انضم إلينا
اغلاق
كيف ساهم اختراع الـ"0" في تأسيس الرياضيات الحديثة؟

كيف ساهم اختراع الـ"0" في تأسيس الرياضيات الحديثة؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم

يستعرض هذا التقرير قصة الرقم 0، وهو ما قد يبدو أمرا لا يثير استغرابا، إلا أن الغوص في تاريخ وأسباب ظهور هذا الرقم، فيه الكثير من المتعة، فكيف تمكنت هذه النقطة من تأسيس الرياضيات الحديثة؟ 

 

نص التقرير

نقطة صغيرة على قطعة قديمة من لحاء شجرة البتولا ميّزت واحدا من أكبر الأحداث في تاريخ الرياضيات. في الواقع اللحاء هو جزء من وثيقة رياضية هندية قديمة تعرف باسم مخطوطة بخشلي، والنقطة هي أول استخدام مسجل معروف للصفر، علاوة على ذلك اكتشف باحثون من جامعة أكسفورد مؤخرا أن الوثيقة أقدم بـ 500 سنة مما كان مقدرا سابقا، ويرجع تاريخها إلى القرن الثالث أو الرابع، وهو ما يعد اكتشافا مفاجئا.

 

اليوم، من الصعب علينا أن نتصور كيف يمكن أن تكون الرياضيات دون صفر. في نظام الأرقام الموضعية، مثل النظام العشري الذي نستخدمه الآن، فإن موقع الرقم شديد الأهمية، والواقع أن الفرق الحقيقي بين 100 و000 000 1 هو المكان الذي يوجد فيه الرقم 1 مع الرمز 0 الذي يستخدم كعلامة ترقيم. ولكن لآلاف السنين كان الأمر مختلفا، استخدم السومريون الذين عاشوا 5000 سنة قبل الميلاد نظاما موضعيا ولكن دون صفر. في بعض الأشكال البدائية تم استخدام رمز أو مساحة للتمييز بين الأعداد، على سبيل المثال، 204 و20000004. ولكن هذا الرمز لم يستخدم أبدا في نهاية العدد، لذلك كان يجب تحديد الفرق بين 5 و500 حسب السياق.

 

من شأن وجود 0 في نهاية العدد أن يجعل الضرب والقسمة على 10 أمرا سهلا، كما يحصل عندما نجمع أرقاما مثل 9 و1 معا. بسّط اختراع الصفر من الحساب بشكل كبير، ومنح علماء الرياضيات  المزيد من الحرية لتطوير التخصصات الرياضية الجوهرية مثل الجبر وحساب التفاضل والتكامل، وأخيرا أسس الكمبيوتر.

   

  

كان الوصول المتأخر إلى الصفر انعكاسا جزئيا للنظرة السلبية التي كوّنتها بعض الثقافات عن مفهوم اللاشيء. الفلسفة الغربية تعاني من مفاهيم خاطئة وخطيرة حول اللاشيء والقوى الخفية للغة. أعلن المفكر اليوناني بارمينيدس في القرن الخامس قبل الميلاد أن اللاشيء لا يمكنه الوجود، لأن الكلام عن شيء يعني أن نتحدث عن شيء موجود. هذه المقاربة البارمندية أبقت الشخصيات التاريخية البارزة مشغولة لفترة طويلة.

 

بعد ظهور المسيحية زعم القادة الدينيون في أوروبا أنه بما أن الله موجود في كل شيء فإن أي شيء لا يمثل شيئا يجب أن يكون شيطانيا، وفي محاولة لإنقاذ البشرية من الشيطان أبعدوا الصفر عن الوجود على الفور، رغم أن التجار استمروا في استخدامه سرا. على النقيض من ذلك، لا يخلو مفهوم اللاشيء في الثقافة البوذية من الأغراض الشيطانية فقط، بل إنه فكرة مركزية تستحق الكثير من الدراسة في الطريق للسكينة أو النيرفانا. ومع وجود هذه الطريقة في التفكير لم يكن وجود تمثيل رياضي للاشيء أمرا مقلقا. في الواقع، اُشتُقت الكلمة الإنجليزية "صفر" أصلا من الكلمة الهندية "سونياتا"، وتعني اللاشيء، وهي مفهوم مركزي في البوذية.

 

ولذا استغرق تأصُّل الصفر في أوروبا ما يقرب من 1000 سنة إضافية بعد ظهوره في الهند القديمة،  وهي فترة أطول بكثير مما تطلب الأمر في الصين أو الشرق الأوسط. في سنة 1200م كتب عالم الرياضيات الإيطالي فيبوناتشي الذي جلب النظام العشري إلى أوروبا ما يلي: "طريقة الهنود تتفوق على أي طريقة معروفة للحساب. إنها طريقة رائعة، إذ يقومون بحساباتهم باستخدام تسعة أرقام والرمز صفر".

 

هذا الأسلوب المتفوق في الحساب، الذي يذكرنا بوضوح بنظامنا الحديث، حرر الرياضيين من الحسابات البسيطة المملة، ومكّنهم من معالجة المشكلات الأكثر تعقيدا ودراسة الخصائص العامة للأرقام. على سبيل المثال، أدى ذلك إلى عمل الرياضي والفلكي الهندي براهماغوبتا في القرن السابع، والذي اعتبر بداية الجبر الحديث.

 

الخوارزميات وحساب التفاضل والتكامل

   
تتميز الطريقة الهندية بالتفوق والقوة لأنها تمكّنك من إنشاء قواعد بسيطة للقيام بالحسابات، فقط تخيل محاولة شرح عملية جمع طويلة دون رمز صفر. ستكون هناك العديد من الاستثناءات لأي قاعدة. كان الخوارزمي، عالم الرياضيات الفارسي في القرن التاسع، هو أول من لاحظ هذه التعليمات الحسابية بدقة، وتمكن من استغلالها، ما مكّننا من التخلي عن المعداد في نهاية المطاف.

 

هذه المجموعات الميكانيكية من التعليمات أوضحت أن أجزاء من الرياضيات يمكن أن تكون آلية، وهذا ما أدى في النهاية إلى تطوير أجهزة الكمبيوتر الحديثة. في الواقع، كلمة "خوارزمية" التي تستخدم لوصف مجموعة من التعليمات البسيطة مستمدة من اسم "الخوارزمي".

 

كما خلق اختراع الصفر طريقة جديدة أكثر دقة لوصف الكسور. إضافة الأصفار في نهاية عدد يزيد من حجمه، أما بمساعدة النقطة العشرية فإن إضافة الأصفار في البداية تقلل من حجمه، ووضع عدد لا نهائي من الأرقام إلى اليمين من النقطة العشرية يتوافق مع الدقة اللانهائية. هذا النوع من الدقة هو ما كان يحتاجه بالضبط مفكرو القرن السابع عشر مثل إسحاق نيوتن وغوتفريد ليبنيز لتطوير حساب التفاضل والتكامل، ودراسة التغيير المستمر.

 

وكذا الجبر، والخوارزميات، وحساب التفاضل والتكامل، وهي ثلاث ركائز للرياضيات الحديثة، أتت كلها نتيجة لتدوين اللاشيء. الرياضيات هي علم الكيانات غير المرئية التي لا يمكننا فهمها إلا عن طريق تسجيلها. بإضافة الصفر إلى نظام الأعداد الموضعية أطلقت الهند العنان للقوة الحقيقية للأرقام، وتقدم الرياضيات من مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة، ومن المرحلة البدائية نحو تطورها وتفوقها الحالي.

 ________________________________________________

  

مترجم عن: ذا كونفرزيشن

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار