انضم إلينا
اغلاق
"عيلين كفاية".. القصة التاريخية لهوس السلطة المصرية بتحديد النسل

"عيلين كفاية".. القصة التاريخية لهوس السلطة المصرية بتحديد النسل

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

"عيلين تعرف تربيهم يبقوا ضهرك وسندك.. أبرك من أورطة عيال متلقهمش وقت ما تحتاجهم.. عيلين كفاية"

    

بهذه الجملة أنهى أكرم حسني الممثل، وضابط الشرطة سابقا، إعلانه الذي يحث المصريين فيه على الاكتفاء بطفلين فقط، وعن طريق الرقص الساخر الذي يؤديه "أكرم حسني" في دور رجل صعيدي يعمل بالفلاحة، يرسم الإعلان صورة "الفلاح والصعيدي" التي طالما أصرت الحكومة المصرية وإعلامها الرسمي وغير الرسمي على تصديرها عن "الصعيدي" بأنه "المعوق الأكبر في طريق النهضة الاقتصادية" بكثرة إنجابه.

    

     

كان الإعلان بمنزلة التدشين الرسمي للحملة الحكومية الجديدة الرامية لحث المصريين على تحديد النسل، وهي الحملة التي جاءت نتيجة لتصريحات الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" المتواصلة عن ضرورة تحديد النسل في مصر والاكتفاء بطفلين أو طفل واحد فقط. فخلال كلمته بفعاليات المؤتمر الوطني الرابع للشباب عام 2017، بمحافظة الإسكندرية، أكّد السيسي أن "أكبر خطرين بيواجهوا مصر هما الإرهاب والزيادة السكانية، نظرا لأن الزيادة السكانية بتقلل فرص مصر في إنها تقدر تطلع لقدام" (1).

      

تزامنا مع ما سبق، عقدت لجنة الدفاع والأمن القومي في البرلمان المصري اجتماعا من أجل متابعة الجهود التي بدأتها سابقا لمواجهة المشكلة السكانية، وأوصت اللجنة بتشجيع العائلات التي تنجب طفلا وحيدا من خلال الحوافز الإيجابية المتمثّلة في إصدار الدولة لشهادات شرفية للوالدين اللذين يقرران من تلقاء نفسيهما إنجاب طفل واحد، وإعفاء الطفل الوحيد من الرسوم الدراسية في مراحل التعليم المختلفة، الابتدائي والمتوسط والجامعي (2). وتحدث عبد الفتاح السيسي، في حوار مع صحف مصرية، عن ملف التنمية في ظل الزيادة السكانية، قائلا: "لاحظتم أننا بدأنا رفع نبرة الحديث عن هذه القضية بعدما كنا نتحدث عنها على استحياء بسبب خطة تثبيت الدولة" (3).

    

وأضاف: "الحكومة تتحرك لدراسة برامج ومقترحات وقوانين لضبط الزيادة السكانية، بعدما ارتفع عدد المواليد سنويا إلى 5.2 مليون نسمة بمعدل يزيد على 3 أمثال النسبة في الصين، والتي نجحت في ضبط النمو السكاني منذ عقود، وحققت نتائج اقتصادية باهرة". (3) وفي لقائه بالشباب بمحافظة أسوان نهاية يناير/كانون الثاني 2017، سأل السيسي منتقديه لعدم وفائه بوعد سابق بتحسن الأوضاع الاقتصادية خلال ستة أشهر: "يا ترى برضه كل اللي بطلبه منكم إنتو بتعملوه يا مصريين؟ يعني لما آجي أقولكم من سنتين برقة وذوق عشان ما أزعلكمش.. أقولكم إن النمو السكاني بتاعنا أحد أهم العقبات الحقيقة في تقدمنا.. كل واحد بيقولك مش أنا.. هنحل المسألة بس مش أنا". 

    

  

يشير السيسي هنا إلى كلمته في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة عام 2015 والتي طالب خلالها المصريين بتحديد النسل بحد أقصى 3 أبناء للأسرة، مستفتيا شيخ الأزهر، أحمد الطيب، الجالس أمامه بجوار البابا تواضروس، بطريرك الكرازة المرقسية: "أنا أقدر أطلب من اللي عنده طفل يستنى 3 أو 4 سنين على ما يخلف التاني.. واللي عنده طفلين يستنى 6 أو 7 سنين كمان على بال ما يجيب 3 أطفال.. واللي عنده 3 أطفال ما يجيبش أطفال تاني.. عشان تبقى الأمة واقفة على رجليها ومتعلمة وقادرة.. حلال ولا حرام يا فضيلة الإمام". جاءت فتوى الطيب سريعة وواضحة: "حلال.. وحلال".

    

  

إلا أن هذه الفتوى الدينية السريعة، التي أحلّت تنظيم النسل أو تحديده، لم تصدر بالطلب أو بتنحية جميع الحيثيات، بل إن هذه الفتوى تستند إلى تاريخ طويل من النقاش الساخن الذي دار حول تلك القضية تحديدا منذ ثورة 1919، ثم احتدام النقاش حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم تبلور برنامج تنظيم الأسرة القومي في عهد عبد الناصر، ثم خفوت الحديث عن تحديد النسل مع الانفتاح الاقتصادي، ثم عودة الحديث مرة أخرى مع حملة "الراجل مش بس بكلمته" في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، وأخير ظهور حملة "عيلين كفاية" في عهد السيسي.

 

والغريب، وما يدعو للتأمل، هو أن داخل كل نقاش وخلال كل حملة تطلقها الحكومة المصرية، كان "الفلاح" وخاصة "الصعيدي" هو البطل والمُستهدف الأول، وهو سبب الأزمة، وهو الجاهل الذي يعرقل التنمية بكثرة إنجابه، بينما لم تستهدف الحملة أبدا الطبقة فوق المتوسطة والعليا من سكان المدن برغم أن الكثيرين منهم لديه ثلاثة أطفال وأربعة وربما أزيد.

يدعونا كل ذلك لفض هذا الاشتباك حول قضية "تحديد النسل" والتي تحتل مساحة كبيرة من خطاب السيسي وجميع المسؤولين في الحكومة المصرية، وحول حملة "عيلين كفاية" التي تحمل صورة ساخرة ومستهجنة لـ "الصعيدي"، وأخيرا: موقع الخطاب الديني الرسمي من تلك القضية والتي مثّلت حجر زاوية في خطاب السلطة المصرية طوال ما يزيد على ستين عاما.

 

كثرة الإنجاب: نعمة أم كارثة قومية؟

    

ما مشكلة السلطة المصرية مع كثرة الإنجاب تحديدا؟ ولماذا يحرص كل رئيس ومسؤول على حث الشعب المصري على تحديد النسل؟ قد تبدو إجابات تلك الأسئلة بسيطة وسطحية وملقاة على قارعة خطابات "المشير المستنير"، بأن كثرة الإنجاب "تعيق التقدم، وتزيد البطالة، وتزيد الضغط على التعليم وعلى المرافق العامة"، إلا أن كل تلك الإجابات لا تقدم توضيحا كافيا لكشف الرؤى الكامنة وراء حرص السلطة على تحديد النسل.

     

فبينما جاء كل رئيس حاملا جرس الإنذار على رأس كل ذكر مصري، يحذره من كثرة الإنجاب، ما زال المصري يرى في كثرة الإنجاب "عزوة" وعصبة تحميه وتساعده وتملأ عليه حياته. عند هذه النقطة،  يتطلب منا الأمر أن نعود إلى الوراء قليلا حتى عصر مبارك، لنلحظ أن الحكومة المصرية قامت بحملة تستند على الخطاب نفسه الذي يقوله السيسي الآن، وكانت الحملة بعنوان "الراجل مش بس بكلمته.. الراجل برعايته لبيته وأسرته"، بجانب أن كل النقاش والحديث المُثار الآن حول تحديد النسل هو نسخة مُحدَّثة من الحديث الذي دار حول القضية نفسها في عهد مبارك.

    

  

وبالعودة مرة أخرى للوراء، وهذه المرة لعهد عبد الناصر، نجد أن نسخة الخطاب التي قدمها عن "تنظيم الأسرة القومية" تحمل جذور مشروع اجتماعي أقدم، ففي عام 1954 سُئل البكباشي حسين الشافعي وزير الشؤون الاجتماعية حينذاك في مؤتمر صحفي عن رأيه في سياسات تحديد النسل، فرد قائلا:

    

"أنا لا أؤيد ذلك (تحديد النسل) فقط، بل أراه ضرورة اجتماعية. فإن الإنتاج البشري كسائر الإنتاج، لا بد له من عمل ونشاط، وإلا كان إنتاجا كاسدا وتعرض للبوار. والبوار الآدمي هو الماثل أمامنا في النسل بلا حساب، ثم تكون هذه المشكلة المعقدة.. أما أن ننجب عيالا بلا قيد ولا شرط، فذلك هو القتل بعينه، لأن الابن الذي يولد دون أن يحسب المجتمع حسابا لحياته سيولد ميتا، وإن كان يسعى بيننا على الصورة التي تلمسونها في تلك القطعان الضالة من الأحداث والمشردين وغيرهم من المتسولين" (4)

     

هنا، كان مفهوم الشافعي وكذلك عبد الناصر عن السكان باعتبارهم نوعا من الإنتاج، وإن لم يكن الإنتاج ذا كفاءة وجودة عالية فهو بلا قيمة، وهو التصور نفسه الذي يحمله السيسي في الوقت الراهن في كل خطاباته. لكن، هذا المسار من التفكير يدفعنا لطرح سؤالين أساسيين، وهما: ألا تُمثّل الأيدي العاملة كنزا ثمينا إذا أحسنت الحكومة تأهيلها وتدعيمها؟ ألا يناقض ذلك مفهوم الحكومة عن كثرة الإنتاج ويوافق المفهوم الفطري عند المصري البسيط أن الإنجاب "نعمة وعزوة"؟ فلماذا إذا تُصِرُّ السلطة المصرية طوال ستين عاما على الرأي الأول؟

          

البكباشي حسين الشافعي (مواقع التواصل)

          

بداية الجدل حول السكان

"بعد مئة سنة من الآن سيكون عدد المصريين خمسة ملايين، وبعد 300 سنة سيكون عددهم 500 مليون، وبعد 425 سنة سيكون عدد المصريين مساويا لسكان الأرض الحاليين وهو ملياران. وبعد 968 سنة لن يَشغل المصريون الأرض كلها فحسب، بل عدة كواكب أخرى بعددهم البالغ 9 مليارات".

      

كتب ويندل كليلاند تلك الكلمات في أول كتاب يصدر عن المشكلة السكانية في مصر في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين (4)، إلا أن الجدل حول "السكان" في مصر قد بدأ قبل ذلك بمدة، وتحديدا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ونشوب الثورة المصرية الكبرى في 1919، وتزايد أعمال المقاومة والتخريب والقتل التي يشنها الفلاحون على الجنود البريطانيين، مما جعل السلطة الأنجلو مصرية (المصرية-البريطانية) تستعين بالدراسات الاستشراقية لتجريم هؤلاء الفلاحين والحد من إنجابهم، وخلق مجتمع ريفي جديد بالكامل بعد تخليصه مما علق به من شوائب مقاومة البريطانيين وأصحاب العزب وكبار التجار.

       

وفي سياق "خلق مجتمع مصري جديد وحديث"، وبرامج الهندسة الاجتماعية والرعاية الاجتماعية والمشروعات التربوية والأنثروبولوجية التي تسعى لخلق هوية وطنية جديدة، مثل مشروع سلامة موسى وعباس مصطفى عمار وطه حسين وغيرهم، ظهر الجدل حول السكان في مصر (4)، وكان الجدل حول السكان يتعلق بنقطتين أساسيتين: النقطة الأولى هي الجدل بشأن خفض المواليد تأثّرا بأفكار الحد من الاكتظاظ في شوارع مصر الذي اشتكى منه المثقفون والنخبة المصرية المتصلة بالسلطة البريطانية.

      

عباس مصطفى عمار (مواقع التواصل)

        

أما النقطة الثانية فكانت تتعلق بتحسين صفات السكان من خلال تعزيز "الصفات الحسنة المرغوبة" والقضاء على العيوب بواسطة الرعاية الاجتماعية وتحسين النسل. كما ظهرت برامج رعاية الأمومة ومشروعات بناء قرى ريفية جديدة منتظمة، وبدأت تظهر الدراسات التي تتعامل مع السكان في مصر على أنهم "موضوع معرفي إثنوغرافي و ديموغرافي". إلا أن الباحثة أمنية الشاكري تقول إنه لم يكن هناك قبل منتصف الثلاثينيات إجماع بشأن حالة سكان مصر، حتى إنه كان هناك دعوات لزيادة الإنجاب وتعدد الزوجات (4).

       

وعليه، بدأت جهود الحكومة المصرية لحسم مسألة "السكان" التي احتلت مساحة كبيرة من نقاش النخبة المصرية، وكان "كريج" والذي يعتبر شخصية محورية في تطوير التعداد المصري واستخدام البيانات الإحصائية في مصر قد عمل فترات مختلفة من حياته العملية مديرا لمكتب الحساب بإدارة التعداد السكاني المصري، وفي مناقشته لتعداد مصر لعام 1917 يشير إلى أن "أحد أدوار التعداد الرئيسية يكمن في تحديد ما إذا كانت الموارد الزراعية تتماشى مع احتياجات السكان أم لا" (4)، وانتهى كريج في عام 1926 إلى أن مصر "تشعر بالفعل بضغط عدد السكان على وسائل المعيشة".

   

وقبيل منتصف الثلاثينيات في مصر، ظهر هجوم عنيف جدا على صفحات المطبوعات وداخل مناقشات المؤتمرات والمجادلات بشأن السكان في كلٍّ من الصحف مثل "الأهرام"، و"الهلال"، و"المقطم"، والدوريات المهنية المتخصصة مثل "الجمعية الطبية المصرية"، وفي الصحافة النسائية مثل "النهضة النسائية"، و"المرأة المصرية"، وحتى داخل المؤسسة الدينية الرسمية "دار الإفتاء" (4). أما النخبة المصرية من أعضاء البرلمان وأصحاب الأطيان والإقطاعيين مثل مريت بطرس غالي وحافظ عفيفي باشا، فقد أكدوا في أكثر من مرة أن سبب الفقر والفوضى والجريمة في مصر هو اكتظاظ السكان وسوء الصحة العامة والإسكان، "وليس التوزيع غير المتكافئ للأملاك" (4) ولا قضية العدالة الاجتماعية.

      

  

في الوقت نفسه كانت السلطة المصرية البريطانية بصدد تنفيذ مشروع "إصلاح الحياة الريفية وتنظيم الفلاحين" من أجل قيادة الفلاحين إلى أنماط الحياة الاجتماعية "المناسبة لتقدم العالم الحديث ومدنيته، ويشمل إجراءات كمشروعات إعادة بناء الريف وبرامج القرية النموذجية" (4)، وكانت مصر بتلك الفترة تمر بمرحلة الكساد العظيم والمطالبة بالاستقلال عن بريطانيا، وصعود الحركة العمالية التي نتجت عن انزياح كثير من الفلاحين وهجرتهم إلى المدن ليكونوا طبقة العمال التي تحتل مساحة كبيرة من المجتمع المصري وتاريخه النضالي حتى الآن.

   

وبناء على الدراسات الأنثربولوجية التي قدمها عباس مصطفى عمار ومشروع الهوية المصرية عند سلامة موسى، بجانب مشاريع التعداد السكاني، قام كريج بتحويل الرؤية لسكان مصر من أنهم تجمع لأعراق مختلفة وسكان متباينين متعددي اللغات والثقافات والديانات والأعراق، إلى رؤية السكان على أنهم "كيان متجانس يمكن قياس صفاته الكمية والعمل بموجبها". وفي عام 1928، أُرسل عباس مصطفى عمار، أستاذ الجغرافيا بالجامعة المصرية، ممثلا لمصر في المؤتمر الجغرافي الدولي الذي عُقد في كامبريدج. وقد ناقش في ورقته المطروحة بعنوان "بعض مشكلات السكان في مصر" مشكلة فئات معينة من سكان مصر غير المرغوب فيهم.

  

حيث كانت المشكلة السكانية في مصر من وجهة نظر عمار وفي عيون النخبة المصرية تتركز في جزء معين في السكان، يُنجب نسلا فائضا بصفات غير مرغوبة فيصعب السيطرة عليهم ويزعزعون استقرار مصر الاجتماعي، وهؤلاء تحديدا هم "النوبيون والعمال المهاجرون من الصعيد"، وهؤلاء كانوا قد انتقلوا لشمال مصر بعد فيضان النيل وإغراق أراضيهم نتيجة بناء سد أسوان عام 1902 وتعليته عام 1910. ومن هنا بدأت جذور العنصرية ضد الصعايدة التي ستملأ صورهم حملات "تحديد النسل" التي ستطلقها الحكومات المصرية المتعاقبة، حتى نصل لحملة "عيلين كفاية".

     

    

المشكلة السكانية أم مشكلة بعض السكان غير المرغوب بهم؟

"كانت السيطرة على تحركات النوبيين من ناحية، وحركة الصعايدة من ناحية أخرى، وحماية المراكز الحضارية الكبيرة في الشمال من عناصر هاتين الجماعتين صعبتي المراس، وخاصة من هؤلاء الذين ليس لديهم مأوى ثابت ولا عمل محدد، المشكلات التي لا بد من التعامل معها بحرص وسرعة، من أجل الأمن العام، والأمر الأكثر خطورة، والأكثر تحديدا للبنية الاجتماعية والاقتصادية لمصر، هو التقاطر البطيء لكنه مطرد للعناصر الأجنبية الفقيرة على الجانب الآخر من المتوسط"

     

هكذا كتب عباس مصطفى عمار، أستاذ الجغرافيا الحديثة بمصر ورئيس الجمعية الملكية للجغرافيا وممثل النخبة المصرية في مؤتمر كامبريدج، الذي أصبح التفكير في سكان مصر بعده، وفي أقل من عشر سنوات، ليس كسكان متباينين في الأعراق واللغات -صعايدة وبدو ونوبيون وأجانب وفلاحون وعرب وشركس وأتراك وأوروبيون-، بل ككتلة متجانسة يمكن ملاحظة صفاتها الكمية المشتركة وتحليلها ودراستها باعتبارها حقيقة اجتماعية كاملة. "وأصبح السكان في حد ذاتهم هدفا للقوانين واللوائح التي كان لا بد من دراستها كي تحدث التحول الصحيح للعالم الاجتماعي والطبيعي للتوفيق بين خصوبة الأجسام وخصوبة التربة" (4).

     

وسرعان ما جاءت أول معالجة شاملة لقضية السكان في مصر من خلال كتاب ويندل كليلاند (Wendell Cleland) الصادر عام 1936 بعنوان "المشكلة السكانية في مصر" (the population problem in Egypt). وكان كليلاند هذا أميركي قد عاش في القاهرة منذ عام 1917، وشغل منصب عضو هيئة تدريس في الجامعة الأميركية بالقاهرة، حيث كان يُدرّس علم النفس، وكان "مشاركا بعمق في النشاط البروتستانتي الموجه إلى الأقباط".

      

وتقول الباحثة أمنية الشاكري إن مشاركته تلك، باعتباره عضوا بالجمعية المصرية للدراسات الاجتماعية، مع مسؤولين بارزين بالوزارة يعملون على قضايا مثل الري والصحة العامة، والمرافق الصحية أو النظافة الشخصية، جعلته على دراية بقضايا مصر الاجتماعية الأكثر خطورة، والتي تجمع بين قضايا السكان والرعاية الاجتماعية. وقد أصبح عمل كليلاند مرجعا لكل دراسات السكان التي أتت بعده، والتي شكّلت فيما بعد كل الجدل الذي سينشأ حول قضية "تحديد النسل".

   

كثافة السكان وندرة الأرض الزراعية، ومستويات المعيشة شديدة الانخفاض ومعدل البطالة المرتفع بين العمال الزراعيين، تشير جميعها إلى اكتظاظ السكان

رويترز
  

حيث رسخت كتابات كليلاند المنهج "المالثوسي الجديد" الذي يقترح فيه آليات اصطناعية كتحديد النسل والتعقيم للحد من الزيادة السكانية من أجل تنظيم العلاقة بين عدد السكان والموارد الطبيعية المتاحة، وحتى ستينيات القرن العشرين ظل كتاب كليلاند هو الكتاب الرئيسي والمرجع الأساسي للكتابات الاجتماعية والأنثروبولوجية في مصر (4). فبناء على المقارنة بين زيادة عدد السكان وزيادة الأرض القابلة للزراعة، استنتج كليلاند أن المصريين يتزايدون على نحو أسرع من مساحة الرقعة الزراعية.

   

وانتهى كليلاند إلى أن "كثافة السكان وندرة الأرض الزراعية، ومستويات المعيشة شديدة الانخفاض ومعدل البطالة المرتفع بين العمال الزراعيين، تشير جميعها إلى اكتظاظ السكان، وأن الحل هو سياسة سكانية تدخلية تدعو إلى استعمال تحديد النسل"، وكتب يقول: "لهذا السبب فمن الواضح أن الزيادة في المنتجات الزراعية لا تتماشى مع الزيادة في عدد السكان، والزراعة هي المهنة الرئيسية ومنتجات الأرض هي مصدر الثروة الرئيسي، ومن المحتمل في ظل الظروف الحالية أن يؤدي هذا التقدم الدائم للكثافة على إنتاجية التربة إلى تدنٍّ مطرد لمستوى المعيشة الذي هو منخفض بالفعل" (4).

    

وحسب الشاكري، يرى كليلاند أن العاملين الفقراء والفلاحين ينجبون بلا قيود، باعتبارهم "أناسا نصف أحياء يفتقرون إلى الحماس"، ويعانون من سوء التغذية وأنهكتهم الأمراض المجهدة كالبلهارسيا والانكلستوما التي "استنزفت حيوية الطبقات العاملة" وقللت كفاءة الفلاحين. وفي السياق نفسه أبدى مسؤولو وزارة الصحة العمومية اهتمامهم بإصلاح الفلاحين وتحديد نسلهم، وكان أهم شخصية في وزارة الصحة حينذاك "عبد الواحد الوكيل"، وينتمي الوكيل إلى أسرة معروفة من أصحاب الأطيان لها صلات وفدية قوية، وهو طبيب ومفتش صحة القاهرة وعضو الجمعية المصرية للدراسات الاجتماعية، كما كان عضوا أساسيا في صياغة الشروط الصحية للقرى المصرية بطريقة توافق مصالح أصحاب الأطيان (4)، وتولى وكيل وزارة الصحة في عام 1942.

        

وهي الاهتمامات نفسها التي أُعيد طرحها في مؤتمر "تحديد النسل" تحت رعاية الجمعية الطبية المصرية عام 1937 والذي ناقش قضايا كفاءة العمال والفلاحين المصريين وإنتاجيتهم، وأكّد فيه "عوض محمد عوض"، أحد أوائل الجغرافيين المحترفين المصريين وعضو الجمعية المصرية للدراسات الاجتماعية، ومعه مصطفى فهمي، أستاذ علم الاجتماع والمسؤول بوزارة المعارف، أن معدلات المواليد المرتفعة أدّت إلى مستويات المعيشة المنخفضة وقلّلت القدرة الإنتاجية للدولة (4). وبعد انتهاء المؤتمر كان الرأي في الوسط الحكومي والنخبوي المصري قد استقر على ضرورة "وضع سياسة سكانية للحد من تناسل الفلاحين والتخلص من الفائض البشري ذي الصفات غير المرغوبة".

   

وكتب بطرس غالي باعتباره شخصية فكرية مهمة في مصر ما بين الحربين العالميتين، وباعتباره ينتمي لأسرة قبطية معروفة من أصحاب الأطيان، وباعتباره عضو مجلس النواب في الأربعينيات، نصا بعنوان "سياسة الغد"، ورفض غالي في هذا النص النظريات الاشتراكية الأوروبية القائلة بأن مستويات المعيشة المنخفضة "سببها التوزيع غير المتكافئ للثروة الوطنية. وقال إن لذلك التوزيع دورا غير مهم في علل مصر الاقتصادية والاجتماعية، وأنه بدلا من ذلك فإن مشكلة مصر الاقتصادية سهلة وبسيطة إلى حد كبير، فهي نتيجة للاكتظاظ السكاني وفقر الموارد الاقتصادية"، وسرعان ما أصبحت تلك الرؤية هي السائدة حتى اليوم وسياسة السلطة المصرية تجاه "مسألة السكان".

   

إلا أن هذه الرؤية لم تنتصر وتَشِعْ وتترسخ بسهولة، فخلال مؤتمر "تحديد النسل" حدثت مناقشات ساخنة ما زالت حاضرة حتى اليوم بخصوص قضية "تحديد النسل"، وكان أبرز المعارضين لتحديد النسل هم جماعة الإخوان المسلمين حينذاك، وقد حضر المؤتمر مؤسسها "حسن البنا"، كما امتد النقاش والجدل ليشمل الخطاب الديني الخاص بتلك القضية، واستمر هذا الجدل حتى قام عبد الناصر بحسمه لصالح "ضرورة تحديد وتحسين النسل" وتأميم الأسرة المصرية لصالح الدولة.

 

تحديد النسل بين الضرورة والمعارضة

  

بينما كانت الجمعية الطبية المصرية تعقد مؤتمرا عن تحديد النسل بالقاهرة، نشرت صحيفة الأهرام يوم 17 أبريل/نيسان من عام 1937 برقية تتعلق بـ "مشروع إيطالي يشجع الناس على الزواج والإنجاب"، وتضمّن المشروع سندات حكومية للذين لديهم أطفال بجانب إعفاءات ضريبية للآباء. وحين كان المجلس الفاشي الإيطالي يقر قوانين تتعلق بأفضليات لأرباب الأسر على العزاب في القطاع العام، وكانت ألمانيا تمنح إعفاءات ضريبية للآباء، تساءل الإصلاحيون في مصر "إن كان بلدهم يشن حربا على الأبوة، فهل من المنطق أو الوطنية تقليل المواليد في الوقت الذي يزيد فيه الجيران المحاربون مواليدهم؟"، كما حث المحامي عبد المجيد نافع الأمهات على "إنجاب جنود للأمة وتجاهل أفكار تحرير المرأة المضللة" (4).

   

وخلال مؤتمر "تحديد النسل" وقف "عيسى عبده"، وهو عضو في جماعة الإخوان المسلمين، ليعبر عن تلك التساؤلات بصوت مرتفع معارضا سياسات تحديد النسل، حيث تحدث عبده عن أن الشريعة الإسلامية قد ضمنت توزيعا عادلا للثروة داخل المجتمع، وقال عبده إن الدولة بدلا من تحقيق العدالة الاجتماعية والرعاية الاجتماعية كما تفعل الدول الأوروبية تتجه إلى تحديد النسل كحل لمشكلاتها الاجتماعية.

   

هنا تدخل عباس مصطفى عمار وعرض حجته الخاصة بضرورة تحديد النسل بشكل صريح وفج، حيث أكد عمار أن سياسة تحديد النسل يجب أن تستهدف الطبقة العمالية الدنيا سواء الحضرية أو الريفية. وأوضح عمار أن العمال والفلاحين هم الطبقات الأكثر خصوبة، وأدى ذلك إلى قلة مواردهم، وبالتالي فالاكتظاظ السكاني هو سبب فقر مصر، وعبّر عمار عن وجهة نظره في ثلاث نقاط هي السبب الكائن وراء الوضع الراهن:

  

أسرة ريفيه مصرية (مواقع التواصل)

    

أولا: العناصر الفقيرة هي الأقل إدراكا لأعباء الحياة الزوجية وأقل اهتماما بحالة أطفالهم.

ثانيا: الكثير من هؤلاء الناس تزوجوا مبكرا لأنهم ينظرون إلى الزواج من الناحية الجنسية فحسب.

ثالثا: الكثيرون من الفقراء يجهلون تماما أساليب تحديد النسل.

 

على الجانب الآخر المعارض، جلس كلٌّ من علي فؤاد وعيسى عبده ومحمد حسن وحسن البنا، وقد وضّحوا أن الفلاحين وفيرو الإنجاب بشكل متعمد حيث يعتمدون على أطفالهم في العمل، ورأى حسن البنا أن الأطفال يُمثّلون مصدرا لرأس المال والثروة، كما أوضح حسن البنا، وأيّده في ذلك محمد حسن وعبد المجيد نافع، أن الطبقات المتعلمة هي التي سوف تقبل الدعوة إلى تحديد النسل، "الأمر الذي سيكون له نتائج ضارة على الأمة. وتساءل كيف يمكن لمصر أن تزيد النسل الذي يخدم الأمة وتحصل على الكثير من الأبناء؟" (4).

   

وكان رد عمار هو أن الضمان الوحيد هو الحفاظ على "الأيض الديموغرافي"، أي تنظيم النسل بين الطبقات المتعلمة والحد منه بين الطبقات الفقيرة، وقال: "وهكذا نسأل من يعارضون فكرة تنظيم النسل: هل من مصلحة الأمة أن تفوق الطبقات الأقل تقدما غيرها من الطبقات عددا؟"، أي إن الأمر في نظر عمار يتعلق بمسألة التفاضل الطبقي، وهو الأمر الذي كان محل الخلاف، فقد شكك المصلحون في النتيجة المحتملة من حركة تحديد النسل، وأن أول المتأثرين بها ستكون الطبقة المتوسطة التي في رأيهم تخرج المفكرين والمثقفين. لكن الرأي الديني كان مسألة أشد خلافا وانقساما، كما هو الحال الآن.

   

تحديد النسل.. حلال أم حرام؟

  

أثناء انعقاد مؤتمر عام 1937 لتحديد النسل في مصر، صدرت أول فتوى في القرن العشرين تتعلق بتحديد النسل أو تنظيمه، وكانت الفتوى عبارة عن رد أصدرته دار الإفتاء وعلى رأسه الشيخ عبد المجيد سليم في يناير/كانون الثاني عام 1937 على سؤال يتعلق بحكم "المباعدة بين الولادات للحماية من العجز عن تربية الأولاد والعناية بهم… أو احتمال تدهور صحة زوجته بسبب الحمل المتكرر"، فتجيز الفتوى منع الحمل في الظروف الواردة في السؤال بالمسوغات التالية:

  

"الذي يؤخذ من نصوص فقهاء الحنفية أنه يجوز أن تتخذ بعض الوسائل لمنع الحمل… وقال بعض المتأخرين إنه يجوز للمرأة أن تسد فم رحمها من دون إذن الزوج إذا كان لها عذر في ذلك، وجملة القول في هذا إنه يجوز لكلٍّ من الزوجين برضاء الآخر أن يتخذ من الوسائل ما يمنع وصول الماء إلى الرحم منعا للتوالد، ويجوز على رأي متأخري فقهاء الحنفية لكلٍّ من الزوجين أن يتخذ من الوسائل ما يمنع وصول الماء إلى الرحم دون رضاء الآخر. بقي الكلام في أنه هل يجوز منع الحمل بإسقاط الماء من الرحم بعد استقراره فيه وقبل نفخ الروح في الحمل. اختلف فقهاء الحنفية في ذلك وظاهر كلامهم ترجيح القول بعدم جوازه إلا بعذر كأن ينقطع اللبن في المرأة بعد ظهور الحمل… أما بعد نفخ الروح في الحمل مثلا لا يباح إسقاطه" (4).

   

ورغم تلك المسوغات التي يمكن اعتبارها مكملة لنص الإمام الغزالي في جواز السماح بالعزل بين الزوجين لتجنب إنجاب أطفال "يصبحون عبيدا، وللحفاظ على جمال الزوجة لضمان السعادة الزوجية ولتحاشي المصاعب الاقتصادية والحرج" (4)، لم تؤخذ فتوى الشيخ عبد المجيد على أنها نهائية، وتولى الشيخ حسن البنا زعيم جمعية الإخوان المسلمين مسؤولية مناقشة الجوانب الدينية الخاصة بتحديد النسل. وكان البنا يرى أن الإسلام قد شرع استعداد الدولة الدائم وقوتها الدائمة للجهاد باعتباره واجبا دينيا، ورأى أن الإسلام يحض على الإكثار من النسل ويمنع الحد والتحديد والتنظيم إلا في حالات خصوصية واستثنائية، وانتهى إلى تحريم تحديد النسل في الإسلام (4)، فيما ذهب آخرون لأبعد من ذلك فساووا بين تحديد النسل وقتل الأطفال، لأن التحديد يمنع الحياة من المجيء من خلال استخدام موانع الحمل.

    

ورأى عيسى عبده أن التدخل في الإنجاب مباح في حالة الضرر، سواء أكان هذا الضرر خطرا على صحة الأم أو خطرا على المجتمع من النسل غير السليم، وشجع عبده على الإنجاب وترك الأسرة المصرية للاستهلاك والتبذير وعودتها إلى البساطة، فيما ألقى باللائمة على الدولة غير الإسلامية التي أهملت مصير الأسرة، "ناسية أهميتها لرخاء الأمة، وتاركة رب الأسرة يتحمل أعباء فترة ما بين الحربين الاجتماعية والاقتصادية".

     

المشروع القومي لعبد الناصر ورؤيته لمشكلة السكان لم يكن وليد الثورة، بل كان استكمالا للنهج نفسه الذي بدأته النخبة المصرية تحت سلطة بريطانيا المحتلة

مواقع التواصل 
  

وعلق حسن البنا مشككا في طريقة فهم عباس مصطفى عمار والحكومة المصرية للمشكلة الاقتصادية في مصر قائلا: "هل ثبت بأدلة قوية وقرائن صادقة أن هناك من الأسباب ما يدعو إلى التحديد، وهل تأكدنا أن كثرة النسل هي السبب في الضائقة الاجتماعية؟ هل لا يمكن استخدام علاج اجتماعي آخر؟ أليس من الجائز أن تسفر هذه التجربة عن عجز عن معالجة الأضرار المزعومة كوفيات الأطفال مثلا والرعاية الصحية، فتظل هذه الدواعي كما هي ويضاف إليها الأضرار التي ستنجم عن التحديد!" (4).

   

وبعد المؤتمر استمر النقاش حول قضية "تحديد النسل"، وقبل أن يصبح "تحديد النسل" هو السياسة الحكومية الرسمية، قُدّمت بعض المقترحات للسياسة السكانية تعالج مسألة الإصلاح الاجتماعي، وشجع شخصية حكومية تسمى "عبد الحكيم الرفاعي" إنشاء جمعيات لدراسة السكان، وتحقيق تنظيم النسل دون تشريع حكومي. ورد عليه شخصية أخرى هي أحمد خيري سعيد يتساءل: "ماذا لو كان الاهتمام بالأعداد مجرد انحراف عن القضايا الاجتماعية الراهنة؟"، لكنه في الوقت نفسه أكد أنه "ينبغي منع المختلين عقليا والمرضى العقليين وذوي الأعصاب الضعيفة من الإنجاب. لكن كيف نفرض هذا في بلدنا؟ إن لدينا أعدادا كبيرة من ضحايا البلاجرا والبلهارسيا والانكلستوما، وأعدادا كبيرة من ضعاف العقول والأجسام. فهل نعقم نصف الفلاحين أم ثلثهم؟" (4).

   

ثم أشار الرفاعي إلى أن الحل هو الإصلاح الاجتماعي الجذري، أو خلق مصر جديدة، "الأمر الذي يتطلب رجالا لا يقلّون عن مصطفى كمال أو موسوليني أو هتلر". لكن بدلا من ذلك أهدى القدر مصر جمال عبد الناصر، ليقود الثورة على الظروف الاجتماعية والفروق الطبقية، وينظم الأيض الديموغرافي بين الطبقات الاجتماعية والترويج لمشروعات الإصلاح الاجتماعي التحسينية من أجل الطبقات العاملة. إلا أن المشروع القومي لعبد الناصر ورؤيته لمشكلة السكان لم يكن وليد الثورة، بل كان استكمالا للنهج نفسه الذي بدأته النخبة المصرية تحت سلطة بريطانيا المحتلة.

   

تأميم وتدمير الأسرة المصرية.. من عبد الناصر إلى عبد الفتاح

  

بعد ثماني سنوات من انتهاء الحرب العالمية الثانية وعام واحد فقط من قيام انقلاب 1952، عادت المشكلة السكانية للظهور مرة أخرى في إطار برنامج الرعاية والرفاه الاجتماعية التي توفرها الدولة، والذي يعتبر استكمالا لمشاريع الرعاية الاجتماعية التي ظهرت في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين تحت سلطة المحتل البريطاني (4).

  

فظهر برنامج "تنظيم الأسرة القومية" في عهد عبد الناصر، وفي عام 1953 قدم وزير الشؤون الاجتماعية عباس مصطفى عمار مذكرة إلى المجلس الدائم للخدمات العامة، يتحدث فيها عن خطورة المشكلة السكانية في مصر وآثارها على الصحة والتعليم ورفاهية الشعب (4)، فكتب: "بما أن سياسة الفترة الحالية هي مواجهة الحقائق بموضوعية وشجاعة، وبما أن أسلوب الحكم في التعامل مع كل المشكلات هو الغوص بعمق في الجذور وليس معالجة الأعراض، فمن الضروري للسلطات المسؤولة أن تتخذ موقفا محددا من مشكلة السكان والقيام بدور إيجابي في تخفيف كل النتائج الضارة… ونحن نرى أن أي إصلاح وسياسة رفاه تتغاضى عن المشكلة السكانية ما هي إلا سياسة قصيرة النظر".

    

بعد ذلك وخلال كلمة ألقاها عبد الناصر بالأزهر عام 1954 في الذكرى الثانية لحركة يوليو قال: "لقد كانت أكبر مصائبنا في العهد الماضي أننا نعيش على موارد محدودة لا تزيد، فكنا أشبه شيء بأسرة يتزايد عدد أعضائها ويبقى دخلها ثابتا لا ينمو، وقد أهملت حكومات العهد الماضي مشروعات الإنتاج عن جهل وعن عمد".

  

ومن هنا، من هذا التشبيه الذي شبّه الشعب والدولة المهيمنة عليه بالأسرة التي يجب أن يتوافق عددها مع حجم الموارد، أصبحت الأسرة هي الهدف الذي تركز عليه السلطة لتحقيق برنامجها القومي، "فالأسرة هي التي يجب أن يُغرس فيها قيم الاشتراكية"، فظهر "الميثاق الوطني" الذي يوضح أهمية التخطيط العلمي الحديث للأسرة والمجتمع، وتشجيع الإنتاج، وإبراز الزيادة السكانية على أنها تهديد خطير. وأذاعت الدولة المصرية إعلانا يقول: "إن مشكلة التزايد في عدد السكان هي أكثر العقبات التي تواجه جهود الشعب المصري في انطلاقه نحو رفع مستوى الإنتاج في بلاده بطريقة فاعلة وقادرة، ومحاولات تنظيم الأسرة بغرض مواجهة مشكلة تزايد السكان تستحق أصدق الجهود المعززة بالعلوم الحديثة" (4).

   

وبدأ عبد الناصر، كما يفعل السيسي الآن خلال خطبه، في الحث على الحد من عدد السكان بطريقة أكثر صراحة باعتباره ضروريا لتقدم الأمة: "السيد رئيس الوزارة، رئيس لجنة تحديد النسل أرجو أن تسمعوا كلامه في هذا الموضوع وتطبقوا الخطة اللي عملها بالنسبة للتنمية الاجتماعية، يعني العيلة اللي بتخلف عدد كبير من الأطفال ما بتقدرش توفر لكل هذا العدد العيشة الكريمة المقبولة، إذن الاقتصاد في الخلفة خير على العيلة وخير على الوطن. وزي ما بقولكم مفيش داعي نخلف ولاد وتبقى معتلة الصحة، لأن أهلها مش قادرة تصرف عليها".

   

وعلى طريق أحمد الطيب نفسه الذي أفتى السيسي بأن تحديد النسل "حلال.. حلال.. حلال" كما قال، كتب المفكر الإسلامي خالد محمد خالد، وهو من خريجي الأزهر عام 1950، عن أهمية تنظيم الإنتاج المادي والبشري فقال: "لا أمل لنا مطلقا في تحسين مستوى المعيشة بيننا ما دامت نسبة المواليد تتزايد تزايدا فاحشا... وموطن الخطورة في هذه المشكلة أن المجتمع لا يعرف عنها شيئا، ولا يدرك قط أنه أمام كارثة تهدد رقيه وسعادته" (4).

    

المفكر الإسلامي خالد محمد خالد (مواقع التواصل)

    

ثم في عام 1959 أصدر الشيخ محمود شلتوت فتوى تناقش إمكانية وواقعية تطبيق سياسة تحديد النسل، وقال: "إذا كانت المرأة سريعة الحمل ولا يوجد الفصال المناسب بين حملين، أو تعاني من أمراض معدية، وبالنسبة للأقلية تعاني من ضعف أعصابها، ولا يمكنها مواجهة مسؤولياتها المضاعفة، ولا تجد مساعدة من حكومتها أو أفراد مجتمعها الأثرياء تمكّنها من حمل مسؤولياتها، في تلك الحالات يكون تحديد نسلها فرديا ومحددا، وهو علاج يوصف لتحاشي الشرور المعروفة ومن خلالها يمكن أن يأتي النسل القوي والصحيح".

  

وفي عام 1964 أصدر الشيخ حسن مأمون فتوى في اتجاه مشابه، ناقش فيها الدعاوي المعارضة لتحديد النسل بحجة "تقوية الأمة" كما رأى أهل الفريق الآخر عام 1937، فقال: "ولكننا الآن نجد أن الظروف قد اختلفت، ونجد أن تكاثف السكان في العالم كله بدأ يهدد بهبوط خطير في مستويات الحياة اللازمة للبشر، لدرجة حدت بكثير من المفكرين إلى تنظيم النسل في كل دولة... وإني أرى أنه لا مانع شرعا في تنظيم النسل، إذا كانت الحاجة تدعو إلى ذلك".

    

الشيخ شلتوت وجمال عبد الناصر (مواقع التواصل)

    

وتعلق أمنية الشاكري أن الفتويين متشابهتان، حيث نقلت التركيز من الصحة الفردية والأسرية في التراث الإسلامي إلى رفاهية الدولة القومية ومصلحتها، وأصبحت الأسرة مرتبطة بمصلحة الدولة وبرنامجها الاجتماعي، وما حدث في عهد عبد الناصر هو تحوّل الأسرة من بناء اجتماعي مترابط يحفظ القيم والأخلاق إلى مجرد أفراد مندمجين في عجلة الإنتاج الضخمة التي تديرها الدولة، وهو نفسه ما يريده السيسي في دعوته المتواصلة لتحديد النسل.

   

وملخص الأمر أن فكرة تحديد النسل هي فكرة خرجت من معامل العلوم الاجتماعية والديموغرافية التي كان يديرها المستشرقون الأوروبيون والأميركيون في مصر، وتلقّتها النخبة المصرية التي كانت تكره الزحام، وتريد خلق مصر جديدة لا يوجد بها مقاومة للمحتل الإنجليزي وتخدم مصالح كبار التجار، وتريد استبعاد فئات معينة مثل الصعايدة والنوبيين والفلاحين، ثم انتقلت تلك الفكرة إلى قلب المشاريع التربوية والاجتماعية التي طرحها سلامة موسى وعباس مصطفى عمار، لكنها قوبلت بمناقشة ساخنة وردود مفحمة قادها زعماء شعبيون رأوا أن الزيادة السكانية ليست بالخطر الداهم الذي يُشكّل كل ذلك التهديد، ثم قامت حركة يوليو التي تبنّت أفكار مشروعات الثلاثينيات نفسها، ودعمها خطاب ديني يدور حول مصلحة الدولة وليس مصلحة الإنسان، ثم تكرر الأمر في عهد مبارك، ثم عهد عبد الفتاح السيسي، وخلال ذلك التاريخ الطويل ظلت معاناة الإنسان المصري كما هي، لأن السلطة ترفض النظر إليه كإنسان وليس ككائن ريفي جنسي غير متحضر لا يعرف مصلحته ولا مصلحة أسياده.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار