انضم إلينا
اغلاق
المقاول والرئيس.. لماذا يتابع المصريون محمد علي بهذا الحماس؟

المقاول والرئيس.. لماذا يتابع المصريون محمد علي بهذا الحماس؟

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

"أنا راجل ابن أصول، عمري ما بخش في الأعراض، ومبدئي في الحياة ما أدخلش في أسرار البيوت، انهاردة بقى هحكيلكم لمّا السيسي ساب أمه مرمية في التلاجة يومين"

(المقاول محمد علي)

    

في أيامنا هذه، يعيش الكثير من المصريين حالة مزاجية تكاد تكون زاهية، ويبدو أن طغيان حالة الملل والاكتئاب قد تراجعت، ولو مؤقتا، حيث بات المصريون على موعد مع تشويق شبه يومي يُقدِّمه لهم المقاول والفنان محمد علي، الذي لقّبه العديد من المعلقين على مواقع التواصل بمحمد علي الثاني، الراعي الأول للكوميديا والضحك في مصر.

    

  

بدأت القصة بفيديوهات قام بها المُمثل والمقاول المغمور محمد علي، والتي تكلّم فيها عن مشكلة تمسّه شخصيا، أي بينه وبين قطاعات وهيئات داخل الجيش المصري ومؤسسة الرئاسة المصرية والمخابرات الحربية، لتظهر في سياق قصّته معلومات ليست بالجديدة في حد ذاتها على كثير من المصريين، وما نقصده بغير الجديدة هنا هو ما يتّصل بالسياسة المالية "السفيهة" وإهدار الأموال العامة عبر إقامة مشاريع وقصور واستراحات لمصالح شخصية كلّفت خزانة الدولة المليارت، فضلا عن مشروع تفريعة قناة السويس ذائع الصّيت، بالتزامن مع ترويج "السيسي" لخطاب "مصر الفقيرة" في المناسبات العامة.

   

قصة الفساد في مصر إذًا ليست جديدة، وفساد السيسي ونظامه بات معلومة بَدَهيّة، إلا أن الجديد في انتشار هذه المقاطع على هذا النحو، وحجم المشاهدات القياسية على جميع منصات التواصل وحتى القنوات الإعلامية والمواقع الصحفية المحلية والعالمية، بالرغم من طبيعة الحديث المرسل الذي تضمّنته، وغياب أي توثيق للمعلومات، وهذا إنما يدل على أنها لاقت ولامست هوى لدى قطاع واسع من المصريين، ليس فقط باعتبارهم فاقدين للثقة في السلطة السياسية، بل لأنهم -وبالتحديد- فقدوا أي أمل في إصلاحها.

   

الفضيحة والسخرية بدلا من النضال

 

"حتى يتسنى للمرء البقاء في السلطة فإنه بحاجة إلى الكثير من الاحترام. ولهذا، فإن ألدّ أعداء السلطة هو الاحتقار؛ أما السخرية فهي أمضى الطرق في إزالتها"

 (حنة أرندت)

  

كتب الروائي "ألبير قصيري" غالبيّة رواياته عن مصر، إذ كان يحلم في رواياته كافّة بثورة مصرية تقوم على مبدأ السخرية، لا العنف، يحلم بثوار لا يدّعون النقاء الثوري ولا يرفعون السلاح في وجه السّلطة، ليسوا أخيارا ولا أشرارا، لكنهم يحوّلون السلطة والحكّام إلى أضحوكة، يوزعون الضحك المجاني على الناس في الشوارع دون ادّعاء بطولة أو طهارة يد، ولا يرغبون في الزعامة والسّلطة، فقط كل ما يرمون إليه هو السخرية من السلطة، وتسلية المقهورين والمسحوقين تحت رحى آلة الظلم والقمع، ومدّهم بشعور التفوّق والانتصار، فالسخرية هي انتصار الضعفاء على الحكام المستبدين(1).

 

في مقطع سجّله محمد علي، خصّ به إعلان نفي براءته من الفساد، وأوضح أنه لا يدّعي أيّ نزاهة من أي نوع، بل على العكس، يؤكد تماما أنه كأيّ مصري عاديّ كان يتعامل "تحت الطاولة Under Table"، وذلك لسبب بسيط بحسب تعبيره، وهو أن الفساد مُمأسس في مصر، وأن الدولة والمجتمع والاقتصاد في مصر أصبحوا مرتكزين على شبكات مترابطة من الفساد، وينعكس ذلك حتى في أصغر وحدة إدارية في أي مصلحة حكومية، وفي أي مكان في مصر. لكن، وللمفارقة، فإن الفساد حينما طال محمد علي شخصيا، وأصبح له مظلمة عند السلطة، فإنه لم يجد وسيلة أفضل من السخرية من السيسي وعائلته وقياداته الذين سرقوا أمواله، في المكان الأفضل لنشر فضائح السياسيين وأخبار المشاهير، مواقع التواصل الاجتماعي.

    

  

وفي سياق التفاعلات الممتدة على تلك المقاطع، تساءل عدد من النشطاء والحقوقين من الوجوه المعروفة لثورة يناير في مصر عن إمكانية استغلال انتشار فيديوهات محمد علي لتشكيل حراك سياسي أو حملة قانونية أو تنظيم احتجاجات ضد فساد الجيش واقتصادياته والسياسة المالية للدولة وعرضها في المجالس النيابية، لكن ردود الفعل على دعوات النشطاء، استندت في غالبيتها على السخرية لحجم انفصالها عن الواقع من وجهة نظر المعلقين، لأننا ببساطة "لا نملك قدرة ذاتية ولا أمنية لتنظيم وقفة لخمسة أفراد من أجل إصلاح ماسورة صرف صحي، فما بالك باقتصاد الجيش ومؤسسة الرئاسة"، فضلا عن أن المجالس النيابية موالية للسيسي، وأنها جزء من منظومة الفساد المُمأسس.

 

هذه السخرية التي تلفّ المشهد والتفاعلات التي تدور حوله، تقترب من ذات الفكرة التي شرحها عالم الاجتماع البولندي زيجومنت باومان (2)، باعتبار أن حالة التفكك والسيولة في أي مجتمع لا تنعكس فقط على انسداد المجال السياسي، بل إن المشهد السياسي يصبح كغيره من المشاهد والعروض التي تُقدَّم للجماهير للتسلية وتفريغ شحنات الغضب والعنف المكبوت، فالمجال العام يتم استعماره بالقضايا الخاصة والفضائح والأخبار المثيرة. وبإسقاط هذا التحليل على الواقع المصري، فإن المصريون -في الواقع- لا يملكون أمام آلة القمع والعنف الجنونية سوى سلاحهم الذي يجيدونه ببراعة، أي تحويل الحاكم إلى أضحوكة، لذا بات بديهيا أن تكون فضائح السيسي وعائلته وحاشيته هي الحدث السياسي المقاوم للسلطة الذي يجمع المصريين، بعد أن تم تفكيك كل سبل النضال الأخرى.

  

روبن هود المحروسة

محمد علي نجح بعفوية أصيلة في مداعبة فكرة ابن البلد عند عامة المصريين، يفهمها وهي طايرة ويقتنص الفرص ولا يمانع في كذبة بيضاء، خطابه فيه تواضع، وفيه فخر، وفيه تهديد، وفيه فكاهة

مواقع التواصل
   

في تعليقه على مقاطع الفيديو الخاصة بمحمد علي، كتب بلال فضل أن النظام السياسي المصري هو الذي يحدد بنفسه وبدون وعي شكل معارضته الأكثر فعالية وتأثيرا، فمنذ البداية "اعتمد نظام السيسي على فكرة التلسين كسلاح سريع التأثير عند الشعب المصري، وفكرة ربط أي فعل سياسي معارض بالمنفعة المادية المباشرة، واعتمد على فكرة التسريبات والتسجيلات، وشجّع فكرة الخوض في الأعراض، بشكل كسر به كل الأعراف السائدة في الثقافة السياسية المصرية تقليدية الطابع".

  

مضيفا أن "نظام السيسي مشروعه السياسي الوحيد هو البقاء وفرض الأمر الواقع، وعشان كده استنكف فكرة الاعتماد على حلول سياسية أو خبرات إعلامية... من غير ما يدرك إن ده بيخلق شكل المعارضة اللي حتواجهه، فلما الناس تسمع تسريب ضدك، مش هتعرف تطلع تقولهم التسريبات عيب يا جماعة، ولما تتهم معارضيك بإنهم بيتكسبوا ماديا من المعارضة، من غير ما تقدم أدلة قاطعة، ما حدش هيطلب أدلة قاطعة لما يتقال دلوقتي إنك بتنهب البلد، بالعكس التهم تتصدق عليك أكتر، لإن الكلام عن قصور وفيلل واحتفاليات رسمية الناس فاكراها، بس ما كانتش عارفة كواليسها، فانسى بقى إنك تطلب رشادة سياسية ومعارضة عاقلة بعد ما انت شرعنت الجنون والانحطاط".

 

وهو ما يشرح أحد أسباب الانتشار والمصداقية التي يحظى بها المقاول محمد علي حتى الآن، فهو يُجسّد كل ما يُمثّله النظام وأبواقه الإعلامية فعلا من بذاءة وذكورية واستخدام تعبيرات جنسية والسخرية والتنمر والشخصنة في الخصومة. أما الكاتبة والأديبة أهداف سويف، فتضيف أن واحدا من الأسباب المهمة لانتشار مقاطع فيديو محمد علي حتى داخل قواعد مؤيدي النظام هو أن محمد علي نجح بعفوية أصيلة في مداعبة فكرة ابن البلد عند عامة المصريين، "فابن البلد الشعبي شاطر بالمفهوم الشعبي للـ "شاطر"؛ يفهمها وهي طايرة ويقتنص الفرص ولا يمانع في كذبة بيضاء في بعض الأحيان، خطابه فيه تواضع، وفيه فخر، وفيه تهديد، وفيه فكاهة. والفكاهة هي الفكاهة التي يحبها ويمارسها أفراد الشعب: القلش والسف وبعض البذاءة، إلا أنه ينبذ -أو يحاول نبذ- البذاءة من باب الشهامة “عشان برضه فيه يمكن بنات وستات بيسمعوا”، لكنه يُبيّن منها ما يوقن السامع أنه ملم بها بامتياز وأنه لو قرر فسيكون خطابه الإباحي على درجة عالية من المعرفة والابتكار، متجذر في المفردات والمفاهيم الشعبية ومبدع بها في صياغات وإيقاعات جديدة.

    

  

والسامع يدرك حسيا قوة وعنف هذا الخطاب المحتمل بحروف المفردات المبتورة التي تظهر منه “رغما عن” البطل، وبالجهد الكبير الذي يتطلبه امتناع البطل عن الولوج فيه. أي إن البطل (تقريبا) يوظف طاقة الخطاب البذيء دون أن يحتاج إلى الإفصاح عنه بالفعل"، وتضيف أهداف سويف أن ابن البلد ليس بالضرورة إنسانا طاهرا، ليس وليا ولا معصوما، بالعكس، هو خطّاء، لكن خطاياه (الموالية للسلطة أو مجاراة الفساد إلى حين لزوم أكل العيش) هي خطايا تتقبلها الثقافة الشعبية، وبالذات إذا استفاق البطل وعرّض نفسه لمخاطر كان يُمكنه تفاديها لو استمر في مساره القديم.

   

فالموقع الخطابي الذي تكوّن لمحمد علي كشاب مصري أتى من أسفل الهرم الاجتماعي ليصعد "بتشغيل المخ والفهلوة" ساهموا في تكوين المصداقية وأرضية أخلاقية أعلى من خصومه وأعلى حتى من السياسيين المعارضين للنظام، موقع خطابي بدأ من مظلومية شخصية، تتسع لتتحد بالمظلومية العامة وتندمج فيها. وربما كانت بداية الخروج عن المسار القديم أنه أبدى إحساسا بالمظلومية العامة، "المشروعات دي مش هاتجيب دخل للشعب" أخرجه من سياق مساره الشخصي القديم، حين يدخل كابن بلد في المواجهة يُظهر انشغاله بمعاناة الناس من مختلف مناحي الحياة: "إحنا استفدنا إيه من الحفلة اللي انت عملتها؟" أو "يا رب تيجي فلوسهم عشان هم (الناس) مش مستحملين والله العظيم"، "انت مفروض تحميهم (الجنود في سيناء)؛ ده بيموتوا يا راجل جوه ثكناتهم"، ففي النهاية، وأيًّا كان المسارات التي اختارها محمد علي أو فُرضت عليه، فإنه وبحسب قوله، لم يظلم أحدا، عكس خصومه، وهو في كل هذا، قد يحاول أن يبدو قويا وغير مكترث، لكنك ترى بوضوح ثمن معركة الحياة في مصر على وجهه وعينيه، الثمن الذي يقرأه بسهولة كل من يعرف كيفية الحياة والنجاة في بلد كمصر.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار