انضم إلينا
اغلاق
التقدم نحو المجهول.. هل يدمر "الذكاء الصناعي" مستقبل الديمقراطية لدى الشعوب؟

التقدم نحو المجهول.. هل يدمر "الذكاء الصناعي" مستقبل الديمقراطية لدى الشعوب؟

خالد حاجي

باحث مغربي
  • ض
  • ض

كتب سيغموند فرويد (Sigmund Freud) في مرحلة ما بين الحربين العالميتين، سنة ١٩٣٠ تحديدا، كتابه القيم عن القلق الذي يسكن الحضارة (Das Unbehagen in der Kultur). وها نحن اليوم، بعد مرور ما يقرب من قرن من الزمن، فإننا نشعر بذات القلق الذي يلازم هذه الحضارة. ولعل القلق في سياقنا الحضاري اليوم، خصوصا في السياق الأوروبي، يعود إلى إحساس قوي بأن الأمور بلغت المنتهى الذي لا تطور معه، أو التمام الذي لا شيء بعده إلا النقصان. ويصدق هذا الأمر أكثر ما يصدق على إحساسنا القوي بأن الديمقراطية بلغت المنتهى الذي لم تعد معه قادرة على الإتيان بالجديد الباهر. ومع هذا الإحساس تتكاثر الأسئلة وتتوالد: "هل نحن نعيش ما بعد الديمقراطية؟"، و"هل ما بعد الديمقراطية هو مشي القهقرى أو عودة إلى ما قبل الديمقراطية، أم أنه سلوك سبيل الخروج نحو فضاء أرحب؟".

 

إحساس غريب ذاك الذي انتابني حين حضور لقاء الحقوق الأساسية السنوي، الذي نظمته المفوضية الأوروبية يومي ٢٦-٢٧ نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٨ تحت عنوان: "الديمقراطية في الاتحاد الأوروبي"؛ حيث وجدتني متمثلا بوصفي عربيا-مسلما يساهم في نقاش أوروبي حول الديمقراطية، كصاعد إلى قمة جبل يلهث من فرط الجهد والتعب، فاجأه القوم وهم يهبطون، فوقف مشدوها، لا يدري أيواصل التسلق، حتى يبلغ القمة فيرى بأم عينه ما رأوه هناك، أم يعود أدراجه مع الهابطين، وهو يجهل ما الذي يأمل هؤلاء أن يجدوه في السفح.

      

كان أغلب المنظرين لنهاية الديمقراطية يميلون إلى التحذير من عواقب هذه النهاية، يرون فيها ردة وانتكاسة، أو في أحسن الأحوال مؤشرا على شيء مجهول

مواقع التواصل
      

بعبارة أفصح، أمام استجداء الساهرين على المؤسسات الراعية للحقوق الأساسية واستعطافهم لممثلي الشركات التكنولوجية العملاقة (GAFA)، يطلبون منهم الالتزام برعاية الديمقراطية خلال الانتخابات البرلمانية الأوروبية القادمة (مايو/أيار ٢٠١٩)، يشعر الناظر، أن رعاية الديمقراطية أصبحت منوطة بقوى جديدة، غير القوى التي بنتها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما يشعر بوجود أرضية مفاهيمية جديدة تحدد مسار الخطاب والممارسة الديمقراطيين. وأمام هذا الشعور، يتساءل الإنسان العربي المسلم، الطامح إلى تعزيز التجربة الديمقراطية في الوطن العربي والإسلامي، على أي الأرضيتين يقف: أيقف على الأرضية المفاهيمية القديمة، صارفا همته لإثبات أن الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية، مجتهدا من أجل إكمال استنبات التجربة الديمقراطية في الوطن العربي والإسلامي؛ أم يقف على الأرضية المفاهيمية الجديدة، عسى ألا يتخلف عن ركب الحضارة وصناعة التاريخ؟ وفوق هذا وذاك، يظل السؤال المهم والمؤرّق في الآن نفسه: هل استكمال الوقوف على الأرضية الأولى شرط في ولوج الأرضية الثانية أم لا؟

  

لئن كان أغلب المنظرين لنهاية الديمقراطية يميلون إلى التحذير من عواقب هذه النهاية، يرون فيها ردة وانتكاسة، أو في أحسن الأحوال مؤشرا على شيء مجهول؛ فإننا، على العكس من هؤلاء، نميل إلى ترجيح الرأي القائل بأن نهاية الشيء قد تكون بداية شيء أفضل منه. وعليه، فإن ما يهمنا بالأساس من الانخراط في الحديث عن نهاية الديمقراطية ليس إصدار حكم قيمة حول التحولات التي تعرفها الديمقراطية كفكرة وكممارسة، بقدر ما هو محاولة لفهم طبيعة هذه التحولات، إن كانت جوهرية حقيقية، أم متخيلة وهمية.

 

ولعل من بين أهم التحولات التي يجب التحقق من وجودها والتثبّت في الحديث عنها هي التحولات الخاصة بالعلاقة بين الديمقراطية والسيادة. فالأصل في الديمقراطية، كما هو مأثور عن أبراهام لينكلن، أحد رؤساء الولايات المتحدة الأميركية، هو أنها "حكم الشعب، من طرف الشعب، لصالح الشعب". ومفاد هذا القول في العمق هو أن الديمقراطية نظام يعزز سيادة الشعب، هذه السيادة التي لها أوجه تتحقق بها؛ منها حق الأفراد في التكتل داخل هيئات حزبية تنوب عنهم في التنافس الحر والشريف من أجل اختيار من ينوب عنهم في الحكم داخل حدود الدولة الجغرافية. ومعنى هذا الكلام أن هناك علاقة تلازم بين السيادتين، سيادة الشعب وسيادة الدولة التي يحكم بها ويحتكم إليها في النظام الديمقراطي. إذ يتعذر تصور إحدى السيادتين دون الأخرى، كما يتعذر تصور شعب يبسط سيادته خارج حدود جغرافية دولته، كأن يفوز حزب في الانتخابات الألمانية الحرة، ليحكم فرنسا مثلا. ولهذا تحرص الدول أشد ما يكون الحرص على ألا تنتهك سيادتها وسيادة شعبها من طرف قوى خارجية.

   

  

إلا أن اللافت للنظر، هو أن حرص الشعوب والدول الغربية على سيادتها لم يمنعها من التوحد في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية لتصبح قطبا يتحدد بالانتساب إلى الديمقراطية ويلتزم بالذود عن قيمها في الداخل ونشرها في الخارج. والراجح أن هذا التوحد لم يكن لينجح لولا وجود ما يمكن أن نسميه بـ "روح الديمقراطية"، هذه الروح التي يبدو أنها أصبحت اليوم أقرب من الخمول والخبو منها إلى الحماس والتوقد، كما تُجلِّي ذلك شواهد عديدة من الواقع، تذهب كلها في اتجاه تعزيز القول بوجود "تنافر الديمقراطيات".

  

من بين هذه الشواهد، على سبيل المثال لا الحصر، ما يحصل بين فرنسا وإيطاليا من تراشق لفظي حاد يُذكّرنا بأجواء التوتر التي سبقت الحرب العالمية الأولى جراء عجز الدول الأوروبية عن بلوغ التوافق بخصوص مصالحها الاستعمارية. وأخطر من هذا هناك هجوم الرئيس الأميركي ترامب على سياسة المستشارة الألمانية المتعلقة بالهجرة (1)، وهو الهجوم الذي يصب في تقوية القوى المتطرفة في ألمانيا والعودة بهذا البلد إلى أجواء ما قبل الحرب العالمية الثانية. فما لم يعبأ به الكثيرون هو أنه لأول مرة، منذ انتهاء هذه الحرب، تنقلب الآية فتتحول الولايات المتحدة الأميركية إلى محرض على انكماش ألمانيا على ذاتها، بعد أن كان الثابت في سياستها الخارجية هو لجم هذا البلد عن التمادي في أي بلاغة تستثمر الحديث عن سيادة الشعب الألماني بغية إظهار العداء للآخرين. ومن الشواهد الأخرى الدالة على تنافر الديمقراطيات الغربية حدث خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومباركة الرئيس الأميركي لهذا الخروج ودعوته الدول الأوروبية الأخرى إلى اقتفاء أثر بريطانيا في مراعاة مصلحة شعوبها، عوض الاستمرار في الامتثال إلى إملاءات مؤسسات وهيئات استنفدت أغراضها، والالتزام بقوانين ومواثيق ومعاهدات تضر بمصلحة الشعوب الغربية ولا تخدم إلا مصلحة أعدائها.

   

  

لا شك أن للمبالغة في التخويف من فقدان سيادة الشعوب دورا كبيرا في الدفع باتجاه مزيد من التنافر بين الديمقراطيات في الغرب؛ غير أن البواعث على الخوف من فقدان هذه السيادة أصبحت بواعث حقيقية. فلا سبيل إلى إنكار جملة المخاطر المتربصة بها وبالديمقراطية، سواء أكانت مخاطر خارجية أو داخلية. يجلي لنا التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، مثلا، حالة من حالات التدخل الخارجي بهدف التلاعب بإرادة الشعوب وتوظيف هذه الإرادة توظيفا يخدم مصلحة جهات أجنبية معادية. وبالمقابل، تجلي لنا مساهمة "كامبريدج أناليتيكا"(2) (Cambridge Analytica) في حمل شعوب المملكة المتحدة على التصويت لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، عبر جمع البيانات وتحليلها، حالة من حالات التحكم من داخل المجتمعات الديمقراطية في الرأي العام وتوجيهه وفق ما يخدم مصالح فئة معينة، لا وفق ما يخدم مصلحة الشعوب وسيادتها.

 

وفضلا عن حالات التدخل الخارجي والتحكم الداخلي هذه، هناك حالات أخرى تستعصي على التصنيف: أهي إلى التدخل والتحكم أقرب منها إلى شيء آخر؟ فمعلوم أن الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، قام بمشاركة تسجيل مرئي مدته سبع دقائق على موقع يوتيوب (3)، يساند فيه إمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي الحالي، في صراعه على الرئاسة أمام غريمته، رئيسة الجبهة الوطنية مارين لوبين. ويجابهنا هذا الأمر بسؤال وجيه: هل يعتبر التسجيل المرئي هذا تدخلا في سيادة دولة ديمقراطية وخدش لسيادة شعبها، أم لا؟ وفي حال اعتبر كذلك، فهل هناك إجراءات يمكن اللجوء إليها لمنع تسرب أي محتوى فيه مساس بحدود سيادة الشعوب الديمقراطية؟

 

كان من بين الأسئلة التي طرحت خلال لقاء المفوضية الأوروبية حول الحقوق الأساسية على ممثلي الشركات التكنولوجية العملاقة السؤال التالي: ما الضمانات التي تقدمها هذه الشركات لتفادي الوقوع فيما يمكن أن ينسف نزاهة الانتخابات الأوروبية البرلمانية المقبلة؟ مع تطور التكنولوجيا وقدرة أي جهة مغرضة على محاكاة الأصوات والتمكن من التلاعب بالصور، كيف ستتصرف هذه الشركات في حال تم مشاركة تسجيلات منسوبة كذبا إلى رؤساء أو شخصيات ذات تأثير في الرأي العام، تستطيع أن تغير بتصريحاتها مسار الانتخابات الديمقراطية؟ عند التأمل، نجد بأن الإجابات ليست أهم من الأسئلة في حد ذاتها. فما يرشح من هذه الأسئلة يوضح أن الآمال في المحافظة على الديمقراطية أصبحت معقودة على التكنولوجيا ورغبة المالكين لها واستعدادهم للانخراط في فرض نوع من الرقابة على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك دون المساس بالحريات والحقوق الأساسية طبعا.

     

    

الديمقراطية في مواجهة التقنية

لا كلمات أنسب ربما في التعبير عن طبيعة إشكالية الديمقراطية اليوم أفضل مما يمكن ملاحظته في العنوان الذي اختاره جيمي بارتليت (Jamie Bartlett) لكتابه "الشعب في مواجهة التقنية: كيف يقتل الإنترنت الديمقراطية (وكيف ننقذها نحن)" (People Vs Tech: How the internet is killing democracy "and how we save it"). يختزل الكاتب الأمر في صراع جديد نشب لأول مرة في تاريخ الغرب بين لفظتين يونانيتين "الديمقراطية" من جهة، و"التكنولوجيا" من جهة أخرى، ويذهب إلى القول بأن السنوات المقبلة ستجلي لنا أحد الاحتمالين: إما أن تحطم التكنولوجيا الديمقراطية والنظام الاجتماعي الذي عرفناه، وإما أن تبسط السياسة سلطتها على العالم الرقمي. وعنده أن هذا الصراع مرده إلى اختلاف الأزمنة، زمن الديمقراطية وزمن التكنولوجيا الرقمية، وإلى احتكامهما إلى قوانين مختلفة وقيامهما على مبادئ متباينة؛ فبينما صُمِّمت "الآلة الديمقراطية" زمن الدولة القومية واحترام التراتبية ثم الاقتصاد الصناعي؛ فإن "التكنولوجيا الرقمية" أدخلت العالم اليوم زمنا آخر، زمن عدم الارتباط بالجغرافيا، واللا مركزية، والاعتماد على المعلومة، ثم التأثر بشبكات التواصل والنمو المتسارع.

 

عند التأمل، يتبيّن أن أمر التقابل بين الديمقراطية والتكنولوجيا الرقمية أمر مركب، وإن كان في الظاهر يبدو بسيطا؛ حيث يتعذر التفكير في مستقبل العلاقة بينهما دون الأخذ بعين الاعتبار عنصرا ثالثا، ألا وهو "نقيض الديمقراطية". فحتى لو افترضنا جدلا أن الأنظمة الديمقراطية قررت أن تبسط نفوذها على التقنية الرقمية وأن تخضعها لزمنها وفضائها، فإنها تجد نفسها مجبرة على الدخول في منافسة مع الأنظمة "اللا ديمقراطية" من أجل كسب عصا السبق في سباق التسلح بسلاح الذكاء الاصطناعي (4)، تماما كما وجدت نفسها من قبل مجبرة على دخول سباق التسلح النووي مع هذه الأنظمة نفسها، مرجئة بذلك التفكير في الأسئلة المتعلقة بأخلاقية الاشتغال بهذه الأسلحة. لهذا الاعتبار تجد "جيمي بارتليت" وكثيرون غيره يحذرون من فقدان المعركة، يقولون: إن الأولوية الآن هي لتحقيق تفوق الدول الديمقراطية على الدول غير الديمقراطية في امتلاك الذكاء الاصطناعي والسلاح الافتراضي، حتى إذا استتب لها الأمر، وجب عليها عندئذ صرف جهودها ومقدراتها لإصلاح الشيئين معا: الديمقراطية والتكنولوجيا الرقمية.

     

السلاح الافتراضي قد أصبح اليوم أكثر فتكا من السلاح النووي، مما يستوجب تطوير قوانين ومعايير تلجم الدول المارقة وتحول بينها وبين تهديد أمن المجتمعات الديمقراطية السبراني

رويترز
     

وكأن الصراع بين الديمقراطية والتكنولوجيا الرقمية يؤجل ليحل محله صراع الديمقراطية واللا ديمقراطية حول امتلاك الأسلحة الرقمية الافتراضية. هذا ما يرشح من جملة اللقاءات والنقاشات الدائرة حول "الأمن السبراني" والتي غالبا ما تجمع بين ممثلي المؤسسات الديمقراطية وممثلي كبريات الشركات التكنولوجية الرقمية. إذ مع الإحالة إلى العدو الخارجي -الصين وروسيا تحديدا- يعطل التفكير في الافتراض الثاني، أي فيما لو انتهى الأمر إلى استحواذ التكنولوجيا على الديمقراطية، وهو افتراض وارد بقوة، خصوصا وأن النخب السياسية في المجتمعات الديمقراطية أصبحت بعيدة كل البعد عن معرفة دقائق الأمور التكنولوجية أو تمثل ما يمكن أن يفضي إليه الاشتغال بها.

  

لنا في اللقاء الذي انعقد في بروكسيل، بمقر مايكروسوفت، يوم الخميس ٢٨ يونيو/حزيران ٢٠١٨ تحت عنوان "بناء فضاء سبراني/رقمي آمن وشفاف" (Building a Safe and Transparent Cyberspace) مثال حي على طبيعة المسلك الذي يسلك اليوم في المجتمعات الديمقراطية بغية الوصول إلى ضرب من الالتحام بين الديمقراطية والتكنولوجيا الرقمية. أجمع المشاركون في هذا اللقاء -من وزراء دول أوروبية مسؤولين عن الأمن السبراني وممثلين لشركة مايكروسوفت وباحثين في التكنولوجيا الرقمية- على أن السلاح الافتراضي قد أصبح اليوم أكثر فتكا من السلاح النووي، مما يستوجب تطوير قوانين ومعايير تلجم الدول المارقة وتحول بينها وبين تهديد أمن المجتمعات الديمقراطية السبراني. ولما كان ضبط سلوك الدول يدخل في نطاق القانون الدولي، وجب أن يكون للأمم المتحدة دور مركزي في هذا الباب. ومن دواعي التفاؤل، في رأي المشاركين، أن الاتحاد الأوروبي أصبح يشهد وعيا متناميا بأهمية الموضوع، الأمر الذي سيدفع لا محالة باتجاه تكوين رأي مشترك موحد، ينتهي بفرض قوانين ومعايير دولية تُفوِّت على الدول غير الديمقراطية الإفلات من العقاب إن هي استغلت الفراغ الحاصل في التشريعات المتعلقة بالفضاء السبراني.

 

بالقفز على الخلاف الذي يجمع في الحقيقة الشعوب الديمقراطية بالتكنولوجيا الرقمية نعود بالعالم إلى حقبة الحرب الباردة وتوازن الرعب بين "معسكر الغرب الديمقراطي" و"معسكر الشرق المستبد"، ولو أن مفهومي الغرب والشرق قد انزاحا عن مدلولاتهما الأصلية، حيث أصبحا يحيلان إلى كتلتين مائعتين داخل العالم الافتراضي، تستطيع كل واحدة منهما اختراق الأخرى أو مهاجمتها دون أن تجد في القوانين والمعايير الدولية رادعا يردعها ويضبط سلوكها. ذلك أن التحلل من ربقة الجغرافيا أكسب الأفعال الإجرامية المهددة للفضاءات السبرانية هامش مناورة كبيرا، بحيث أصبح من غير الممكن رد هذه الأفعال إلى جغرافيا دولة بعينها. فمعلوم أنه قد أصبح بمقدور أي شخص من وراء حاسوب أن يحدث من الدمار ما لا تحدثه الجيوش التقليدية المنتسبة لدول بعينها، ومعلوم كذلك أن مكان وجود هذا الشخص ليس هو فضاء الدولة الجغرافي الذي يوجد فيه حاسوبه، بل هو فضاء رقمي منفصل.

   

الديمقراطية الغربية هي الآن بصدد استبدال سلاح جديد مكان سلاح قديم، تخرج من طور "ديمقراطية السلاح النووي" إلى طور "ديمقراطية السلاح الافتراضي"

وكالة الأناضول
   

وبهذا الاعتبار تكون القوانين التي تأسست عليها العلاقات الدولية عاجزة عن أن تستوعب طبيعة الصراعات الدولية في زمن التكنولوجيا الرقمية، ذلك أنها قوانين وضعت لعالم كان يسهل فيه تحديد مصدر الأفعال الإجرامية الجغرافي. وأمام هذا العجز تبرز الحاجة إلى مؤسسات دولية تؤسس لنظام دولي جديد وتسهر على ضمان استقراره. في هذا الصدد، يقترح المنتسبون إلى المعسكر الديمقراطي والساهرون على تطوير التكنولوجيا الرقمية الاشتغال على جملة من الأمور، أولها تطوير دبلوماسية رقمية، تراعي سيادة الدول، وتنبه إلى مخاطر الفعل الرقمي والسلاح الافتراضي. يليها إنشاء منظمة دولية يكون دورها في الحد من مخاطر تجاوزات استعمال السلاح الرقمي أشبه بدور منظمة العفو الدولية في الحد من التجاوزات المتعلقة بحقوق الإنسان. ثم بلورة اتفاقية جديدة تخلف اتفاقية جنيف التي يبدو أن بعض بنودها، خصوصا تلك المتعلقة بالأسلحة، قد استنفدت أغراضها، أو صارت في حاجة إلى تتميم.

      

بإمكاننا أن نستخلص، على ضوء هذه التحولات، أن الديمقراطية الغربية هي الآن بصدد استبدال سلاح جديد مكان سلاح قديم، تخرج من طور "ديمقراطية السلاح النووي" إلى طور "ديمقراطية السلاح الافتراضي"، ولعل هذا ما يدخل العالم اليوم في مرحلة استقطاب جديدة، يعاد معها ترتيب العلاقات بين الشعوب والأمم، والحضارات والثقافات، كما تتغير معها التحالفات والولاءات. ويمكن تقسيم العالم اليوم إلى أربعة محاور استقطاب جديدة:

١- محور يملك الديمقراطية والتكنولوجيا الرقمية، وتجسد الولايات المتحدة الأميركية مركزه.

٢ـ محور اللا ديمقراطية والتكنولوجيا الرقمية، وتعتبر الصين مركز ثقله.

٣ـ محور يملك الديمقراطية ويتصارع من أجل امتلاك زمام التكنولوجيا الرقمية، وهو المحور الأوروبي.

٤- وأخيرا محور يفتقر إليهما معا، إلى الديمقراطية وإلى التكنولوجيا الرقمية، ويمثله العالم العربي الإسلامي ومن كان شبها له أو على شاكلته.

    

يخيل إلينا لأول وهلة أن الأمر بسيط، نعتقد أننا نسير باتجاه نظام دولي جديد أساسه المحوران، الأميركي الديمقراطي، والصيني اللا ديمقراطي؛ والواقع أنه على بساطته الظاهرة، فإن الأمر يبدو لنا أعقد بكثير عند تقليب النظر. إذا كانت الشعوب في العالم العربي الإسلامي، ومعها حتى شعوب أوروبا، تتدحرج بين هذين النموذجين، تتردد على أي الجنبين تميل، فهذا دليل على فقدان الوجهة وإشارة إلى انهيار كل نماذج السلطة التقليدية، ديمقراطية كانت أو لا ديمقراطية. إن ما يحصل اليوم، على الحقيقة، هو أن التطور التكنولوجي الرقمي الرهيب ساهم في تفكيك بعض الأسس التي انبنى عليها النظام القائم على ثنائية الديمقراطية وضدها؛ وصار، بالمقابل، يفرز لنا نظاما جديدا لم تتحدد ملامحه الكبرى بعد، اللهم إذا استثنينا كونه نظاما لا يكترث بحكم الشعوب لذاتها، بقدر ما يكترث بحكم الأفراد لذواتها.

  

الفضاء الافتراضي وتوسيع/تمزيق فضاء الديمقراطية

  

لعل في القول بإمكانية حكم الفرد لذاته مزايدة على الديمقراطية ووعدا بمزيد من الحرية؛ وهل للحرية معنى أرقى من أن يصبح بمقدور الفرد أن يخلع ربقة الأغلبية التي ينتمي إليها كي يتحول إلى فرد فاعل يصنع الإجماع على شرطه، دون أن يتعارض هذا مع مقتضيات العيش داخل مجتمع! يحار العقل أمام هذا النوع من المزايدة على الديمقراطية، وتجده أميل إلى حسبان هذا الأمر ضربا من الوهم، لكنه سرعان ما يتخلص من حيرته لمجرد أخذه بعين الاعتبار العامل المستجد المتمثل في الفضاء الافتراضي، هذا الفضاء الذي يتم اللجوء إليه لتوسيع رقعة الديمقراطية الجغرافية أو لتمزيقها. وتزول الحيرة تماما حين يتمثل العقل حقيقة التكنولوجيا الرقمية الجديدة وقدرتها على الارتقاء بالذكاء الإنساني إلى مراتب لم يبلغها من قبل، فهناك الذكاء الذكي (smart intelligence) وذكاء الأسراب (Swarm intelligence) والذكاء الاصطناعي (Artificial intelligence) والذكاء الفائق (Superintelligence) وغيرها من أنواع الذكاء التي يتم توظيفها لتحرير الإنسان، كما يقول البعض، أو لاستعباده، كما يقول البعض الآخر.

   

كل أنواع الذكاء هذه أصبحت توظف توظيفا تغيرت معه ملامح السلطة السياسية ومصادرها. يكفي أن نأخذ، على سبيل المثال، ذكاء الأسراب (Swarm intelligence) المقتبس من الطبيعة وننظر في تطبيقاته على المجتمعات، فسنلمس عندئذ طبيعة التحولات التي من الممكن أن تطرأ جراء هذه التطبيقات على تركيبة المجتمع ومصادر القوة وأشكال التداول على السلطة فيه. يرمي المتحكمون في هذا الذكاء إلى إفراز أنواع من السلوك الكوني الذكي، تكون نتيجة التزام الأفراد الفاعلين بقوانين طبيعية بسيطة، مثلهم في ذلك مثل أسراب النمل أو الطيور أو الجراثيم، تراهم يتبعون، عن غير وعي، هذه القوانين، دون أن يحتكموا إلى بنية تحكم مركزية. والسؤال هنا: كيف يمكن أن يجتمع رأي الأفراد على وجهة واحدة، أو سلوك واحد، دون أن يحتكموا إلى سلطة مركزية؟

     

الذكاء الاصطناعي قد مَكَّن من الاستحواذ على محركين من محركات الإنسان، ألا وهما "العاطفة" و"الذاكرة"

غيتي
   

إنه انهيار الأحزاب، بل انهيار الدول في الفضاء الجغرافي وانتقال السلطة إلى الفضاء الافتراضي، حيث يجد الفرد نفسه متحررا من قيود المواثيق التي تحدد الهامش لفعله السياسي المشترك، ليشرع في التأسيس لتحالفات جديدة بناء على رغباته وميوله ونزواته، مساهما بذلك في إعطاء الفعل السياسي صبغة فردية، أو قبلية كما درج مجموعة من الباحثين الأوروبيين على تسمية ذلك (Tribilization). لقد أصبحت الدولة التقليدية أهون من أن تجابه "الانتفاضات القبلية" التي لا تنتظم داخل أحزاب وهيئات سياسية، بقدر ما تصدر عن تكتلات منطلقها الفضاء الافتراضي. فقد أصبح الفعل السياسي فعلا هلاميا، مائعا، غير الفعل الذي عهدناه في جغرافية الدولة القومية.

   

مع الذكاء الاصطناعي زادت قدرة التكنولوجيا الرقمية على التحكم في الأفراد (5)، فأصبح الفرد بفعل هذا التحكم شبيه النملة، يمشي في سرب باتجاه هدف بعينه وهو يحسب أن ما يستحثه على مواصلة المشي في هذا الاتجاه هو إرادته الحرة بمعزل عن كل التأثيرات الخارجية. والحاصل هو أن الذكاء الاصطناعي قد مَكَّن من الاستحواذ على محركين من محركات الإنسان، ألا وهما "العاطفة" و"الذاكرة". ليس التحكم في العاطفة بالأمر الجديد في عالم السياسة والسلطة؛ فقد كتب أفلاطون ينصح السلطان بأن يشنّف السمع ليُحسن الإصغاء إلى موسيقى الشعب حتى يتبين جلية ما يختصم في دواخل الرعية من عواطف. ولا يخفى كيف تُجيَّش الشعوب إلى الحرب بقرع الطبول، وكيف تُسكَّن فورتها بضروب من الموسيقى المناسبة. إذا صح هذا كله، فأصح منه أن ما بلغه الاشتغال بالذكاء الاصطناعي من معرفة بالعاطفة وتمكن منها لم يكن ليحلم به أحد من قبل، حتى في عالم الخيال.

   

كان الشاعر طوماس هاردي يقول بأن الشعر هو "عاطفة وضعت في ميزان" (Poetry is emotion put into measure). يكفيك أن تفكك الميزان الشعري وتحلله كي تقف عند طبيعة العاطفة القابعة وراء إبداع الشاعر. واليوم يجوز القول بأن كل ما يضعه الإنسان في الفضاء الافتراضي من مادة، يعرضها على أنظار الآخرين، هو "عاطفة وضعت في صورة"، يكفيك أن تحلل الصورة كي تصل إلى طبيعة الرسائل العاطفية التي تسكن وراءها. كل إعجاب تسجله يعالج بواسطة الذكاء الاصطناعي فيصب في تحديد ملامحك العاطفية، تحديدا يسعف في وصلك بالسرب الذي تنتمي إليه. إن التجييش العاطفي للأفراد، إذ يحدد وجهة للفعل السياسي الجديد، يساهم في تقويض بنية الأحزاب الشعورية، ولعل هذا ما أدى إلى ما أصبحنا نراه من تصدع كبير داخل كبريات الأحزاب عبر العالم. لقد أصبحت السياسة شأنا عاطفيا بامتياز.

    

أخطر ما في أمر التحكم بواسطة الذكاء الاصطناعي في الذاكرة هو القدرة على توظيفها لخدمة أهداف إستراتيجية كبرى، لعل أخطرها هو هدم سرديات جميع الكيانات السياسية الكبرى

غيتي
   

أما الذاكرة فيعتبر التحكم فيها بواسطة الذكاء الاصطناعي مدخلا رئيسا من مداخل تقويض السرديات التي يقوم عليها المجتمع والسلطة. حين تنهار هذه السرديات لتحل محلها سرديات الأسراب يكون هذا إيذانا بنهاية عهد الدولة القومية بمعناها المتحيز في المكان. إن الأفراد والجماعات يحتاجون إلى قدر كبير من النسيان حتى ينصهروا في بوتقة الدولة الواحدة. وليس كل ما يتذكر ينفع في بناء المستقبل. لولا النسيان لما استطاعت ألمانيا وفرنسا أن يضعا مقررا دراسيا مشتركا كمبادرة لتمكين الأجيال الجديدة من استشراف مستقبل أفضل. أما تحريك اليمين المتطرف، في البلدين معا، للذاكرة فهو تحريك يدخل في إطار مساعٍ تروم تقويض ما بُني من جسور التفاهم والتعايش. إن أخطر ما في أمر التحكم بواسطة الذكاء الاصطناعي في الذاكرة هو القدرة على توظيفها لخدمة أهداف إستراتيجية كبرى، لعل أخطرها هو هدم سرديات جميع الكيانات السياسية الكبرى قبل إلحاق الأفراد بنظام ليبرالي كوني لا يؤمن بأي انتماء آخر إلا إليه.

   

خاتمة على سبيل الاستفتاح

يُتحدَّث اليوم عن الذكاء الفائق أو الخارق(6) (Superintelligence)، عن الطرق المؤدية إليه، عن مخاطر الاشتغال به، وعن الإستراتيجيات، كما جاء ذلك في كتاب نيك بوستروم (Nick Bostrom)، الذي، بعد تحليل مستفيض لجملة الرهانات وراء الاهتمام بهذا الذكاء، ينتهي إلى مخاطبة الفطرة في الإنسان، يدعوه للاستيقاظ والانتفاضة ضد التشظي المحتمل للذكاء الإنساني. مثل هذه الدعوات لها سياق تُفهم فيه، ولا أخال المجتمعات العربية الإسلامية تستطيع حملها على محمل الجد، ناهيك بإدراك وجودها أصلا. ذلك أن هذه المجتمعات لا حظ لها في أنواع الذكاء كلها، بما في ذلك الذكاء الإنساني الذي هو اليوم معطل بفعل التفاهة وانعدام التربية وعجز المنظومة التعليمية. غير أن ما وجب أن تفهمه هذه المجتمعات هو أنها موضوع الذكاء على اختلاف أنواعه، وحقل تجاربه بامتياز.

   

في كتاب جورج أنطونيوس (Georges Antonios)، صاحب كتاب "يقظة العرب" (The Arab Awakening: the story of the Arab national movement)، ذكر ما مفاده أن الذي أدخل العرب للقرن العشرين -ويقصد القوى الاستعمارية حينها- تَعمَّد تهميش المراكز الحضرية، حيث كان الوعي السياسي ناضجا، وأفسح المجال أمام المراكز الأقل تحضرا والأقل معرفة بروح العصر وبالعالم المعاصر. وأخشى أن ينطبق الأمر علينا اليوم، فما زلنا لا نصنع التاريخ، وإنما ندخل كل عصر جديد على شرط من يُدخِلنا. قبل أن نستكمل بناء الديمقراطية في الوطن العربي والإسلامي، في إطار الدولة القومية، جاء زمن الذكاء الاصطناعي وسلطة التكنولوجيا الرقمية وانتصار الليبرالية ليخيرنا بين الدخول إلى العصر كأسراب، كل سرب تحركه ذاكرته الخاصة وعاطفته، بعيدا عن كل مركز للتحكم، وبين البقاء خارج العصر، بعيدا عن مصادر القوة.

     

 كتاب "يقظة العرب" لـ "جورج أنطونيوس" (مواقع التواصل)

    

لا بد من تأكيد أمر نحسبه غاية في الأهمية، ألا وهو استحالة التفكير في مستقبل الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي بمعزل عن تأثيرات العالم الخارجي وروح العصر. وقبل هذا وذاك، على النخب السياسية والدينية والعلمية والفكرية أن تتمثل حقيقة الواقع الكوني الجديد تمثّلا صحيحا يتجدد معه الوعي بسؤال الديمقراطية في سياق التجاذبات الراهن؛ بعيدا عن محاور الاستقطاب القديمة. فقد أصبح المطلوب من هذه النخب التحلي بالشجاعة الفكرية بغية الوصول إلى إبداع نماذج خاصة بمجتمعاتهم؛ لا بغية استيراد نماذج جاهزة من الخارج. فالثقافة الرقمية، على علّاتها، قد تسعفهم في تأهيل هذه المجتمعات لدخول مجتمع المعرفة، بعيدا عن التفاهات والترهات التي أصبحت تجثم على صدرها. ونحسب أن الشعوب العربية-الإسلامية قد حققت من النضج ما يؤهلها للانتقال من مرحلة "ما بعد الاستعمار" إلى مرحلة جديدة، مرحلة التفاعل الكوني الذي تتحقق معه كرامة الإنسان وحقه في أن يكون متصالحا مع ذاته، لا موزع الميول بين روحين، روح التراث وروح العصر.

   

ولعل قائلا يقول: ماذا عسى أن يخسر العالم العربي والإسلامي في زمن الثقافة الرقمية، وحاله أشبه بحال من قال فيه الشاعر "لا خيل عندك تهديها ولا مال"؟ قد يكون افتقار هذا العالم إلى الديمقراطية والتكنولوجيا الرقمية محفزا على الفعل الحضاري، بعيدا عن التضخم الأيديولوجي الذي ميّز النقاش الفكري والسياسي والمجتمعي في مرحلة ما بعد الاستعمار. وقد يكون في الخروج من هذه المرحلة ما يورث الإنسان في العالم العربي والمسلم ذهنية ونفسية جديدتين يصبح بموجبهما أكثر قدرة على التفاوض مع الواقع الكوني.

   

ولكن هيهات أن يطمح الإنسان في العالم العربي والإسلامي إلى بلوغ مكانة تليق به تحت شمس الحضارة اليوم دون أمرين اثنين: أولهما الاستعداد لتقديم التضحيات، ثم التمكين لثقافة العلم والعمل. حتى لا يحسبن أحد أن طريق الديمقراطية العربية-الإسلامية مفروش بالورود. وظننا أن الشعوب العربية الإسلامية اليوم أصبحت أكثر الشعوب تعطشا وتشوّفا للتجربة الديمقراطية من غيرها من شعوب الأرض الأخرى التي أصبح بعضها يحن إلى أيديولوجيات عمياء سبقت عهد الديمقراطية. ولعل من يصغي إلى الشعوب العربية والإسلامية اليوم، يجد أنها لا تُعنى بنموذج ديمقراطي واحد، أي بشكل من أشكال الحكم، بقدر ما تعنى بروح الديمقراطية وقيمها المشتركة بين الناس جميعا، القيم التي توصل إلى كرامة الإنسان وحريته وحقه في التعلم والعيش في أمان، في بيئة يسود فيها العدل. ولا أظن صدر هذه الشعوب يتسع اليوم للخلافات الأيديولوجية السابقة. وعليه، أصبح لزاما على النخب السياسية والفكرية والدينية أن تحسن الإصغاء، بغية المساهمة في صياغة مشروع مجتمعي جديد.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار