انضم إلينا
اغلاق
"أنا آسف".. كيف نفهم رسائل الانتحار؟

"أنا آسف".. كيف نفهم رسائل الانتحار؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"لديّ إحساس عميق بأنني لست حقيقة تماما، بل إنني زيف مفتعل ومصنوع بمهارة، كل إنسان في هذا العالم يشعر بهذا الإحساس بين وقت وآخر، ولكني أعيش هذا الإحساس طيلة الوقت، بل أظن أحيانا أنني لست إلا إنتاجا سينمائيا فنيا أتقنوا صُنعه".

ما سبق هو محتوى أحد أشهر المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، من المفترض أنها رسالة مارلين مونرو، الممثلة والمغنية الأميركية واسعة الشهرة، قبل انتحارها. هذه النوعية من المنشورات تحديدا تجد صدى واسعا بين الناس، لأننا نميل للاهتمام بالكلمات الأخيرة عموما، ومن المشاهير تحديدا، لأننا نظن أن الإنسان يكون على درجة كبيرة من التجرُّد في رسالته الأخيرة للعالم، إلا أن مونرو -في الحقيقة- لم تقل هذا الكلام، حيثُ لم يُرصد من الأساس كتابتها أية رسائل قبل إقدامها على قتل نفسها، وكذلك الحال مع الكثير من الرسائل الشبيهة المزيَّفة على الإنترنت، والتي تسعى للفت انتباه الناس من أجل الضغط على زر "الإعجاب" أو "المشاركة".

رسالة من فتاة مُضلَّلة

الرسالة المنسوبة إلى مونرو تُعدُّ فرصة جيدة لفهم مدى الخطأ الذي نقع فيه حينما نتحدث عن الانتحار، فنحن نتصوّر أن الإنسان يصبح -بشكل ما- فيلسوفا مُفوّها في تلك اللحظات التي تسبق نهايته، فنجده يتحدث عن الكون، والعبثية، والحاجة إلى الهدوء، والحياة التي لا قيمة لها في عالم غني بالمظاهر فقط. في الواقع، إذا حدث وقرأت بعض الرسائل التي تركها بالفعل أناس أقدموا على الانتحار فستجد أن الملمح المميز الأول لها هي جملة واضحة بسيطة مرتبكة لا تحوي الكثير من الحكمة كما تظن، إنها جملة "أنا آسف".

"أنا آسف لأني سأتسبّب في كل ذلك الحزن حينما أقتل نفسي"، "أنا آسف لأنني كنت حملا ثقيلا في الفترة السابقة"، "أنا آسف لأن كل ما فعلته كان خطأ"، غالبا ما ستجد جملا شبيهة في معظم رسائل الانتحار توضح أن الانتحار ليس كما نفهم بالتحديد، إذ هو ليس مجرد "شجاعة" في مواجهة الموت، أو "جُبن" يدفع بصاحبه لترك المسؤوليات والهرب إلى الجانب الآخر، بل هو حالة مركبة من عدة مشاعر تتحول -على مدى زمني- إلى قناعات تُفضي بصاحبها إلى اتخاذ قراره الأليم.

لنذهب معا إلى مدينة ميسور1 جنوبي الهند، في هذه المنطقة من العالم قرر نحو 135 ألف شخص إنهاء حياتهم في العام 2013 فقط، مما يجعل جنوب الهند واحدة من أكثر المناطق في العالم إقداما على الانتحار، دفع ذلك بفريق بحثي من كلية الطب بجامعة ميسور (University Of Mysore) في الهند لمحاولة فهم أسباب انتحار بعض هؤلاء عن طريق الحصول على عدد من الرسائل التي تركوها قبل الانتحار، ورغم أن العينة كانت صغيرة نسبيا، فإنها اتفقت مع الفكرة العامة عن أسباب الانتحار في هذا النطاق البحثي.

"رسالة من روح متعبة"، "رسالة من فتاة مُضللة"، "ارتكبت خطأ كبيرا"، هذه2 عناوين لثلاث من تلك الرسائل. في الواقع، 90% من رسائل عيّنة جامعة ميسور كانت على النمط الثلاثي نفسه الذي يتضمن الاعتذار، والإحساس بالعار، والشعور بالذنب. أنا آسف، لقد أخطأت، إنها مسؤوليتي، لقد خُدعت، يشير ذلك إلى حالة واضحة من الاكتئاب واليأس من إيجاد الحلول بحيث بات على الشخص أن يتخلّص من حياته كحل أخير للانتهاء من هذا الألم.

جاء في إحدى رسائل الانتحار: "لا أريد أن أذهب إلى الموت، لكن لا يوجد شيء آخر أقوم به، لم أكن شخصا جيدا أبدا". في الواقع، فإن أحد أكثر الأخطاء التي نقع فيها حينما نحاول فهم الانتحار هو تصوّرنا أن المُقدِم على إنهاء حياته "هو شخص يريد أن يموت"، لكن الواقع هو أن المنتحر "شخص يريد أن يتخلص من ألمه"، وهناك فارق شاسع بين الحالتين لو قررتَ أن تتأمل قليلا، وهو الفارق الذي يتمثّل حقيقة في مدى فهمنا لما يشعر به شخص ما.

لم أكن شخصا جيدا أبدا

يتعلق هذا الشعور بمفهوم شهير في أدبيات دراسة الاكتئاب وأسبابه، إنه "العجز المكتسب"3 (Learned helplessness)، وهو تصور الشخص فقدان قدرته على التحكم في حياته، بسبب تكرار الحوادث المؤلمة، بحيث بات يعتقد أنه مجرد "ريشة في الهواء" لا قدرة لها على التحكم في شيء، لا حول له ولا قوة بالمعنى المباشر للجملة، لهذا السبب فإنه بجانب "الاعتذار" ستجد نسبة لا بأس بها من الإشارة إلى أن "حياتي لا يمكن تحمّلها"، أو "فقدت الأمل تماما، وانتهى الأمر".



بالتالي، كانت النتائج التي توصل إليها فريق بحثي4 بقيادة ايان أودونيل من جامعة أوكسفورد، عبر فحص الرسائل التي تركها مجموعة من المُقدِمين على الانتحار عبر القفز أمام المترو في محطات لندن خلال ثلاثة أعوام، كانت متوقعة في إطار فكرة العجز المكتسب، فبين الكثير من النقاط المهمة في الرسالة، جاءت الأسباب لتقع ضمن فئات محددة تتفق جميعها في إفقاد الشخص قدرته على التحكم في حياته، مثل مشكلات الدراسة، أو فقدان الوظيفة، أو الانفصال عن شخص يحبه، أو الطلاق، أو المشكلات القانونية، أو الاعتقال، أو عقوبة السجن الوشيكة، أو مشكلة مالية تلوح في الأفق، أو تشخيص طبي قاسٍ.

وفي كتابهم "شرح الانتحار – الأنماط، الدوافع، وما تكشفه الرسائل" (Explaining Suicide 1st Edition Patterns, Motivations, and What Notes Reveal)، يميل مجموعة من الباحثين الأميركيين، بعد فحص نحو 1300 رسالة انتحار أميركية إلى النتائج نفسها، إنها الأنماط ذاتها التي تحدثنا عنها قبل قليل، حيث تميل الغالبية العظمى ممن أقدموا على إنهاء حياتهم إلى عرض فئات الأسباب نفسها تقريبا لتلعب دورا في الوصول إلى هذا القرار.

لكن اللافت للانتباه في رسائل الانتحار، من مناطق متنوعة في العالم، وفي كل ما سبق وتحدثنا عنه من الدراسات، أن المُقبل على إنهاء حياته، في نصف إلى ثلاثة أرباع الرسائل، كان قد كتب الكثير من كلمات المحبة لمن تركهم خلفه، الأحباء والأصدقاء والأقارب، قائلا إنه كان سيتخذ هذا القرار في كل الأحوال ولم يكن من الممكن منعه، بمعنى أوضح: "اطمئنّوا، لا تشعروا بالذنب، ليس ذنبكم".


أنا وأخطائي "السخيفة"!

في الواقع، ترى لينورا أولسن5، من كلية الطب بجامعة يوتاه، أن أحد أهم أسباب إقدام الناس على ترك رسالة قبل الانتحار هو تخفيف آلام الأشخاص القريبين منهم ومحاولة إثنائهم عن الشعور بأي ذنب، يليها الفكرة المعاكسة، وهي محاولة إشعار البعض بالذنب، وكأنه السبب فيما حدث، جاء في إحدى الرسائل: "كل هؤلاء الذين كانوا السبب في اتخاذي لهذه الخطوة القاسية يجب أن يُسجنوا، يجب أن يعانوا تماما كما عانيت، لكي يفهموا مدى الأذى الذي أصابني".

"الشعور بالعبء" و"الشعور بالوحدة" هما الهيكل الرئيسي الذي يدفع الشخص لتكوين أفكار انتحارية

Pixels
 

من جهة أخرى، فإن عاملا آخر غاية في الأهمية ينضم إلى الأسباب التي تدفع للانتحار، لفهمه دعنا نتأمل إحدى الرسائل، حيث كُتب: "كان كل شيء له علاقة بي وعن أخطائي السخيفة، يؤثر ذلك على عائلتي التي أحبها، ولا يمكنني التزام الهدوء ومشاهدة عائلتي تعاني بسببي، آمل أن يؤدي هذا الفعل إلى وضع حد لجميع المشكلات، وأيضا معاناتي".

في بعض الأحيان ينظر الشخص إلى نفسه على أنه عبء6 على الآخرين من حوله، حيث يكوّن فكرة تقول: "موتي أفضل من حياتي بالنسبة لهم"، أو "أنا أتسبب في الكثير من المشكلات لهم"، بالطبع تبني تلك الفكرة نفسها على المجموعة السابقة من الأسباب التي تحدثنا فيها، لذلك فإنه من الملاحظ أن المُقدِم على الانتحار يقلل كثيرا من تقديره لذاته في رسائله، ويشعر بالعار، ويلوم نفسه بشكل رئيسي، وكثيرا ما ستجد في الرسائل تعليقات مثل: "أنا أكره نفسي"، تظهر تلك التعليقات بوضوح أكبر في حالات البطالة مثلا، التشرد، والسجن، والحياة بلا منزل، والمرض الشديد، خاصة مع تقدم العمر والحاجة إلى الرعاية من قِبل الآخرين، والإعاقة، إلخ.

في كتابه "لماذا يموت الناس بالانتحار؟" (Why People Die By Suicide?)، يرى توماس جوينر متخصص علم النفس الإكلينيكي من جامعة فلوريدا، أن كلًّا من "الشعور بالعبء" و"الشعور بالوحدة" هما الهيكل الرئيسي الذي يدفع الشخص لتكوين أفكار انتحارية، وكل منهما يغذي الآخر شيئا فشيئا حتّى يميل الشخص إلى اتخاذ قراره. في الواقع، فإن بعض الإشارات7 البحثية في هذا النطاق تكشف أن الشعور بالوحدة، أو عدم الانتماء لشخص أو مجموعة محددة، وافتقاد الدعم الاجتماعي، يثير الرغبة في الانتحار ويظهر في رسائل الكثير من المُقدِمين عليه.

هاهاها...! وداعا

لكن تومس جوينر يمد الخطوط على استقامتها لما هو أبعد من ذلك، حيث يرى8 أن الشعور بالعبء هو السبب الرئيسي لميل البعض من المُقدِمين على الانتحار لاستخدام وسائل أكثر فتكا لإنهاء حياتهم، لأسباب تطورية اجتماعية أكثر من كونها فردية منعزلة عن سياقاتها، حيث يتفق مع إميل دوركايم، متخصص علم الاجتماع الشهير، في أن الانتحار قد يكون حالة من التضحية بالنفس من أجل الخير الأكبر للمجموعة التي تتأثر سلبا بوجوده، بالتالي فإن البعض قد يُقدم على إنهاء حياته لأغراض "إيثارية"، بمعنى أن الإحساس بالعبء تجاه الأقارب أو الأحباء قد يؤدي إلى تآكل دوافع الحفاظ على الذات لدى الإنسان.

في هذا السياق، يمكن أيضا أن نلاحظ أحد أهم المعالم لرسائل الانتحار، وهي طلب السماح9، "سامحوني، ليس هناك المزيد لفعله، لقد أثقلت عليكم"، وذلك بالطبع لاعتقاد المُقدِم على الانتحار أنه قد تسبب في بعض الأذى للآخرين، في دراسات صادرة تقريبا من كل مكان في العالم كانت تلك هي المعالم الأساسية لمعظم رسائل الانتحار التي تركها من نجحت محاولاتهم في الانتحار أو لم تنجح، بالطبع هناك الكثير من الأسباب الجانبية، البعض مثلا يتحدث بصورة ساخرة، البعض يترك أمنية أخيرة أو وصيّة، البعض يتفلسف قليلا شاكيا من القلق الوجودي أو عبث الحياة، أو ربما يقول أحدهم بيأس شديد -وهي رسالة حقيقية-: "أعتقد أن هذا هو العمل الجريء الوحيد في حياتي!! هاهاها...! وداعا".

بالطبع يعد الاضطراب العقلي علامة أساسية للإقدام على الانتحار، ثلثا10 القتلى بسببه هم من أصحاب الاضطرابات المزاجية والعقلية كالاكتئاب وثنائي القطب والذهان وغيرها، كذلك فإن 50% ممن أقدموا على الانتحار بعد الخروج من المصحات العقلية فعلوا ذلك خلال ثلاثة أشهر فقط. لكن على الرغم من ذلك، فإن المُقدِم على الانتحار غالبا ما يتخذ قراره بناء على منظومة من الأفكار، تُبنى عليها أطنان المشاعر والسلوكيات، تكونت خلال فترة ليست قصيرة، ويمكن لك، أو أي من المحيطين به، ملاحظة تطور تلك الحالة عبر تأمله عن قرب، والحديث معه من حين لآخر.

أعِد النظر

في الواقع، فإن التدخل للحديث مع شخص نشك أنه قد يُقدم على الانتحار يمكن أن يحقق نتائج جوهرية، يتصور الناس أن الحديث عن الانتحار مع شخص ما قد يزرع تلك الفكرة في دماغه، أو ربما دماغنا نحن أيضا، لكن ذلك غير صحيح، وهو للأسف ما يتسبب في أن نمنع أنفسنا من التدخل للحديث مع أصدقائنا أو أحبائنا عن الموضوع إن شككنا في نية أي منهم للانتحار، رغم ذلك فإن الكثيرين من المُقدِمين على الانتحار لم يعاودوا فعلتهم بسبب أحاديث كتلك.

في النهاية، تلك الرسائل التي تأملناها معا تؤدي بنا إلى فكرة مهمة، هي من الأساس هدف هذا التقرير، فكرة تقول إن إحدى المشكلات الأساسية التي تواجهنا مع الانتحار هي موقفنا من الشخص المُقدِم على هذا الفِعل، خاصة في بلادنا العربية، حيث نتعامل معه بدرجة كبيرة من الحساسية تتعلق بعدم شرعية السلوك الانتحاري، ويصب كامل حديثنا -في بعض الأحيان- في تلك النقطة، لكن إقامة جسر من الحوار، وتفهّم مشكلات الشخص بهدوء مع عدم تعيين أنفسنا قضاة، وإظهار التعاطف، وإدراك أن الأمر ليس مجرد ضعف أو استسهال، ثم اللجوء لمتخصص، قد يساعد، قد ينقذ شخصا ما. اهدأ قليلا، فكّر، وأعِد النظر فيما تظن عن الانتحار.
_____________________________________________

*معظم رسائل الانتحار الواردة في التقرير جاءت من دراسة منطقة "ميسور"

تقارير متصدرة


آخر الأخبار