انضم إلينا
اغلاق
ابتلاع الأرض الفلسطينية.. هكذا يهندس الاحتلال الإسرائيلي خطته للسيطرة الشاملة

ابتلاع الأرض الفلسطينية.. هكذا يهندس الاحتلال الإسرائيلي خطته للسيطرة الشاملة

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

في صبيحة الثاني عشر من سبتمبر/أيلول 2005، استيقظ الفلسطينيون في قطاع غزة على خبر انسحاب قوات الاحتلال، بعد وجود دام 38 عاما[1]، مُخلِّفة وراءها أكثر من 6000 دونم من أراضي القطاع التي اغتصبها الاحتلال، والتي أقام فوقها 21 مستوطنة يهودية، سلبت الفلسطينيين أرضهم وشاطرتهم العمران لأربعة عقود. ذلك العمران الذي حمل معنى أكبر من كونه حجارة صمّاء، فكان عين الاحتلال العسكري، فإلى جانب السلاح، ثمّة جسد لمستوطن وبيت يحمله، فيحتلان الأرض، ويمارسان الرقابة التي تُيسّر للسلاح وظيفته.

 

انتهى الانسحاب، وعلى ركام 3000 مبنى استيطاني هدمتهم قواته، رفع الفلسطينيون آلاف الرايات واللافتات التي تحمل صور الشهداء والقادة، مطالبين بحرق ما تبقى من هذا العمران الصهيوني المتروك، إذ كيف يسكن الفلسطيني في منزل أنشأته قوة اضطهدته وأذاقته صنوف العذاب؟[2] وعلى الجانب الآخر، كان "بنيامين نتنياهو" يشاطر الفلسطينيين رؤيتهم، ولكن لدواعٍ مختلفة، حيث رأى حتمية تدمير ما بقي من المستوطنات؛ "لتجنّب الصور الهدّامة أيديولوجيًّا، والتي يرقص فيها الفلسطينيون على أسطح هذه المباني، ويحولون كُنسُهم إلى مساجد".[2]

 

وبين الموقفين -الفلسطيني والإسرائيلي- أطلّت الحكومة الأميركية برأيها لتقترح على حكومة الاحتلال تسليم مباني المستوطنات والأصول الزراعية والصناعية المتبقية للفلسطينيين، من أجل إنعاش الحالة الاقتصادية للقطاع[3]، ومن ثم مواءمته لأجندة أميركا النيوليبرالية لتمدين الشرق الأوسط وتحويله إلى مجتمع ليبرالي حديث[2]، الأمر الذي قبلته الحكومة الإسرائيلية، فعرضت هذه الأصول والمباني للبيع على الفلسطينيين، أو منحهم إياها مقابل المنازل التي أجبِروا على تركها أثناء النكبة، إلا أن الفلسطينيين اعتبروا قبول ذلك خيانة للقضية وتسليما بخسران حق العودة إلى ديارهم التي بُذِلت في طلبها الدماء.

   

  

وعن هذا السجال الدائر، يعلّق المعماري والكاتب "إيال وايزمان" بأن العمارة قد فُهِمت باعتبارها إحدى الوسائل المباشرة للاحتلال، فقد "أصبح للأبنية دور فعّال في انكشاف الدراما السياسية"، فبدا أنها "اكتسبت سمة موضوعية اعتُبِرَت العناصر المعمارية -بناء عليها- متعضيات[أ] تنبض بالحياة، ولتطهيرها من الشر سيتوجّب على المعماريين حرقها"[2]، الأمر الذي سيؤدي، وفقا للأمين العام لوزارة التخطيط الفلسطينية "جهاد الوزير"، إلى انعتاق تطهّري من بقايا الاحتلال[4].

 

بهذا الفهم المختلف لهندسة الاحتلال، رفض الفلسطينيون حتى فكرة تدمير الفلل الاستيطانية، التي عرضها "خافير سولانا" منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، واستبدال مبانٍ شاهقة لإسكان اللاجئين بها[5]؛ حتى لا تتحول المساكن المؤقتة إلى مبانٍ دائمة تقوّض حق العودة الذي يطالب به ويسعى إليه كل فلسطيني هجر داره في 1948.

  

على الجانب المُقابل، دائما ما رأى الاحتلال في المخيمات بيئة تحضّ على المقاومة، فضلا عن بنيتها التي تعيق الكشف اليسير لما يجري بها، مما دفع "آرئيل شارون"، في فترة قيادته للجبهة الجنوبية بأوائل السبعينيات، إلى تدمير مخيّمات الشاطئ وجباليا ورفح للاجئين بغرض تشريدهم، وما سيترتب عليه من احتياجهم إلى منازل جديدة، الأمر الذي سيُجبر الحكومة على وضع برامج لتوطينهم، مما يعني تفكيك بنية المخيّم لصالح هندسة احتلالية تساهم في وضعه تحت العين بلا أزقة ومخابئ يصعب كشفها، ولهذا كانت محورية المستوطنات التي تضع يدا وعينا للاحتلال في قلب العمران.

"آرئيل شارون" (رويترز)

    

هذه الأيديولوجيا الهندسية للهيمنة، من جانب الاحتلال، هي ما قادت "إيال وايزمان" إلى تحليل تجليّاتها في الواقع الفلسطيني، بين العزل الحجري -المعنوي- للقدس عن الفلسطينيين، والاستيطان، والجدار العنصري، ومنافذ العبور، وحروب الجدران، وغيرهم من آليات الهندسة، في محاولة لفهم الغرض السياسي والعسكري منها على أرض الواقع، لأن المعماري الصهيوني، حسب "وايزمان"، عسكري ومناضل وناشط سياسي، وليس مجرد كفاءة محايدة تقدم خدمات مدنية. هذه هي الحقيقة الأداتية لهندسة الاحتلال كما يقول الرجل، لكن السؤال: كيف تعمل هذه الأداة؟

 

هندسة الأبارتهايد

في السابع والعشرين من يونيو/حزيران 1967، وبعد أيام قليلة من إتمام الجيش الإسرائيلي سيطرته على الجزء الشرقي من القدس، سارعت حكومة الاحتلال برئاسة "ليفي أشكول" إلى احتلال قرابة 70 كم مربعا من الأرض وضمها ضمن الحدود الإدارية للقدس الغربية المحتلة[6]، وقامت اللجنة العسكرية حينها بتصميم المخططات المعمارية في خطوة استباقية، تحسّبا لأي عملية انسحاب يفرضها قرار دولي، بغرض ضم أكبر قدر من المناطق الخالية إلى حدود السلطة الإسرائيلية المزعومة على القدس[2].

 

وبالفعل، أُرسيت في السنة التالية خطة شاملة، قائمة على لمّ شمل القدس وضمان وحدتها تحت السيادة الإسرائيلية وبنائها على نحو يردع أي احتمالية لإعادة تقسيمها[7]، مما أدى -بالتضامن مع خطط إنشائية أخرى- إلى بناء اثني عشر حيا يهوديا، على مدار أربعين عاما، يحافظون على كونهم مبتعدين ومتجانسين، في الوقت نفسه، بحيث يُشكّلون حزاما من النسيج المعماري المُطوِّق للأحياء والقرى الفلسطينية ويقسمها إلى شطرين، إضافة إلى المدن الصناعية التي بُنيت خارج هذه الأحياء للمحافظة على عزل العمالة الفلسطينية، القادمة من الضفة الغربية، بعيدا عن القدس.

   

  

ذلك فضلا عن حلقة المستوطنات الثانية، المسماة بالجدار الثاني، والتي بُنيت خارج الحدود المحلية للقدس؛ ليتعاظم المد الاستيطاني بها وتضحي القدس الكبرى مدينة مترامية الأطراف، عازلة الفلسطينيين عن مراكزهم الثقافية فيها، إضافة إلى فصلها بين شمال الضفة وجنوبها، مُشكّلة بؤرة استيطانية تحوي ثلاثة أرباع المستوطنين في الأراضي المحتلة منذ عام 1967[2].

 

ولم تتوقف المشكلة التي واجهها المعماريون عند الإسراع في البناء وتوفير البنية التحتية للمستوطنات وما إلى ذلك، ولكن بدت المشكلة الثقافية قائمة هي الأخرى، إذ كيف يمكن تأهيل المناطق المحتلة، لتحظى في نفوس المستوطنين بمكانة مألوفة، فتبدو كأجزاء عضوية من العاصمة الإسرائيلية وما ألحقته بها في 1948 من القدس؟ من هنا كانت إجابة الهندسة المعمارية، "كلغة بصرية اتُّخذت وسيلة للتعمية على حقائق الاحتلال ولدعم مطالب التوسع المناطقي"[2].

 

وقد أدى هذا الوضع إلى "ظهور نمط معماري إسرائيلي يتنافر تماما مع طريقة البناء في القرى العربية، ففي المناطق الإسرائيلية يجهد المهندسون المعماريون ومخططو المدن في تطوير أسلوب معماري قومي، بينما تخلو القرى العربية من أي طراز معماري يستند إلى الأصالة الشرقية"[8]، فتم تكريس فصل خاص من خطة 1968 لمناقشة مرسوم الحاكم العسكري لمدينة القدس "رونالد ستورز"، في فترة الانتداب البريطاني، والقاضي باستخدام أنواع مختلفة من الحجر الجيري، عُرِف فيما بعد بحجر القدس، كمادة لبناء الجدران الخارجية لمنازل اليهود، بما يوحد السمة المعمارية للمباني المختلفة ويظهرها كأجزاء عضوية من بنيان المدينة.

     

    

وقد نصّت الخطة المذكورة على أنه "للبصمة البصرية التي يضفيها الحجر قيمة تنطوي على ما تحمله من رسائل وجدانية، تستنهض المشاعر الأخرى القابعة في ذاكرتنا الجمعية، وتخلق -في سياق البنيان الجديد- وشائج قوية مع مدينة القدس المقدسة التليدة"[7]. ومن هذا المنطلق، تم استخدام التبريرات الدينية اليهودية، والادعاءات الأركيولوجية، كذرائع لاكتساب الأراضي -بدعوى احتوائها على آثار مقدسة- فضلا عما يحويه الحجر الجيري نفسه -كما تصور "ستورز"[9]- من إرث توراتي لمدينة القدس التي تعني المدينة المبنية على الحجر.

 

وقد كانت الغاية من هذا القانون، الذي أُعيد اعتماده، مع تعديلات تسمح بالتحجير المظهري للبناء بدلا من بنائه كاملا بالحجر، تعزيز الرمزية الاستشراقية للمكان، الأمر الذي يلخص، وفقا لـ"وايزمان"[8]، الهيمنة الإسرائيلية على ثقافة البناء في الأراضي المحتلة؛ وهو ما يوقع الخطر على الهوية الوطنية الفلسطينية بالقدس في المدى البعيد، عن طريق هذا الأبارتهايد[ب] الهندسي الذي يعزل الفلسطينيين بشكل عنصري ويمنعهم حقوقهم في مدينتهم التاريخية.

  

إيال وايزمان يشير إلى الجدار الجيري المحيط بالبناء الأسمنتي والمستخدم في تحجير المظهر الخارجي للقدس (مواقع التواصل)

   

وقد تجلّى هذا الفصل الهندسي في الإستراتيجية الديموغرافية للاحتلال في القدس؛ فتقول مهندسة المدن، "إلينوار بارزاكي"، عن السياسة التي تتبعها الحكومة حين تنوي التعامل مع مشكلة الكثافة السكانية: "هناك قرار حكومي بالإبقاء على النسبة بين السكان العرب والسكان اليهود في المدينة بمعدل 28% عربا و72% يهودا. والأسلوب الوحيد لمعالجة الموضوع، بحيث تتحقق النسب المذكورة، هو من خلال إمكانات الإسكان"[10].

 

وقد جرى تنفيذ هذه السياسة، كما يقول "وايزمان"، من خلال التلاعب بفئات تخطيطية، تبدو ظاهريا عادية، باستخدام واحدة من سياستَي التخطيط التاليتين، أو كليهما: تشجيع بناء البيوت في الأحياء اليهودية، والحدّ من توسّع البيوت الفلسطينية، وذلك لمواجهة النمو الديموغرافي السريع لدى الفلسطينيين. وقد تبدّى ذلك بمقارنة حجم تصاريح البناء المسموح بها لكل من الفريقين، فبلغ نصيب اليهود 1500 تصريح سنوي، ساهموا في إرساء 90.000 وحدة سكنية لليهود بالجانب الشرقي من القدس المحتلة، في مقابل 100 تصريح سنوي فقط للفلسطينيين أصحاب الأرض[11].

 

علاوة على ذلك، فقد اعتُبر إنشاء أحياء/مستوطنات يهودية جديدة، "إجراء مضادا لحركة العمران الفلسطينية، وجرى تخطيط تلك الأحياء والمستوطنات بحيث تُشكِّل أسافين بين الأحياء والقرى الفلسطينية، تحد من إمكان توسعها، وتجزّئ التواصل العمراني الفلسطيني"، كما هو الحال في حي رامات إشكول وحي التلة الفرنسية اللذين يُشكِّلان "قوسا ممتدا يفصل حي شعفاط الفلسطيني عن البلدة القديمة الفلسطينية وعن حي الشيخ جراح، وهذه المناطق كلها كانت تُشكّل منطقة عمرانية متصلة"، لتبرز الوظيفة الأساسية للمستوطنات فيما بعد، في القدس وغيرها، كوسيلة لمنع المدينة "من أداء وظيفة المدينة الفلسطينية، ولجعل الحياة فيها أصعب على الفلسطينيين"[8]، فضلا عن المراقبة الأمنية والتوسع الجغرافي وكسب أكبر قدر ممكن من الأراضي مهما عارض ذلك القرارات الدولية، أو لمفاجئتها بالأمر الواقع[2].

 

الاستيطان.. سلطة بلا سلطة وأرض جوفاء


   

"الصباح الأول في رام الله. نهضت من الفراش وهرعت إلى النافذة لأفتحها. أشرت بأصبعي إلى جبل الطويل الذي يشرف على رام الله والبيرة وسألته: ما هذه البيوت الأنيقة يا أبا حازم؟ فأجاب: إنها مستوطنة"

[مريد البرغوثي، رأيت رام الله]

   

في العام 1999، تقدّم بعض المستوطنين بشكوى إلى الجيش يشتكون فيها من الاستقبال السيئ في هواتفهم المحمولة خلال مرورهم على الطريق السريع الذي يربط بين القدس والمستوطنات في شمالي الضفة الغربية، الأمر الذي استجابت لندائه شركة "أورانج" (Orange) لخدمات الهواتف المحمولة بأن أنشأت هوائيا لاستقبال الإشارة في المنطقة المُشار إليها، أعلى التلة المشرفة على الطريق، وهي القمة ذاتها التي كانت مشروع استيطان لم يُكتَب له النجاح.

   

كانت تلك التلة المزروعة بالتين والزيتون ملكا لمزارعين فلسطينيين من قريتي عين يبرود وبرقة، لكن بدا لقوات الطوارئ الاحتلالية حينها أن إقامة الهوائي في بؤرة ميغرون، كما سيتم تسميتها فيما بعد، مسألة أمن قومي، ومن ثم يمكنها الاستيلاء على الأرض الخاصة بالمزارعين دون موافقة ملّاكها، وهو ما تم، متبوعا بقيام شركة الكهرباء الإسرائيلية بتغذية التلة بالكهرباء، وربط شركة المياه الوطنية لها بنظام التروية المائي، بذريعة دعم عمليات البناء.

   

وقد دفع التأخير في بناء الهوائي المستوطنين إلى تنصيب هوائي مزيف في مايو/أيار 2001، ثم أتوا بحارس له، للإقامة في عربة مقطورة أسفل السارية، فأتى الحارس بزوجته وأبنائه للإقامة معه، ولم تمض عشرة أشهر حتى رافقت خمس أُسر أخرى أسرة الحارس المزعوم، مما أعطى مبررا لوزارة الإسكان والتعمير لتقتسم الكعكة، فبنت حضانة أطفال للأسر المقيمة، وجُمِعت التبرعات لبناء كنيس يهودي، لتتحول سارية الهوائي إلى أكبر بؤرة، من أصل 103 بؤرة استيطانية مترامية على امتداد الضفة الغربية، وتضم ما يقارب 60 مقطورة، بموجب 42 عائلة[12]، وتحصل على تصريح رسمي بالتحول إلى مستوطنة كاملة البنيان[13].

     

بؤرة ميغرون الاستيطانية (رويترز)

    

هل لاحظت شيئا؟ تلك هي الجغرافيا اللدنة -بتعبير "وايزمان"- التي تتمدد بها سلطات الاحتلال على أراضي الضفة الغربية، وغزة سابقا، متجاوزة بذلك حدود 1948 و1967 وقرارات مجلس الأمن حول الاستيطان، وكل شيء من شأنه أن يعيق تمددها على أرض فلسطين. فالبؤرة ذات العربات المتحركة والصعدة المكونة من مخيمات يتحولان إلى مستوطنات بتحايل تدريجي يحيل الضفة الغربية، التي كانت متماسكة عقب النكبة، إلى أرخبيل -جزر منعزلة- بفعل الاستيطان والجدار العازل، ولأن "شارون" قالها سابقا: "أنا أستوطن حيث أستطيع"[2].

     

تُشكّل المستوطنات، من حيث هي أداة معمارية، غرضا عسكريا وسياسيا بالغ الأهمية للاحتلال، ولهذا السبب يتمركز وجودها بشكل طاغٍ في أعالي التلال، وهو الموقع الذي صيغت له ذريعة دينية تزعم أن السهول هي مناطق الدنيا التعيسة وأن المرتفعات هي القمم المقدسة التي لا ينبغي تركها في أيدي الغرباء[14]. تلك الحجة التي خدمت الغرض الأساسي من اعتلاء التلال بالمستوطنات، كما يشرحه "وايزمان"، لتكون عينا كاشفة لما تحتها من الوديان الفلسطينية، لإحكام الرقابة التامة، وهو ما يبرزه تصميم المنازل الاستيطانية، إذ يُمثّل كل منزل بؤرة رؤية دائرية، أشبه بتذكرة المرمى في الحفر البرميلية للجنود أثناء الحرب[ج]، فيُشكِّل مع مجموع المستوطنة عينا كبيرة تكشف الوديان وما يجري بها.

     

وقد ساهم كلٌّ من الجدار العنصري، الذي تبنيه قوات الاحتلال حول مستوطناتها، إضافة إلى الأسلاك الشائكة والحواجز وشبكة الطرق والكباري والأنفاق التي تُفتَح حصرا لليهود، في تحقيق الفصل الشديد بين الجانبين، إضافة إلى بسط السيطرة العسكرية التامة، ذات الذراع المعماري الضخم، على الوديان الفلسطينية، إذ تستعمل قوى الاحتلال المستوطنات كطرق مباشرة في حال الهجوم على القرى والمخيمات، كما ساعد التوحيد المعماري في الهيئة، مع الأسطح القرميدية الحمراء، في التمييز بين المستوطنة والقرية في حال عمد الاحتلال إلى القصف الجوي.

     

  

ويُمثّل الاستيطان -كفعل هندسي- هدفا آخر للاحتلال، حسب خطة "آلون"، الذي كان وزيرا إسرائيليا بعد النكسة، والتي نصّت على شرط إستراتيجي يهدف إلى فصل الضفة الغربية عن الأردن من جهة الشرق، وتوفير الحد الأقصى من الأرض والحد الأدنى من العرب، لكن على الرغم من عدم طرح هذا التصور على أنه مشروع رسمي للحكومة الإسرائيلية آنذاك، فإن مشروعه هذا ظل أساسا لسياسة حكومة المعراخ -التجمع- في المناطق المحتلة، وورقة عمل رئيسة في مناقشات الحكومة بشأن المناطق وقضايا الاستيطان وغيرها[15].

   

لقد كانت المستوطنات دائما مواقع إستراتيجية أكثر منها مواقع للإقامة، بل إنها قُدِّمت إلى الجمهور الإسرائيلي المصدوم من حرب 1973 على أنها منظومة دفاعية تسهم في حماية الدولة من الاجتياح، وإجراء احترازي للوقاية من الحرب بالأسلحة التقليدية، وقد أدرك "شارون"، الخبير في مداورة الرأي العام واستثمار الخوف الجماهيري، تلك النقطة جيدا حينما قال: "إذا لم نشرع في الاستيطان في يهودا والسامرة -الضفة الغربية- فستطالنا قذائف المدفعية الأردنية"[2].

 

وأمام هذا الواقع المأزوم أصبح الفلسطينيون يعيشون في جزر منعزلة ومغلقة، حيث تضم الأراضي الواقعة تحت الحكم الفلسطيني ما يقرب من 200 قطعة متناثرة، في حين تسيطر إسرائيل على المناطق المحيطة بها إلى جانب سيطرتها على مخزون المياه الجوفية، وسيطرتها على الجو الذي يُغلّف تلك المناطق[16]، فبعدما أصبحت السلطة الفلسطينية بلا سلطة تقريبا، خاصة مع سن سياسة منافذ التفتيش المرورية -بعد اتفاقية أوسلو- على تخوم الأراضي المحتلة، جنح الاستيطان لتفريغ الأرض الفلسطينية من محتواها لصالح مستوطناته.

   

  

فيذكر "وايزمان" أن واحدة من أكثر معارك الصراع الإسرائيلي الفلسطيني احتداما تلك التي تجري تحت سطح الأرض، إذ يقبع أكثر من 80% من مخزون المياه الجوفية الجبلية تحت أراضي الضفة الغربية؛ مما ينحو بالاحتلال للاستيلاء على الأرض لتسهيل الاستيلاء على باطنها، فيذهب ما يقرب من 83% من المياه المتاحة سنويا في تلك المناطق لفائدة المدن الإسرائيلية والمستوطنات، حيث تتمكّن مضخاتها العملاقة من سحب المياه الجوفية الفلسطينية لصالحها الخاص.

 

هكذا صار الوضع إذن: سيطرة على ظاهر الأرض الخاضعة لاحتلال الكيان الصهيوني، وسيطرة احتلالية أيضا على الغلاف الجوي للأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية، إضافة إلى سياسة المنافذ ونقاط التفتيش التي تحكم القبضة على الحركة والانتقال، مع سياسات الاستيطان التي تضيّق الخناق على أراضي الضفة وتحيط بها وتعزلها ببناء الجدار العازل، بجانب الاستيلاء على المياه الجوفية. هكذا صاغ العمران الهندسي آليات السيطرة الحادة للاحتلال، لكن.. هل انتهى الأمر هنا؟

 

عبر الجدران.. الحرب على أريكة منزلك

"هل بمقدورك أن تتخيل هول التجربة التي عاشها طفل في الخامسة من عمره أمام أربعة، ستة، اثني عشر جنديا، مطلية وجوههم باللون الأسود، يصوبون مدافعهم الرشاشة في كل اتجاه، وقد بدا مظهرهم، مع الهوائيات الناتئة من الحقائب المحمولة على ظهورهم، أقرب إلى حشرات غريبة عملاقة، يقتحمون الجدار بعد تفجيره؟"

[عائشة، سيدة فلسطينية، في حوار مع موقع فلسطين مونيتور]

   

في الأول من أبريل/نيسان 2002، كان مخيم جنين للاجئين بالضفة الغربية على موعد مع اجتياح عسكري لقوات الاحتلال ضمن خطة حكومة "آرئيل شارون" لاجتياح الضفة الغربية فيما سمي بعملية "السور الواقي"، والتي تم الإعداد والتدريب عليها بحسب اعترافات رئيس الأركان للجيش الاسرائيلي "موشي يعلون" منذ زمن؛ تحسبا لأي عمليات فدائية فلسطينية مستقبلية، حيث هدفت العملية الإسرائيلية للقضاء على المجموعات الفلسطينية المقاومة، إلا أن وقوع عملية فندق نتانيا الفدائية، عجلت من تنفيذها.

     

  

وقد أسفر الاجتياح الذي استمر لأسبوعين عن معاناة طاحنة لقاطني المخيم استشهد على إثرها العشرات واعتُقِل خلالها المئات، وقد تكبدت قوات الاحتلال خسائر جسيمة، في حين تم تدمير المخيم بشكل شبه كامل[17]. تلك المجزرة التي لاقت تنديدا دوليا لجرائم الاحتلال، كانت إحدى ضرورات جيشه في تطوير بدائل أكثر ذكاء للحرب المدينية، والاستثمار في أعمال معهد أبحاث النظرية العملياتية. فقام، وفقا لـ"وايزمان"، بالاستناد إلى تشكيلة من الأطروحات النظرية التي تنتمي إلى المدرسة الفرنسية ما بعد البنيوية في حقول العمارة والهندسة المدينية، ليقر بعدها جيش الاحتلال مجموعة من التكتيكات الحربية المختلفة لحروب المخيمات، والتي استفاد منها لاحقا الجيش الأميركي في غزوه للعراق. وتقوم هذه التكتيكات على إستراتيجية الانثيال السربي القائم على أسلوب السير عبر الجدران.

   

تلك الإستراتيجية التي استُخدِمت في اقتحام مخيم بلاطة بنابلس في العام نفسه، وهي كما يشرحها "أفيف كوخافي"، قائد كتيبة المظلات التي خاضت الاقتحام: "إن الفلسطينيين قد هيّأوا مسرح القتال على ضوء توقعاتهم في أننا سنتقيّد بالمنطق الذي حددوه سلفا لسير الأحداث… بمعنى أن ندخل بتشكيلات ميكانيكية قديمة الطراز، بخطوط متراصة وطوابير محتشدة تتكيف من التنظيم الهندسي للشبكة الطرقية... غير أننا سنقوم بعزل المخيم تماما في وضح النهار كي نخلق انطباعا أننا سنقوم بعملية هجوم ممنهجة، وعندئذ نطبّق مناورة كسيرية تنثال فيها الأسراب في وقت واحد من كل اتجاه عبر أبعاد الجيب المختلفة… فتدفع تحركاتنا خلال الأبنية المتمردين للانتقال إلى الشوارع والأزقة حيث يمكننا اصطيادهم"[19].

   

هكذا كان الهجوم الجديد: سيتحرك الجنود داخل المنازل المدنية لا خلال الطرقات، عن طريق اقتحام المنازل والتجمع وراء الجدران، ومن ثم حرقها أو تفجيرها بما يسمح لهم بالمرور خلالها، لتتحول الشقق والغرف إلى ميدان مناورة قتالي، يُحكِم من خلاله جنود الاحتلال سيطرتهم على المخيم من الداخل قبل أن يفاجئهم الفدائيون بقنّاصتهم وكمائنهم من الخارج. ويروي "وايزمان" في مقابلة له مع أحد الجنود، ويُدعى "جيل فيشباين"، إستراتيجية المعركة، فيكتب على لسان الجندي: "لم نغادر الأبنية مطلقا، وتقدمنا بين المنازل تماما.. شققنا بضعة عشر طريقا من خارج المخيم إلى مركزه.. لقد كنا جميعا داخل منازل الفلسطينيين، لم يكن أيٌّ منا في الشوارع، وبالكاد غامرنا بالخروج.. كانت مهاجع نومنا ومقر قيادتنا داخل هذه الأبنية.. حتى العربات وُضِعت في منطقة حفرناها داخل المنازل"[2].

     

  نموذج من الفجوات بالجدران (رويترز)

     

ويشرح "كوخافي" نفسه، في حوار آخر مع "وايزمان"، توصيفا للهجوم يُبرز التلاقي بين النظرية العسكرية والممارسة لها من خلال التخيل والتنفيذ الهندسي قائلا: "هذا الحيز الذي تنظر إليه وهذه الغرفة التي تنظر إليها ليسا سوى تفسيرك الخاص لهما… السؤال هو: كيف يمكنك تفسير الزقاق؟ هل تفسره كمكان، كما يفعل كل معماري، مخصص للمشي، أم تفسره كمكان يُحظر المشي فيه؟ هذا فقط يعتمد على التفسير، وقد فسرنا الزقاق كمكان يحظر المشي خلاله، والباب كمكان يُحظر المرور عبره، والنافذة كموقع يُحظر النظر من خلاله؛ لأن الأسلحة تنتظرنا في الزقاق، واللغم ينتظرنا خلف الأبواب".

   

لقد رأى "كوخافي" أن الفلسطينيين سيواجهونهم بشكل كلاسيكي، وهو لا يرغب في التقيد بهذا التفسير، بل يريد مفاجأتهم، فيقول: "ذلك هو جوهر الحرب، أنا بحاجة إلى الفوز وبحاجة إلى الخروج من مكان غير متوقع… لذلك اخترنا طريقة السير عبر الجدران كما الدودة التي تشق الطريق بفمها: نظهر في مواضع معينة.. ثم نختفي.. إن التنقل من خلال الجدران هو حل ميكانيكي يربط بين النظرية والممارسة، وخرق الحدود هو شرح لآلية التذليل"[2].

   

بهذه الآلية المفاجِئة، إضافة إلى الآلية الكلاسيكية الأخرى بالاجتياح والهدم وتفريغ الطرقات من كمائنها والبيوت من مكامنها، أمكن للاحتلال استعمال المعمار مرة أخرى في تحويل كفة الصراع لصالحه في الضفة، الأمر الذي واجهه بشكل معكوس في قطاع غزة، حينما حولّه إلى أكبر مختبر في العالم لتجارب الاغتيالات المنفذة من الجو، لتتحول المقاومة من ظاهر الأرض إلى باطنها من خلال الأنفاق في مناورة معمارية أخرى للأرض الجوفاء، ولكنها لم تنل الدعم الحكومي أو التيسيرات الحربية والتعامي الدولي الذي يناله الاحتلال عن كل جرائمه.

   

في النهاية، لا تبدو الكفتان على قدر واحد، ولا حتى متقارب، فقد أحكم الاحتلال سيطرة واسعة من خلال أساليب عِدّة وتكتيكات متطورة، الأمر الذي يطيل أمد الصراع إلى وقت يعلمه الله. لقد كشفت سياسات الاحتلال المعمارية، كما رأى "وايزمان"، بتحويل الأراضي الفلسطينية لأراضٍ جوفاء، عن طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي المتمثلة في هذا المشروع المعقد والمُفرِّغ، القائم في أواخر العصر الكولونيالي الحديث.

 ------------------------------------------------------

الهوامش

أ- المتعضيات هي كائنات حية دقيقة.

ب- الأبارتهايد هو نظام الفصل العنصري الذي حكمت من خلاله الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا من عام 1948 وحتى تم إلغاء النظام بين الأعوام 1990-1993.

ج- تذكرة المرمى مصطلح عسكري يُطلق على المساحة القوسية التي يغطيها الجندي بسلاحه في مربضه، وتكون مثلثا قاعدته دائرية.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار