك التافهة، خليك في التعديلات الدستورية".

      

      

إلا أن تلك المسارات التي اختطّها الناشطون، والتفاعلات المتباينة، على ما تحمله من تعقيد، يسهل الحكم عليه ظاهرا، إما بالتعاطف مع تعاطف المصريين، أو بردة الفعل التي تطلب منهم الصمت والاهتمام بشؤونهم، أو بالتفاعل الساخر عموما، تطرح تساؤلات ومواضيع عدة للنقاش، أولا، هل التفاعل مع قضايا الآخرين يعني بالضرورة تخليا عن القضايا المحلية الخاصة بالفرد؟ ويتولد من هذا السؤال سؤال آخر: من هم هؤلاء الآخرون، ولماذا أطلقنا عليهم لفظة "الآخر"؟ الإجابة عن هذه الأسئلة عليها ألا تعمينا كذلك عن الفرح الحقيقي الذي غَمَر المهتمين بالشأن العام في شتى الأقطار العربية/الإسلامية لعودة الثورات، وروحها، بعدما ظلّت السياقات المحلية والإقليمية تقودنا نحو مرحلة من تكريس الاستبداد عوضا عن التحرر منه، وتقودنا لليأس عن إمكانية التغيير، وعلى الإجابة عن تلك الأسئلة أن تنطلق من أرضية مفادها أن الفرح لا يمكن أن يكون محليا، وأن ما جرى من احتفاء هو تعبير عن فرحة الحرية، أو فرحة السير نحو الحرية، التي ربما ستأتي يوما ما. فهل يستجيب القَدَر؟

تقارير متصدرة


آخر الأخبار