انضم إلينا
اغلاق
آخرهم نورهان نصار.. لماذا يتحول موت فرد إلى صراع ثقافي؟

آخرهم نورهان نصار.. لماذا يتحول موت فرد إلى صراع ثقافي؟

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

في الأيام الأخيرة لعام 2019، تُوفّيت فتاة مصرية شابة في إحدى الدول الأوروبية، اسمها "نورهان نصار". حتى الآن، لا شيء يثير الانتباه والاستغراب. إلا أن نورهان سرعان ما تحوّلت لتُصبح موضع جدل استمر لأيام على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديدا في تناول تفاصيل حياتها وما مرّت به من تحوّلات، ومن ثم ما يتصل بموتها وما يترتّب عليه. فنورهان تنحدر من أسرة متدينة من الطبقة الوسطى، وهي بذلك تُشبه في حياتها الكثير من أبناء وبنات جيلها، وربما لهذا التشابه تحديدا تحوّل موتها من ظرف شخصي يخص أهلها وأصدقاءها إلى نقاش ثقافي وأيديولوجي واسع.

   

بالعودة قليلا لعام 2012، وفي غمرة الإحساس بالتفاؤل والأمل وامتلاك العالم، ظهرت نورهان مُرتدية حجابا وزِيًّا محافظا، ومُتحدِّثة عن المنظومة الحقوقية التي كفلها الإسلام للإنسان عموما والمرأة على وجه خاص. وفي هذا الظهور، عرّفت نورهان نفسها كناشطة في المجال الدعوي والخيري الإسلامي في أوروبا تعمل على التعريف بالدين الإسلامي في الغرب، وابنة لعائلة متدينة من كوادر الحركة الإسلامية في مصر.

  

   

أما في العام 2015، وفي عنفوان الإحساس بكراهية الذات والعالم، تظهر نورهان في فيديو آخر تتحدّث عن رحلتها مع الإسلام، وأنها لم تَعُد مؤمنة بالمنظومة الحقوقية التي حوتها الشريعة الإسلامية، وبالتالي فإنها أصبحت تتبنّى أفكارا سمّتها بـ "العلمانية التقدّمية"، والتي لا تتوافق بالضرورة مع أحكام الشريعة. بالتدقيق في مضمون الخطاب، فإن نورهان لم تُصرِّح بإنكارها وجود الإله أو الرسالة النبوية، لكنها عبَّرت عن إحباطها وإحباط العديد من المسلمين من الأوضاع داخل المجتمعات الإسلامية، السياسية والحقوقية على وجه الخصوص، وتساءلت عن موقع ودور الدين الإسلامي من هذا الإحباط، لتقول إنها لم تَعُد على إيمانها القديم.

  

وبُعيد وفاة نورهان المفاجئة، ارتبك عدد من أصدقائها ودوائرها المقربة بالكيفية التي يتعاملون بها مع فجيعة موت نورهان، أي ما السردية والرموز التي يجب تشكيلها وتنفيذها للتعامل مع فجيعة موت صديقتهم الشابة؛ بما يليق بها كإنسانة في المقام الأول والأخير، هل يتم تجهيز مراسم الموت والجنازة كما في التقليد الإسلامي الثابت المُستقى من هدي الرسالة النبوية؟ وهل كانت نورهان تؤمن بها؟ أم أنها لم تعد تؤمن بها؟ والأهم هل كانت ستريد هذا لنفسها أم في فيه اعتداء على حقها فيما تؤمن به؟

  

الموت داخل سرديات

  

حين النظر إلى سؤال الموت، تُطِلُّ الفلسفة برأسها باعتبارها أحد الحقول التي تُقدِّم مجموعة من التفسيرات لهذا الحدث الفريد، حيث يرى الفيسلوف الألماني هيدجر أن الموت ليس مجرد زائر أو ضيف غير مرغوب فيه، بل هو صاحب مكان، إنه ممتزج بالحياة امتزاجا كليا، وكأن الموت هو جوهر الوجود الهش للإنسان، مُعلِّلا ذلك أنه لا إمكانية للفصل بين الوجود والموت، فالحياة لديه هي طريق مُتَّجِه نحو الموت، الموت كامن في كل حياة، فليس الموت حفلة اعتزال أو محطة أخيرة، إنه سر متموضع في وجود كل إنسان قد يكشف عن نفسه في أي لحظة، ما إن نولد حتى نكون عجائز بما يكفي لكي نموت، الموت هو عنوان التناهي والهشاشة الأصلية للإنسان، إمكانية الاستحالة واستحالة كل إمكانية، نسير إليه ويسير إلينا في كل لحظة، وعليه يعني شكل الحياة الأكثر أصالة بالنسبة لهيدجر هو "انتظار الموت بحزم"، والاستعداد لموت يليق بكائن إنساني يتساءل عن وجوده.

  

هذه الأصالة الوجودية التي عرّفها هيدجر يراها الفيلسوف العربي فتحي المسكيني أنها طبعت كل ثقافة ودين وميثولوجيا (علم الأساطير) على مر العصور، منذ الأشكال البدائية الأولية للحياة الإنسانية حتى يومنا هذا، "لم يكن الموت أبدا حديثا عاديا في أي ثقافة عرفها البشر، فنحن لا نموت بالطريقة نفسها في كل عصر، الناس يموتون داخل سرديات، ولا يموتون كالأشياء، لا ينفقون كالحيوانات، هم يموتون، موت داخل سردية تليق بكائن يعي هشاشة وجوده ويُسائل هذا الوجود الهش". من هنا كانت كل تلك الطقوس المشهدية التي عرفها البشر في ثقافاتهم المختلفة، الوثنية والدينية والعلمانية وأزمانهم المتعاقبة منذ بدء الخليقة، من حرق الجثث وإقامة القداسات والمعابد والأهرامات والأضرحة والجنائز كلها، من أجل احترام الموت لا كظاهرة بيولوجية محايدة باردة، ولكن كأهم سمات الوجود الإنساني، باعتباره دائما وأبدا "وجودا نحو الموت".

   

وبذلك، ولكثافة المعاني التي يحويها الموت، والتي قد لا يستحضرها الإنسان في ممارسته وفكره اليوميّ، لكنها تلقي بظلالها الثقيلة في كل حين. وبالعودة لموت نورهان، فقد حدث شبه إجماع لدى أصدقائها ودوائرها في ثلاث مدن حول العالم، القاهرة وإسطنبول ولندن، بإقامة مراسم عزاء جنازة إسلامية لتأبين الراحلة ودعوة الناس للدعاء بالرحمة والمغفرة للفقيدة وسائر أموات المسلمين، ليندلع جدل على مواقع التواصل طارحا أسئلة حول جواز هذا الفعل إسلاميا من عدمه، فهل اعتدى أصدقاء نورهان عليها، أم هل اعتدوا على أحكام الإسلام، أم هل اعتدى المحتجون بحجة الأحكام الإسلامية على نورهان وأصدقائها؟

   

الصراع على الهيمنة

يرى أكسيل هونيث أن "الإنسان كائن عالق في شبكات رمزية ودلالية وجمالية متنوعة، نسجها بنفسه حول نفسه"

مواقع التواصل
  

تشبه رحلة نورهان وأسئلتها والاستقطاب الحادث على السرديات والرموز بعد وفاتها الاستقطاب والصراع الأيديولوجي في مصر الآن، فقد كان لنورهان في رحلتها القصيرة محطة أخيرة أسمتها هي بالمحطة "التقدمية الحقوقية"، وهي تلك التي تبنَّت فيها المنظور الليبرالي الفرداني للحقوق والحريات والسياسة، وتعرّفت عبرها على العديد من النشطاء الحقوقيين الليبراليين والمنظمات غير الحكومية بعد تركها مساحة "الإسلام الحضاري والثقافي والحركي" التي نشطت فيها في الأعوام التي سبقت محطتها الحقوقية الليبرالية. هذان العالمان اللذان انتمت لهما نورهان في مرحلتين مختلفتين هما جزء أساسي من الصراع الأيديولوجي والاجتماعي الدائر في مصر الآن.

  

في علم اجتماع المعرفة وعلم الاجتماع السياسي، عادة ما يُطرح سؤال تأسيسي باستمرار: ما الذي يجعل كتلا سكانية مُتفرِّقة تشاركت معا في الزمان والمكان أن تُوصف بأنها مجتمع واحد؟ وما العوامل التي تؤدّي إلى خلق مجتمع متجانس وآخر مُفكّك وهش يحوي بداخله صراعات ثقافية جذرية؟ كانت الإجابة الليبرالية الكلاسيكية هي أن التعاقد هو ما يصنع المجتمع، فما يُحوِّل سكان حيز جغرافي ما من كونهم كتلا وطوائف وأفرادا متفرقين يتصارعون فيما بينهم على الموارد والسلطة إلى مجتمع متماسك هو أن يُشكِّلوا فيما بينهم ما بات يُعرف بـ "العقد الاجتماعي"، عقد عام لإدارة حياتهم السياسية والاقتصادية المشتركة.

   

وبعد زمن طويل من التغيُّرات السياسية والاجتماعية، كانت إجابة أكسيل هونيث أن المنظور الليبرالي لا يكفي لتوضيح كيف يتشكّل المجتمع، مُوضِّحا أن التشارك في الفضاء الرمزي والثقافي عامل أساسي يُضفي التماسك والمعنى والمخيال المتجانس الذي يسمح للكتل السكانية والطوائف أن تعي نفسها كمجتمع، فعلى عكس الأطروحة الليبرالية الكلاسيكية التي ترى الإنسان كائنا اقتصاديا وسياسيا، يرى أكسيل هونيث أن "الإنسان كائن عالق في شبكات رمزية ودلالية وجمالية متنوعة، نسجها بنفسه حول نفسه"، فتوحيد الرموز والدلالات والأشكال الثقافية والهوياتية هو الذي يجعل المجتمع متجانسا بدون صراعات ثقافية وجذرية داخله.

     

يرى هونيث أن المجتمع في فضائه الرمزي ومجاله العام المادي مساحة للصراع والهيمنة بين أطراف مختلفة وبين قوى وأطراف متساوية في القوة والسلطة وليس مجرد تعاقد اجتماعي

مواقع التواصل
   

وهنا مكمن الخلاف في قصة وفاة نورهان، فالموت حدث جلل، وعليه؛ يحتاج إلى إقامة رمز أو سردية لإضفاء المعنى والقداسة على وفاة الراحلة، ولم يجد أصدقاء نورهان من شبكة الرموز والثقافات والقيم التي يعيشون داخلها إلا الطقوس، أو الشعائر بالمفهوم الإسلامي، والرموز الإسلامية لتأبين الراحلة، هذا تحديدا ما كان سببا في اصطدامهم بعالم نورهان الأول، العالم الإسلامي الذي رأى بعض ساكنيه أن في الدعوة العلنية والممارسة الرمزية كالدعاء للمتوفاة أو الصلاة عليها يمثل اعتداءً عليهم وعلى رموزهم ومعتقداتهم، لأنها بالأساس تُعبِّر عن الرؤية الإسلامية للحياة والموت، وتخصّ المؤمنين بتلك الرؤية ابتداء، الرؤية التي قد تكون نورهان رفضتها خلال رحلتها وهي تتساءل عن طبيعة الوجود الذي وجدت نفسها فيه، فالصلاة ليست طقسا إنسانيا ليبراليا للناس كافة، بل هي فعل رمزي وثقافي يخص المسلمين وحدهم.

   

يتكئ أكسيل هونيث في نقده للمنظور الليبرالي على الفيلسوف الإيطالي الشهير أنطونيو غرامشي في تأكيد أن مساحة الفضاء الرمزي والأشكال الثقافية والدلالية هي ملعب للصراع والهيمنة بين الثقافات، وبالاستمرار في مخالفة الأطروحة الليبرالية الكلاسيكية يرى غرامشي ومعه أكسيل هونيث أن المجتمع في فضائه الرمزي ومجاله العام المادي مساحة للصراع والهيمنة بين أطراف مختلفة وبين قوى وأطراف متساوية في القوة والسلطة وليس مجرد تعاقد اجتماعي، وفي هذا السياق يكون الصراع من أجل حماية المصالح المادية (الاقتصادية والسياسية) في المجال العام، وكذا من أجل فرض المضامين الرمزية والهوياتية والأشكال الثقافية والتصورات حول الحقوق والحريات، فجوهر الصراع هو الهيمنة، ومعيار الهيمنة هو أن تتحوَّل تلك المصالح والرموز والقيم الثقافية إلى درجة المعيار الحاكم الذي يحكم سلوك وممارسات باقي القوى والأطراف داخل المجال العام والفضاء الرمزي. ومن هنا يمكن النظر إلى الجدل الذي ظهر بعد وفاة نورهان حول المعيار الأخلاقي والثقافي الذي يجب اتباعه في النظر إلى موتها.

    

    

فرغم أن قيام أصدقاء نورهان بممارسة شعائر إسلامية راسخة متعلِّقة بالموت كالصلاة والدعاء، فإن ما أغضب الطرف المقابل أنهم اقتطعوه من سياقه الفقهي والثقافي الإسلامي، ليتحوّل إلى طقس علماني إنسانوي وليبرالي لا يدل على أمة من الناس لديها تقليد راسخ ممتد لقرون، في الوقت نفسه الذي أصرّ فيه عدد من أصدقاء نورهان على أن موقف نورهان العقدي والإيماني هو شأن خاص لا دخل لأحد به، وقد أتى هذا التعقيب "الليبرالي الوعظي" حينما حاجج عدد من المُعلِّقين بأن الجنازة وقراءة القرءان والدعاء له محددات وشروط فقهية وعقدية، وهو ما لم يقبله ساكنو عالم نورهان الأخير الليبرالي الحقوقي الفرداني، حيث يتجلّى في هذا الجدل تحديدا فكرة غرامشي الأساسية في الصراع على الهيمنة، أي محاولة كل طرف جعل معاييره الأخلاقية والرمزية ورؤيته للإنسان والدين والحياة والسياسية والحقوق والحريات معيارا عاما تخضع له كل الأطراف والثقافات المقابلة.

   

وإذا أردنا تلخيص الأمر، فإنه في العقود القليلة التي سبقت، لم يكن هذا النقاش ليخرج للعلن، لأنه ربما لم تكن نورهان لتترك عالمها الإسلامي الأول، فتخلّي نورهان عن رؤيتها الإسلامية، وحينما نضعه في السياق الأعم، تعبير عن التصدُّع الضخم الذي حدث في المجتمع المصري وطبقته الوسطى، فقد تراجعت هيمنة تصورات الإسلام السياسي والدعوي والسلفي كثيرا، مُخلِّفة وراءها فراغا أيديولوجيا ورمزيا. وربما كذلك، لم يكن الفضاء العام مُتنزاعا عليه بالصيغة الحالية التي نشهدها وبهذا الاستقطاب الحاد.

لذلك، فإن فهم طبيعة النقاش الدائر ومحدداته الثقافية، يعد عاملا أساسيا في تخفيف حدّة هذا الصراع الذي يبدو أنه يرتكز على حق الهيمنة، لا حول حق نورهان نفسها. وكما عادة النقاشات على فضاء التواصل الاجتماعي، تختفي الرغبة بالنقاش الجاد الفاعل؛ لحساب النقاش والجدل لذاته، وللإدلاء بالرأي حتى من قبل شخوص لم يكونوا ليهتموا بخوض هذا النقاش، والتفاعل الحاد معه، لولا أنه أصبح "تريند" يحمل صبغة ثقافية. 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار