انضم إلينا
اغلاق
صناعة المواطن المديون.. هكذا تخضعنا الدولة لسلطتها

صناعة المواطن المديون.. هكذا تخضعنا الدولة لسلطتها

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

صبيحة يوم الثالث من يوليو/تموز لعام 2019، وفي الذكرى السنوية السادسة للبيان العسكري الذي بموجبه قُضِيَ على ثورة الخامس والعشرين من يناير ودُشِّن العهد الجديد للحكم العسكري، استفتح المصريون يومهم بعد دعاء "الفتاح العليم الرزاق الكريم" بتأكيدات بأن الزيادات المتوقعة في أسعار المواد البترولية بمشتقاتها كافة ستبدأ من مساء اليوم نفسه أو صباح اليوم الذي يليه على أقصى تقدير، في خطوة وُصفت بأنها حتمية ومنتظرة، إذ إنها جزء رئيس من اتفاق الحكومة المصرية مع صندوق النقد الدولي، الذي أعلن سابقا أن مصر ملتزمة بتحريك أسعار المواد البترولية قبل بداية العام المالي الجديد، الذي بدأ فعليا منذ أيام (1).

      

أربعة أعوام مضت حتى الآن، منذ بداية ما يُعرف بجدول أعمال الإصلاح الاقتصادي لصندوق النقد، مع تحرير سعر صرف العملة المحلية والشروع في رفع الدعم الحكومي على السلع الأساسية على موجات متتالية، مثّلت ضربات اقتصادية متلاحقة وعنيفة لعموم المصريين، أربكت حسابات الطبقات الوسطى والدنيا وهددت بشكل جذري أنماط حياتهم وأمانهم الاجتماعي، واللافت للنظر هنا هو استمرار وتكثيف الدعاية الحكومية المباشرة وغير المباشرة المروجة لنُظم الدعم الاجتماعي القائمة والمستقبلية، ودور رفع الدعم عن الوقود والسلع في تقوية وتحسين تلك الخدمات المُقدَّمة للجمهور بموجبها، فمع كل موجة لرفع الدعم أو ارتفاع للأسعار أو انخفاض في قيمة العملة المحلية، تخرج الأبواق الإعلامية للنظام لتؤكد أهمية تلك الإجراءات لدعم القطاعات الصحية والتعليمية والخدمية للدولة، التي ستنعكس بشكل إيجابي على حياة المواطنين.

        

  

إلا أن تلك الدعاية تنكشف تلقائيا بمقارنة أولية بسيطة مع الظروف الاقتصادية الصعبة وغير المستقرة التي يحياها قطاع واسع من المصريين اليوم، ليبقى السؤال: أين ذهبت إذن أموال الدعم المخصصة لصالح عموم المواطنين لتُعينهم على مصاعب الحياة؟ إجابة الموازنة العامة للسنة المالية الجديدة (2019-2020) كانت صريحة، أموال المصريين ذهبت لسداد فوائد القروض والديون التي يعاني منها النظام المصري الذي يرتكز على الاقتراض بشكل أساسي في سنواته الأولى لسد عجزه على مستوى التنمية والشرعية السياسية(2)، خصوصا في ذروة صراع النظام مع معارضي الانقلاب العسكري، وحاجة النظام الماسة إلى تحقيق إنجازات ملموسة وفورية في ظل صراعه على شرعية الأمر الواقع.

     

بالتالي، قفز النمو في الإنفاق على سداد القروض بنسبة 36% في موازنة السنة الجديدة مقابل 3.4% في السنة الحالية مقابل تراجع الإنفاق العام على التعليم والصحة ورفع الدعم كما أسلفنا، في طفرة واضحة لهذا البند لم تحدث منذ عقود، ما يعني أن عبء الدين العام أو ما يُسمى بالدين السيادي قد انتقل من كونه عبئا على جهاز الدولة كدين سيادي عام، إلى ديون خاصة تُسدّد من مستحقات المواطنين من خدمات الرعاية والتأمين والدعم لصالح المؤسسات المالية والشركات الدولية الدائنة (3)، ليتحوّل عموم المصريين بمقتضى المواطنة إلى مَدينين تحت رحمة المؤسسات المالية الدولية.

      

أنت مواطن.. إذن أنت مَدين

  

أثناء عرض مشروع الموازنة العامة للنقاش داخل البرلمان المصري، وضع النائب أحمد طنطاوي يده على أساس المشكلة في السياسات الاقتصادية غير العادلة التي أظهرتها الموازنة، بداية من بند الأجور والمرتبات الذي انخفض بشكل حاد في موازنة (2019-2020) إلى أقصى انخفاض له بنسبة 4.9% من إجمالي الإنفاق العام داخل الموازنة، المشكلة الأساسية التي يؤكد عليها النائب طنطاوي هي أن هذا الانخفاض على عكس ادعاءات الحكومة لا يُعوَّض في داخل بنود الإنفاق العام داخل الموازنة، بل العكس، فما يحدث هو الانخفاض الحاد بالقدر نفسه في بنود الإنفاق العامة الأخرى، فبند الإنفاق في التعليم وصل 2.1%، وبند الإنفاق في الصحة العامة وصل إلى 1.4%، وبند الدعم وشبكات الرعاية والتضامن الاجتماعي وصل إلى 4.4% من الناتج المحلي، في معدلات لم تشهدها مصر منذ كانت على شفا الإفلاس في عام 1988.

    

بعد تفنيده للخطاب الدعائي الرسمي، يتساءل النائب البرلماني أحمد طنطاوي أين ذهبت مستحقات المصريين في التعليم والصحة والدعم والرعاية فضلا عن حقهم في زيادات الأجور والمرتبات بما يوازي ارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة العملة، ويجيب طنطاوي مستدركا أن كل المستحقات التُهمت عن طريق بند خدمة الدين العام الذي ارتفع لما يقرب من نصف الناتج المحلي بنسبة 48%، بند خدمة الدين الذي يذهب أغلبه، وهي النقطة المحورية هنا، لا لسداد صلب الديون والقروض نفسها المستحقة من الحكومة المصرية سواء في الخارج أو الداخل، بل تذهب غالبية المدفوعات تحت هذا البند إلى الفوائد والأقساط الناجمة عن هذه الديون والقروض!

    

لكن الأمر ليس جديدا، فمصر عالقة منذ زمن في مصيدة الديون، ففي قراءة لمشروع الموازنة هذا العام يوضح الباحث الاقتصادي د. إبراهيم نوار(4) أن "الحكومة المصرية تقترض من عقود لتسد جزءا من عجزها المالي الهيكلي والتاريخي، فالحكومة عاجزة ماليا منذ عقود وليس منذ سنوات. كذلك تقترض لتمويل إقامة بعض المشروعات، فالحكومة ليست لديها مصادر محلية لتوليد دخل كافٍ لتمويل الاستثمار، الذي حدث في السنين الأخيرة هو أن الحكومة قامت بعدد ضخم من المشاريع العملاقة فوق طاقتها الاقتصادية بمراحل، مما أدى إلى توسيع حجم الاقتراض بشكل غير مدروس وجنوني، وكنتيجة لعجز الدولة عن سداد هذه الديون قامت الدولة بخصخصة الديون، أي بتحويلها من ديون سيادية إلى ديون خاصة تُسدّد من المواطنين، تحديدا من مستحقاتهم لدى الدولة كالأجور والمرتبات والدعم والتأمين وشبكات الرعاية وجملة الإنفاق العام المخصص للصحة والتعليم والقطاعات الخدمية غير الربحية للدولة، عملا بتوصيات صندوق النقد الدولي".

      

كتاب "دراسة في الوضعية النيوليبرالية" لعالم الاجتماع الفيلسوف الإيطالي "موريزيو لازاراتو" (مواقع التواصل)

    

في كتابه "دراسة في الوضعية النيوليبرالية" يشرح عالم الاجتماع الفيلسوف الإيطالي موريزيو لازاراتو أنه عبر "خصخصة الدين العام يصبح المجتمع كله مَدينا"، إلا أن موريزيو لا يعتبر خصخصة الديون السيادية مجرد إجراء عارض لجأت إليه الحكومة المصرية للتخلص من ورطة وجدت نفسها داخلها، بل إن صناعة الإنسان المَدين وتحويل المواطنين في مجملهم إلى مَدينين للشركات والبنوك وصندوق النقد هو الركن الرئيس في الوضعية النيوليبرالية المعاصرة، وهو أساس الإصلاح الاقتصادي الذي يقوده صندوق النقد عبر العالم، فعبر خصخصة الديون السيادية ومن ثم تعميمها على الناس، يتحول الدين والقرض إلى أداة هيمنة وتحكم، أداة تعيد تشكيل وصياغة العقد الاجتماعي بين الأفراد والمؤسسات السياسية، فما أن يُحوَّل المواطنون إلى مَدينين يُعاد توظيف أدوات الدولة والسيادة والقانون والضبط الاجتماعي لضمان سداد تلك الديون، وتصبح سيادة الدولة غطاء لسيادة المؤسسات المالية والشركات الدائنة (5).

     

وهذا ما سيصبغ العلاقة بين المواطن والدولة الفترة الحالية والقادمة، ففي الرابع من يوليو/تموز، صبيحة إقرار التسعيرة الجديدة غير المدعمة للوقود والمشتقات البترولية؛ نشرت جريدة اليوم السابع المحسوبة على النظام خبر اجتماع أمني موسع حضره السيسي ورئيس مخابراته عباس كامل مع قيادات كلٍّ من جهاز الأمن ووزارة الداخلية، تلا الاجتماع تكثيف الوجود الشرطي بمحطات تزويد الوقود في العاصمة والمدن الرئيسية، يبدو هذا المشهد معبرا عن طبيعة الإصلاح الاقتصادي الذي يُوصي به صندوق النقد الدولي، فالإستراتيجية الأساسية لصندوق النقد -كما يوضح الباحث عمرو عادلي- هي إيقاع الدولة في فخ الدين السيادي ومن ثم احتلال تلك الدول ونقل عبء القروض وفوائدها وأقساطها إلى الأفراد، ليصبح الدين العام الأداة الرئيسية للحوكمة السياسية، فالمواطن هنا ليس فردا داخل عقد اجتماعي من الحقوق الحريات والواجبات، بل إنسان مذنب مَدين له التزامات عليه تنفيذها ولو بالقوة، وتصبح علاقة الدائن بالمَدين هي الأساس للعلاقات السياسية والاجتماعية، بدلا من علاقات المواطنة وقيم الديمقراطية والعقد الاجتماعي الدستوري، فالأجهزة الأمنية في العصر النيوليبرالي القادم لن تنتشر في الميادين العامة، بل في محطات الوقود.

      

القرض: سلاح السلطة ضد الزمن

"إن المجتمع الذي يُهيمن عليه النشاط المصرفي والسياسات المالية لليبرالية الجديدة، أي القرض، يلعب على الوقت والانتظار، يلعب بالمستقبل كما لو كان ورقة في لعبة قمار"

(جان جوزيف غو)

      

  

في تعليقه على تضخم بند خدمة الدين داخل الموازنة لسد فوائد القروض، أصدر الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي -الحزب الذي يعد نفسه من رموز ثورة 30 يونيو- بيانا يندد فيه بالسياسة المالية للحكومة، موضحا "أن القروض الجديدة التي تحصل عليها الحكومة من صندوق النقد ليست هي التي تسددها، الذي يسدد هنا هو المواطن، ومشقة السداد تقع على كاهل المواطنين الحاليين والذين لم يُولدوا بعد، لتسد فوائد وأقساط الديون المستحقة عليها التي لا يبدو أنها سوف تُرد على المدى القريب أو المتوسط"، بينما تُشير تقارير اقتصادية مختلفة إلى أن أسعار الوقود قد تستمر في الارتفاع إلى أن تصل إلى 700% مقارنة بسعره قبل بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي.

    

يعلق الباحث إبراهيم نوار موضحا أن "عبء فاتورة خدمة الديون (سداد الأقساط + الفوائد) قد تزايد في السنوات الأخيرة زيادة سريعة، وقفزت فاتورة خدمة الدين من 20% إلى 30% ثم إلى 50% ثم تجاوزت 50% من المصروفات الكلية في السنة المالية الأخيرة مسجلة 57.2%، وهي معدلات لم تشهدها الموازنة المصرية منذ عقود، في إشارة واضحة إلى شكل المستقبل والمعاناة التي قد تُعاني منها شرائح المجتمع الأوسع في الفترة المقبلة". بالعودة لموريزيو لازاراتو(6)، الهدف الأساسي من القروض وأقساط الديون الضخمة وأسعار الفائدة المرتفعة هو تحويل الفائدة والديون إلى جهاز أيديولوجي يقوم بدور أساسي في تبرير القمع والتحكم كجهاز بديل عن آليات الديمقراطية والتمثيل السياسي التي تزداد شرعيتها ضعفا يوما بعد يوم، فالديون والفوائد -بحسب موريزيو- ليست جهازا اقتصاديا فقط، إنها تقنية أمنية للحكم أيضا، تهدف إلى ممارسة ضبط سياسي على سلوكيات المحكومين، حيث إن النيوليبرالية بترويضها المحكومين على التعهد بالوفاء بديونهم التي لا تنتهي تتحول إلى آلة سلطوية ضد الزمن، تقوم باختزال المستقبل ومُمكناته من احتجاج سياسي بتحويلها للمواطنين إلى مَدينين أبديين يرزحون تحت وطأة الشعور بالذنب والنقص الأخلاقي.

    

ختاما، فالقرض بهذه الطريقة لا يستحوذ فقط على العلاقات السياسية والاجتماعية ويحوّلها إلى شكل وحيد من العلاقات بين دائنين ومَدينين، لكنه أيضا يستحوذ على المستقبل بإخضاع كل إمكانية للاختيار والقرار قد يأتي بها لإدامة علاقات السلطة والقوة التي تتربع المؤسسات المالية والشركات على قمة الهرم فيها، وفي وضعية كهذه لا يغدو الحديث عن الديمقراطية والتمثيل السياسي بل وحتى الشرعية الدستورية نفسها أكثر من حديث عن ماضٍ انتهى ولن يعود.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار