انضم إلينا
اغلاق
الإنسان المقهور.. ما الذي يجعل "المجتمعات المتخلفة" متشابهة؟

الإنسان المقهور.. ما الذي يجعل "المجتمعات المتخلفة" متشابهة؟

  • ض
  • ض

في روايته "كائن لا تُحتمل خفته"، يُعرّفنا "ميلان كونديرا" على إحدى شخصياته الخمسة الرئيسية، وهي الشابة اليافعة "سابينا"، تلك المناضلة السوفيتية التي فشلت في نضالها ضد القمع الشيوعي في بلادها، لتتحوّل شعلة حماسها العام إلى نموذج منطفئ لإنسان مقهور ينكفئ على ذاته، تاركا كل أسباب النضال والشأن العام برمّته، ومكتفيا بما يقضيه من أيامه في حياته الخاصة. ثم يضع لنا "كونديرا" على الطرف الآخر حبيبها السويسري "فرانز" المتحمس للنضال، والذي تخلّت عنه "سابينا" في جملة ما تخلّت عنه من أسباب النضال وذكرياته.

   

تلك القصة التي تتكرر في كل مجتمع يغلب القهر على أبنائه فيصرفهم عن شؤونه ويطردهم إلى حيواتهم الخاصة في معزل عن قضاياه وهمومه، وهو ما يبدو جليا في كثير من مجتمعاتنا العربية، خاصة تلك التي خبت فيها أضواء الربيع العربي وانطفأت شعلته، فيما يُعرِّفه عالم النفس اللبناني "مصطفى حجازي"، في كتابه "الإنسان المقهور"، بهدر الطاقات والكفاءات، وتُعلِّق عليه "هبة رؤوف" بأنه افتقاد الملحميات الكبرى، وإحلالها بالقصص الفردية عن البدء والنهايات المتتالية[1].

   

تلك القصص التي تُعبِّر عن مجتمع من الجزر المنعزلة، فكلٌّ في جزيرته بمنأى عن الآخرين، أو بالأحرى بمنأى عما يقبع فيه مجتمعهم من التخلف والركود في قاع الأمم. فما بين الدراسات الاقتصادية والإحصائية للمجتمعات المتخلفة، يخرج لنا "حجازي" بنظريته عن الإنسان المقهور؛ ليُخبرنا أن هذه الدراسات الاختزالية تُغفِل الحقيقة الأساسية التي يختبئ وراءها تخلف هذا العالم الثالث، وهو القهر الذي يحجب المجتمع عن أي خطوة للأمام.

   

سيكولوجية الإنسان المقهور (مواقع التواصل)

    

فعالم التخلف في رؤيته هو عالم فقدان الكرامة والقيمة الإنسانية، بحيث يتحوّل فيه الإنسان إلى شيء ووسيلة، ومن ثم فهو مرتبط -بشكل حتمي- بالقهر الذي يلقاه المرء في مجتمعه. بكلمات أخرى، فإن التخلف الاجتماعي مرهون بقدر القهر الذي يُلاقيه البشر في مجتمعاتهم، وكلما كان قدر هذه الحالة كان التخلف على القدر الذي يوازيها. فكيف يمكن النظر إلى التحليل النفسي للقهر وآلياته، وكيف يمكن تفكيك هذه الرابطة بينه وبين التخلف لفهمها؟

  

الإنسان الأدنى

في تحليله للعلاقة بين السلطة والقهر، يُوسِّع الدكتور "مصطفى حجازي" مفهوم السلطة القهرية ليتعدّى المفهوم الاستعماري أو السياسي إلى مفاهيم أضيق وأكثر قربا من المقهورين، فالأسرة، المدرسة، الزوج، كلها مجالات للقهر الاجتماعي تنبني على بعضها، لكنها تشترك في النهاية في محصلة واحدة، وإن تباين مستواها، وهي إخضاع الآخر للسلطة بأداتين مترابطتين: سمو قدر المتسلط، وانحطاط شأن المقهور.

  

فيذهب عالم النفس اللبناني إلى أن علاقة القمع -لكي تستمر بين المتسلط والمقهور- تحتاج دائما إلى ما يُغذِّي نرجسية السيد؛ حتى تتلاشى احتمالية التكافؤ بينه وبين مَن يقهره، فيزيد العنف والتعسّف، وتتفاقم نظرة المتسلط للمستضعف دونية واحتقارا. تماما كما كان يصف "فرانز فانون"[2] العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، وكيف أن الأول يُكرِّس لهذه النرجسية عن طريق خلق عالم ثنائي يُمثِّل فيه الثاني النموذج الأدنى من البشر.

     

    

فهو لا يكتفي بأن يحد مجال المستعمَر ويحاصره، وإنما يجعل منه روح الشر وخلاصته ويصف مجتمعه بأنه خالٍ من الأخلاق. وهو قريب جدا من النظرة الصهيونية للعرب، والفلسطينيين بصفة خاصة، كما ورد في كتابات "هيرتزل" حين نعت العرب بألفاظ دونية ورأى أنه يجب عليهم القيام بالوظائف الهامشية البسيطة[3]، أو كما يحدث بالفعل حاليا من خلال هندسة الاحتلال في فلسطين التي تجعل أحياء الفلسطينيين مستودعات قمامة للمستوطنات كما يقول "إيال وايزمان"[4]، فتضعهم في مرتبة أقل في نظر المستوطنين. فالمهم -دائما- أن يبدو المقهور في مرتبة أدنى تُحيل التعاطف معه إلى درب من الخبل، ومن ثم يبقى قهره دائما سلوكا مقبولا لا بأس به.

 

في هذا السياق، نجد التجربة الشهيرة لـ "ألبرت باندورا"[5]، لقياس أثر النظرة الدونية على تطور عملية القهر، والتي قُسِّم المختبرون خلالها إلى مجموعات ثلاث، ووُصِفت الأولى بمجموعة الحيوانات، في حين وُصِفت الثانية بمجموعة الأذكياء، وتُرِكت الثالثة بلا تصنيف. وكانت مهمة المتطوعين هي سماع نقاشات كلٍّ من المجموعات الثلاثة حول المشكلات المطروحة وتقييم حلولهم لها، بعد أن أَعلمَ القائمون على التجربة المتطوعين بمعايير التقييم، وأرشدوهم إلى ضرورة عقاب مجموعات النقاش على الحلول الخاطئة بالصعق الكهربي المتدرج بعشر درجات من الشدة.

 

وكما كان مُتوقَّعا، لعبت التصنيفات دورا حاسما في مقدار الصدمات وتدرُّجها على مدار محاولات التجربة؛ لتتلقّى مجموعة الحيوانات أكبر قدر من الصعق -كمًّا وكيفا- مقارنة بالمجموعة المحايدة ومجموعة الأذكياء التي كانت أقل المجموعات الثلاثة تعرُّضا للعقاب. وهو ما تناوله السيكولوجي الأميركي "فيليب زيمباردو"[6] بالتعليق؛ ليُخبرنا أن قدرة الأنسنة على تخفيف الإيذاء يقابلها عذاب أكبر يُبرّره نزعها عن الشخص؛ لكونها تُبرِّئ الذات وتُشتِّت مسؤولية الفعل عن عاتق الجُناة.

 

وهو ما يُفسِّر لنا -مثلا- كيف قتل الهوتو إخوانهم التوتسي في رواندا دون أن يهتز لهم جفن، إذ يقول أحد المُحاكمين إنهم لم يكونوا ينظرون للتوتسي كونهم أصدقاءهم القدامى، بل لم يكونوا يرونهم بشرا من الأساس وإنما محض حشرات وصراصير، تماما كما صرّح أحد القادة اليابانيين، حول قتلهم البشع للصينيين أثناء الحرب العالمية الثانية، قائلا إن قتلهم كان يسيرا على الجنود؛ "لأننا كنا ننظر إليهم على أنهم أشياء وليسوا بشرا مثلنا"[7]. وهكذا، بانهيار الرباط الإنساني بين السيد والمَسُود، "يصبح الأول أسيرا لذاته، وينحدر الثاني لأدنى سلم الإنسانية"[8].

   

    

من الخارج إلى الداخل

لأن السلطة لا تُفرَض بالبطش وحده، فإن المتسلّط يُنوِّع في أدواته لبسط سيادته على المستضعفين القابعين في أدنى الترتيب، وفي حال كان المتسلط هو القوة الفوقية على الجماهير، سواء أكان مستعمرا خارجيا أم سلطة شمولية داخلية، فإن العصا تلعب مع الجزرة دورا متبادلا بين إرهاب الجماهير ماديا بالبطش والعنف الملموس، وإخضاعهم معنويا بالعنف الناعم غير الفيزيائي، والذي يبدو -في كثير من الأحيان- أشد أثرا لكونه يتغلغل في قناعات الإنسان ويحكم لا وعيه بدلا منه.

 

ويُعتَبر عالم الاجتماع الفرنسي "بيير بورديو" أبرز مَن تناول هذا المفهوم القهري، وعرّفه على أنه هو العنف الرمزي الذي يتمّ باتفاق خفي بين مَن يُمارِسون هذا النوع من العُنف ومَن يُمارَس عليهم، عبر علاقات الاتصال التي تجمعهم بأساليبها المختلفة[9]. وقد رأى "بورديو" أن المؤسسات التربوية والإعلامية تُمثِّلان الأداة التي تفرض أيديولوجيا المتسلط على المقهورين، مما يعني إخضاعا أطول بأساليب أهدأ.

 

وتلعب المدرسة في رأي "بورديو" دورا محوريا في ممارسة هذا القهر؛ إذ إنها -بدلا من خلق القدرة على السؤال والبحث- تقوم بإعادة إنتاج للأجيال -المُمارَس في حقها عنف السلطة الرمزي- دون أي تجديد في ذلك؛ بغرض الإبقاء على النظام الاجتماعي في صورته التي تختارها السلطة، وإبقاء الطبقات الدُّنيا في حالة خضوع مستمر للطبقات المُهيمنة. وهو ما يتفق معه "باولو فريري"[10]، إذ يرى أن أسلوب التدريس التقليدي ما هو إلا تعطيل للطاقة الكامنة لدى المُتعلِّم، وأنه يستهدف تطويع الطلاب بدافع فكري مرسوم كي يتأقلموا مع عالم القهر، ومع إرساء دعائم التخلف في المجتمع.

   

   

فالتعليم هنا عملية أُحادية لا تُساعد الطالب على اكتساب التفكير النقدي الجدلي، وإنما يُغذِّي متلازمة التسلط والتخلف، فهو يُهيِّئ المرء للتسلط من خلال التلقي والقبول دون مناقشة، ويُلقي به في التخلف من خلال تعلُّم المُثل العليا للطبقات المهيمنة، لا الطبقات الشعبية العريضة، مما يصنع انفصالا بينه وبين الواقع فلا يجد فيما يتعلّمه نفعا لمجتمعه[11]، وهو ما يؤكده كلٌّ من "إبراهيم بدران و"سلوى الخماش"، إذ يريان أن العلم لا يُشكِّل بالنسبة للعقل المتخلف أكثر من قشرة خارجية رقيقة يمكن أن تتساقط إذا تعرّض هذا العقل للاهتزاز؛ لأن هذا العلم لا يعدو كونه قميصا يخلعه المرء أكثر مما يرتديه[12].

 

وبالعودة إلى "بورديو"، سنجد أن كلًّا من الإعلام واللغة الخطابية يُشكِّلان حجر الزاوية الأخرى في بناء العنف الرمزي، فالخطاب السلطوي عنده أداة عنف رمزي تُمارِس سيطرتها على الأذهان عن طريق شخص مُضلِّل عُهِد إليه بالتكلًّم لما له من مكانة اجتماعية أو سلطوية ليُحقِّق الهدف المرجو للسُّلطة. كما يرى "هاربيرت شيللر" أن المؤسسات الإعلامية تتلاعب بالعقول عن طريق تنقيح الصور والمعلومات وإحكام السيطرة عليها بالتركيز على خبر لتمرير خبر آخر أكثر خطورة دون اهتمام[13].

 

فمن المادي إلى المعنوي، ومن الخارج إلى الداخل، يُنوِّع المتسلط أدواته التي تحكم عالم المقهورين البراني وتُسيطر على عالمهم الداخلي، وتتوالى متتالية الإخضاع عبر مراحلها المنطقية حتى تكتمل، أو تتوقف في مرحلة ما، وفي الحالين فإن درجة التحكم في أدوات القهر وتوجيهها هو ما يحكم اطراد هذه المراحل من عدمه.

  

كرة الثلج

  

في مسيرة حلزونية، يلعب كل إنسان داخل سلسلة القهر دور المتسلط على مَن هم أدنى منه، ليجد المرء نفسه فريسة لأشكال متنوعة من القهر، تبدأ من مرحلة الرضوخ والقهر التي تمتد زمنا طويلا مقارنة بباقي المراحل، وهي -كما يذكر "حجازي"- بداية اصطدام المقهور بقوى القهر، إذ تكون الأخيرة في أوج سلطانها وحالة الرضوخ في أشد درجاتها، ويتبع ذلك حملات تيئيسية منظمة من قوى التسلط لجعل الجماهير ينظرون إلى أنفسهم بصورة دونية، مما يجعلهم مستسلمين على الدوام لمَن يقودهم.

 

وتتميز تلك المرحلة بأنها علاقة رضوخ مازوخية[*]، يتناسب فيها احتقار المقهور لنفسه وتعظيمه للمتسلط؛ إذ يرى فيه نوعا من الإنسان الفائق الذي له مطلق الحق في السيادة والتمتع بكل الامتيازات. يتضح ذلك جليا -على سبيل المثال- في المظاهرات المليونية بعد نكسة يونيو 1967 لمطالبة الرئيس جمال عبد الناصر بالتراجع عن قرار التنحي، والتي رأى "شريف يونس"[14] فيها انعكاسا عفويا من الجماهير لشعورهم ووعيهم المتراكم خلال خمسة عشر عاما من حكم الضباط الأحرار.

 

هذا التواطؤ الذاتي بين الإنسان المقهور وما يُمارَس عليه من قهر يخلق نمطا متذبذبا بين التبعية وبين العدوانية الفاترة، وهذه الأخيرة تُنتج ازدواجية في العلاقة بين رضوخ ظاهري للمقهور، وبين عدوانية خفية يشعر بها تجاه المتسلط، الأمر الذي يؤدي -وفق "حجازي"- إلى بروز عدد من العُقَد التي تسيطر على حياة هذا الإنسان المقهور، كعُقدة النقص التي تُخيفه من كل شيء، أو عُقدة العار، أو اضطراب الديمومة حين يتضخم الخوف من المستقبل وتضيع الثقة في إمكانية الخلاص.

   

في حالة الثورات يدخل المقهور في مرحلة التمرد والمجابهة، بعدما فشل الرضوخ في جلب حقه، فلا يجد إلا العنف المضاد

الجزيرة
   

لكن لأن هذه الآلام الوجودية الناشئة عن وضعية القهر لا يمكن احتمالها، فإن المقهور سيدخل في مرحلته الثانية، هاربا من زمن الرضوخ إلى زمن الاضطهاد، والذي يُمثِّل أول رد فعل تجاه القهر؛ إذ يفشل القمع المستمر للعدوانية في إخفائها فتبرز على السطح، ويبدأ المرء في تصريفها خارج ذاته على غيره ممن يسهل عليه قمعهم وقهرهم، فمحور الشعور الاضطهادي هو التفتيش عن مخطئ، ولمّا كان المخطئ الأساسي سلطته أكبر من قدرة المقهور، فإن المقهور يلجأ إلى مَن يُحمّلهم أوزاره ويلصق بهم عاره. وعلى الرغم من نجاح هذه المرحلة في تخفيف المأزق الذي يشعر به المقهور، فإنها حل مرهق لا يمكن الاعتماد عليه.

 

ومن هذه النقطة تحديدا تنشأ الثورات ويدخل المقهور في مرحلته الأخيرة، مرحلة التمرد والمجابهة، بعدما فشل الرضوخ في جلب حقه، فلا يجد إلا العنف المضاد، وتكون المجابهة الأساسية هنا هي مجابهة الموت؛ إذ إن التغلب عليه ينسف الخوف كما ينسف التمرد التنكر للذات وللجماعة مما يُنشئ لحمة قوية بين أفراد الشعب المقهور وتبرز مشاعر الانتماء[15]، وهو ما استدل عليه "فانون" بثورة الجزائر على الاحتلال الفرنسي حين بلغت طورها الأخير.

 

الإنسان المقهور

من المرحلة الأخيرة، المرحلة المتمردة، يكشف لنا "حجازي" أن القهر يُنتج إنسانا مختل التوازن، وأن هذا التوازن الوجودي يتعادل من خلال جانبين: الجانب الأول يتعلق بمرحلة التمرد تلك، وهو تغيير الأوضاع من الخارج؛ لتتلاءم مع حاجات المرء الحيوية وتُحقِّق له ذاته، وهو الحل الأكثر فاعلية والأضمن على المدى البعيد، غير أنه ليس ممكنا في البداية، مما يُلجِئ الإنسان إلى آليات دفاعية تهدف للتأقلم لا التغيير، وتكفل تحقيق الذات بشكل ظاهري، إلا أن سلبيتها تُعيد التوتر إلى الارتفاع مرة أخرى، مما يجعل المرحلة الأخيرة ضرورة بحلولها الخارجية.

   

من بشر معزولين عن واقعهم إلى آخرين متمردين عليه تطوّرت مسيرة التخلف في دول العالم الثالث

رويترز
   

ويُعتَبر الانكفاء على الذات، سابق الذكر، أول هذه الأساليب الدفاعية، حيث ينسحب المرء من واقعه لشعوره بالإحباط وانعدام القيمة، فيحد من طموحاته بتقبُّل مصيره كما هو، أو بإيهام نفسه بذلك، غارقا في بؤسه الذي يحد من مجالات نشاطه، فلا يُدير ظهره للمتسلط وحسب، بل عن كل ما يُمثِّله من نمط حياة وقيم وأدوات، ثم يهرب إلى الماضي المجيد ويتماهى مع أبطال القصص الشعبية وتاريخهم الحماسي، غير أن رجعته إليهم لا تكون رجعة مَن يريد الإلهام وإنما من يبتغي ملاذا يحتمي به من الحاضر الذي يقهره[16].

 

على النقيض من ذلك، يأتي التماهي مع المتسلط كأثر مختلف ومخيف للقهر الاجتماعي؛ إذ يتماهى المقهور مع أحكام المتسلط ليتشبّه بعدوانيته ونمط حياته، ويكون التماهي حينها أكبر من مجرد محاكاة، بل يصبح عملية لا واعية تفوق الإرادة وتتلخّص بتمثُّل وجود الآخر كليا أو جزئيا، فيتخذ المقهور ماهية المتسلط، وهويته، وإيماءاته، وتعابيره، وأدواته؛ ليكتسب وهم الاعتبار الذاتي، ويصرف العدوانية إلى الخارج بدلا من ذاته[17].

 

ويُعتَبر العنف هو الابن الشرعي لهذا التماهي؛ سواء أكان عدوانية مرتدة إلى الذات باللوم الدائم والتحقير المستمر لها، أو عدوانية خارجية بتخريب الممتلكات العامة؛ لإحساسهم بأنها تُمثِّل رموز المتسلط ولا تنتمي إليهم، وهو ما يُفضي في النهاية -حسب "حجازي"- إلى مزيد من التسلط لإحكام السيطرة وفرض الرغبات التي تذهب في اتجاه الاستغلال.

 

في النهاية، تبدو هذه النتائج متشابهة كثيرا مع ما نجده في المجتمعات المتخلّفة، فمن بشر معزولين عن واقعهم إلى آخرين متمردين عليه تطوّرت مسيرة التخلف في دول العالم الثالث بين دولة فاشية لا يشارك فيها المواطن بشيء، وحرب أهلية لا ينتج عنها إلا مزيدا من الدمار. الأمر الذي يلفت النظر إلى أهمية تحليل الظاهرة النفسي لمعرفة أن العلاج قد لا يأتي من التحسن الاقتصادي أو الحد من الكثافة السكانية بقدر ما يأتي من احترام الإنسان ووضعه في مقامه الذي كرّمه الله.

---------------------------------------------------------

الهوامش

[*] مازوخية: تلذّذ الشخص بِالألم الواقع على ذاته.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار