انضم إلينا
اغلاق
في نقد فوكوياما.. كيف تعزز سياسات الهوية الديمقراطية؟

في نقد فوكوياما.. كيف تعزز سياسات الهوية الديمقراطية؟

منصور سليمان

باحث ومترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم

لا شك أن فرانسيس فوكاياما، الكاتب والمفكر الأميركي ذا الأصول اليابانية، يعدُّ واحدا من أشهر المنظّرين لما صار يُعرف بـ "المحافظين الجدد". وقد برز اسمه على ساحة التنظير في مجال تاريخ الأفكار، أو بالأحرى "النظريات السياسية الحديثة"، بُعيدَ نشره مقالا مثيرا في عام 1989، في دورية "ناشونال إنترست"، بعنوان "نهاية التاريخ". ومنذ لحظة نشره، أثارَ المقال جدلا واسعا وسط المهتمين، مما دفع فوكوياما إلى تطوير الأفكار الواردة فيه وتحريرها في كتاب صدر في عام 1992، وحمل عنوان "نهاية التاريخ والإنسان الأخير".

   

بصدور الكتاب، اكتسب فوكوياما شهرة مضاعفة، فلم يعد منظّرا سياسيًّا فحسب، بل أصبح نجما لامعا شأنه شأن مشاهير هوليوود، يتردد اسمه في أحاديث الناس في جميع دوائر المجتمع وتترجم أعماله إلى العديد من لغات العالم وتتصدر مؤلفاته قائمة أكثر الكتب مبيعا. منذ ذلك الوقت ظلّ فوكوياما ينشرُ تباعا كتبا ومقالات في مجالي الفكر السياسي النظري والسياسات التطبيقية كان أبرزها "مستقبلنا البشري: عواقب ثورة التقنية الحيويّة"، و"أمريكا على مفترق الطرق: ما بعد المحافظين الجدد"، و"النظام السياسي والاضمحلال السياسي". لكنّ أيًّا من تلك الكتب لم يُثر سجالا كالذي أحدثه كتابه الأول، حتى بعد أن حاول استدراك ما تجاهله أو غفل عنه في طبعته الأولى. غير أن الجديد هذه المرة هو عودته بعد مرور ما يقارب الثلاثين عاما على أطروحته حول "نهاية التاريخ" إلى الساحة الفكرية بمقال مثير واستفزازي نُشر في عدد "فورين أفيرز" لشهري سبتمبر/أيلول-أكتوبر/تشرين الأول 2018، تحت عنوان: "ضد سياسات الهوية: العشائرية الجديدة وأزمة الديمقراطية".

   

ولأهمية ما تضمنه مقال فوكوياما، قام موقع "ميدان" بترجمته إلى العربية (هنا)، وهو الذي حوّله فوكوياما لاحقا لكتاب بعنوان "الهوية". وفي غضون ذلك، نشرت مجلة "فورين أفيرز" في عدد مارس/آذار-أبريل/نيسان 2019، ردودا على أطروحة فوكوياما، سنُترجمها تباعا على موقع "ميدان"، ضمن ملف يُعنى بمتابعة تفاعل النقاد مع النقاش الذي أثاره فوكوياما حول قضايا الهوية. في الجزء الأول من تلك الردود، تأتي ترجمة مقال كتبته "ستيسي أبرامز"، المحامية والسياسية البارزة في الحزب الديمقراطي والتي تولت زعامة الأقلية في مجلس نوّاب جورجيا في الفترة 2011-2017.

    

 كتاب "الهوية" لفوكوياما" (مواقع التواصل الاجتماعي)

       

الترجمة

جددت التقلُّبات السياسية التي شهدتها أميركا مؤخرا النقاش القديم حول دور الهُوية في السياسة الأميركية وبصورة خاصة في الانتخابات. يرجع ذلك إلى سياسات الانتخاب التي ظلّت منذ أمد بعيد مؤشرا دالا على مدى تلكؤ البلاد في مجال التغيير الاجتماعي، فقد بقيت المشاركة في الانتخابات لمئات السنين ممارسة مقيّدة بقوانين تحرم النساء والأميركيين من أصول أفريقية وغيرهم من المجموعات حق التصويت في الانتخابات (واليوم هناك محاولات تسعى إلى حرمانهم من حق التصويت وصدهم عن المشاركة بإجراءات -وإن لم تكن تتم بصورة سافرة كما في السابق- لا تزال تضمر ذات النيّات الخبيثة).

   

وحصلت المجموعات المهمشة على حق الاقتراع بعد عملية مناهضة لأشكال من التمييز وسوء المعاملة ظلت تُمارس ضدهم، وقد أخذت منهم تلك العملية وقتا طويلا، كما استغرق الأحزاب السياسية والمرشحون للانتخابات وقتا أطول للتصدي لمثل تلك القضايا المطلبيّة. وقد دفع تزايد النمو الديمغرافي والتحول التكنولوجي في العقود الأخيرة إلى تسريع المطالبة بإشراك المجموعات المهمّشة سياسيا، ورفع سقف التوقعات وسط مجتمعاتها التي طالما تعوّدت على قبول التغيير بوتيرة بطيئة. إلى جانب ذلك، باتت الانتخابات الأميركية في العقود الماضية تعوّل كثيرا على الفئات العمرية الأقلَّ سنا، والأكثر تنوعا من الناحية العرقية.

   

كما غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي المشهد السياسي برمته، فأصبح فيسبوك يرصد حالات التفاوت وانعدام المساواة بجانب إتاحته لإمكانية إعادة نشر تلك الحالات بصورة مستمرة، أما منصة تويتر فقد أتاحت ربط المهمشين الذين لا صوت لهم مع صنّاع الأخبار، ومن جانبها أسهمت منصة إنستغرام في تخليد المهمشين ورصد الآثار الناشئة عن التمييز العنصري الذي تعرضوا له. وفي المحصلة، تحوّلت الفظائع التي كانت تُرتكب بصورة معزولة في السابق إلى مخزون فسيح لسرديات حول التهميش تحفّز الجميع للتصدي لقضية مشتركة.

     

   

والحال كذلك، فقد شجّعت هذه التحولات الناشطين والمرشحين السياسيين على طرح مطالبهم بدرجة عالية من الوضوح لمناهضة الهويات التي استخدمتها الجماعات المهيمنة، وبالتالي تحولت -هذه الهويات ذاتها- من أدوات تهميش إلى أدوات تعزز العدالة الديمقراطية. لكن النقّاد بمن فيهم فرانسيس فوكوياما (وأشير هنا إلى مقالته الموسومة بـ "ضد سياسات الهوية"، المنشورة بعدد سبتمبر/أيلول-أكتوبر/تشرين الأول 2018 من مجلة الفورين أفيرز)، ينددون بهذه الظاهرة ويعتبرونها محض ممارسة لـ "سياسات الهُوية"، لا تعبر أصالة عن فكرة العدالة. غير أن نقد فوكوياما لهذه الظاهرة يقوم على جملة من الاستنتاجات المغلوطة، فهو يشتكي من أن "الجماعات المهمشة أصبحت تعتقد أن هوياتها -سواء كانت قومية أو دينية أو عرقية أو جنسية أو جندرية أو غير ذلك- لا تحظى بالاعتراف الكافي". بالطبع تلك الجماعات في الولايات المتحدة تؤمن بالتهميش -أي عدم الاعتراف الكافي بهويتهم- لأنه حقيقة معاشة ببساطة.

   

في الاتجاه نفسه يحذّر فوكوياما من أن الأميركيين أصبحوا "يتشرذمون إلى شرائح تتمحور حول هويات أضيق، مما يقوّض أفق التعاون والعمل الجماعي من قِبل المجتمع ككل". غير أن هذا "التشرذم" الذي يتحسّر عليه فوكوياما هو في حقيقة الأمر بمنزلة انتصار للجماعات المهمّشة التي تمكّنت مؤخرا من التغلّب على محاولات إقصاء امتدت لقرون بقصد إخراجهم من المشهد السياسي الأميركي. وبالتّالي فهذا الحَراك لن يُشكّل تهديدا للحكم الديمقراطي وإنما سيعمل على تقويته وفق أسس عادلة.

   

فخ نظام الطبقة

يمضي فوكوياما إلى القول إن على الحزب الديمقراطي أن "يحدد خياراته" السياسية من قضايا الهوية. ويضيف: "الحزب أمام خيارين، إما أن يستمر في محاولة الفوز في الانتخابات من خلال تعبئة مجموعات الهُوية التي باتت توفّر للحزب نشطاء أكثر حماسا؛ مثل الأميركيين من أصل أفريقي ولاتيني والنساء المهنيّات ومجتمعات المثليين وسواهم من المجموعات"، وإما عليه -بدلا عن ذلك وهو الخيار المفضّل لفوكوياما- التركيز على القضايا الاقتصادية، بصورة تؤهله "لاستعادة بعض ناخبي الطبقة العاملة من البيض، الذين انضموا إلى الحزب الجمهوري في الانتخابات الأخيرة".

     

  

إضافة إلى ما سبق، فإن فوكوياما ونقّاد سياسات الهُوية الآخرين يرون أن البنى الاجتماعية الكبرى، مثل شريحة الطبقة الاقتصادية، تتضمن داخلها عدة طبقات؛ وبالتّالي ينبغي أن ينصبّ الاهتمام على تلك البنى الرئيسية بدلا من التركيز على قضايا عدم المساواة المتفرعة عنها. غير أن محاججة كهذه تغفل الاعتراف بأن لبعض منسوبي الطبقة الاقتصادية مزايا لا يتمتع بها آخرون في الطبقة نفسها، لا سيّما وأن تاريخ الولايات المتحدة زاخر بأمثلة تبرز لحظات تخلّى فيها أعضاء المجموعات المهيمنة عن التضامن الطبقي عندما أدركوا أن تبعات التضامن ستكون منافسة صفرية.

   

أضف إلى ذلك، أن المضطهدين درجوا على توجيه غضبهم الانفعالي إلى الفئات الأدنى منهم في السلّم الاجتماعي، أي إلى فئات عاجزة عن الانخراط في أي محاولة للتمرد على ذلك الواقع. ويصدق هذا بوجهٍ خاص على الشريحة المعروفة باسم "الطبقة العاملة"، فتاريخ النزاع داخل هذه الطبقة بين العمال البيض والسود يعود إلى العهود المبكّرة من تاريخ تأسيس الولايات المتحدة، حيث شهدت تلك الفترة توترا بين العبيد الأفارقة وبين الخدم الأوروبيين الذين كانوا يعملون بعقود. أضف إلى ذلك أن قضايا العنصرية والتحيّز ضد النساء ظلّت تشوه قصة كفاح الحركة العمالية في الولايات المتحدة، وأدّت في النهاية إلى بروز طبقة وسطى قائمة على نظام الفصل (بين البيض والسود)، كما ساهمت في استمرار التفاوت في الأجور بين الرجال والنساء، وفاقمت التفاوت بسبب الفوارق العرقية. وعلى الرغم من أن الطبقة العاملة الأميركية قد دأبت على الاعتماد الدائم على النساء والشعوب الملونة في عملية الضغط من أجل تحسين وضعية العمال، فإنها كانت بطيئة في التعبير عن حقوقهم ضمن مكتسبات الحركة العاملة.

   

إن النصائح المجانية، من قبيل الدعوة إلى التركيز على قضايا الطبقة فقط، تغفل الصلات المعقدة القائمة بين مفاهيم العرق والجندر والاقتصاد في الممارسة الأميركية. وهو ما لاحظه فوكوياما نفسه عندما ألمح إلى صعوبة "إنشاء تحالفات واسعة للنضال من أجل إعادة توزيع الثروة"، لأن "أعضاء الطبقة العاملة الذين ينتمون إلى مجموعات هوية تنتسب إلى مرتبة أعلى (مثل مجموعة البيض في الولايات المتحدة) يميلون إلى مقاومة الانخراط في تبني القضايا المشتركة مع من هم دونهم". وينطبق الأمر نفسه على فكرة أخرى عبّر عنها فوكوياما، في ما أسماه استخفافا بـ "سياسات الهوية"، فقد أثبتت النجاحات التي حققها الحزب الديمقراطي في عام 2018 عدم نجاعة رؤيته تلك.

    

بعيدا عن سياسات الانتخاب، يجادل فوكوياما ونقاد آخرون بأن الاستعانة بالعِرق والثقافة والجندر، أو الاختلاف الجنسي، سيضر بالمجموعات المهمّشة وبقضاياها

رويترز
   

حيث ترشحتُ في العام الماضي لمنصب حاكم ولاية جورجيا كأول امرأة أميركية من أصول أفريقية يرشحها حزب كبير في تاريخ الولايات المتحدة لمنصب حاكم. وقد تعمدت في حملتي الانتخابية أن أسلّط الضوء بوضوح على قضايا مجتمعات الملونين، وعلى قضايا غيرهم من المهمشين، ليس بغرض إقصاء الآخرين وإنما اعترافا مني بحاجتهم إلى صياغة سياسات محددة تناسب واقعهم. إلى جانب ذلك، تبنّت حملتي الانتخابية الدعوة إلى إجراء إصلاحات قانونية تشمل: القضاء على حالات إطلاق النار على الأميركيين من أصول أفريقية، والدعوة لحماية مجتمع المثليين من التشريعات الدينية البديلة، والدعوة إلى توسيع نطاق برنامج الرعاية الصحية، بالإضافة إلى الدعوة إلى إعادة التأكيد على حق المهاجرين الذين لا يحملون أوراقا رسمية في الحماية.

  

في الوقت نفسه، رفضت قبول الفكرة التي تقول إن الناخبين الأكثر تأثرا بتلك السياسات سيدعمونني لمجرد كوني من الأقلية. لكن الحقيقة هي أن الناس عندما لا ترى قضاياها تُعالج بشكل حقيقي يمتنعون في الغالب عن التصويت كليا. لذلك أقامت حملتي الانتخابية ائتلافا غير مسبوق يجمع الملونين والبيض الذين يقطنون الريف والضواحي والشبان الذين يسكنون في أقاصي الجنوب، عن طريق بلورة أفكار تستوعب خصوصيات كل مجموعة فيها بدلا من الاعتماد على صورة شمولية زائفة حول أوضاعهم. ونتيجة لذلك، حصلت في الانتخابات النصفية -التي حظيت بنسبة مشاركة عالية في التصويت بلغت نحو 4 ملايين ناخب- على أعلى نسبة تصويت في تاريخ الحزب الديمقراطي في جورجيا. وخسرت المنافسة بفارق 24,000 صوت، وهو فارق ضئيل في منافسة شهدت مخالفات جسيمة في عملية التصويت.

  

مقاربات مختلفة

بعيدا عن سياسات الانتخاب، يجادل فوكوياما ونقاد آخرون بأن الاستعانة بالعِرق والثقافة والجندر، أو الاختلاف الجنسي، سيضر بالمجموعات المهمّشة وبقضاياها. لأن الارتهان إلى حساب "الكتلة" العرقي والاحتفاء بالاختلاف -بحسب أطروحة فوكوياما- سيمنح خصومهم الفرصة لاستبعادهم أكثر. غير أن المشكلة مع هذا الطرح هو أن لا خيار أمام الأقليّات والمهمشين سوى الاستمرار في محاربة أساليب التمييز التي استُخدمت ضدهم. والأدهى من ذلك أن الأطروحة تنسى أن المهمشين لم يُنشئوا بالأساس سياسات الهوية بل فُرضت عليهم من قِبل المجموعات المهيمنة، وبالتالي فلا مناص من الانخراط في العمل السياسي المناهض، فهو الذي يوفر أكثر السبل فعالية في الثورة على وضعيتهم.

     

  

إن الخطوة الأولى لإنصاف المهمشين وإدماجهم في العمل السياسي ينبغي أن تنصرف إلى تحديد العوائق التي حالت دون مشاركتهم، ويقتضي ذلك مراجعة جملة من القوانين الرسمية وغير الرسمية التي حرمت المهمشين وعزلتهم عن المشاركة. وبما أن الأساليب التي استخدمتها الولايات المتحدة، في استبعاد النساء والأميركيين الأصليين والمهاجرين والأميركيين من أصول أفريقية والمثليين، في ملكية العقارات وفرص التحصيل التعليمي والحق في الاقتراع السياسي كانت مختلفة، كذلك ينبغي أن يكون الأمر بالنسبة لتبني أساليب نضالية ناجحة لتأكيد حقوق تلك الشرائح.

  

من هنا تنبع الحاجة إلى تبني سياسات تحترم وتعبّر عن الطابع المعقد لتلك الهويات والطرائق التي تتشابك بها. على أن يكون الأساس في تحقيق ذلك من خلال توفير حماية قانونية قائمة على وعي بالكيفية التي وُظّفت فيها الهوية لحرمان تلك الشرائح من الفرص. على سبيل المثال، يجب أن ندرك أن حقوق مجتمع المثليين لم تدرج ضمن قوانين حماية الحقوق المدنية، ما يعني بأن أفراد هذا المجتمع قد يفقدون وظائفهم أو حقهم في السكن والتبني.

  

ويمكن قول الأمر نفسه بالنسبة للقوانين المناهضة للإجهاض، فهو سيضر النساء الملونات وزميلاتهن من الشرائح ذات الدخل المحدود أكثر من غيرهن من النساء، لأنه -في هذه الحالة- يؤثر على قدرتهن الاقتصادية وبالتالي يهدد حياتهن كلها. والشيء نفسه بالنسبة للإجراءات التي تعرقل الناخبين عن ممارسة حقهم الانتخابي، فهي الأخرى تعتبر إحدى أخبث الوسائل المستعملة لإفشال فعالية سياسات الهوية، الشيء الذي يؤكد أهمية تفعيل قانون حق التصويت لسنة 1965، وإجراء إصلاحات شاملة على مستوى الولايات وعلى المستوى المحلي.

      

من خلال الاحتفاء بالهوية بكل خصائصها الشائكة وغير المريحة سيكون بمقدور الأميركيين أن يصبحوا بحق أمة واحدة

رويترز
   

والحال كذلك، فعندما تلحّ المجموعات الأكثر تأثرا بتلك القضايا على ضرورة الاعتراف بالفروقات الجوهرية التي تميزها، فإنه يجب ألا يُنظر إلى ذلك باعتباره عامل تفرقة. ذلك أن الاحتفاء بالهويات المستقلة للمجموعات وتاريخها في النظم الديمقراطية من شأنه أن يعزز الطابع المركّب للمجتمع ويقوّي قدرته ككل. على سبيل المثال، فقد استطاعت الحركة النسوية من خلال إبراز الخصائص الفريدة للأمومة -في حالة النساء الملونات بما يحملنه من خصائص تهميش مركب طرفاه الجنس والعِرق- أن تـُثبت إمكانية الاستفادة من تلك الخصائص لجميع شرائح المجتمع المعنية. ويعتبر قانون الإجازة العائلية لأسباب طبية -على سبيل المثال- دليلا على تلك الاستفادة، فهو قانون طالبت به الحركة النسوية في الأصل لضمان حق النساء في الإنجاب مع الاحتفاظ بوظائفهن، ثم صار في النهاية حقا متاحا للجميع؛ فبات الرجال يعتمدون عليه في الاستفادة من حق الإجازة لصالح رعاية أطفالهم وعند العناية بوالديهم المسنين.

  

إن الأوضاع الديمغرافية والتحولات الاجتماعية الراهنة، الآخذة في التنوع، تسير بموازاة نزعة أخرى يتزايد فيها التفاوت الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع. وهي تطورات وإن بدت متباينة فإنها مرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا. وبصورة خاصة، فقد أدى دخول المهمشين إلى أماكن العمل ومجالس التشريع -وهي مكاسب تحققت عبر التغاضي والتشريعات- إلى بروز محاذير وقيود رجعية جديدة تجاههم، تهدف في مجملها إلى مساءلة أهليتهم القانونية والتشكيك في مظلوميتهم، وبالتالي الحيلولة دون إنصافهم. ولذلك، فالمعالجة الطبيعية لهذه الحالة لا تتم عبر اللجوء إلى وصفة هلامية شمولية تفتقر إلى أي مراعاة للسياق والتنوع في المجتمع. على العكس من ذلك، يجب على الأميركيين أن يواصلوا نضالهم في توسيع سياسات تراعي خصوصية الهوية، لأن الأصوات الجديدة والحيوية والمزعجة توفر -في الوقت نفسه- أنجع الوسائل في إدارة الآلام المتزايدة المتولّدة عن تجارب التعايش. فمن خلال الاحتفاء بالهوية بكل خصائصها الشائكة وغير المريحة سيكون بمقدور الأميركيين أن يصبحوا بحق أمة واحدة.

___________________________________________

هذا التقرير مترجم عن: Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار