انضم إلينا
اغلاق
مدن بلا رجال.. نساء الحرب والفقد بسوريا

مدن بلا رجال.. نساء الحرب والفقد بسوريا

  • ض
  • ض

محمّلًا بمعنى الحياة يزورها طيفُه كلَّ ليلةٍ بعدَ نهارٍ مليء برسمِ تفاصيل وجهه، بخطاه الثابتات يتقدَّم وبعينيه المنغرسات سهامًا في قلبها يرمُقها تمتدُّ يدُه لِتُهدهد تعبَها، ويبدأ بالحديثِ عنه وعنها حديثًا يقطعُه الفجرُ من كلِّ يوم، "سلام" ابنة الـ 25 ربيعًا، جامعيةٌ تحترفُ صنعةَ الشِّعرِ فَترسُم شريكها بالكلماتِ وَتستظلُّ بفيء قلبِه المرسوم بعدَ أن أقفرت البلادُ من الشباب إقفارًا كبيرًا، في الجامعة.. في الطرقات.. في البيت.. أنَّى التفتّ لا تجدُ إلا نساءً تكتظُّ بهنّ الأمكنة والعيون، وتضيقُ أضلاعُهنَّ بالهمّ والحزن، ولا سندَ تتكئ عليه أرواحُهُنَّ المرهقة، وفي بعض الشوارع شرذمة من الذكور بلباس عسكر، هذا حال دمشق حاضرة سوريا وقلبها الذي كان نابضًا يومًا.. تقول سلام.

 

الثورةُ السورية ترتَّب عليها كوارثُ تعدُّ الأخطرَ آثارًا في مآلاتها الاجتماعيّة بعدَ الحرب العالمية الثانية؛ إذ تسبَّبت - فيما تسببت به - بانخفاض نسبة السُّكانِ من 24.5 مليون نسمة إلى 17.9 مليون، حسب تقديرات الأمم المتحدة[1]، وهذا الانخفاضُ يحملُ معهُ انحسارَ نسبةِ الرِّجال أمامَ العُنصرِ النِّسائيّ المتوغّلِ فِي المشهدِ الاجتماعيِّ لبعضِ المُدنِ الخاضعةِ لسيطرةِ النِّظامِ السوري كما بيَّن تقريرُ للمركز السوري لبحوث السياسات؛ حيثُ جاء فيه: "إنَّ الإناث يشكِّلنَ 57% من إجمالي النازحين في سوريا، وتجاوزت هذه النسبة 70% في بعض أحياء دمشق، مثل حي تشرين، وتجاوزتها في مناطق زاكية والتل في ريف دمشق، ومركز السلمية في حماة، ودريكيش في طرطوس، والقريا وشهبا في السويداء، بينما بلغت نسبة الإناث 51% من إجمالي السكان المستقرين مكانياً، مع العلم أنَّ نسبة الإناث في سوريا قبل الأزمة؛ أي: عام 2010 بلغت نحو 49%"، لم يكن ثمّة مفرٌّ من هذا التغيُّر في التَّركيب الجنسي للسُّكان؛ وذلك لأسباب تفرضها الصراعات على الواقع الاجتماعي:
 

الانخراط في القتال والقتل

أظهرت بعض الإحصائيات أن 110 آلاف من العلويين قتلوا في السنوات الخمس الماضية، مما دفع النظام إلى فتح باب التجنيد الإجباري.

رويترز
في أيِّ حديثٍ عن زجِّ الرجال في محرقةِ القتال والقتل يمثُل أمامنا قولُ عمر بن أبي ربيعة:

كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَينا ... وَعَلَى الْغَانِيَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ

مؤرخًا أنَّ الرِّجال هم حطب محرقة أيِّ صراعٍ مُسلَّح، وأنَّ النِّساء/الغانيات عليهنَّ جرُّ الذُّيول، أطلق ابن أبي ربيعة الذيول ولم يُقيِّدها، ربَّما لِئَلَّا يُعتقدَ أنَّ النِّساء في حروبنا اليوم أو عقبها يجرجرن ذيولَ الخُيلاء والكبر ولو كانت المعركةُ النصر، إنَّما يسحبنَ وراءهُنَّ ذُيولَ القهر والحسرة والفقد.

 

 لمّا أُشْهِرتْ آلةُ الحرب بوجه الشعب الثائر سلميًا، وجد الثائرون أنفسهم مرغمين على التسلح للذَّبِّ عن النفس والعرض والحريّة المنشودة، وأمامَ رحى السِّلَاح الدَّائرة ليلَ نهار من خمس سنوات، وارتفاع وتيرة القتال وتحوّل سورية إلى ساحة صراعٍ دولي، وقدومِ قوَّاتٍ شتَّى من أصقاع مختلفة بدأ الخزَّان البشري لقوات النظام ينفد، ولا سيما رصيدُه مِن الطائفة العلوية، حيثُ أَظهرت بعضُ الإحصائيَّات  أَنَّ 110 آلاف من العلويين قُتِلُوا في السَّنوات الخمس السابقة[2]، ممَّا دفع النظام إلى فتح باب التَّجنيد الإجباري، أي إقحام عددٍ أكبر من الشَّباب في العمل المسلح والحرب التي تأكل الرجال كما تأكل النار الهشيم، وعلى الضِّفة الأخرى طبقةُ شباب من الشعب التي تسلَّحت وغرقت في مرجل الحرب المتدفِّق لهبًا حارقًا، وقدَّمت نفسها على مذبحةِ الحرية ففنيت أعمارُ وغُيّب تحت سدف الثرى مئات آلاف من الشباب، وخلف مشهد صراع الفناء هذا مجتمعٌ يضجُّ بنساءٍ متروكاتٍ ثكالى ويتامى وأرامل وعوانس وفاقدات، يحاولن التمرَّسَ والاعتياد على دفع ثمنٍ خفيٍّ مر.

 

الاعتقال والتغييب القسري

بلغ عدد المعتقلين عند نظام الأسد وحده حتى نهاية عام 2015 أكثر من 225 ألف معتقل.

رويترز
وفي هذه الحرب التي حصدت أرواح الشباب والرِّجال بلا هوادة، يبقى الألم الأكبر عند السوريين ذاك الذي يسبِّبه اعتقالُ أبنائهم وتغييبهم القسري خلف قضبان القهر وفي أقبية المخابرات، وقد بلغ عددُ المعتقلين عند نظام الأسد وحده حتى نهاية 2015 وفق إحصائية الشبكة السورية لحقوق الإنسان أكثر من 225 ألف معتقل[3]، إلَّا أنَّ إحصائيَّات ناشطي الثورة تؤكِّد أنَّ العدد أضعاف مضاعفة عن هذا الرقم ولا يمكن توثيقه بسبب صعوبة الظروف الميدانيّة، هذا سوى مَن هم في قبضة تنظيم الدولة ومن وقع أسيرًا في أيدي فصائل المعارضة.

 

إذن نحنُ أمام مئاتِ آلافِ الرِّجال الذين فقدتهم أسرُهُم وغابوا عن شوارع المدن ليتكدّسوا في أقبية تحت الأرض أو معتقلات لا يعرف عنها أحدٌ شيئا، ولا يعلم مصيرهم أحدٌ من أهلهم. إنعام من حيّ المَيدان الدمشقي ابنةُ العشرين ربيعًا فتاة تتفجر صبًا، تحدثنا بنظراتِها الشَّارِدات عن خطيبها المعتقل مع أخيها الوحيد من سنة ونصف، وتتحدث بأسًى عن أيامها التي تمضي بانتظارهما.

 

سناء من الميدان أيضًا تتحدث بكلماتٍ تمتزج بنحيب المكلوم، وتغرقها دموع هادئة: "اعتقلوا زوجي وابني على الحاجز من أربع سنوات ولا أعرف عنهم شيئًا، وبعدها بأسبوع أعدموا أخي إعدامًا ميدانيًّا على أحد الحواجز وزوج أختي أيضًا معتقل من سنتين ولا نعرف عنه شيئًا". تنفجر بالبكاء وهي تتحدَّثُ عن الْأُسَرِ الثَّلاث التي تعيشُ اليومَ في بيتٍ واحدٍ بلا رجالٍ يستندونَ عَليه في هذه الأيام المضنية.

 

على أن النّساء في التَّعَامل مع اعتقال ذويهنّ يقعن في حالةٍ مُعقَّدةٍ نَفسيًّا وقانونيًّا؛ إذ يبقى الألمُ مستمرًّا دون الوصولِ إلى استقرار في ظلِّ معرفة ما يعانيه هؤلاء المعتقلون من تعذيب لا يمكن لبشر تخيّله، إضافة إلى تعقيد الوضع القانوني بالنِّسبة لزوجات المعتقلين والمفقودين؛ إذ يبقى التَّساؤل المثمرُ ضياعًا نفسيًّا وتيهًا اجتماعيًّا حول وصفها القانوني والشَّرعي إذا ما كانت باقية على عقد الزوجية أم أنها في حلٍّ منه بسبب جهالة مصيره، وهذه الحالة تزيد في تعقيدات الآثار الاجتماعية السلبية المترتبة على غياب الرجال المعتقلين والمفقودين.

 

الهجرة الداخلية والخارجية
(رويترز)

لم يشهد الزّمن المعاصر حالةً من التشرّد على غير هدىً كما شهدتها الأزمة المتصاعدة في سوريا؛ إذ سجّلت الأمم المتحدة حتى نهاية عام 2015 هجرة أكثر من أربع ملايين سوري خلال أربع سنوات إلى خارج سوريا، وثمّة أكثر من 7 ملايين و600 ألف مهجَّرٍ ونازح اضطروا إلى مغادرة مناطق سكنهم إلى مناطق أخرى داخل سوريا منذ بدء الثورة حتى نهاية 2015، وقد وصف انطونيو غوتيريس رئيس المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أزمة اللاجئين السوريين بأنها " أسوأ أزمة إنسانية شهدها جيلنا"
[4].

 

على أنَّنا لا يمكنُ أن نُغفل أن التَّهجير الدَّاخلي كان تهجيًرا ممنهجًا في بعض المناطق يهدفُ إلى التغيير الديموغرافي في البنية السّكّانيّة، لا سيما في المناطق ذات الأغلبية العلويّة الموالية للنظام، إذ تعرَّضت المدن والقرى المعارِضة لعملية تفريغ من سكّانها الرجال بالدرجة الأساسية من خلال بثِّ الرعب عن طريق ارتكاب مجازر جماعيّة بحقهم، وفي هذا الإطار يحدِّثنا الناشط والمدوّن أحمد حذيفة ابن مدينة بانياس الساحلية التابعة لمحافظة طرطوس وهو شقيقٌ لشهيدين شابين قضيا في سجون النّظام عما جرى في مايو 2013 حيث وقعت مجزرة بانياس التي كانت من أكبر المجازر وأبشعها في تاريخ الثورة السورية، وقد شهدتها مدينة بانياس والقرى المحيطة بها مثل البيضا وبساتين إسلام والمرقب وغيرها: اعتقلت الميليشات الشيعية 70 رجلًا وأخذتهم إلى جهة مجهولة، ومصيرهم إلى الآن غير معروف، فهذه الحادثة جعلت الشباب وإن كانوا غير منحازين للثورة بالكامل يهربون بأرواحهم من بانياس والقرى المحيطة بها". وأكد أحمد أنّ هذه المناطق الآن فارغة تمامًا من الرجال دون سن الخمسين وفوق السابعة عشر.

 

مما جعل هذه المدن مدنًا بلا رجال دون أيّة مبالغة في التوصيف، وهذا الأسلوب أدَّى إلى تفريغ عدد من مناطق محافظة اللاذقية السّاحلية كمركز المدينة ومدينة جبلة التابعة لها. إذ إنّ الشباب والرجال الذين هم في سنّ التجنيد الإجباري والاحتياطي والذين يخشون على أنفسهم الاعتقال هربوا بأنفسهم وخلّفوا مدنهم وراءهم تقف فيها النساء على شبابيك الانتظار والأمل بانتهاء المأساة.

 

والنَّاظر في حركة الهجرة هذه يتأكَّد أنَّها تستهدف الرِّجال بالدَّرجة الأولى في المناطق كافة؛ سواء منها الخاضعة لسيطرة النظام أو سيطرة فصائل الجيش الحر، أو تنظيم الدولة، وتتلخص أسباب الهجرة في:

 

1- الفرار من مواضع الخطر المستهدفة بالقصف، والتي تدور فيها المعارك الشرسة بين الجهات المتقاتلة.

2- الفرار من الخدمة العسكرية في جيش النظام لا سيما بعد رفع سنّ التّجنيد الاحتياطي الإجباري إلى ما يقارب خمسين سنة.

3- الأوضاع الاقتصادية بالغة السوء في المناطق كلّها وتوقّف فرص العمل وارتفاع البطالة بنسب مرعبة.

4- حلم الهجرة والحصول على الجنسيّة والاستقرار في الدول الأوروبية.

 

هذه الأسباب معظمها تجعل القائمين بفعل الهجرة بالدرجة الأولى هم من الرجال الذين يتركون أسرهم ونساءهم على أمل اللّحاق بهم بعد إجراءات لمِّ شمل قد يطول سنوات عدّة، أو تبقى هذه الأسرة في موضعها، ويؤمّن لها رجالها ما يكفيهم من نفقات يستعينون بها على شظف الحياة التي لا ترحم. مما جعل هذه الهجرات سببًا إضافيًّا لظاهرة المُدن التي فقدت رجالها وغدت تعيش طغيانًا نسويًّا على المظهر العام الذي يخفي تحته مشكلات وتعقيداتٍ شتّى.

 

التجربة الألمانية عقب الحرب العالمية الثانية

قُدرت خسائر ألمانيا إبّان الحرب العالمية الثانية بما يزيد عن خمسة ملايين قتيل من العسكريين فقط.

رويترز
على هذا الكوكب الذي لم تهدأ الحروب على متنه إلا لتنطلق من جديد كانت النساء هن الحلقة الأضعف حيثما ولت الحرب وجهها، ولفهم أعمق لما يجري في سوريا فمن المفيد تسليط الضّوء على ما مرَّت به ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية؛ إذ إنّ تأثير الحرب عليها كان تأثيرًا كبيرا أفقيًّا ورأسيًّا، إذ قُدِّرت خسائرها إبّان الحرب بما يزيد عن 5 ملايين قتيلٍ من العسكريين فقط، إضافة إلى الملايين من المدنيين الذين سقطوا نتيجة القصف الجوي والتهجير الذي مُورس على شرائح عدة من الشعب، فكانت نسبة الضحايا في ألمانيا ما يقارب 11% من مجموع السكّان آنذاك أي ما يعادل 7.5 مليون شخص أودت بهم الحرب.

 

وهذه النسبة يومئذٍ أدّت إلى ظهور مُدن بلا رجال في أنحاء ألمانيا ما تسبَّب بظهور مشكلات اجتماعية كبيرة زاد في معاناتها ما كانت تلقاه على أيدي الجنود السوفييت؛ إذ كانت المرأة الألمانية الهدف الأول للثّأر مما فعله الجيش النازي في الدّول الأخرى، وقد عمّت ظاهرة الانتحار عند النساء الألمانيات بعد عمليات الاغتصاب الواسعة التي قام بها الجيش الأحمر.

 

ولكنّ مبادرة قامت بها الألمانية "لويزا شرودر" أعادت للنساء الثّقة بأنفسهن، وبعثت الأمل من قلب تلك الظلمة الحالكة؛ إذا أطلقت فكرةً تقوم على توزيع آلات البناء على النساء لتشكّل النّواة لما عُرف بعد ذلك "بنساء الأنقاض" وهنّ نساء ألمانيا اللواتي شمَّرن عن سواعدهنَّ، وكانت مهمتهنّ ترتكز في ثلاثة اتجاهات:

 

الأول: استخراج الحجارة السّليمة من بين الأنقاض لإعادة استخدامها مرةً أخرى في إعادة الإعمار.

الثاني: إخلاء المدن والشوارع من الأنقاض ونقلها خارجَ المدن.

الثالث: إعادة تشغيل المصانع التي لم تتضرر بفعل الحرب والعمل فيها.

 

لقد نجحت النساء الألمانيات في ظلّ غياب الرجل وحضور الإرادة الصلبة والإدارة النّاجحة في ظرف تسعة أشهر من تكسير حطام 18 مليون منزل وتحويلها إلى 750 ألف متر مكعب من التراب، جمعنها على هيئة جبال في كل أنحاء ألمانيا، واستمرت مرحلة البناء عشر سنوات من 1945 إلى 1955، وقد عُرفت هذه المرحلة باسم هؤلاء النساء "مرحلة نساء الأنقاض" وقد خلّدها الشعب الألماني وعدّها مرحلةً ناصعةً فارقةً في تاريخه المعاصر، وأقيمت لها النُّصب التذكارية في كل أنحاء ألمانيا، وغدا "أدب الأنقاض" يُدرَّس في جامعات ألمانيا.

 

أجل إنَّها المرأة إذا خرجت من تحت أنقاض اليأس، ورفعت عنها حُطامَ الوحدة، وحطّمت بإرادتها عوامل القهر فأصبحت أيقونة بناء ورمز عطاء وتاريخا مشرِّفًا للأمم[5].

 

الآثار الاجتماعية للظاهرة وآليات تخفيف المعاناة
(رويترز)

فضلًا عن الآثار العميقة التي تُحدِثها الحرب من حيث كونها زلزالًا يضرب أركان المجتمع، ويصيب الإنسان في مقاتِلِه النفسيّة والفكريّة إلا أنّ ظاهرة غياب الرّجال عن الوضع الاجتماعيّ في مدنٍ شتّى لها من الآثار الاجتماعية الإضافية ما يزيد المشهد تعقيدًا.

 

أشجان يحيى استشارية اجتماعية وخبيرة في العلاقات الأسرية تقول لميدان بعد تنهيدة ألمٍ ووجع: "من الآثار السلبية النفسية والاجتماعية لمدنٍ بلا رجال:

 

1- تحمُّل النساء أدوارًا لم يعتدنَ أو يتدرَّبن على القيام بها وبالتالي حدوث كثير من المشكلات والصدمات.

2- الّنساء وغياب إحساسهنّ بالأمن والسكن والمودّة المتمثل في وجود الرّجل بحياتهنّ، وشكل الحياة الزوجية بفقدهم يحدث اختلالا في التّوازن النفسي للمرأة.

3- أمّا الأطفال ففي غياب الأب المفاجئ باستشهاده أو اعتقاله أو هجرته أو أي مظهر من مظاهر اختفائه؛ فإنه ينتج عنه ارتباكٌ نفسيٌّ ناتج عن غياب القدوة وربِّ الأسرة، ما يدفع بعض الأطفال إلى تحمُّل مسؤولية أسرةٍ كاملةٍ ممّا يؤدي إلى خلل عميق لديهم، والتخلّي عن طفولتهم ومراهقتهم من أجل تأدية المسؤولية التي ألقيت عليهم في غير أوانها وبغير إرادتهم.

4- ارتفاع معدَّل تأخّر الزواج ووجود فئة كبيرة من الفتياتِ دون زواج، وهذا له آثاره السلوكية والنفسية والاجتماعية الكبيرة.

5- قلّة دخل الأسرة التي غاب رجالها بسبب غياب العضو الفعّال في تحصيل الدخل وهو الرجل مع عدم قدرة المرأة بالقيام بكثير من الأشغال والأعمال".

 

وهكذا يضرب غياب الرّجال المدن في مقتل فتستحيل بهجةُ المدن كآبةً ودروبُها الفسيحةُ تغدو ضيقةً كما هي مجاري الأنفاس المختنقة في صدورِ التائهاتِ في أتونِ الحربِ، ويغدو غيابهم ضريبةً جديدةً تدفعها النساء في حرب ضروس وجدنَ أنفسهن في قلب نيرانها التي لم تُرِد أن تكون بردًا وسلامًا.

 

وأمَّا عن آليَّات تخفيف بعض هذه المعاناة فتُكملُ الأستاذة أشجان يحيى حديثها مقترحة بعض الآليات والحزن يخيم على حروفها:

 

"1- تكثيفُ دورات الدعم النفسي للمرأة والطفل من أجل التّخفيف من وطأة هذه الظّاهرة وتحقيق مزيد من الثقة والشعور بالأمان.

2- وضعُ خطط لزيادة الدخل وتوفير جو مناسب إلى حد ما يساعد الأسرة نفسيًّا واجتماعيًّا لتجاوز بعض أزمتها.

3- تسهيل أمور الزواج وتجاوز تعقيداته في ظروف الاستقرار وإيجاد حالة مؤسسيَّةٍ للقيام بذلك.

4- تعليمُ النّساء بعض الحِرف البسيطة وتأهيلهنَّ لتجاوز الأزمات الاقتصادية بآليات قابلة للتحقيق ضمن الإمكانات البسيطة المتاحة".

 

على أنَّ هذه الظاهرة تحتاجُ إلى تضافر جهود مؤسسات المجتمع المدنيّ لدراستها ووضع حلول تخفِّفُ من كارثةٍ اجتماعيَّةٍ تسري كالجمر تحت رمادِ أعمار النّساء الصامتة السائراتِ في نفقٍ لا ضوءَ يلوح من آخره حتى الساعة.

 

ولئن كانت الثورة السورية ثورة المتروكين والمنسيّين فإن الأكثر تركًا في خضم هذه الحرب التي لم تُبق شيئا من الأمل إلا أكلَته هنَّ النساء اللّواتي غدونَ في مهبِّ الرّيح بلا صوتٍ يرتفعُ لأجلهنَّ، ولا أذن تسمعُ أنين الفقد والخذلان، ولا عين ترى الهمّ والحزن الذي يحفر أخاديد لا تنتهي في الوجوه التي كانت ناضرة يومًا.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار