انضم إلينا
اغلاق
عولمة الذكاء الاصطناعي.. كيف سنواجه عالما تحكمه عقول آلية؟

عولمة الذكاء الاصطناعي.. كيف سنواجه عالما تحكمه عقول آلية؟

Foreign Affairs

مجلة سياسية
  • ض
  • ض

هناك حاجة ملحة في عالمنا اليوم إلى رسم إطار جديد للتعاون العالمي للحفاظ على السلام وتسريع التطور. كما حدث عقب كارثة الحرب العالمية الثانية، حين صمم قادة العالم آنذاك باقة من الهياكل المؤسسية لتمكين عالم ما بعد الحرب من التجارة والتعاون وتجنّب وقوع حرب مرة أخرى. جاء ذلك أولا في الغرب، ثم في معظم أنحاء العالم لاحقا. في مواجهة العالم المتغير اليوم، يتحتّم على قادة العالم بذل جهودهم لمثل هذا المشروع مرة أخرى.

 

في الوقت الراهن، لن يكفي التغيير على الصعيدين الجيوسياسي أو الاقتصادي فحسب. فالثورة الصناعية الرابعة (المتمثلة في رقمنة الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية) تتغلغل في نسيج المجتمع ذاته، مغيّرة الطريقة التي يتعامل بها الأفراد مع بعضهم بعضا ومع العالم بأسره. إن الاقتصادات والشركات والمجتمعات والسياسة في هذا العصر تتحول بشكل جوهري.

 

لذا، لن يكفي إصلاح العمليات والمؤسسات القائمة؛ يتعيّن على القادة الحكوميين المدعومين من المجتمع المدني والشركات، أن يُنشئوا هيكلية عالمية جديدة معا. إذا اكتفوا بالانتظار أو بتطبيق "حل سريع" لإصلاح أوجه القصور في الأنظمة القديمة، فإن قوى التغيير ستقوم بشكل طبيعي بتطوير زخمها وقواعدها الخاصة، وبالتالي الحد من قدرتنا على الخروج بنتيجة إيجابية.

   

على الرغم من أن العولمة تنقذ الملايين من براثن الفقر، إلا أنها تعني أيضا عقودا من تآكل الدخل وظروف عمل غير مستقرة

رويترز
 
تناقضات التقدّم

في العقود التالية لعام 1945، خضعت اقتصادات العالم لعملية اندماج طموحة؛ تولّت أوروبا الغربية زمام الأمور، وتخطت معدلات نمو منقطعة النظير بهدف تحقيق "اتحاد أوثق من أي وقت مضى". وتبعتها اليابان و"النمور الآسيوية" (سنغافورة وهونغ كونغ وتايوان وكوريا الجنوبية)، فنجحوا بالوصول إلى الأسواق العالمية وتحقيق نمو اقتصادي كبير. بحلول أوائل العقد الأول من القرن الحالي، عملت اقتصادات "بريكس" والتي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، على رفع التجارة الدولية إلى مستويات غير مسبوقة بصادرات تُشكّل خُمس الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو أعلى مستوى على مر التاريخ. كما لعبت الولايات المتحدة دورا رائدا في شتى أرجاء العالم، إذ أقامت الهياكل المؤسسية التي دعمت النظام العالمي وأمّنت طرق التجارة وضخّت الأموال في الأسواق الخارجية.

 

يظهر في الوقت الحاضر أن هذه العولمة العملاقة آخذة في التباطؤ؛ توقفت نسبة التجارة من الناتج المحلي الإجمالي عن الارتفاع مقارنة بالسابق، والأسوأ من ذلك أن إجماع السوق الحرة آخذ بالتفكك. في جميع أنحاء العالم، يقوم مؤيّدو حماية الإنتاج الوطني بشق طريقهم، وغالبا ما ينتخبهم الناخبون الذين يشعرون بأن النظام الحالي ضدهم. شعورهم بالإحباط أمر مفهوم، فعلى الرغم من أن العولمة تنقذ الملايين من براثن الفقر، فإنها تعني أيضا عقودا من تآكل الدخل وظروف عمل غير مستقرة للعديد من الدول الأخرى. بالنسبة للعمال الأميركيين، انتهت السنوات الذهبية للعولمة منذ عقود، فقد وصلت العمالة الصناعية في الولايات المتحدة إلى ذروتها في عام 1980 وانخفضت بشكل حاد في الوقت الذي دخلت فيه الصين منظمة التجارة العالمية في عام 2001. وعلى الرغم من ازدهار الاقتصاد، فإن وظائف التصنيع قد عادت إلى مستويات ما قبل الحرب العالمية الثانية.

 

من ناحية أخرى، فمعدلاتُّ النمو في العديد من البلدان الأخرى مخيبة للآمال بالنظر إلى ارتفاع معدلات البطالة على نحو حاد. في معظم أنحاء أميركا اللاتينية بما في ذلك الأرجنتين والبرازيل وفنزويلا، يُعدّ التضخم والنمو السلبي النظامَ السائد. ولا تزال أوروبا تعاني من الصدمات اللاحقة للأزمة المالية، تتبنى رد فعل عنيف ضد الهجرة. حتى الصين تكافح من أجل تحقيق تطلعاتها بشأن النمو.

 

يتغذى الشعبويون ومؤيّدو حماية الإنتاج الوطني على هذه المشاكل، وحلولهم المقترحة أشبه بأحلام وردية تحاكي الحنين إلى الماضي. قد لا تكون الحياة في عالم أقل عولمة أفضل ماديا، على الرغم من أنها كانت كذلك بالنسبة لبعض المجتمعات المحلية، ولكن المجتمع ذاته ربما كان أكثر أمنا وأُلفة ويقينا لأفراده. سيبدو تأييد هذا السرد معقولا، إضافة إلى تأييد التعريفات الجمركية وحواجز الهجرة والعودة إلى السيادة الوطنية.

   

 

ولكن ذلك يظل محض أمنية. من الممكن أن يساعد الوقوف في وجه نظام سلاسل القيمة المتكاملة عالميا (التي تعبّر عن سلسلة النشاطات التي تساهم في قيمة المنتج أكثر من تكلفته. م) في إنعاش التصنيع المحلي للسيارات أو الإلكترونيات أو المنتجات الزراعية في الاقتصادات الغربية. غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن أهمية إنتاج السلع المادية وتبادلها تتضاءل عاما تلو آخر. بدءا من هنا، فإن المزايا التنافسية الحاسمة في الاقتصاد العالمي ستنبثقُ بشكل أقل من الإنتاج منخفض الكلفة وبشكل أكبر من القدرة على الابتكار وأتمتة العمل والرقمنة.

  

الموجة الثانية

إننا ببساطة نعيش عصر الثورة الصناعية الرابعة، وهي أحدث موجة من الابتكارات الرائدة. لقد جلبت الثورة الصناعية الأولى القطارات البخارية والبواخر وتصنيع النسيج والتعدين. بينما أدخلت الثورة الثانية الكهرباء إلى جزء كبير من العالم وقدّمت خط التجميع الإنتاجي الحديث وجلبت معها السيارات والطائرات. في حين تمركزت الثورة الثالثة حول الحاسوب والرقمنة منذ سبعينيات القرن الماضي حتى اليوم.

 

وكما هو الحال مع سابقاتها، فإن أفضل ما يعبّر عن الثورة الصناعية الرابعة هو تكنولوجياتها الرائدة: الذكاء الاصطناعي، والمركبات ذاتية القيادة، وإنترنت الأشياء. وهذه هي التقنيات التي ستؤثر على العديد من الصناعات في العقود القادمة، وتضفي أهمية غير مسبوقة على العالم الرقمي.  وما يجمع بينها هو أنها عملت على تحويل هياكل التفاعل الاقتصادي من جذورها: إن الاتجاهات المتماثلة للرقمنة والمحاكاة الافتراضية تعمل على خلق اقتصاد يتمتع بمرونة لا حدود لها تقريبا، إذ يعتبر الفضاء السيبراني موطنا لشتى أصناف البيانات. وفي الوقت الذي تواصل فيه المنصات الإلكترونية اندماجها العمودي (وهو ترتيب ونظام تكون فيه سلسلة التوريد لشركة ممتلكة من قبل تلك الشركة ذاتها)، فإنها تستأصل الوسطاء التقليديين. بينما يخلق الذكاء الاصطناعي أنظمة "ذكية" ليست تحليلية فحسب، بل تنبؤية وتوجيهية أيضا.

 

لن تختفي العولمة في هذا العالم، وإنما ستترسّخ. إن كان اندماج الاقتصاد العالمي في الماضي قد تصاعد بزوال القيود التجارية أو خفض قيمتها، فإنه الآن سيعتمد على اتصال الأنظمة الرقمية والافتراضية المحلية وتعميم الأفكار والخدمات ذات الصلة؛ وهذا هو جوهر العولمة بنسختها الرابعة.

    

نمت "أمازون" من كونها مجرد متجر للتجارة الإلكترونية الناشئة إلى ثاني أكبر شركة تداول في العالم

رويترز
  

هذا الشكل الجديد من العولمة يتحقق بسرعة فائقة. عند النظر في التدفقات الرقمية، في عام 2016، حسب دراسة أجرتها شركة ماكينزي وشركائه للاستشارات، فإن "التدفقات الرقمية التي لم تكن موجودة قبل خمسة عشر عاما، تملك حاليا تأثيرا أكبر على نمو الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بتأثير التجارة بالبضائع التي اعتادت البلاد على الاتجار بها منذ قرون". كما وجدت زيادة أكثر بـ 45 مرة في عرض النطاق الترددي العابر للحدود (وهو عرض نطاق الإشارة الكهربائية المستخدَمة في معالجة الاتصالات اللاسلكية و نقل البيانات والاتصالات الرقمية والأجهزة الإلكترونية. م) من عام 2005 حتى عام 2016، وتوقعت زيادة أخرى بمقدار خمسة أضعاف بحلول عام 2022.

 

كل هذا غيّر من شكل الاقتصاد العالمي. وأول القطاعات التي تأثرت بذلك التغيير هو التصنيع، حيث بدأت الأتمتة وإضفاء الطابع المحلي على السلع وتخصيصها يحلون محل سلاسل التوريد التقليدية. مما يعني أن المنافسة في المراحل المقبلة ستعتمد بدرجة أقل على فعالية التكلفة وبدرجة أكبر على القدرة على الابتكار.

 

في هذه البيئة الجديدة، يبدو العالم كصَدفة محار تقع الشركة في قلبها تماما. ولننظر إلى عمالقة التكنولوجيا الموجودين في الولايات المتحدة: في فترة تقل عن خمسة وعشرين عاما، نمت "أمازون" من كونها مجرد متجر للتجارة الإلكترونية الناشئة إلى ثاني أكبر شركة تداول في العالم، مما أحدث ثورة في خدمات البيع بالتجزئة والحوسبة السحابية وخدمات الويب الأخرى. وأصبحت شركة "آبل" أول شركة في العالم تبلغ قيمتها تريليون دولار في عام 2018، أي بعد عقد فحسب من إطلاقها لأول جهاز آيفون.

 

كما استفاد جبابرة الثورات الصناعية السابقة، كشركات كورنيليوس فاندربيلت للسكك الحديدية وإكسون موبيل وآي بي إم، من ديناميكيات المكسب المطلق هذه (وهو عندما تظفر الشركات، التي تقدم منتجا أو خدمة أفضل من منافسيها بمقدار ضئيل، بحصة كبيرة من إيرادات هذه الفئة من المنتجات أو الخدمات على نحو غير متناسب، بحيث تصل إلى "90%-100%" م.)، لكنّ اقتصادات الحجم تتراجع تدريجيا، لأنها مقيدة بقوانين طبيعية أو قوانين من صنع الإنسان.

    

أحد فروع شركة أكسون موبيل في الولايات المتحدة الأمريكية (رويترز)

   

في عصرنا الحالي، عملت التأثيرات غير المحدودة للشبكة على تغيير اقتصادات الحجم السابقة. بالنسبة لشركات التكنولوجيا العملاقة، فإن الحد الأعلى لعدد المستخدمين لا يقل عن مجموع سكان العالم، وهذه الشركات تتوسع بوتيرة قياسية؛ فقد استغرقت الطائرات والسيارات أكثر من ستة عقود للوصول إلى خمسين مليون مستخدم، في حين تمكّنت أجهزة الحاسوب من إنجاز هذا العمل خلال أربعة عشر عاما، والهواتف المحمولة خلال اثني عشر عاما.

 

في عصر الهواتف الذكية واسعة الانتشار، استغرق تطبيق "وي تشات" (WeChat) عاما واحدا فقط للوصول إلى هذا الإنجاز، وهو تطبيق شامل أصبح وسيلة اتصال مهيمنة لمستخدمي الإنترنت في الصين. وفي آخر إحصائية، وصل عدد مستخدمي خدمات ومنتجات أربع شركات إلى مليار مستخدم أو أكثر؛ وثلاث من هذه الشركات أميركية، فيسبوك ومايكروسوفت وألفابت (وهي الشركة الأم لشركة غوغل ومجموعة من الشركات أخرى)، وشركة صينية واحدة: تينسنت (Tencent). قوة السوق التي تمكّنت هذه الشركات من الاستئثار بها خلال مسيرتها مذهلة.

 

لا ينتهي الأمر عند هذا الحد؛ بالانتقال إلى صناعات جديدة، مثل الحوسبة السحابية والرعاية الصحية والقروض والمدفوعات، أصبحت شركات التكنولوجيا عبارة عن تكتل شركات رقمية (هو تشكيل شركة عبر الاستحواذ على عدة شركات أو مؤسسات كل منها تعمل في مجال نشاط ما، يختلف عموما عن نشاط الأخرى. م) بما في ذلك "أمازون" وشركة "علي بابا" الصينية وغيرهما. وتتوسع منصات أخرى مثل "إير بي إن بي" (Airbnb) و"وي وورك" (WeWork) و"أوبر" (Uber)، على الصعيد العالمي دون الحاجة إلى امتلاك الأصول المادية التي تعتمد عليها خدماتها. لقد تجاوزت هذه الشركات حدود الشركات التقليدية ولعبت بالأنماط الاجتماعية. كما بدأ الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والقدرة على بناء منصات التكنولوجيا ذات الاستخدامات الكبرى في تحديد القوة الوطنية.

 

إنها أخبار رائعة بالنسبة لأولئك الذين لديهم إمكانية الوصول إلى التكنولوجيا، لكنها ليست كذلك للعمالة. مع تلاشي اقتصاديات الحجم الكبير والروبوتات وحلول الذكاء الاصطناعي محل البشر بشكل متزايد، لم تعد الشركات تحتاج إلى مئات الآلاف من الموظفين لتشغيل الشركة. كانت الشركات الصناعية العملاقة في الماضي من بين أكبر أرباب العمل في العالم. أما في عصرنا الحالي، يقتصر الأمر غالبا على توظيف أصحاب المهارات العالية بأجور عالية في الدول المتقدمة، أو توظيف أصحاب المهارات المنخفضة بأجور منخفضة في الدول النامية.

   

   

ليست الولايات المتحدة هي الدولة التي سيتضرر فيها العمال أكثر من غيرهم؛ فالغرب الصناعي استعان بمصادر خارجية واضعا معظم أعماله الصناعية في البلدان النامية الأقل تكلفة خلال موجة العولمة السابقة. وإنما بلدان مثل بنغلاديش أو الفلبين أو فيتنام حيث تعمل الروبوتات الصناعية المتقدمة على استبدال العاملين البشريين المهرة في الخياطة وغيرها من الحِرَف.

 

والنتيجة هي اتساع الفجوة بين الفائزين والخاسرين في الثورة الصناعية الرابعة. في أعلى قمة الهرم تقع مجموعة صغيرة من المؤسسين والمستثمرين وغيرهم من المساهمين من النخب الثرية بشكل خيالي. في أسفل الهرم يتعين على الموظفين ذوي المهارات المنخفضة الاعتماد على الحد الأدنى للأجور للعيش. أما صفوف الطبقة الوسطى فآخذة في التلاشي، وهي الطبقة التي شكّلت في الماضي نسيجا اجتماعيا واصلا بين الطبقتين الأخريين في المجتمع، ونتيجة لذلك فإن التماسك الاجتماعي يتدهور.

 

علاوة على ذلك، فإن الرقمنة شرعت بوابة المعلومات والتضليل على مصراعيها. فالخوارزميات، لا البشر، هي ما يحدد الشيء الكثير مما نراه ونقرأه. لقد شهد العالم حملات الإعلام المضلل في الانتخابات الأخيرة في الغرب، وفي أمور مشابهة تحدث في جميع أنحاء العالم. لقد انخفضت ثقة المواطنين في قياداتهم الحكومية وأجهزتها القضائية ووسائل الإعلام إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق.

 

ركائز النظام الجديد

في ضوء هذه التحولات، يصعب المبالغة في تقدير المخاطر المعرضة لها المجتمعات وحكوماتها؛ فالنجاح أو الفشل هما ما سيحدد نوعية الحياة للأجيال القادمة. في ظل الثورة الصناعية الرابعة، لدى الحكومات والمجتمعات ثلاثة خيارات: يمكنها حماية "الخاسرين" من هذا التغيير الجذري ووضع شبكات أمان اجتماعية فعالة وسياسات نشطة لسوق العمل ونظم الرعاية الصحية. أو يمكنها أن تضاعف سياسات عدم التدخل الكلاسيكية الجديدة ("عدم التدخل" في الاقتصاد هو مصطلح يشير إلى ترك الحكومة التجارة دون التدخل فيها، وهو مبدأ رأسمالي تدعمه الليبرالية الاقتصادية حيث ترفض التدخل الحكومي في السوق. م)، على أمل أن تكون الثروة الناتجة مفيدة لجميع قطاعات المجتمع. أو يمكنها الاستفادة من فرص الثورة الصناعية الرابعة، وتصميم وإدارة المنصات والنظم الشاملة التي تناسب التعامل مع تعقيد الموجة الجديدة من تكامل الاقتصاد العالمي.

  

     

في المراحل المبكرة من الثورة الصناعية الثالثة، كان هناك برامج عززت موقع القيادة الدولية للولايات المتحدة بالإضافة إلى تماسكها الداخلي، وهما: "المجتمع العظيم" (Great Society) (وهو مجموعة من البرامج المحلية في الولايات المتحدة التي أطلقها الرئيس الديمقراطي ليندون ب جونسون في عامي 1964-1965. كان الهدف الرئيسي هو القضاء على الفقر والظلم العنصري. م)، و"الجبهة الجديدة" (New Frontier) (وهي برامج ترمي إلى تقليص العوز والفقر والتمييز العنصري، وإلى خلق المزيد من فرص العمل لأصحاب الأفكار الخلاّقة. م). وبحلول نهاية الستينيات، تمكنت الولايات المتحدة من إنزال أول رجل على سطح القمر وخفض معدلات الفقر لديها إلى النصف في حين كانت شركاتها رائدة في السوق العالمية. وعلى الرغم من عدم تقاسم المنافع بالتساوي، فقد ارتفع نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي إلى مستويات قياسية.

 

إن إمكانات الثورة الصناعية الرابعة تقزّم التقدم المُحرَز خلال الثورات الصناعية الثلاث الماضية مجتمعة. وليس هناك سبب يمنع قادة اليوم من إدارة العوامل الخارجية السلبية على نحو استباقي وضمان أن تعمل السياسات الشمولية على توزيع الفرص بصورة عادلة. إن الموارد الرقمية غير محدودة، وينطبق الأمر ذاته على الثروة التي تخلقها.

 

مع ذلك، يتطلب تحقيق هذه النتيجة أكثر من مجرد إجراءات مجزَّأة تسعى إلى إعادة إحياء الأنظمة القديمة. نحن بحاجة إلى تفكير جديد حيال ما تعنيه العلاقات الاقتصادية الحرة والنزيهة في عالم اليوم. لقد تم تصميم النظام العالمي الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية حول عولمة الطائرات والسيارات وسلاسل قيمة التصنيع العالمية والحواسيب البدائية. لكن هذا النظام العالمي قد أخذ مجراه ووصل نهايته، ولا يمكن لأي منظمة دولية موجودة أن تواجه تحديات العولمة بنسختها الرابعة. يدور نقاش بسيط حول كيفية تنظيم التقنيات أو التعامل مع الرابحين والخاسرين في الثورة الصناعية الرابعة، فما بالك بمدى صعوبة الإجماع عليها.

 

هناك القليل من النقاش حول كيفية تنظيم التكنولوجيات أو التعامل مع الرابحين والخاسرين من الثورة الصناعية الرابعة، ناهيك بتوافق الآراء بشأنها.  كيف ينبغي أن يكون شكل نظام التشغيل العالمي الجديد؟ يجب أن يبدأ بقبول حقيقة أن الثورة الصناعية الرابعة عابرة للحدود ومترابطة ومتداخلة ومعتمدة على بعضها البعض أكثر من الاقتصاد العالمي لسلاسل التوريد المتكاملة. ثانيا، يجب أن يركز التعاون العالمي على قضايا الحوكمة في قلب التحول الحالي. بما في ذلك الأمن السيبراني، واستخدامات الذكاء الاصطناعي وتقنية تعديل الجينات "كريسبر" (CRISPR)، واتفاقيات حماية الملكية الفكرية والبيانات. لطالما كان الأمن دائما متطلبا أساسيا للعولمة. ولا يزال ينطبق ذلك في عالم الإنترنت؛ فعندما تفتقر شبكة الإنترنت للأمان، تعاني الاقتصادات. يجب أن نضمن سلامة الممرات والنظم الرقمية للنسخة الرابعة من العولمة.

   

يجب على القائمين على البنوك المركزية وواضعي السياسات الاتفاق على كيفية تحسين شبكة منظومة البلوك تشين

مواقع التواصل الاجتماعي
  

يمكن للذكاء الاصطناعي بدوره أن يتسبب بأضرار كبيرة بقدر ما يقدمه من فوائد، ويتطلّب تنظيما دقيقا. وفي حين تتنافس الولايات المتحدة والصين ودول أخرى على القيادة في هذا المجال وفي تقنيات أخرى مثل تعديل الجينات، فإن عليهم الاتفاق على المحظور والمسموح في هذا الصدد. وينطبق الأمر ذاته على الأنظمة المالية؛ لقد أثبتت العملات المشفرة مثل "بيتكوين" مزاياها بالفعل مقارنة بالأموال التقليدية، لكنها ليست محصنة ضد الاستغلال من قِبل المضاربين والمجرمين. ومن الآن، يجب على القائمين على البنوك المركزية وواضعي السياسات الاتفاق على كيفية تحسين شبكة منظومة البلوك تشين، بحيث ينتفع منها الجميع.

 

لن تختفي التهديدات من العالم غير الرقمي أيضا. إذ تذكّرنا حرائق الغابات والجفاف والعواصف الاستوائية أن تغيّر المناخ يهدد مَواطننا والتنوع البيولوجي والاقتصادات والمجتمعات. وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن يستمر النمو السكاني لعدة عقود أخرى، وإن كان بوتيرة أبطأ؛ مما يعني أن مناطق الاضطرابات الجيوسياسية ستتضاعف وأن الهجرة سوف تتسارع. في مواجهة هذه الظروف القاسية، سيكون للدول ذات السيادة الحق في تصميم سياسات وطنية وخطط طوارئ مناسبة. لكن التنسيق متعدد الأطراف يُعتبر أمرا أساسيا، حيث نتشارك كوكبا واحدا ونتحمل مسؤولية الأشياء المشتركة عليه. وبذلك، يجب على الزعماء القبول بواقع أننا نعيش الآن في عالم متعدد الأقطاب، حيث ستحتاج العديد من البلدان والمناطق إلى تقاسم عبء القيادة العالمية وخيراتها.

 

وأخيرا، يجب أن نتقبّل الاقتصاد التشاركي (وهو نظام اقتصادي مستدام يقوم على مشاركة الأصول البشرية والمادية. م) واقتصادات المنصات (وهي اقتصادات مبنية على كل خدمة تكتسب أهمية أكبر مع تزايد عدد مستخدميها. م). حتى الآن، عمت فائدة هذه الاقتصادات على المستخدمين النهائيين، وفي المقام الأول مالكو هذه المنصات. تتركز معظم المنصات في عدد قليل من المراكز العالمية، وقد نال مزاياها في الغالب مجموعة صغيرة من المستثمرين المُخاطرين الذين استثمروا أموالهم في بدايات هذه المنصات. ولأن هذه المنصات تعتمد على عدد أقل من الموظفين وتمتنع عن التعامل مع الشركات الوسيطة، فإنها تؤذي الخزائن العامة والعديد من الشركات القائمة. للتصدي لذلك، ينبغي أن تضع الاتفاقيات الدولية طرقا جديدة لفرض الضرائب؛ فبدلا من فرض ضرائب على العمالة التي قد تعوق أشكال العمل غير المستقرة بالفعل، يمكن للحكومات أن توافق على فرض ضريبة على أنشطة المنصة "عند المصدر"، أي حيث يقيم المستخدمون؛ مما يعني فرض الحكومات الضرائب على استخدام هذه المنصات وفقا لرغبتها. وبهذه الطريقة، يمكن للحكومات في جميع أنحاء العالم أن تستفيد، وأن تموّل التعليم وتصقل مهارات شعبها.

 

المبادئ التوجيهية للعولمة في ظل الثورة الصناعية الرابعة

      

بينما نتصدّى لتحديات العولمة بنسختها الرابعة، سيكون علينا اتباع ثلاثة مبادئ أساسية. أولا، يجب أن تشمل الحوارات الجارية لتشكيل العولمة بنسختها الرابعة جميع الأطراف الفاعلة العالمية ذات الصلة. ورغم تمتّع الحكومات بدور قيادي رئيسي، فإن الأعمال التجارية هي محرك الابتكار، ويلعب المجتمع المدني دورا حاسما في التأكد من تطبيق هذا الابتكار بما يراعي مصلحة الجمهور. ثانيا، يجب الحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي والوطني كأولوية قصوى. سيكون من الضروري الحفاظ على أركان العدالة الاجتماعية والإنصاف وتعزيزها للحفاظ على العقود الاجتماعية الوطنية والحفاظ على عالم مفتوح. لا يمكن أن يحدث ذلك بدون صنع القرارات من القاعدة صعودا للقمة، وهو الأمر الذي يمكّن مشاركة المواطنين في جميع أنحاء العالم بشكل جوهري وملموس. ثالثا، سيحقق التنسيق (تحقيق الأهداف المشتركة) نجاحات أكبر من التعاون من خلال وضع إستراتيجية مشتركة. يُعتبر اتفاق باريس للمناخ وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة أمثلة على النهج التنسيقي، والذي يفسح المجال للجهات الفاعلة لوضع إستراتيجياتها الخاصة. في عالم تكون فيه القيم المشتركة سلعة نادرة، يكون التنسيق القائم على المصالح المشتركة هو النهج الأكثر قابلية للإدارة للحوكمة العالمية. 

  

لقد مررنا بهذه المرحلة سابقا. في النصف الثاني من القرن العشرين، وضع القادة من جميع قطاعات المجتمع القواعد المؤسسية لتحقيق السلام والأمن والازدهار المستدامين. لكن العالم، مذاك، قد تغير جذريا. هناك حاجة ماسة الآن إلى نهج جديد، نهج يشكّل مستقبلنا العالمي من خلال التزام مستدام بتحسين حالة العالم. يمكن للقادة مناقشة ما إذا عليهم العمل فيما يخدم مصلحة بلادهم أم مصلحة البشرية. لكنّ الواضح أن العولمة بنسختها الرابعة سوف تتسارع من الآن؛ لذا علينا أن نبذل قصارى جهدنا لتسخيرها للخير وللجميع.

------------------------------------------------------------

ترجمة (آلاء أبو رميلة)

هذا التقرير مترجم عن: Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار