انضم إلينا
اغلاق
الهرب من جحيم الثقافة العربية.. هل الغرب جنة المقهورين فعلا؟

الهرب من جحيم الثقافة العربية.. هل الغرب جنة المقهورين فعلا؟

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

"لقد منحتني الحياة فرصة أنْ أولد من جديد، هذا عامي الأول في حياتي كلها وأنا حرة"

   

كانت هذه كلمات رهف محمد القنون، والتي احتفلت بداية شهر مارس/آذار لهذا العام، بعيد ميلادها التاسع عشر، والأول لها بعيدا عن بلدها وأهلها. رهف محمد، الفتاة التي ذاع اسمها عقب هروبها من أهلها في المملكة السعودية، وهي رحلة استهلَّتها بمحاولة الذهاب لأستراليا أولا، إلا أنها قوبلت بحجزها في تايلاند، داخل مطار العاصمة بانكوك، والتي هددتها بالترحيل، وإعادتها للمملكة مرة أخرى. وعبر حسابها على تويتر الذي قامت بإنشائه مطلع هذا العام في شهر يناير/كانون الثاني -قبل هروبها من أهلها بأيام- استغاثت رهف بالمنظمات الحقوقية، والنسوية، عبر العالم لإنقاذها من مصيرها المظلم في حال عادت إلى المملكة، مؤكدة أن حياتها في خطر، على اعتبار إنها لم تعد تؤمن بالدين الإسلامي، وإن العقوبة التي تنتظرها حال عودتها للمملكة هي القتل؛ ولتنال الحق في "اللجوء الإنساني" بكندا بعد ثمانية أيام فقط من هروبها.

     

   

من المعلوم، أن قضية اللاجئين، أضحت منذ مدّة، إحدى الملفات المركزية لدى مواطني العالم العربي، فالدول العربية بصفة خاصة، أضحت دولا طاردة لمواطنيها، حيث تسجل العديد من الإحصائيات(1) ازدياد الهجرة العربية إلى الغرب -بمعناه الثقافي والأيديولوجي (أميركا الشمالية وأوروبا وأستراليا)- بداية من السبعينيات، حيث كانت أغلب الهجرات حينها مدفوعة بالبحث عن حياة أفضل، في العيش والرزق، ثم ما لبث أن زادت حدّة الهجرات، شكلا ونوعا، بفعل التضييق السياسي كما في دول المغرب العربي وسوريا والعراق فضلا عن استمرارية تبعات الشتات الفلسطيني. ومع الانفجار اللاحق للثورات السورية واليمنية والليبية وتحولها إلى حروب أهلية شاملة، ووقوع الانقلاب العسكري في مصر وما تلاه من عنف وقمع، أضحت مسألة اللجوء السياسي والإنساني للفارين من جحيم المنطقة العربية، تفرض سؤالا ملحا: هل الغرب ملاذ المقهورين وواحة التسامح والتعايش، أم أن استقبال اللاجئين خاضع بدوره للسياسة والأيديولوجيا؟

   

حلم في الغرب، كابوس في الشرق

"الحياة تبدأ حيث ينتهي الخوف"

(فرناندو بيسوا)

   

بعيدا عن السياسة، تبدو الأوضاع الحقوقية في العالم العربي كارثية كذلك، حتى أن بعض الحكام العرب يصرحون علانية أن مفاهيم مثل حقوق الإنسان هي مفاهيم غربية لا تنتمي إلى ثقافتنا ولا إلى تقاليدنا، كما صرح السيسي قائلا: "إنسانيتنا غير إنسانيتكم"، فثورات الربيع العربي التي حملت في جوهرها قيما ليبرالية تنادي بخروج الدولة من حيّز الحقوق الفردية والشخصية، وتفكيك النمط الأبوي السلطوي الذي يحاسب الأفراد على اختياراتهم الشخصية داخل مساحتهم الخاصة والحميمية.

     

   

وفي مقابلة مع "ميدان" يحكي الشاب اليمني حمزة علي، أنه ومنذ انفجار الحرب في بلاده وقت دراسته بإحدى الدول العربية، لم يستطع العودة لها، نظرا للخطر الذي يداهم حياته حال عودته، فمدينته صنعاء، صارت تحت سيطرة الحوثيين، وباعتبارها جغرافيا مركزية في الصراع الدائر باليمن. ليقرر إثر هذا الواقع، السفر عقب انتهاء دراسته نحو كندا، ليجد حمزة نفسه منتظرا في طابور طويل لطالبي اللجوء، منذ تسعة أشهر، وقت وصوله لكندا وحتى كتابة هذه السطور، وهو لا  يزال منتظرا ورقة رسمية، تمنحه إذنا بمواصلة الحياة، كإنسان.

   

حالة حمزة، والتي تعبر واقعيا عن حال الكثيرين، مثلت وجها آخر للمعاملة الاستثنائية التي لقيتها رهف. وبطبيعة الحال، ما كان لرهف أن تنجح لولا الضجة الإعلامية، إلا أن الضجة الإعلامية بالذات هي محل التساؤل، فالسعودية الشابة، لم تكن تملك سوى حسابها الخاص حديث الإنشاء على تويتر، بلا متابعين تقريبا، لكنها استطاعت عبر الخطاب الذي وجهّته لمنظمات حقوق الإنسان والمجموعات النسوية، أن تخلق ضجة أتاحت الأرضية المناسبة لاستثمارها، والتي تزامنت كما يبدو مع تصاعد التوتر السعودي الكندي في عدد من الملفات الدبلوماسية. في الصورة المقابلة، في مكان احتجازها داخل مطار بانكوك عاصمة تايلاند كانت رهف تُمثّل بالفعل عددا كبيرا من المقموعات في المملكة وعدد من الدول الخليجية يعانين فيها من إهدار حقوقهن الشخصية وقمع اختياراتهن الفردية بما لا يُمثّل الثقافة الإسلامية ولا الثقافة الليبرالي ولكن سُلطوية النظام الحاكم، عرضت كندا استضافة رهف بدلا من ترحيلها إلى المملكة السعودية، وفي ظرف ثماني ساعات هي مدة الرحلة بالطائرة أخذت رهف تبتعد كثيرا عن من تُمثّلهم لتنتمي أكثر إلى من تلجأ لهم!

  

فور صعودها على متن الطائرة المتجهة إلى كندا، تعمدت رهف نشر صور عبر حسابها على "سناب شات" على منصات التواصل وهي تمسك في يدها كأس خمر وصورة أخرى تمسك فيها سيجارة حشيش، مكررة في سعادة أنها تركت وراءها دين الإسلام وتستعد لتحتضن حياتها الجديدة بحرية تامة، فور هبوط الطائرة إلى كندا؛ كانت إجراءات طلب اللجوء لرهف قد انتهت، وكان في استقبالها العديد من منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية والنسوية، وعيّنت لها الحكومة الكندية مرافقين شخصيين ومقرا للإقامة،. لكن في الصورة المقابلة عبرت العديد من النسويات العرب المدافعات عن قضايا المرأة الخليجية عن إحباطهن الشديد من سلوك رهف متسائلات بحسرة: "هل هذه الحرية التي نناضل من أجلها؟".

     

رهف تنشر صور عبر حسابها على "سناب شات" وهي تمسك في يدها كأس خمر وصورة أخرى تمسك فيها سيجارة حشيش (مواقع التواصل)

    

عن الخوف والحروب الأهلية والخمر والحشيش

"أمريكا فيها الحلم، وبلادنا فيها كابوس"

(الشاعر مصطفى إبراهيم)

   

ليست رهف كما أسلفنا هي الحالة الوحيدة، فأخبار ومعاناة ضحايا الثقافة العربية باتت تتصدر المنصات الصحفية الشبابية العربية، ففي وقت متزامن مع رحلة هروب رهف، بث المدون المصري شريف جابر مقطعا مصورا عبر قناته على يوتيوب(2) ناشد فيه المنظمات الحقوقية الغربية بجمع تبرعات له بقيمة 100 ألف دولار لمساعدته على الهرب من مصر لأنه "ملحد" على حد توصيفه، مما قد يعرضه لعنف من الدولة أو من التيارات المحافظة داخل المجتمع. وقبل رهف محمد وشريف جابر هربت الأختان السعوديتيان روان وريم طالبتين اللجوء الإنساني نتيجة لتعرضهما للتمييز على أساس النوع الاجتماعي، حيث قالتا عن طريق بيان أصدره محاميهما عقب وصولهما لأستراليا: "نشعر بالسعادة لأن نهاية قصتنا جاءت سعيدة وأننا وجدنا الطريق نحو الأمان لنبدأ حياة خالية من العنف والقمع"، وعقب على ذلك المحامي الحقوقي والنسوي مايكل فيدلر: "إنهما الآن في دولة ثالثة، ليبدآ حياتهما بحرية، وهما تتطلعان للاندماج في الثقافة المحلية (الجديدة)، والمساهمة في وطنهما الجديد، والعيش حياة فيها مساواة بين البشر".

   

وغير ذلك من طلبات اللجوء الإنساني "للشواذ والعابرين جنسيا"، والتي تزايدت بمعدلات لافتة طيلة الأعوام الأخيرة، فيما بات يعرف بظاهرة مجتمع الميم(3). تتمثل جوهر تلك الطلبات وما يميزها عن غيرها من طالبي اللجوء السياسيين والصحفيين وساكني المدن المنكوبة بالحروب الأهلية والدمار هو أنها طلبات لجوء تشتكي اضطهادها من الثقافة الإسلامية، لا من الدول والنظم السياسية القمعية والسلطوية بدورها.

     

  

في كتابه "عطب الذات" يحاول الدكتور برهان غليون أن يكشف طبيعة الأزمة الحقوقية في المجتمعات العربية مؤكدا أنها أزمة سياسية بامتياز، وأن ثورات الربيع كانت تعبيرا حيا وملموسا عن رغبة الشعوب بتوليد ثقافة ونظم سياسية تقدس الحقوق والحريات الفردية والمساحات الخاصة للأفراد المواطنين كنهر داخلي ينفجر من داخل المجتمعات العربية، التي تتوق لتشكيل مجال عام تعددي ديمقراطي يقدس حقوق الأفراد وحرياتهم، على العكس من الرؤى الاستشراقية الغربية التي تحيل الديكتاتورية والتسلط في العالم العربي إلى جوهر ثقافي وتاريخي كامن في بنية المجتمعات العربية ذاتها، وليس في النخب الحاكمة المعتمدة بالأساس على دعم الغرب وإسرائيل .

   

وفي كتاب "الاستشراق" يكشف إدوارد سعيد أسباب سرعة استجابة المؤسسات الإعلامية والحقوقية والحكومية الغربية لطالبي اللجوء الإنساني لأسباب ثقافية ومجتمعية في ظاهرها أكثر من كونها أسبابا سياسية وإنسانية حقيقية، فكما يوضح إدوارد سعيد فإن ما يسمى الشرق والغرب هي مفاهيم أيديولوجية أكثر منها مفاهيم جغرافية أو معرفية، فالمؤسسات الأيديولوجية والثقافية والغربية أيًّا كان توجهها السياسي أو نوعها سواء كانت مؤسسة رسمية أو منظمة مجتمع مدني أو مركزا حقوقيا تعمل كلها داخل أيديولوجيا استشراقية تقسم العالم إلى ثنائية شرق وغرب على أسس ثقافية وهوياتية، قامت على أساس هذة الثنائية المؤسسات والأجهزة الأيديولوجية في أوروبا ثم لاحقا في أميركا الشمالية بخلق صورة الشرق كثقافة وهوية معكوسة للغرب، فيتم تعمد تقديم الشرق في صورة ذكورية وقمعية وقامعة للمرأة والأقليات كبنية أصيلة في الشرق، كنقيض للغرب المتسامح الليبرالي الديمقراطي.

     

  

إذا، وخلال رحلتها بالطائرة من شرق العالم في تايلاند إلى غربه في كندا، كانت رهف، الفتاة السعودية الصغيرة، تنشر صورا لها بالخمر وصورة أخرى تأكل فيها لحم الخنزير بعد وصولها لكندا بأيام، بتعبير عن صورة فانتازية أيديولوجية، تبتعد عن الحرية التي نطمح -نحن المحرومون منها في الشرق- الوصول إليها حين الذهاب للغرب. الأمر الذي دفع الأكاديمية السعودية أريج الجهني(4)   للتعليق عن ذلك بقولها: "إن ما تقوم به ليس مسيئا ولكنه اختزال لنضال المرأة العربية والخليجية من أجل الحرية والمساواة، فهن لا يطالبن بأكل لحم الخنزير ولا بتدخين الحشيش، فقضاياهن أكبر بكثير من هذه الشكليات التي لا تعدو أن تكون عناوين مثيرة في الإعلام الغربي الذي قد يحتفي بسعودية تحتسي خمرا واعتبار ذلك "إنجازا" فيما تقبع ناشطات سعوديات في غياهب السجون لأنهن طالبن بحقوق مدنية وناضلن بشجاعة طيلة سنوات مثل لجين الهذلول التي كانت متوازنة ورصينة ولم تتحد يوما بأي شكل المجتمع السعودي نفسه، كانت تطمح بحقوق لغيرها رغم أنها كانت من وسط ميسور، إلا أنها فكرت بغيرها.

  

مناضلات سعوديات كتبن فقط دراسات عن واقع المرأة السعودية، مثل هتون الفاسي وكانت النتيجة أنها معتقلة كذلك، هذان مثالان فقط عن نساء مختلفات عن رهف، نضالهن قديم، معتقلات من قبل نظام سياسي يستمد وجوده بشكل أساسي من تحالفه مع كبرى الدول الغربية، وأهدافهن عامة لا خاصة تنطلق من هم أخلاقي وسياسي حقيقي، ولا يعقل أن يكون سقف طموح المرأة السعودية المناضلة في سبيل الحرية هو فانتازيا غربية عن الخنزير والخمر والحشيش".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار