انضم إلينا
اغلاق
فرانز فانون.. المستعمر الذي حارب الاستعمار

فرانز فانون.. المستعمر الذي حارب الاستعمار

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

    

في السادس من ديسمبر/كانون الأول عام 1961[1]، كانت ولاية ماريلاند الأميركية على موعد مع فصل مُمَيّز من إحدى الحكايات الفريدة، تلك التي سطّرها الشاب المناضل، والطبيب المُنظِّر، "فرانز فانون"، ذلك المارتينيكي الأسمر، الذي خلع فرنسيته عن كاهليه مُختارا، وانتمى للجزائر بالفكر والنضال؛ حتى وافته المنية على فراشه الذي شهد فصله الأخير.

    

هناك، في مقبرة مقاتلي الحرية الجزائريين، رقد جثمان الطبيب النفسي الذي قتلته اللوكيميا، تاركا خلفه ستة وثلاثين عاما من سيرته القصيرة، العامرة بكثير من المراحل والأفكار والسجالات الدائرة حتى اليوم. وبين العديد من التنقلات والتتلمذ على يد عدد من المفكرين، تخرج لنا سيرة "فانون" الدراماتيكية لشاب من أسرة ميسورة، قرر ألا يقبل بوضعه المستقر تحت براثن الفرنسيين في جزر المارتينيك، وأن يترك هذا المشهد الأليف إلى وجهة أكثر احتداما وشرفا.

   

فمنذ نهاية القرن التاسع عشر، وحتى بدايات القرن العشرين، لم يكن ثمة بلد أفريقي بعيدا عن أغلال الأسر، فما بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا والبرتغال -وغيرهم- كانت الأقطار الأفريقية تقبع تحت الاحتلال الأوروبي الذي بدأ منذ عهد الكشوف الجغرافية المبكرة الجدید، "وهو ما أدى إلى میلاد فكر أفريقي جدید، یحاول بكل ما أوتي من معرفة أن یدافع عن الإنسان الأفريقي ویبرز إنجازاته وحضاراته.. حتى وصل إلى مرحلة النضج والتنوع في منتصف القرن العشرین عقب الحرب العالمیة الثانیة"[2].

      

فرانز فانون (مواقع التواصل)

    

كانت أفكار "فانون" -التي نضجت في أفريقيا- من ثمار هذا المخاض، واضعا نصب عينيه قضية تحرير أفريقيا من الاستعمار عن طريق التخلّص النهائي من وجوده، عن طريق الكفاح المُسلَّح، الذي لا يسمح بالارتداد ولا يُبقي على علاقة مفتوحة مع المستعمر؛ مستمدا ذلك من تحليلاته النفسية، كطبيب نفسي، بأن مرضاه لن يُشفوا من أمراضهم النفسية، المتمركزة حول تشوه الهوية والإرادة، إلا إذا خرج الاحتلال من بلادهم إلى غير رجعة. ومن هنا عرفنا "فانون" وعرّف عن نفسه.

  

على شاطئ المارتينيك

على جزيرة صغيرة في شرق الكاريبي، تُقدَّر مساحتها بنحو ألف كم2، وتخضع للإدارة الفرنسية، وُلِد "فانون" عام 1925 لأسرة برجوازية سوداء (كومبرادورية)، نشأت -بطبيعة طبقتها- في كنف الاستعمار واستفادت من وجوده، كما كانت في عزلة ثقافية عن القاسم الأكبر من مجتمع الأفارقة، مما وضع أنصارها في صورة الحلفاء الداخليين للاستعمار[3]، وهو ما كان يؤمن به -للمفارقة- "فانون" نفسه في كتابه ذائع الصيت "معذبو الأرض".

   

وبالنظر إلى فكر فانون ومراحل تشكّله، فإننا لا نجد أثرا لأسرته في ذلك عدا تيسير دراسته في الجامعات الفرنسية؛ حيث تمكّن هناك من دراسة الطب النفسي، ومن ثم اتسعت له دائرة الاحتكاك الثقافي بالحضارة الأوروبية ومثقفيها من أمثال "سارتر" وغيره؛ حتى توطّدت العلاقة بينه وبينهم للدرجة التي جعلت "سارتر" يُقدِّم مقدمة طويلة لكتابه سالف الذكر.

     

كتاب "معذبو الأرض" لـ "فرانز فانون" (مواقع التواصل)

    

ويرى الباحث "محمد الدابولي" في دراسة عن "فانون" ومقاومة الاستعمار في أفريقيا أن الأخير قد استفاد من رحلته الفرنسية في تشكيل وعيه بصورة محورية، والتي بدأت في مدارس الليسيه بموطنه -جزر المارتينيك- حيث تتلمذ على يد واحد من رواد حركة الزنوجة[*]، وهو السياسي الفرنسي "إيمي سيزار"، الذي كان شاعرا شيوعيا، فألقى في قلب "فانون" ونفسه بذور الوجهتين، لنراه في "معذبو الأرض" ينشد قائلا:

   

"الثائر: وزحفنا والخناجر في قبضة الید..

الأم: ستموت واحسرتاه!

الثائر: قتلته، قتلته بیدي..

نعم.. قتلا خصبا متدفق الخیرات.

كان الوقت لیلا.. زحفنا بین شجرات قصب السكر..

كانت الخناجر تضحك للنجوم ولكننا لم نبال للنجوم..

كانت شجرات قصب السكر تخدد وجوهنا بجداول من دموع خضر."

   

وقد تفاعل "فانون" كثيرا مع أفكار الزنوجة الخاصة بـ"سيزار" من خلال كتابه "بشرة سوداء وأقنعة بيضاء" الذي تناول فيه المؤثرات الإنسانية للاستعمار والعنصرية على الدول الأفریقیة، كما اعتمد الكثير من أدوات فكر الزنوجة "في البحث عن مرجع حضاري مناوئ ومنافس للحضارة الأوروبية"، فأولى اهتماما خاصا بطبقة الفلاحين في الجزائر ودورها المحوري في الثورة؛ حتى إنه اعتبرها الطبقة الثورية الوحيدة، كما سيأتي.

   

ثم ينتقل الفتى المارتينيكي إلى فرنسا، لنجد أن دراسته للطب النفسي في جامعة ليون قد أثّرت بشكل كبير على المستوى التحليلي له في العديد من القضايا التي تناولها، خاصة ظاهرة الاستعمار التي، وفقا للباحث "طه طنطاوي"[4]، حللها "فانون" على أنها مصدر المعاناة الإنسانية الأول لرعايا الدول الأفريقية المحتلة؛ لذا "یجب التخلص من الاستعمار لتوفیر الشرط الموضوعي لإمكانیة شفاء المرضى"[5].

    

لعل أحد أبرز التأثيرات على فرانز فانون هو أثر "بول سارتر" في تحرّكه بين الوجودية والماركسية، ولعل تقديم الأخير لكتاب "معذبو الأرض" أبرز الأدلة على ذلك

مواقع التواصل
  

ويعلّق "الدابولي" بأن "فانون" استخدم هنا أسلوب التفسير النفسي للوقوف على مدى تأثیر المستعمر على سكان البلد الأصلیين؛ إذ إن الأول دائما ما يجتهد لتحویل المُحتَلّين إلى مسوخ یسهل انقیادها، وهو السبب الذي استقال "فانون" لأجله، بعدما ذهب إلى الجزائر؛ لينخرط بشكل تأسيسي في خلع الاستعمار الفرنسي، وذلك لعدم اقتناعه بعلاج الأعراض وترك المرض الحقيقي في جسد البلاد.

   

لكن قبل هذه المرحلة كان لـ"فانون" العديد من المراحل الفكرية التي شكّلت فكره وصولا لهذه المحطة، ولعل أحد أبرز تلك التأثيرات هو أثر "بول سارتر" في تحرّكه بين الوجودية والماركسية، ولعل تقديم الأخير لكتاب "معذبو الأرض" أبرز الأدلة على ذلك، كما يعلّق "الدابولي" قائلا إن تلك المقدمة تكاد تكون عبارة عن مانفيستو أفریقي یشابه إلى حد قریب جدا الأطروحات الشیوعیة والماركسیة التي تعالج أوضاع المجتمعات، كالطبقية، والعلاقة بين الطبقات، وإسقاط طبقة البروليتاريا على فلاحي الجزائر، "إلا أن أفریقیا لم تعرف الطبقة البولیتاریا العاملة لذا تم الاستعاضة عنها بطبقة الفلاحین أو الریفیين، وینضم إلیهم فقراء المدن"[6].

   

العنف الثوري

عاصر "فانون" مرحلة متشابكة من تاريخ الاحتلال في أفريقيا، تطوّرت فيها أساليب تعامل الاستعمار مع مطالبات الاستقلال؛ حيث لجأ المُستعمر إلى حيل جديدة بالالتفاف على تلك المطالبات عن طريق فرض السيطرة الاقتصادية عبر الشركات الأجنبية التي تُثقل كاهل الدولة بالديون وتحافظ على تبعيتها، بالإضافة إلى إذكاء روح الخلافات الحدودية بين الدول المتجاورة، والصراعات الإثنية، فضلا عن الارتكاز على الطبقة البرجوازية التي تعمل لمصالح الاحتلال[7].

    

 

وفي ظروف كتلك، تبنّى "فانون" في "معذبو الأرض" موقفا جذريا واضحا حول هذا الأمر متمثّلا في حتمية إنهاء حالة الاستعمار عن طريق العنف الثوري المسلّح، الذي تقوم فيه الشعوب المحتلة بمناهضة الاستعمار دون مفاوضة معه أو استسلام لابتزازه، وأن تتجاوز بذلك كلًّا من القمع العسكري للمحتل والبرجوازية المحلية التي تعاونه، مع ضرورة تخطّيها للساسة الإصلاحيين والأحزاب التي تنشغل بالخطابات المنمقة عن المواجهة الحقيقية للاستعمار.

   

بذلك، يرى "فانون" أن محو الاستعمار "إنما هو نزال بين قوتين متعارضتين أساسا، قوتين تستمد كل منهما صفتها الخاصة من ذلك التكوين الذي يفرزه الظرف الاستعماري ويغذيه"، ويكمل: "إن التجابه الأول الذي تم بين هاتين القوتين إنما تم تحت شعار العنف، كما أن تساكنهما -أو قل استغلال المستعمِر للمستعمَر- إنما تلاحق تحت قوى من الحرب والمدافع"[8].

   

كان الرجل واضحا إذن، ففي أطول فصول كتابه أخذ يُنظِّر لهذه القاعدة وأن وجود المحتل والمواطن الأصلي في البلد نفسه إنما هو وجود ضدين لا يصح وجودهما بشكل متزامن، وأن حلول الاستعمار يُنشئ بالتبعية عالما ثنائيا لوجودين، فـ"المنطقة التي يسكنها المستعمَرون لا تكمل المنطقة التي يسكنها المستعمِرون. إن هاتين المنطقتين تتعارضان.. إنهما تخضعان لمبدأ التنافي المتبادل، فلا سبيل للمصالحة: إن أحد الطرفين زائد يجب أن يزول".

   

وقد رأى "فانون"، الذي أخذ حالة الجزائر كمثال، أن ثمّة معوقات يمكنها أن تعيق ذلك الكفاح المسلح، فوضع على رأسها غياب الطبقة الاجتماعية التي يمكنها قيادة الأمر وتولي زمام هذا النضال، أو بمعنى أدق: عزوفها عن ذلك؛ لارتباطها بمصالح مع الاستعمار أو انشغالها بنزاعات أخرى غير إنهاء الاستعمار، تماما كالأحزاب السياسية التي نصّبت أهدافها للحفاظ على النظام القائم من أجل المشاركة السياسية في الانتخابات والحوز على نصيب من سلطة الدولة.

   

  

وكذا رأى الأمر نفسه -أي العائق- في طبقة المثقفين التي تتبنى العنف في تصريحاتها فقط دون ممارسات واقعية، والبرجوازية التي تحافظ على علاقاتها بالسلطة الاستعمارية، ممنية النفس بالحكم من بعده أو التمثيل للاستعمار -حال انسحابه الشكلي- كما حدث في الجابون؛ إذ أكّد رئيسها تبعية بلاده لفرنسا بعد الاستقلال. وحتى الطبقات العاملة لم يستثنها "فانون" من طابور المعوّقين، إذ رأى أنها مستفيدة من وجود المستعمر بصورة أو بأخرى، لتتبقى في النهاية طبقة الفلاحين كطبقة وحيدة يمكنها أن تحمل هذا اللواء الثوري للتحرر.

   

إضافة إلى ذلك، رأى "فانون" أن التحدي الاقتصادي للعنف الثوري يحتم على الثوار أن ينتجوا هم أسلحتهم، مما يعني أنهم بحاجة إلى قوة اقتصادية محلية تخضع لتصرف الثوار. كما رأى المناضل المارتينيكي، بنَفَس ماركسي واضح، أن الدين يمكن استغلاله لخدمة أغراض الاستعمار وتثبيط الثوار، مما يشكّل عائقا أمام وعي الجماهير، ولكنّه أطلق هذا الأمر بشكل عام دون أن يراعي تمايزا واضحا -سيأتي ذكره- بين الحركات التبشيرية الأوربية التي صنعت مسيحية للبيض وكنيسة للسود، وبين النضال العربي القائم بصورة محورية على مفهوم "الجهاد الشرعي".

   

وقد ذهب "فانون" إلى أن حركة العنف الثوري تتمخّض عن مجموعة من الأدوار التي تلعبها الطبقات سالفة الذكر. ومن حيث انتهى نبدأ، فنجد أن الفلاحين في رؤيته يوقدون هذه المعركة بعفوية بدائية، لا يفلح القمع الاستعماري في اجتثاثها من قلوب الفلاحين، مهما ساهمت قوته المادية في صد نضالهم. بعد ذلك نجد النقابات العمالية المتميزة بتنظيمها المتفوق على الفلاحين، غير أن اصطدامهم مع سلطات المستعمر يقوّض من قدرتهم على الاتصال بالفلاحين؛ لتبرز مع عجزهم هذا نقطة الضعف الرئيسية في الثورة.

   

وبالانتقال للأحزاب السياسية، تأتي المرحلة الثالثة التي يرى فيها "فانون" حتمية حدوث الانشقاق بين قادة هذه الأحزاب، ممن يرفضون نهجها البراجماتي/الإصلاحي، الأمر الذي يدفعهم إلى نزاع عنيف مع الاستعمار، يتبعه فرار منهم إلى القرى والتحصّن بالفلاحين، ليحدث التلاحم الأول بين الفئات الثورية، فيقوم هؤلاء الساسة بتثقيف الفلاحين وتكوين رأس الحربة منهم ومن المهمشين البسطاء على أطراف المدن، كما فعلت ثورة الماو ماو في كينيا.

    

 

بهذه المراحل يرى "فانون" تطور الثورة الشعبية، وبهذا التلاقي بين الساسة المنشقين والفلاحين تتكون الأمة الثورية، ويتوالى التثقيف الثوري لها، المتزامن مع حرب العصابات ضد المستعمر لإضعافه، فيتم بذلك تصحيح الوعي الثوري في أكبر طبقات المجتمع وأكثرها انتشارا، ويتصدّى الثوار أنفسهم لمحاولات الوقيعة والتخريب التي يمارسها المستعمر، ويدعمهم الساسة للانتباه إلى ما يمارسه المحتل من ألاعيب أو تساهلات يُظهِر بها للجماهير تفضّله عليهم؛ ذلك لأن الشيء الوحيد المنتظر منه -في نظرية "فانون"- هو أن يرحل أو أن يفنى إلى غير رجعة.

   

ما لم يكتبه فانون

هكذا تلخّصت أطروحة "فانون" في "العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر وكيفية إشعال الثورات من أسفل والحفاظ عليها من تلاعب الاستعمار والنخب المحلية الخاضعة له"[9]، غير أن نقدا متنوعا قد لحق بهذه الأطروحة المُركّزة حول العنف الثوري، فتارة كان النقد حول حقيقة استقلالية أفكار "فانون"، وتارة حول منطقية مركسة الثورات الأفريقية، إلى جانب غفلته -أو إسقاطه المقصود- لأهم العوامل في إشعال فتيل النضال بالجزائر التي اتخذها نموذجا.

   

حين يكتب "فانون" فإننا نقرأ شابا أسمر، مثقفا، يقاوم الاستعمار في أرض غير التي نشأ بها، ويُدفَن فيها حيث أراد. نرى مناضلا صدّقت كلماته فعله، وعبّر خطابه عن حقيقة ما يعتقد ويمارس بلا شعارات جوفاء، وطبيبا نفسيا ينطلق من تشريح النفس إلى مرض المجتمع فلا يرضى بعلاج العَرَض ويتغافل عن الداء. لكن ما لم يكتبه "فانون"، وما لم يدخل في إطار نظريته، كان من الأهمية بمكان.

    

  

بداية، يرى "الدابولي" أن الكثيرين اختلفوا حول "فانون"، فمنهم من رآه مستقل الفكر، لم یتم استیعابه في فكر معین من أفكار أوروبا السائدة في تلك المرحلة، والبعض الآخر اعتبره شخصا مليئا بالغربة الذاتیة، فیحاول جاهدا أن یُلقي نفسه في أي فكر أو تیار سیاسي سائد، مستشهدين في ذلك بتخليه عن الزنوجية، بعد تنقله بين باریس والجزائر وتأثره بأفكار معلمه الجدید "بول سارتر"، بل یذهب البعض -كما يردف "الدابولي"- إلى اعتبار كتابه "بشرة سوداء وأقنعة بیضاء" ترجمة حقیقیة لأفكار "إیمي سیزار" عن الزنوجة، وأن كتاب "معذبو الأرض" كان واقعا تحت تأثیر واضح من أفكارالفلسفة الوجودیة والماركسیة لـ"سارتر".

   

وعلى سيرة الماركسية، فإن واحدا من أشهر الآراء الموجهة لنقد "فانون" كانت في عدم استطاعة كتابه "معذبو الأرض" التخلي عن نزعته الماركسية، بل اعتبره البعض محاولة لأفرقة الماركسية بليّ عنق الواقع وتقسيم المجتمع إلى برجوازية أفريقية -تختلف عن نظيرتها الأوروبية- وطبقة الفلاحين التي أسكنها "فانون" في مقام البروليتاريا، في حين أن "ماركس" نفسه كان يرى في الفلاحين طبقة محافظة تفتقد للوعي الثوري، وكثيرون هم المُنظّرون الاجتماعيون والأنثروبولوجيون الذين اعتبروا الفلاحين عقبة في طريق الإصلاح الاجتماعي[10].

      

سقط "فانون" في تعارض منهجي حين أقر بعشوائية الفلاحين وتبنّيهم -في الوقت ذاته- لباكورة النضال الثوري

مواقع التواصل
    

كذلك وصفت الاشتراكية العلمية طبقة الفلاحين بأنها محافظة رجعية[11]، الأمر الذي تؤكّده "ماري بيرنبام" في قولها "إن تعلّق الفلاحين بالأرض والثقافة القروية يمنعهم من قبول التغيير الاجتماعي، ناهيك بالثورة"[12]، متوافقة في ذلك مع "نجوين نيجي" الذي يرى أن "الفلاح ذاته لا يمكن أن يكون لديه وعي ثوري أبدا، وإنما يجب على الثوار القادمين من المدن أن يبحثوا بتأنٍّ وصبر عن العناصر الأكثر موهبة بين الفلاحين الفقراء، وأن يعلّموهم وينظّموهم، وربما بعد مدة طويلة من العمل السياسي يمكن تعبئة الفلاحين"[13].

   

تلك الأقوال، وبصرف النظر عن صحتها، تضع استفهامات بدهية حول اتساق "فانون" مع ماركسيته في طرحه الأفريقي، أو بمعنى أدق: تضع استفهاما واضحا عن بدهية استعمال الماركسية كنموذج تفسيري من الأساس، وهو ما أسقطه -وفقا لـ"الدابولي- في خطأ بيّن حين حاول جمع العديد من الفئات وحشرها ضمن طبقة البرجوازية لتبقى طبقة الفلاحين نقية وخالصة لأداء دور البروليتاريا وحدها، في حين أن الجماعات الإثنية الأفريقية تعجز -في الأصل- عن تطبيق النموذج الماركسي فيها لغياب البرجوازية الحقيقية كالتي نشأت في أوروبا، كما أن "فانون" سقط في تعارض منهجي حين أقر بعشوائية الفلاحين وتبنّيهم -في الوقت ذاته- لباكورة النضال الثوري، على خلاف البروليتاريا التي تتصف بالتنظيم السابق[14]، ولذا رأى "نيجي" أن فانون فشل في إدراك أن الفلاحين -بطبيعتهم- لم يكونوا ثوريين[15].

   

هذا فضلا عن أفكاره حول الجهاز الاقتصادي للثورة، والتي قد تُمثّل رأيا صائبا على الجانب النظري، غير أنها واقعيا تبدو طرحا غیر موضوعي؛ لأن الثورة تحمل معها غيابا للاستقرار الاقتصادي، وهو ما أغفله "فانون"، بجانب إسقاطه لوسائل تمویل الثورة التي غالبا ما تكون عبارة عن مساعدات ومنح وغیرها، كما أنه لم یتطرّق أبدا إلى دور المحیط الخارجي في دفع الثورة إلى الأمام أو إحباطها،كدور مصر والعرب في دعم الثورة الجزائریة[15] أو دور غيرهم في إحباط ثورات أخرى.

 

الدين والثورة.. الإسلام المسكوت عنه
الشيخ رشيد رضا (مواقع التواصل)

    

رأى "فانون" أن الدين كان السبب الرئيسي في تكريس السلطة للمستعمر، وأنه لم تقم أي ثورة في أفريقيا بدافع ديني أو على مبدأ ديني أنار شعلتها، وهو بذلك يواجه نقدا شديدا في عدم اتساقه مع تجربته التي -للمفارقة- تُمثّل النموذج الأوحد في الثورات المسلحة الأفريقية التي قامت بالأساس على أكتاف رجال الدين واستمرت بفعل قيم هذا الدين. فالثورة الجزائرية، على طول عمرها، الذي يسبق ولادة أبوي "فانون" نفسه، حملها البسطاء والفلاحون في الجزائر على أیدولوجیة دینیة خالصة، فكیف یمكن إنكار دور الشیخ "رشید رضا" في تهیئة الوعي الثوري في الجزائر[16]، والشيخ "عبد القادر" ذائع الصيت، وغيرهما، في بذر الحماسة وإعلاء راية النضال ضد المحتل تأسيسا على قيمة إسلامية عتيدة كالجهاد؟

   

في هذا السياق، وباستحضار الماركسية المبتورة في تحليل "فانون"، يسأل "فوزي السليسلي"[16]: ما الذي جعل ثوريا مثل "فانون" يمجّد طبقة -يقصد الفلاحين- كانت النظرية الثورية التقليدية تميل إلى ازدرائها؟ ثم يجيب عن ذلك قائلا إن "فانون" -بالطبع- لم يكن رومانتيكيا من القرن العشرين ينتابه الحنين إلى رحم الطبيعة، أو مفتونا بنمط الحياة الريفية والبدو والنبلاء، ولكن -في الحقيقة- ما يمكن أن نراه لافتا في الفلاحين، ومن ثم لافتا لـ"فانون"، هو تبنّيهم الشديد للأيديولوجية الإسلامية في ثورتهم، والذي تقول عنه "ماري"[17] إنه حتى نهايات الثورة كان المقاتلون معروفين باسم المجاهدين أو هؤلاء الذين يخوضون حربا مقدسة.

   

ولعل تاريخ الحركة الثورية في الجزائر أعرض من نقله في سياق مختصر، وأكثر وضوحا حتى من الحديث عنه، لكن ما يمكن تبيّنه بوضوح، كما يضيف "السليسلي"، أنه بعكس التصور الماركسي السائد عن نفورهم من التغيير، فإن الفلاحين المسلمين بالجزائر أقاموا شرعية وجودهم على أساس من التغيير بطرد المستعمر من أرضهم، فكانوا -في الوقت الذي لهثت فيه الأحزاب وراء التسوية والحقوق المدنية- مؤمنين في صميم قلوبهم أنه لا شيء أقل من الطرد الكامل للمستعمر يمكنه أن يعيد السلام لعالمهم.

      

موقف "فانون" من الإسلام كان أكثر تعقيدا بصورة لا تُمكّننا من التعليق عليه، غير أنه كان يشير إليه بصورة خفية في بعض الأحيان

مواقع التواصل
   

لكن بنظرة أخرى، فقد كان "فانون" شديد الوضوح فيما يتعلق بإدانته للمسيحية، فيقول: "إن الكنيسة في المستعمرات هي كنيسة البيض؛ كنيسة الأجانب. إنها لا تدعو الإنسان المستعمَر إلى طريق الله وإنما إلى طريق الإنسان الأبيض"[18]. بينما لم يكن موقفه بهذا الوضوح الكافي فيما يتعلق بالإسلام، فهو من جهة ثوري علماني، ومن جهة أخرى قام بتحرير صحيفة "المجاهد" الناطقة باسم جبهة التحرير الوطني، بالإضافة إلى حثّه "علي شريعتي" استغلال المصادر الفكرية والاجتماعية في الإسلام لتحرير وعي الجماهير، فقال له نصا أن "ينفخ هذه الروح في جسد الشرق المسلم"[18]، كما قال بنفسه عن أفكاره: "إن الأسلوب الذي ينتهجه الملحد للخلاص والنجاة هو أمر مرفوض في هذا السياق"[19].

   

لذا، يرى "السليسلي" أن موقف "فانون" من الإسلام كان أكثر تعقيدا بصورة لا تُمكّننا من التعليق عليه، غير أنه كان يشير إليه بصورة خفية في بعض الأحيان، كقوله إن الفلاحين "لم يتخلوا لحظة عن الثبات على نمط حياة مناهض للاستعمار بطبيعته"، ولذلك "فقد حافظ الفلاحون دائما على ذاتيتهم تجاه الاستعمار"، وعليه يمكننا أن نسأل: ما هذا النمط الذي كان مناهضا للاستعمار في طبيعته في بيئة لم تعرف من الأيديولوجيات غير الإسلام؟!

   

كما يذكر المناضلون الجزائريون الذين رافقوا "فانون" أنه اندهش كثيرا عند اكتشافه أن المقاومة الجزائرية كانت ملمحا ثابتا قبل عام 1945، وهو ما قد يفسّر معالجة "فانون" الجزئية لهذه المفاهيم بسبب تأخّره في اكتشاف تقاليد المجتمع الجزائري، لكن في الوقت الذي كان يعول فيه على هذه التقاليد ليبرهن على أن الفلاحين لديهم تقاليد أصيلة مناهضة للاستعمار، فإنه على ما يبدو كان يجردها من مرجعيتها الإسلامية بصورة لا يتبيّن معها -بدقة- هل فعل ذلك لجهل بمرجعيتها الإسلامية المتجذرة في المجتمع المجاهد، أم أنه تجاهلها عن قصد؟ في النهاية يبقى هذا السؤال كغيره من الاستفهامات حول أطروحته عرضة للنقاش والتحليل؛ لأن الوحيد الذي يمتلك إجابة قطعية عنها يرقد في مقبرة مقاتلي الحرية الجزائريين.

-----------------------------------------------------------------------

الهوامش:

[*] الزنوجة: عرّف "سارتر" الزنوجة بأنها: "موقف عاطفي حيال العالم"، فهي موقف إنساني حيال الكون والعالم. ويعتبر سيزير هو الذي ابتكر كلمة "الزنوجة"، وهي بالنسبة إليه "مجرّد اعتراف المرء بواقع أن يكون أسود وقبوله بهذا الواقع وبقَدَر الأسود تاريخيا وثقافيا، الذي يواجه رهاب العرق الآخر واستغلال الرجل الأبيض.

المصدر: الصادق محمد آدم، قضايا الأدب الإفريقي وتحدياته: قضية الزنوجة.

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار