انضم إلينا
اغلاق
متى يتحول إدمان العمل إلى مرض؟

متى يتحول إدمان العمل إلى مرض؟

محمد الجاويش

محرر منوعات
  • ض
  • ض

قد يصف بعض الأشخاص أنفسهم بأنهم مدمنو عمل نظرا لأنهم يعملون لبضع ساعات إضافية في كل أسبوع، لكن في الحقيقة معظم أولئك يقومون ببعض الأعمال الإضافية للحفاظ على وظائفهم أو رغبة منهم في المضيّ قدما لإنهاء مشروع أو مهمة محددة، أو لأنهم يحبون عملهم ويستمتعون بقضاء جزء من وقتهم الشخصي فيه، بينما يعاني الشخص من إدمان العمل عندما يغدو العمل هوسا متكررا يستهلك طاقته بأكملها ويمتص كل وقته، فيصبح لا يمتلك أي وقت لأي نشاط آخر سوى العمل والتفكير به.

إدمان العمل.. بين النشأة والتوصيف

الإدمان الحقيقي للعمل لا يشترط ضرورة قضاء المزيد من الساعات الإضافية في العمل، وذلك وفقا لما أكدته نتائج الدراسة البحثية التي اعتمدت على بيانات أكثر من 20 عينة مختلفة من الناس، وقام بها فريق بحثي تحت قيادة ماليسا كلارك، الأستاذ المساعد في علم النفس الصناعي والتنظيمي بجامعة جورجيا. [1]    

 
يؤكد بريان روبنسون، الطبيب النفسي وأخصائي العلاقات الاجتماعية والأسرية بقسم الإرشاد والتربية الخاصة ونماء الطفل في جامعة نورث كارولينا، ومؤلف كتاب "مكبل في مكتب العمل" الذي يُعد دليلا علاجيا للأشخاص المدمنين على العمل، نتائج التحليل البحثي الذي قامت به ماليسا كلارك ونُشر في عام 2014 إذ يقول: إن إدمان العمل لا يُعرف بالساعات، بل يُعرف بما يخالج صدورنا، فالمدمن على العمل يحلم بالعودة إلى العمل وهو يمارس رياضة التزلج، على غرار الشخص الطبيعي الذي يكون في العمل ويحلم بالذهاب لممارسة التزلج. [2]

 

الشخص المدمن على العمل ينفق وقته دائما على العمل حتى لو سنحت له الفرصة القيام بغير ذلك، إذ يتميز بالانشغال والتفكير الدائم في العمل حتى في غير أوقاته الرسمية

مواقع التواصل 
 

صيغ مصطلح إدمان العمل (Workaholism) للمرة الأولى عام 1971 على يد عالم النفس الأميركي واين أويتس (Wayne Oates) في كتاب له بعنوان "اعترافات مدمن على العمل: حقائق حول إدمان العمل" (Confessions of a Workaholic: The Facts about Work Addiction)، حيث وصف إدمان العمل بأنه حاجة قهرية مستمرة إلى العمل لا يمكن احتواؤها والسيطرة عليها. [3]

 
اختلف الباحثون منذ ذلك الحين حول التوصيف الفعلي لمصطلح إدمان العمل، فوفقا للدراسة البحثية التي أجراها سبينس وروبينز، الباحثان في قسم علم النفس بجامعة تكساس، ونشرت في (فبراير/شباط) عام 1992، فإن المدمن الحقيقي على العمل شخص ملتزم التزاما شديدا بأنشطته في العمل، إذ يشعر بأنه مُجبر على العمل بسبب العديد من الضغوطات الداخلية، رغم ذلك فهو لا يستمد في المقابل سوى قليل من المتعة أثناء العمل. [4]

 
في حين توصل الباحثون بقسم الإدارة والموارد البشرية في كلية فيتشر للأعمال بجامعة ولاية أوهايو خلال دراستهم البحثية التي نشرت في (مارس/آذار) عام 1997 بمشاركة الباحثين في جامعة كابيتال إلى أن الشخص المدمن على العمل ينفق وقته دائما على العمل حتى لو سنحت له الفرصة القيام بغير ذلك، إذ يتميز بالانشغال والتفكير الدائم في العمل حتى في غير أوقاته الرسمية. [5]
 

أسباب إدمان العمل


 
رغم أن إدمان العمل يُعد حالة مرضية نفسية من الإدمان السلوكي مثل أي إدمان آخر فإن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية الخاص بالرابطة الأميركية للطب النفسي لم يعترف به كحالة مرضية نفسية حتى الآن. تُغرس بذور إدمان العمل عادة في مرحلة الطفولة كأي اضطراب آخر ليبدأ في النمو خلال مرحلة البلوغ [6]. يُمكن أن تتضافر العديد من العوامل لخلق بيئة ملائمة تماما لإصابة الشخص بإدمان العمل، أحد أهم هذه العوامل هو رغبة الشخص العارمة في أن يبدو أكثر ذكاء من أقرانه بسبب قلة ثقته بنفسه، وبالتالي يستمد ثقته المسلوبة من خلال إدمانه على العمل.

 
يُعد هروب الشخص من الضغط والتوتر العاطفي وعدم رغبته في مواجهة الظروف السلبية التي يمر بها في حياته هو أكثر الأسباب المؤدية إلى إدمان العمل، كما يحدث إدمان العمل بسبب خوف الشخص من الوحدة أو الشعور بالعزلة، إذ يتعامل مع العمل كبديل للتفاعلات البشرية أو كرفيق وفي يحميه من الشعور بالعزلة. قد يحدث إدمان العمل أيضا بسبب حاجة الشخص إلى أن يحظى بالاهتمام المستمر، فيلجأ إلى العمل ليحظى باهتمام مشرفي  ومديري العمل  أو حتى  زملائه في العمل.[7]  

 
يمكن أن يكون إدمان العمل نتاجا طبيعيا لاعتقاد الشخص بأن قيمة الذات مرتبطة بالعمل، وأن العمل الشاق هو ما يهم في الحياة حتى يحظى الإنسان بقيمته. كما يمكن أن ينبع الإدمان من الخوف المتأصل لدى الشخص من فقدان المال بسبب مروره بظروف مادية شديدة الصعوبة، وبالتالي يخشى احتمالية فقدان المال مما يدفعه إلى العمل بصورة قهرية تتحول إلى إدمان سلوكي. كذلك في الكثير من الأحيان يحدث إدمان العمل بسبب الخوف من التغيير أو تجربة عمل جديد.

 

لا يحظى المدمن على العمل بالقدر الكافي من النوم من أجل الانخراط في مشاريع العمل أو إنهاء المهام، فيصبح العمل أكثر تأثيرا على حياته الصحية

مواقع التواصل
 

تتعدد الأعراض الدالة على انغماس الشخص وإصابته بإدمان العمل، لكن تنطوي في مجملها على الهوس المستمر بالعمل وعدم وجود حد فاصل بين العمل وجوانب الحياة الأخرى، فيجد الشخص نفسه يعمل دائما في العطلات والإجازات، ويبقى في المكتب لوقت متأخر بعد مغادرة جميع زملائه، كما يشتكي أفراد أسرته من كثرة عمله وانشغاله عنهم. كذلك يصبح العمل أكثر تأثيرا على حياة الشخص الاجتماعية، فيستخدم العمل كعذر لتجنب العلاقات الاجتماعية وبالتالي يغدو الشخص ذا علاقات متوترة ومضطربة تنتهي بفقدان أصدقائه أو شريك حياته.

 
يتمسك الشخص المدمن على العمل بموقف دفاعي تجاه الآخرين، فيتجنب التعامل مع الأزمات مثل الموت أو الطلاق أو الأزمات المالية، ويتعايش مع الشعور بالفشل أو الذنب أو القلق والاكتئاب. لا يحظى المدمن على العمل بالقدر الكافي من النوم من أجل الانخراط في مشاريع العمل أو إنهاء المهام، فيصبح العمل أكثر تأثيرا على حياته الصحية، إذ يجد نفسه أكثر عرضة للمشكلات الصحية، فيعاني من اضطرابات الجهاز الهضمي والصداع والأرق ومشكلات النوم بالإضافة إلى القلق والعديد من الاضطرابات النفسية الأخرى.[8]
  

عواقب سلبية على الفرد والأسرة والمنظمة


 
تدعم العديد من الأبحاث التراكمية المجمعة أن إدمان العمل له عواقب سلبية وخيمة على الفرد وأسرته وكذلك المنظمة التي يعمل بها. أجرى الباحثون في قسم علم النفس بجامعة بيرغن النرويجية دراسة استقصائية على عينة مكونة من 235 موظفا مصرفيا لمعرفة آثار إدمان العمل على الصحة البدنية والعقلية، فكشفت نتائج الدراسة التي نشرت في (يوليو/تموز) عام 2012 أن إدمان العمل يرتبط ارتباطا وثيقا بزيادة معدلات التوتر جنبا إلى جنب مع المشكلات الجسدية، بالإضافة إلى العديد من الاضطرابات النفسية مثل اضطراب الوسواس القهري واضطرابات القلق والاكتئاب وكذلك انخفاض معدل التمتع بالعمل.
[9]

 
لاستكشاف العلاقة بين إدمان العمل واضطرابات النوم أجرى الباحثون في قسم الصحة العقلية بمدرسة الطب في جامعة طوكيو دراسة بحثية على 600 ممرضة يعانين من إدمان العمل. وكشفت نتائج الدراسة التي نشرت في (ديسمبر/كانون الأول) عام 2010 أن إدمان العمل يرتبط بحدوث اضطرابات النوم المتمثلة في الأرق وعدم الحصول على نوم كاف، وصعوبة الاستيقاظ في الصباح والنعاس المفرط أثناء النهار.[10]

 
للتعرف على آثار إدمان العمل على العلاقات الاجتماعية والأسرية قامت الدكتورة كريستين تشامبرلين الباحثة في علم النفس الإرشادي والطب السلوكي في جامعة ولاية بال بدراسة بحثية على 374 شخصا من طلاب الجامعة وطلاب الدراسات العليا مقسمين على مجموعتين، يعاني آباء طلاب إحدى المجموعتين من إدمان العمل في حين لا يعاني منه آباء طلاب المجموعة الأخرى.
 

هناك علاقة سببية قوية بين إدمان العمل والإجهاد الوظيفي والإرهاق وكذلك الصراع بين الحياة والعمل جنبا إلى جنب مع انخفاض الأداء والإنتاجية

الألمانية
 

كشفت نتائج الدراسة التي نشرت في (أبريل/نيسان) عام 2009 أن الطلاب الذين يعاني آباؤهم من إدمان العمل لديهم مستويات أقل من القبول الذاتي ومستويات منخفضة من الرفاه النفسي، بالإضافة إلى الكثير من الشكاوى والمشكلات الصحية البدنية مع الآثار والقيود النفسية الأخرى مقارنة بنظرائهم من طلاب المجموعة الأخرى، مما يؤكد التأثير السلبي لإدمان العمل على تدهور العلاقات الأسرية وتهميشها.[11]

 
كما كشفت إحدى الدراسات البحثية التي قامت بها أستاذة علم النفس الصناعي والتنظيمي في جامعة جورجيا ماليسا كلارك وفريقها البحثي المكون من 4 باحثين أن هناك علاقة سببية قوية بين إدمان العمل والإجهاد الوظيفي والإرهاق وكذلك الصراع بين الحياة والعمل جنبا إلى جنب مع انخفاض الأداء والإنتاجية.[12]

 
إذ تقول ماليسا: إن الأشخاص المدمنين على العمل أقل إنتاجية من زملائهم الذين يتبعون نهجا صحيا في العمل، وأكثر عرضة للمزيد من ضغوطات العمل وانخفاض الرضا الوظيفي، بالإضافة إلى المزيد من الإرهاق وانخفاض الرضا عن الحياة بشكل عام. وأضافت ماليسا قائلة: إن مدمني العمل يعانون من صراع كبير بين متطلبات العمل والحياة الخاصة، مع انخفاض مستوى الصحة الجسدية والعقلية، بالإضافة إلى الآثار السلبية على المستوى العائلي.[13]

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار