انضم إلينا
اغلاق
تطبيقات المواعدة والمراسلة العاطفية.. هل يمكن أن تصنع حبا حقيقيا؟

تطبيقات المواعدة والمراسلة العاطفية.. هل يمكن أن تصنع حبا حقيقيا؟

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

    

في نهاية يوم مُمل آخر، يجلس معاذ مُمسِكا بهاتفه، يتصفّح مواقع التواصل وشبكة الإنترنت أملا في أي جديد يكسر به حِدَّة الملل الذي يحاصره، ليُفاجأ بهذا الإعلان الذي بدا للوهلة الأولى كأنه مُوجَّه إليه مباشرة: "زهقت من الوحدة ومن روتين حياتك، نفسك تعمل حاجة مختلفة، تقابل حد جديد، وتجرب مغامرة جديدة مضمونة تماما بدون أي قلق أو حسابات وهمية؟ جرب التطبيق ده وحنساعدك عشان تتعرف على حد جديد من غير أي قلق أو مشاكل". كان هذا هو فحوى الإعلان الذي سمعه معاذ على لسان صوت أنثوي ناعم داعَبَ خياله، لم يفكر معاذ كثيرا قبل أن يقوم بتحميل التطبيق على جواله، ثم بعد تأكيد حفظ خصوصية بياناته التي قام بتسجيلها، اسمه وسنه ووزنه وطوله، المدينة التي يعيش فيها، حالته الاجتماعية، وبعض سماته الشخصية، انتقل إلى تسجيل تفضيلاته الخاصة بمَن يرغب باللقاء بهم، بدأ بتأكيده أن تكون أنثى، ثم أسهب في تحديد شكلها وحالتها الاجتماعية وبعض السمات الشكلية التي يُحبِّ أن يجدها في الأنثى التي يرغب بمقابلتها.

   

لم يكن هذا التطبيق الذي استخدمه معاذ الأول من نوعه، سواء عربيا أو عالميا، بل إن تطبيقات المواعدة وتدبير اللقاءات والعلاقات باتت منتشرة على مستوى العالم وبها شرائح عمرية متنوعة ومثيرة للتأمل والتساؤل، حيث يُشير عدد من الإحصائيات على مستوى العالم إلى تزايد الإقبال على تطبيقات المواعدة وبمعدلات تزداد في كل عام. تطبيقات المواعدة التي احتلّت بالفعل حيِّزا كبيرا من السوق العالمية، وحقَّقت شركات مثل "ماتش غروب"، التي تُعتَبر إمبراطورية في المجال، أرباحا في العام الماضي قاربت خمسة مليارات دولار. تمتلك الأخيرة أبرز التطبيقات الناشطة في عالمنا اليوم، مثل "تيندر"، "أوكيبايد"، "هينج"، "ماتش"، "بلينتي أوف فيش"، ولو امتلَكتْ تطبيقَيْ "بادو" و"بامبل" لأصبحت مُسيطرة على السوق بالكامل. كل ذلك دون أن نُشير إلى دخول منصة "فيسبوك" مجال تطبيقات المواعدة بشكل جزئي في الولايات المتحدة وكندا وعدد من الدول الأوروبية، تمهيدا لنشر الخدمة عبر العالم كله.

   

   

حُبٌّ خارج العالم

في إحدى مقابلاته، يُفصح مؤسس "تيندر" (Tinder)، جاستين مارتين، أن ما دفعه إلى تصميم التطبيق في الأصل هو عدم قدرته على بناء علاقات وتواصل حميم في العالم الحقيقي، باعتباره شخصا لا يخرج من غرفته كثيرا، ولا يمتلك مهارات اجتماعية ولا شجاعة تؤهِّله لأخذ مبادرات نحو الفتيات في العالم الحقيقي، وأن التطبيق مُوجَّه لأشخاص مثله وجدوا أنفسهم على هامش الحياة بسبب عدم قدرتهم على الانخراط الاجتماعي.

   

لم يتخيَّل جاستين حجم النجاح الذي حقّقه "تيندر"، فمستخدمون من كل مكان في العالم تقريبا أقبلوا على تحميل التطبيق واستخدامه، حيث "يُعتَبر "تيندر" تطبيق المواعدة الأكثر شعبية اليوم، وهو النموذج المؤسس لثورة تطبيقات المواعدة بعد عام 2012. ولم يَعُد غريبا أن نسمع قصص زواج بدأت عليه أينما ذهبنا في العالم، أو نصادف أشخاصا ارتبطوا بعلاقات كان التطبيق عرّابها"، حيث يُتيح "تيندر" لمستخدميه، مقابل مبلغ من المال، تحديد الصفات التي يرغب بها في شريكه وحالته الاجتماعية حتى صفاته الشكلية كلون الشعر والأعين وشكل الجسد.

   

سبب أساسي في النجاح الكبير الذي حقَّقه نموذج "تيندر" في الأساس يكمن في إدراك مصممي "تيندر" للجوهر الأساس في العلاقات الافتراضية، فهي ليست المعلومات التي يُعرِّف بها كل فرد نفسه، بل الشكل والسمات البصرية، وبعد هذه النقطة الأساسية يأتي كل شيء آخر. يحتوي التطبيق كذلك على طريقة خاصة في التصفح مناسبة لهذا التفكير هي الـ "Swipe" التي تنتقل بين صور المستخدمين فقط، عبر الضغط إما على اليمين في حال الإعجاب، وإما على اليسار في حال العكس، جعلت هذه الخاصية التطبيق أسهل وأقرب إلى صفحة التسوق للبضائع المختلفة.

      

تطبيق "تيندر" (Tinder) (رويترز)

    

يصف الفيلسوف آلان باديو تلك الطريقة في بناء العلاقات بـ "الحب خارج العالم"، حيث يرى أن سبب انتشارها ليس أن جميع مستخدميها انطوائيون أو فاقدون للشجاعة والمهارات الاجتماعية، ولكن لأنها تُقدِّم مفهوما جديدا للعلاقة وللحب، حب مُؤَمَّن من مواجهة كل المخاطر والاحتمالات السيئة التي يحتوي عليها العالم، فهذه التطبيقات لا تَعِدُ بالحب ولكن بالأمان، "إن الهدف هو تجنُّب كل اختبار مباشر للعالم والآخر، كل خبرة عميقة أو أصيلة للغيرية والاختلاف والمصادفات التي ينسج الحب منها خيوطه. وفي النهاية تغيب أي شاعرية وجودية تحت اسم غياب المخاطر من خلال ترتيب اتفاقات سابقة، تتفادى عشوائية العالم الحقيقي بما يحمله من مصادفات واحتمالات واختلاف".

     

الحب كمُخاطرة وجودية

"أن تحب يعني أن تناضل، في ما وراء العزلة، مع كل ما يمكن أن ينعش وجودك في هذا العالم"

(آلان باديو)

   

مع كل تطور تقني جديد يُحقِّق انتشارا واسعا، يتحدّث علماء الاجتماع والباحثون في الدراسات الإنسانية كثيرا عن توابع هذا التطور التقني على المجتمعات، واحتمالية أثره السلبي على معنى وقيمة الحب، تحت دعوى تشجيعها العلاقات العابرة من أجل الجنس. وبسهولة، يمكن إيجاد عشرات الأبحاث والدراسات التي تُفصِّل مساوئ عدد منها، مثل نزعة التسليع والاستعراض التي تنتج عن اختزال الناس في سماتهم الشكلية، وعرضها مثل البضائع المبيعة على الإنترنت، من دون أي اكتراث لشخصياتهم وثقافتهم وخلفياتهم الاجتماعية، بالإضافة إلى سحب التواصل من العالم الاجتماعي الحقيقي إلى العالم الافتراضي، وتحويل المواعدة إلى لعبة لقتل الملل، ما يخلق حالة من الاستسهال والاستخفاف بمعنى العلاقات وجديتها.

   

وعلى الضفة الأخرى، هناك عدة دراسات تحدّثت عن زيادة في نسبة العلاقات قصيرة المدى لمستخدمي "تيندر"، لكن ليس هناك ما يُثبت أنه كان مُضِرا للعلاقات طويلة المدى، فضلا عن أنه لا توجد إحصائيات عن حجم تقليل التواصل في العالم الحقيقي، بل إن عددا آخر من الأبحاث والإحصائيات أثبت أن العكس هو الصحيح، "وأن التطبيقات الشبيهة بـ "تيندر" تُشجِّع على الخروج وتعطي الأفراد ثقة أكبر وتُحفِّزهم على التعرف إلى أشخاص خارج الدوائر الصغيرة التي ينتمون إليها"، هنا تظهر أهمية الفلسفة والمفاهيم، فمفهوم مثل الحب والفلسفة التي تكمن خلف معنى الحب لا تتأثر بالإحصائيات والدراسات الاجتماعية.

       

يرى باديو أن الحب في الأساس مخاطرة، مخاطرة وجودية، فأنت تُراهن بذاتك ومشاعرك على الآخر وفي مواجهة تقلُّبات الزمن والمجهول الذي قد يأتي به العالم

مواقع التواصل
     

وبالعودة إلى رؤية الفيلسوف آلان باديو للحب، يربط باديو الحب بمفهومه الفلسفي المركزي وهو مفهوم "الحدث"، الحدث هو لحظة كثافة وجودية، لحظة سحرية تماما كأول الوقوع في الحب، أو الانخراط في ثورة، أو إلهام ببيت شعر ومقطوعة موسيقى، أو حتى اكتشاف حل لمعادلة رياضية مُعقَّدة، لحظة تأسيسية ينخرط فيها الإنسان بكليّته في حدث جذري، ليُعيد تشكيل ذاته والعالم من جديد، فالحدث يؤسّس لنفسه ويُعيد تاسيس ما حوله من جديد.

   

بهذه الطريقة يفهم آلان باديو الحب على أنه ثقة في العالم، والمصادفة، وعشوائية الحياة، وليس هربا من العالم ومن الحياة، فحدث استثنائيّ كالحب لا يمكن أن يكون مُرتَّبا وفقا لقوانين وخطة مُعدَّة خصيصا لتجنُّب الحياة، يقول باديو: "إن الحب ثقة حقيقية في المصادفة وما قد تحمله لنا الحياة، بشرط ألا ننظر إليه على أنه تبادل لمآثر مشتركة، أو أنه استثمار مُربِح، ولكنه انفتاح على البُعد الجمالي والوجداني في العالم، تدفق الآخر في الذات وتدفق الذات في الآخر، وإعادة تشكيل العالم على أساس الاختلاف والحب".

   

يرى باديو أن الحب في الأساس مخاطرة، مخاطرة وجودية، فأنت تُراهن بذاتك ومشاعرك على الآخر وفي مواجهة تقلُّبات الزمن والمجهول الذي قد يأتي به العالم، موضحا "أن حدثا كالحب لا يستمر بسلاسة، لكن يتشكَّل من شجارات عنيفة ومعاناة حياتية، وانفصالات قد نتجاوزها وقد لا نستطيع"، والحب الأكثر أصالة الذي يتجدّد وينتصر باستمرار فوق الحواجز والشجارات والتقلبات الحياتية وكل العوائق التي تقف حاجزا عبر الزمن والمكان والعالم. ويُردف باديو أن الحب خبرة من أكثر الخبرات ألما في الحياة لأي فرد، لهذا يتوجَّه بعض الناس في عالمنا المعاصر لدعاية التطبيقات حول الضمان الشامل للحياة بأسرها، التي تهدف إلى تحييد كل الاحتمالات المؤلمة في الحياة، حتى الحب.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار