انضم إلينا
اغلاق
نعمة الألم.. لماذا ستكون حياتنا صعبة بدون معاناة؟

نعمة الألم.. لماذا ستكون حياتنا صعبة بدون معاناة؟

  • ض
  • ض

"يهزأ بالندوب ذاك الذي لم يُكلَم يوما"

[وليم شكسبير]

   

تشغل "قضية الألم" قدرا من أسئلتنا، بعضنا يسأل عن الحكمة من آلامنا، عن مشاعر القهر التي يعيشها الإنسان في المجتمعات المستبدة، وعن المرض الذي ينهش الجسد، وعن المشاعر المُستنزفة في العلاقات العاطفية الفاشلة، وفي فقداننا أو أذيَّةِ مَن نُحب، وغيرها الكثير مما يدفع هذا الشعور -أي الألم- للسيطرة علينا، و"إفساد حياتنا" كما يصف البعض.

   

وحتى مَن يسألون، فثمّة مَن تصله الإجابة على اختلاف طرق الوصول، بينما هناك مَن يتغاضى، ويعلن عدم تقبّله لوجود الألم من أساسه. الألم؛ ذلك الضيف الثقيل الذي لا يُرحَّب به، وما أن يحل حتى تبدأ الانهيارات، فهل هو على هذا القدر من الحمولة السلبية التي لا تحمل خيرا معها؟! هذا السؤال المحوري الذي طاف بطبيب بريطاني اسمه "بول براند"، تخصص في تطوير تقنيات نقل الأوتار لاستخدامها في أيدي المصابين بمرض الجذام، ليخرج لنا بنظرية طبية-نفسية حول الألم، كإجابة عن سؤال مُربك: لماذا نُعذَّب، وما موقفنا من ذلك؟

   

تتلخّص هذه الفرضية في أننا نعاني لأهداف أبعد من عرقلة الألم القريبة، سواء كان ذلك على الجانب النفسي أو البدني. وفي هذا الجانب الأخير -الذي تناوله "براند" بالتفصيل- يخبرنا -كمثال- عن مرضى الجذام الذين قابلهم خلال حياته، وكيف أن مشكلة هذا المرض لا تتمثّل في كون التشوهات الجسدية عَرَضا له، ولكن تكمن مشكلته الحقيقية في قدرته على محو إشارات الألم؛ حيث يسبب أوراما حبيبية في الجهاز العصبي المحيطي (الأعصاب) والجهاز التنفسي والجلد والعينين، مما يعدم القدرة على الشعور بالألم، وبالتالي فقدان أجزاء من الأطراف بسبب تكرر الإصابات.

     

مرضى الجذام لا يُصابون بتساقط الأطراف أو العمى نتيجة المرض نفسه، وإنما هي أعراض جانبية لافتقاد الألم

رويترز
   

من هنا يصيح بنا الألم مُعلنا عن نفسه إذن، لكن، لِمَ كل هذه الضجة التي نُحدثها حوله؟ فـ"براند" يخبرنا أن كل ألم بشري يدخل في نطاق السيطرة عليه وتسكينه عدا 1% فقط من حجم الآلام، كما يخبرنا "بيتر فاردي" في كتابه (The Puzzle of Evil)، نقله عن الفيلسوف "سونبرن"، أن الله برحمته قد خفف الألم الشديد على الإنسان بوجهين عظيمين: الأول هو فقدان الوعي في حال تطور الألم لدرجة تفوق تحمّله، بينما الثاني هو الموت الذي يُنهي معاناة الإنسان في مراحله المتأخرة[1].

  

إذن، ما السبب وراء تعاملنا مع الألم بهذا القدر من الرعب؟ هل لأنه شيء ضار في المطلق؟ "براند" يقول "لا". إذن هل أصاب الطبيب البريطاني؟ وهل تقصر فائدة الألم على الجانب البدني فقط، أم أن لنفوسنا وخبراتنا الشعورية نصيبا من الإفاقة والتنبيه بالمعاناة؟ هل نحن نواجه سؤالا حقيقيا فعلا عن الألم، أم سؤالا عن نظرتنا له، ومن ثم تدبّر حكمته وتقبّل وجوده أكثر من الرغبة في انعدامه؟

  

نعمة لا يُريدها أحد

"بمساعدة الشوكة المغروسة في قدمي قفزت عاليا، أعلى من كل شخص بقدم سليمة"

[سورين كوركيغارد]

  

في إحدى مباريات رابطة كرة السلة الوطنية (NBA)، طُلِب من اللاعب الشهير "بوب غروس" بدء إحدى المباريات، برغم إصابة كاحله، على أن يحقنه طبيب الفريق بمسكن "الماركين" القوي في ثلاثة مواضع من قدمه؛ لكيلا يشغله الألم عن الاشتراك بالمباراة.

  

وبالفعل، حُقِن "غروس" وبدأت المباراة ولم يشعر اللاعب المحترف بأي ألم في كاحله المصاب -عند الضغط عليه- ولم يشعر بإصابته وهي تتحول إلى كسر أنهى حياته الرياضية بعد دقائق من حقنة "الماركين". ماذا حدث؟ لقد وضع طبيب "غروس" اللاعب في حالة من انعدام الألم بإصابته، ومن ثم وضع نظام التحذير خارج نطاق التغطية[6].

  

  

في هذا السياق يعرض علينا "براند" خلاصة تجاربه الطويلة مع مرضى الجذام، والسكري، والمصابين بانعدام الإحساس الخلقي بالألم، فيقول إن الخطر دائم التربص بمنعدمي الألم؛ إذ إن الحنجرة التي لا تشعر بأي وخز لن تطلق منعكس السعال الذي يُعيد البلغم من الرئتين إلى البلعوم، والذي لا يسعل أبدا يواجه خطر الإصابة بالالتهاب الرئوي.

  

وعلى عكس الموروثات الشائعة، استنتج الطبيب البريطاني المخضرم -من مئات الحالات- أن مرضى الجذام لا يُصابون بتساقط الأطراف أو العمى نتيجة المرض نفسه، وإنما هي أعراض جانبية لافتقاد الألم، إذ يؤثر هذا المرض على هذا الشعور، ومن ثم افتقاد المنبه الطبيعي الذي يخبرنا متى نتوقف وإلى أي مدى يُسمَح لنا بالحركة.

  

فمفاصل منعدمي الألم تتدهور إذ لا همسات تشكو من الوجع فتحفّزهم على تغيير الوضعية، مما يؤدي بالعظم إلى طحن بعضه بعضا. فقد لاحظ "براند" -من خلال دراسة حركة عدد من الأصحاء والمرضى- أن الإنسان الذي يشعر بالألم يمشي مسافة 10 أميال بوضعيات تختلف فيها حركة القدم كلما شعرت تلقائيا بالإجهاد، في حين لا يحدث الأمر نفسه عند مَن يفتقد الإحساس، لتُفضي النتيجة إلى قدم متهتّكة من مجرد الخطوات، فما بال الجروح والكدمات التي لا يتحفّز صاحبها في مشيته فيُفاقم أثرها على الأعضاء؟

  

كما أن الأمر لا يتوقف على الضرر الجسدي فقط، فيردف "بول" أن افتقاد الإحساس بالألم يُدمّر من النفس مواطنَ قد لا ننتبه إليها، فيسرد قصة الصبي "نامو" الذي احترقت يداه نتيجة عدم إحساسه بالألم؛ إذ لم يشعر بسقوط المادة العازلة عن جهاز الإنارة الذي يحمله، ويقول إنه لمّا سأله: "نامو، هل تؤلمك؟"، أجاب: "تعرف أنها لا تؤلمني! إني أعاني في ذهني لأني لا أستطيع أن أعاني بجسدي".

    

الألم ليس هو العدو إذن، وإنما هو حليف يبلغنا عن الخطر الحقيقي

وكالة الأنباء الألمانية
   

يقول المثل الإنجليزي: "No Pain.. No gain"، أي إنه بلا ألم لا غنيمة، من هنا يكون الألم "طبيب حكيم وناصح رفيق، لا يتدرج بنا إلى الوجع الأحدّ إلا عندما تكون الحاجة أشد إلى الانتباه والتفاعل الواعي مع الأذى الداهم للبدن"؛ ذلك لأن "ألما يُكَفّ نبضه بضغطة زر كما يُكَفّ صوت جرس المنبه، سيلقى غالبا مصير المنبه المعكر لصفو ساعة الصفاء.. فنفوسنا أبلد من أن تُسلّم إلى نظام مترف في تدليل الإنسان عند هجمة المرض"[7]، ومن هنا كانت ضرورة أن يكون الألم فاعلا. فالألم يقدم حدود الذات، وفقدان الحس يدمر هذه الحدود[8].

  

الألم ليس هو العدو إذن، وإنما هو حليف يبلغنا عن الخطر الحقيقي، فربما أن مرضى الجذام يُصابون بالعمى لغياب الحافز البيولوجي لأن يرمشوا، فمجرد طرف العين اللا إرادي، شديد الحساسية، هو عجيبة من عجائب الجسم البشري التي تحمي من بلاء كبير في خطر العمى، ومن هنا يكمن الخطر على الإنسان الذي لا يشعر بالألم في كل شيء، أو كما قال "براند" لأحد المتألّمين -في مقارنة مع مريض جذام-: "اشكر الألم.. إنه يمنعك من إيذاء أصابعك".

  

لكن، على الرغم من هذا، يرى "براند" أن الألم نعمة لا يريدها أحد؛ إذ إن معايشة الألم -كما يقول "سامي عامري"[9]- تدفع عن أذهاننا التبصر في حِكَم هائلة لهذا الشعور البغيض إلى نفوسنا، لكن لعل في انفصال الإنسان عن تلك اللحظة نافذة إلى ذاك العالم الفسيح، ثم يكمل: "إن في طبيعة أوجاعنا نِعَما لو أدركنا فضلها لعلمنا قدرها ونفضنا عن رؤوسنا وهم العبث".

  

منحة تأخذ منك

"البحث في الألم بحث في الغبطة. إنه غوص إلى أعماق الوجود لإدراك حقيقة الإيجاب والسلب، حقيقة الخير وانعدامه"

[ندره اليازجي]

  

الألم "عنصر أصيل في حياة سليمة وقلب معافٍ من البرود القاتل؛ فبه يجد الإنسان حوافز في داخله للاستمتاع بلحظات الوجود أو الإحساس بها ومغالبتها"

مواقع التواصل
      

في معسكرات الاعتقال النازية قبيل عام 1945، ولفترة استمرت لثلاثة أعوام، كان الطبيب النفسي "فيكتور فرانكل" يقبع تحت أسر المعاناة في أوْج حالاتها، والتي ما لبث أن تحرر منها حتى طوّر نظرية عن الشقاء النفسي، فيخبرنا الطبيب النمساوي[10] عن أكثر البشر تحمّلا لمعاناة الاعتقال وألمه، لقد كانوا الصنف الذي يحمل مغزى للحياة؛ حيث رأى أن الناس مدفوعون بشكل رئيسي بالسعي لإيجاد معنى لحياتهم، وأن هذا الحس بالمعنى هو الذي يُمكّن الناس من التغلب على التجارب المؤلمة.

  

تلك المدرسة (العلاج بالمعنى) تتبّع من خلالها "فرانكل" جذور أكثر العلل النفسية في الغرب والتي تعود إلى افتقاد الإنسان معنى لحياته، مما يجعله عاجزا عن إيجاد دوافع جادة للعيش، ومن هنا يتطرق إلى الألم كمحور مهم في إيجاد المعنى؛ إذ إن الكشف عن معنى الحياة يكون بثلاث طرق، إحداها اتخاذ موقف من معاناة -لا سبيل لتجاوزها- عن طريق تحويل المأساة إلى نصر والمأزق إلى منجز إيجابي، وحتى لو عجزنا عن تغيير الحياة فلا يزال بإمكاننا تغيير أنفسنا.

  

من هنا نرى للمعاناة إسهاما في إثراء الحياة، فالألم "عنصر أصيل في حياة سليمة وقلب معافٍ من البرود القاتل؛ فبه يجد الإنسان حوافز في داخله للاستمتاع بلحظات الوجود أو الإحساس بها ومغالبتها"، ففي غياب الإحساس باللحظة "تهمد رغبتنا في البقاء وتتهاوى قدرتنا على الصمود"[11]. أو كما يقول "سي إس لويس": "حاول أن تستبعد إمكانية الألم المتضمن في نظام الطبيعة ووجود الإرادات الحرة وستجد أنك قد استبعدت الحياة نفسها"[12].

  

في السياق نفسه يقابلنا "بيغوفيتش" في قصاصات محبسه، والتي خطّها في أشد سنين المعاناة والألم؛ ليقول: "بين الحزن واللا مبالاة، سأختار الحزن"[13]. فالموقف الإنساني الحي، مهما كان عصيبا، أحب إليه من الجمود والحياة الخالية من الشعور؛ ذلك أن الأول يحافظ على حياة القلب، ومن ثم دعم الرغبة في ممارسة الحياة، على عكس الحياة الخالية من المعاناة على حساب حيوية المشاعر الإنسانية.

   

  

وعلى هذا الأمر يبرز اعتراض شهير، يتناوله الفيلسوف "دانيال سنايدر"، والقائل إنه لو كانت في المعاناة ضرورة تُفيد الإنسان وتُنمّي شخصيته وتُهذّبها، فلِمَ لا تكون هذه المعاناة غير مؤذية؟ بمعنى أن يكون البلاء مجرد وهم وتجربة محاكاة يضع الإله فيها البشر دون ألم حقيقي (Illusory evil). ويجيب "سنايدر" عن ذلك بأنه لو كان متاحا في عالمنا أن يحصل الإنسان على الفائدة دون معاناة يتلمّسها، قد ينمّي شخصيتنا نعم، ولكنه سيُفقد العالم خيرا كثيرا.

  

ففي عالم كهذا "لن يُعين أحد أحدا، ولن يتعاطف أحد مع أحد، ولن يغفر أحد لأحد، ولن يُعوّض أحد من أحد، ولن يمجّد أحد أحدا لأنه يسعى إلى هدف نبيل، ولن يهب أحد من ماله أو وقته أو موهبته شيئا للمحتاجين"، لذا فلو "أضحت تجربتنا لتنمية شخصيتنا مجرد توهّم، حتى لا نشعر بوخز الألم، فإن عالمنا في هذه الحال سيكون ضيقا جدا وخاليا من كل اتصال حقيقي مع الغير"[14].

  

إن ألم الإنسان يخدم الإنسانية كلها، "فإن كان يُعاني من وطأة الضغط الاجتماعي، يتألم، ويكون ألمه تعبيرا عن احتجاج صارخ لفقدان العدالة"، فالألم الإنساني، وفقا لـ"ندره اليازجي"، هو "ألم إيجابي يرفع الإنسان في درجات إنسانيَّته ليصل إلى روحانيته". فلا يتألم إلا الإنسان العظيم، "أما الأناني فإنه يعتبر الموضوع مجرد أمر اجتماعي واقعي... أما نتائج هذا الألم فإنها تبدو سلبيَّة في ظاهرها، لأن الاحتجاج الصادر عن المظلوم يحمل في ثناياه الإحساس بالتمرُّد والنقمة... لا بل هو ألم، نتج عن دافع مأساوي تسبَّب عن أنانية الإنسان الظالم وانحطاطه"[15].

  

بدِّل عينيك

"تنبثق كل الإبداعات في مجال الروح، وكذلك كل التقدم النفسي الذي حققه البشر، من خلال معاناة العقل"

[كارل يونج]

   

المعاناة تحمل في طيّاتها بُعدا عميقا لا يدركه انطباعنا الأوّلي عنها؛ إذ ننشغل حينها كثيرا بما نعانيه من الألم، ولكننا قد نحتاج إلى مَن يأخذ بأيدينا إلى أعماق أبعد

مواقع التواصل
   

في حواره مع "ميدان"، يخبرنا الطبيب النفسي "شهاب الهواري" أن مدرسة المعنى لـ"فرانكل" تُعدّ هي الأشهر في مجال العلاج النفسي للمكروبين، غير أنها أقرب إلى الأفكار الفلسفية منها إلى العلم الموضوع، إلا أن ثمة نمطا من العلاج النفسي يختص بالأمر -على الرغم من عدم اشتهاره- وهو العلاج الحواري، أو العلاج النفسي الموجه نحو البصيرة، والذي يتتبّع الأسلوب الحواري مع المريض، من أجل استكشاف أوسع لمعاناته، ومن ثم إعادة تعريف المشكلة والمعاناة.

  

بكلمات أخرى، تعمل هذه المدرسة العلاجية من خلال التفهّم والتعبير عن المشاعر والدوافع والمعتقدات والمخاوف والرغبات، مع افتراض أن الشخص صحيح في الأصل، وأن مشكلته فقط تتعلق بخلل في عملية التفكير؛ لذا تسعى إلى أخذ المرء إلى عالمه الداخلي وتفسير كيفية عمله، فتمنحه المعرفة الذاتية[16]. في هذا السياق، تخبرنا الكاتبة النفسية "هيلاري جاكوب"[17] أن المعاناة تحمل في طيّاتها بُعدا عميقا لا يدركه انطباعنا الأوّلي عنها؛ إذ ننشغل حينها كثيرا بما نعانيه من الألم، ولكننا قد نحتاج إلى مَن يأخذ بأيدينا إلى أعماق أبعد، وملاحظة كل من التعبيرات اللفظية وغير اللفظية لتجاربنا العاطفية والجسدية، ومن ثم تعميق تجربتنا العاطفية واستخدامها على نحو متكيّف.

  

بشكل أبسط، ودون التطرّق إلى تفاصيل مهنية تذكرها "جاكوب"، تنتهي هذه الآلية العلاجية إلى خلق موقف متسامح وعاطفي، يساعد الشخص على إدراك تجربته الداخلية التي تُغيّر الدماغ إلى الأفضل، وتُهيّئه للتواصل مع عواطفه الأساسية (الحزن، الخوف، الغضب، الفرح، إلخ)؛ حتى يتعرف على ما يشعر به ويتعلم كيفية استخدام عواطفه بدلا من أن تتحكّم هي به، ومن هنا تتبدل شخصيته كليا بسبب المعاناة.

  

من هذا المنطلق، يشرح السيكولوجي الأميركي "رولو ماي" كيف أن المعاناة تُشكّل حاجة حتمية -أحيانا- لتبديل قناعتنا الخاطئة، فتصنع لنا شخصية نمتن لولادتها أكثر مما نجزع لما أصابنا من الألم، فيقول إن "العامل الرابع في تحويل نمط الشخصية هو استخدام المعاناة.. فالمرء لن يغيّر من نمط شخصيته، حتى بعد كل ما يُقال ويفعل، إلى أن يُجبَر على ذلك عبر معاناته"[18]، وأن النصيحة والإغواء والإقناع الخارجي لن يتعدّى تأثيرا وقتيا بعكس ما تفعل المعاناة حين نُعيد النظر إليها بعينين مختلفتين.

    

   

ويُضيف "ماي" أن الأنا البشرية عنيدة ومتحجّرة، تحارب الاضطراب وترفض التغيير؛ لأنها تخشى أساسا الإحساس العميق بعدم الأمان القادم مع تغير أسلوب الحياة، فيُفضّل الناس البؤس الحالي على المخاطرة المُحتملة من تبديل نمط الحياة، وفي هذه اللحظة تخيب آمال الناصحين في تغيير الشخص، إلى أن تقسو عليه طاحونة الحياة بمعاناة تُجبره على التخلي عن سلوك/معتقد خاطئ، فيصل إلى حالة اليأس الضرورية لأي علاج على الإطلاق، أي إن المعاناة تلعب دور اليد التي تسحب الحبل إلى آخِر مداه؛ ليرتد إلى المدى الذي عجز عن بلوغه في حالة السكون.

  

إن المعاناة تبدو كباب تنفذ من خلاله الروح إلى أسرار كشفتها الآلام، إنها "إحدى القوى التي تحمل إمكانات إبداعية مذهلة في الطبيعة، وليس من قبيل الرومانسية العاطفية أن نعزو الكثير من الأعمال الإبداعية العظمى عند بعض الناس إلى معاناتهم"، فكما تُنتَج اللؤلؤة من مجهود حيوان رخوي بسبب تأقلمه مع حبات الرمل، "فكذلك يمكننا فهم الأعمال العظيمة لبووشيلي وفان جوخ ودستويفسكي من خلال علاقاتها بمعاناة هؤلاء الفنانين"[19].

  

وقد استكشف "كونكل" معنى المعاناة الإنسانية العميق وقيمتها في نمو الشخصية؛ إذ إننا "عندما نعرف أن الألم هو الخطوة الأولى نحو الميلاد الجديد، وأن كل ما حدث -مهما كان مؤلما- ما هو إلا خطوة ضرورية من أجل التوضيح، فلن يذهب -حينها- أي حزن أو عذاب أو فرح سدى بلا فائدة"[20]. ومن ثم، كما يقول "ماي"، على الناس أن يفرحوا بمعاناتهم؛ لأنها قد تكون الوسيلة التي نعلم بها أن ثمة سلوكا خاطئا، فتتحوّل معها كل لحظات المعاناة إلى فرصة للنمو.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار