انضم إلينا
اغلاق
لماذا تعد المعارضة السياسية على مواقع التواصل عملا فاشلا؟

لماذا تعد المعارضة السياسية على مواقع التواصل عملا فاشلا؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

غالبا ما يُنظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي على أنها منصة جديدة للنشاط السياسي والاجتماعي. ولكن على الرغم من أنه من السهل إنشاء حركة اجتماعية ناشطة على تويتر أو فيسبوك، فإن ترجمة ذلك النشاط إلى تغيير فعلي في السياسة هو أمرٌ مختلف تماما. قبل أن يُغيّر الإنترنت السرعة التي يتحرك بها العالم، كانت مثل هذه الحركات تنمو بوتيرة بطيئة. تطلّبت حركة مقاطعة حافلة مونتغمري (العنصرية) الشهيرة التي استمرت ١٣ شهرا بعد أن بدأتها روزا باركس عاما كاملا من التنظيم والدعوة إلى التغيير. واحتاجت حركة الحقوق المدنية في أميركا إلى عقد من الزمان للتحضير للزحف إلى واشنطن، وقد أمضى مارتن لوثر كينج جونيور ورفاقه ذلك الوقت في تكوين وتعميق الروابط الاجتماعية، وتقوية واختبار حركتهم.

 

على النقيض من ذلك، تشكّلت الاحتجاجات الجماهيرية الحديثة مثل حركة "احتلوا وول ستريت" بسرعة ولكنها كانت تفتقر إلى المتانة والقوة التي تتراكم بمرور الوقت، وسرعان ما فقدت تركيزها وبوصلتها مما قلّل من قدرتها على إحداث التغيير. كما أن احتجاجات منتزه غيزي في تركيا كانت قد نمت من لا شيء إلى حركة ضخمة في غضون أيام، بشكل يبيّن الإمكانيات الهائلة للتنظيم باستخدام الأدوات الرقمية، بحسب ما جاء في كتاب "تويتر والغاز المسيل للدموع"، من تأليف زينب توفيقجي الأستاذة بجامعة نورث كارولينا في تشابل هيل. تكتب في كتابها: "ولكن تأتي مع هذه السرعة نقاط ضعف عدّة، بعضها غير متوقع... إذ إن السهولة التي تتشكّل بها الحركات الاجتماعية الحالية غالبا ما تفشل في بلورة قدرة تنظيم قوية بما يكفي لتهديد من هم في السلطة".

 

إن المجتمع هو كيانٌ يعمل بطبيعته بشكل جماعي، نشكّله معا حتى عندما نكون مختلفين. هذا الكيان هو ممكن وضروري بسبب ترابطنا الذي نشأ من خلال تطوّر الجنس البشري، ولكن أيضا لأننا نتشارك المجال والحيز نفسه، بما في ذلك الهواء والماء والتربة والطرق والبلدات والمدن والمشاعات الطبيعية.  في هذا الإطار، تتكون مجتمعاتنا على الصعيد المادي-الجغرافي من مساحات نتفاعل ونختلط فيها ونعمل جاهدين على أن نكون متوائمين ومتوافقين فيها. هذه الأماكن العامة هي المكان الذي نلتقي فيه مع جيراننا، ونلعب فيه مع أطفالنا، ونمشي فيها في طريقنا إلى العمل، وندلّ فيها الغرباء التائهين على الطريق، ونصادف فيها الأصدقاء.

   

إمكانية الوصول إلى المجتمع المحيط من خلال المشي تبني الكثير من الثقة بين أفراد المجتمع، الذين قد يكونون جيرانا أو سكان حيّ أو غير ذلك من المجتمعات

مواقع التواصل
    

قد يكون أحد أعظم العوامل في تعلّم الثقة والاعتماد على الآخرين من الجيران والأصدقاء هو وجود مجتمع قريب يمكن الوصول بسهولة إلى أفراده عن طريق المشي على الأقدام. فالتفاعلات اليومية التي تتيحها الأحياء التي يمكن السير فيها تضمن نشوء روابط ثابتة مع الآخرين من الناس الذين يحتاج إليهم كلٌّ منا بشدة. قد تكون هذه التفاعلات صغيرة وغالبا غير ذات شأن (مثل استعارة كوب من السكر)، لكن أدمغتنا تطوّرت بطريقة تجعلنا دائما نبحث عن الأُلفة في قبائلنا ومجتمعاتنا وجيراننا لتذكير أنفسنا بأننا لسنا وحيدين. وتُظهر الأبحاث أن إمكانية الوصول إلى المجتمع المحيط من خلال المشي تبني الكثير من الثقة بين أفراد المجتمع، الذين قد يكونون جيرانا أو سكان حيّ أو غير ذلك من المجتمعات، وتزيد من المشاركة المدنية بشكل كبير وفي الوقت نفسه تعزز قدرة الناس على فهم بعضهم بعضا.

 

إن الاحتجاج الفعّال لا يعتمد فقط على حق الناس في التجمع، ولكن أيضا على توفّر الأماكن العامة التي يمكن التجمّع فيها وعلى فهم المواطنين لماهية تلك الحقوق. بحسب نصّ لحُكم من قِبل المحكمة العليا في الولايات المتحدة من عام ١٩٣٩، "منذ فجر التاريخ، تم استخدام الشوارع العامة والمتنزهات… لأغراض الاحتشاد... شكّل مثل هذا الاستخدام للشوارع والأماكن العامة، منذ العصور القديمة، جزءا من الامتيازات والحصانات والحقوق والحريات التي يتمتع بها المواطنون". أيّد ذلك الحُكم الحق في التجمع في الشوارع العامة، وقام بإلغاء شرط الحصول على تصريح سابق كانت تفرضه البلديات على هذه التجمعات.

 

هذه كلمات قوية تستحضر دروسا قيّمة من التاريخ. عندما بدأت حكومات الولايات والحكومات المحلية في تقييد الحق في التجمع وحصرها في أوقات وأماكن معينة،  كما حصل في الولايات المتحدة بدءا من القرن التاسع عشر، وعندما سمحت المحكمة العليا لهذه القيود بالاستمرار ابتداء من منتصف القرن العشرين، كان لتلك الإجراءات عواقب كبيرة جدا على الديمقراطية. حتى في الآونة الأخيرة، مثلا في عامي ٢٠١٧ و٢٠١٨، اقترح ما لا يقل عن ٣٠ هيئة تشريعية في الولايات المتحدة، وفي بعض الحالات أقرّت، قوانين تقيّد حرية التجمع. حظرت بعض القوانين ارتداء أقنعة الوجه أو القلنسوات أثناء المشاركة في الاحتجاجات، فيما سعت أخرى إلى تثبيط القوّة الجماعية للتجمعات عن طريق فضفضة وتوسيع التعريفات التي تسمح بأن يتم اعتبار أشكال قانونية من الاحتجاج نوعا من أعمال الشغب غير القانونية. كما سعت قوانين أخرى في هذا الإطار إلى منح السائقين الحصانة القانونية عندما يدهسون المتظاهرين الذين يعيقون طريقا عاما أو طريقا سريعا!

  

قد تكون العرائض التي يمكن توقيعها من خلال نقرة فأرة الحاسوب في عصر الإنترنت النموذج الأمثل لجمع عشرات الآلاف من التواقيع بسرعة

مواقع التواصل
   

لقد تم اعتقال المتظاهرين في البلدان الاستبدادية مثل روسيا وتركيا بالمئات، إن لم يكن الآلاف، بعد أن أُلغيت حقوقهم في التجمع. وفيما شكّل سابقة مخيفة لمستقبل الديمقراطية، لجأ الناشطون في إسبانيا في عام ٢٠١٥، استجابة للحظر الشامل على الاحتجاجات الذي فرضته السلطات، وعلى المسيرات والتجمعات أمام البرلمان، لجأوا للاحتجاج عن طريق الهولوغرام (الإسقاط الضوئي). إذ قام ١٨ ألف شخص ببث صور ثلاثية الأبعاد لأنفسهم وهم يحتجّون، بحيث تم إسقاطها ضوئيا أمام مبنى البرلمان لعدة ساعات، في حين ألقى قادة النشطاء خطبا، كذلك عن طريق الهولوغرام!

 

هل تُشكّل مثل هذه الأنماط من الاحتجاج، بالإضافة إلى التعليقات والعرائض على الإنترنت، مستقبل التظاهر والعمل السياسي؟ كيف سيكون ردّ الحكومات على احتجاجات تحدث عبر الهولوغرام؟ هل ستكترث؟ قد تكون العرائض التي يمكن توقيعها من خلال نقرة فأرة الحاسوب في عصر الإنترنت النموذج الأمثل لجمع عشرات الآلاف من التواقيع بسرعة، لكن من غير المحتمل لها أن تؤثر كثيرا على ممثل منتخب من الشعب مقارنة بحشد من الناخبين على أرض الواقع يقومون بتقديم مطالبهم وشكاواهم شخصيا ووجها لوجه.

 

هذا دون أن نذكر ما تم فضحه مؤخرا حول قدرة الجهات الفاعلة الأجنبية والمتصيدين ومزارع الحسابات الوهمية الآلية التي تتظاهر بأنها تعود لمواطنين حقيقيين، ليس فقط على اختراق الوحدة المجتمعية من خلال تضخيم الانقسامات، بل أيضا على توليد ملايين التعليقات على الإنترنت التي تهدف إلى التأثير على السياسة العامة بطريقة أو بأخرى.

  

  

لقد خلقت التكنولوجيا الرقمية عوالم لا يمكن تخيّلها من التواصل والاتصال، لكنها قامت أيضا بخلق شكوك بشأن دورها في تقويض أسس الحكم الديمقراطي الذي يبنيه الناس من أجل الناس. لهذا السبب، أصبحت أشياء مثل التواصل وجها لوجه، والاحتجاجات الجماهيرية على أرض الواقع، وهي أدوات عمرها قرون للنضال من أجل المواطنة والحقوق الكاملة، أكثر أهمية من أي وقت مضى من أجل تثبيت أقدامنا في وقت نحاول فيه العبور إلى حقبة جديدة من علاقة البشر بالتكنولوجيا. سيتعيّن على أنماط الاحتجاج الجديدة أن تتعلم كيفية الجمع بين سهولة وسرعة الاتصال عبر الإنترنت وبين التنظيم الصبور وطويل الأجل على أرض الواقع والذي يعطي الاحتجاج قوته وقدرته على البقاء في العالم الحقيقي.

--------------------------------------------------------------

ترجمة: كريم طرابلسي.

هذا المقال مأخوذ عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار