انضم إلينا
اغلاق
التأخير المزمن.. لماذا يتأخر بعض الناس على مواعيدهم دائمًا؟

التأخير المزمن.. لماذا يتأخر بعض الناس على مواعيدهم دائمًا؟

محمد الجاويش

محرر منوعات
  • ض
  • ض
خلال السنوات القليلة الماضية، وأثناء دراستي الجامعية لم أصل يومًا إلى امتحانٍ مبكرًا، دائمًا كنت أصل بعد توقيت بداية الاختبار بـ 10 أو 15 دقيقة. لكن بالرغم من معرفتي التامة بأنه سيتم منعي من دخول الامتحان نهائيًا في حالة تأخري عن موعد بدايته بـنصف ساعة، إلا أن ذلك لم يستطع حملي على الحضور في الوقت المحدد أبدًا. ولم يكن هذا التأخير مقصودًا على الإطلاق، فبرغم كل محاولاتي اليائسة لأن أصل إلى الاختبارات في الموعد المحدد إلا أننى لم أستطع تحقيق ذلك رغم ما بذلت من جهد في الاستيقاظ والذهاب مبكرًا.

 


بالطبع لست وحيدًا في ذلك. فأشكال التأخير متعددة، فالكثير منا قد يعاني من هذه المشكلة، أو هناك شخص مقرب منا يعاني من هذا التأخير دائمًا، أو على أقل تقدير نصادف هؤلاء الأشخاص في حياتنا دائمًا؛ سواء في العمل أو الدراسة أو غير ذلك؛ كزميل العمل الذي يصل دائمًا بعد موعد العمل ببضع دقائق، أو لا يصل إلى الاجتماعات إلا بعد نصف الساعة من بداية الاجتماع، أو حتى الصديق الذي يجب إخباره بموعد اللقاء مبكرًا نصف ساعة حتى نطمئن بأنه سوف يصل في الوقت الذي نريده.

 

من ناحية أخرى؛ يُعتبر تأخر الشخص عن موعده المحدد وإبقاء الطرف الآخر قيد الانتظار من العادات السيئة المثيرة للغضب. ودائمًا ما يقوم الشخص المُنتظِر بترجمة هذا التأخير على أنه أنانية أو عدم اهتمام من الطرف الأول؛ لكن عند النظر بتعمق في سيكولوجية التأخير، وطريقة تفكير الشخص المُتأخر سوف نعلم أن هذا التأخير قد يكون عبارة عن خلل يحتاج إلى أكثر من وسيلة لتصحيحه، ليس مجرد أنانية أو قلة اهتمام. (1)

 

عواقب باهظة!
الوقت قيم جدًا؛ فإهدار الوقت يعني إهدار المال (بيكساباي)


كشفت إحدى الاستطلاعات التي أجريت عام 2006 أن؛ 15% إلى 20% من الأمريكيين يعانون من مشكلة التأخر على الدوام؛ لذا فالعواقب الناتجة بسبب كون الشخص متأخرًا بصورة متكررة أو دائمة أعمق بكثير مما يعتقد البعض، فهذه العواقب لا يقتصر تأثيرها السلبي -فقط- على الأشخاص؛ بل يمتد تأثيرها ليصل إلى الاقتصاد.

 

فتقول عالمة النفس ومؤلفة كتاب "تحكم بمخاوفك" (Master Your Fears) ليندا سابادين؛ إن الشخص الذي يتأخر عن مواعيده بصورة متكررة يصنع لنفسه سمعة ليست بالجيدة، فنتيجة لعدم الالتزام التام بالمواعيد وكرد فعل طبيعي على هذا التأخير، يشعر الناس بأنهم لن يستطيعوا الوثوق بك، وأنك غير مؤهل للاعتماد عليك؛ مما يؤدي بالتبعية إلى التأثير السلبي على العلاقات. (2)
 

الوقت قيم جدًا؛ فإهدار الوقت يعني إهدار المال، فالتأخير المزمن لدى بعض الأشخاص ذي تكلفة باهظة الثمن. فتقول المستشارة الإدارية "ديانا ديلونزر" مؤلفة كتاب "لا تتأخر مجددا" (Never Be Late Again)؛ إن التأخر على مواعيد الاجتماعات 10 أو 15 دقيقة باستمرار يُعتبر استنزافا كبيرا للقدرة الإنتاجية؛ فالتأخر المزمن له تأثير تراكمي متضاعف؛ لأن تأخر شخص واحد لن يؤثر على تقليص إنتاجيته فقط؛ بل يؤثر على القدرة الإنتاجية لباقي زملائه. 

 

فوفقًا لإحدى الدراسات التي قامت بها شركة "براودفوت" للاستشارات عام 2006؛ فإن الرؤساء التنفيذين الأمريكيين يتأخرون عادة على 8 اجتماعات من بين كل 10 اجتماعات. وتأخرهم عن ميعاد عملهم 10 دقائق كل يوم يُكلف الاقتصاد الأمريكي ما لا يقل عن 90 مليار دولار، كنتيجة لتقلص القدرة الإنتاجية له وللموظفين بسبب التأخير المزمن. (3)

 

نضال الدوافع.. وصراع الانتباه
الشخص الذي يعاني من التأخر المزمن غالبًا ما يدخل في نضال دائم مع الدوافع والانتباه  (بيكسلز)


الأشخاص المتأخرون ليسوا وقحين أو كسولين، ولا يوجد أدنى فرق بينهم وبين غيرهم؛ بل يعتبر التأخر المزمن ناتجا نهائيا لأنواع كثيرة من الأنماط والدوافع المختلفة من شخص إلى آخر؛ فالشخص الذي يعاني من التأخر المزمن غالبًا ما يدخل في نضال دائم مع الدوافع والانتباه، فغياب الدافع يعتبر من الأسباب الأساسية لهذا التأخر حتى وإن كان دون عمد.

 

فعلى سبيل المثال؛ عندما يقرر الشخص الذهاب إلى العمل قد يرى عقله أن العمل عبارة عن روتين ممل، وبالتالي يأتي هنا الدور الأكبر للتشتيت والإلهاء، فأي نشاط جانبي يقوم به الشخص في هذه اللحظة، يراه أكثر جاذبية من الذهاب للعمل، فعند قراءته لمقالة ما أو بدء لعبة على هاتفه الذكي، يكون من الصعب جدًا ترك هذه المقالة أو اللعبة أو هذا النشاط الجانبي دون إتمامه حتى النهاية.

 

المغالطة في التخطيط

كشفت الأبحاث أن الناس تقلل -دون دراية- في المتوسط الوقت الذي تستغرقه لإتمام مهمة ما بنسبة 40%. فعند الذهاب إلى أي موعد يقومون بتقدير خاطئ للوقت

مواقع التواصل
 

بعض الأشخاص يُعانون من التأخر على مواعيدهم بفترات متفاوتة في كل موعد؛ مرة يتأخرون 10 دقائق، مرة ثانية 25 دقيقة، مرة أخرى 40 دقيقة. في هذه الحالة يُعزى هذا التأخر إلى المغالطة في التخطيط أو سوء تقديرهم للوقت الذي يحتاجونه حتى يكونوا على أتم الاستعداد لحضور موعدهم.

 

كشفت الأبحاث أن الناس تقلل -دون دراية- في المتوسط الوقت الذي تستغرقه لإتمام مهمة ما بنسبة 40%. فعند الذهاب إلى أي موعد يقومون بتقدير خاطئ للوقت، ويعتقدون أنهم سوف يستغرقون وقتا أقل من الوقت الفعلي؛ لكن في النهاية الوقت لا يسعفهم وبالتالي يتأخرون على الموعد المحدد. وللتأكد من أن بعض الناس يعانون فعليًا من سوء تقدير الوقت، وأن عدم قدرتهم على تقدير الوقت بدقة قد يكون سببًا رئيسًا لتأخرهم عن مواعيدهم؛ قام "جيف كونتي" أستاذ علم النفس بجامعة ولاية سان دييجو، بإحدى الدراسات البحثية في عام 2001.

 

- المجموعة (أ) تتسم بالطموح والمنافسة: شعرت أن الدقيقة مرت بعد مرور 58 ثانية فقط، أي قبل ثانيتين من الدقيقة الفعلية.
- المجموعة (ب) تتسم بالإبداع والاستكشاف والتأمل: شعرت أن الدقيقة مرت في الثانية ال 77، أي بعد مرور الدقيقة الفعلية ب 17 ثانية.

 

في هذه الدراسة؛ تم فصل المتشاركين إلى نوعين من الشخصيات (أ) و(ب). يتميز أفراد المجموعة الأولي بالطموح والقدرة على المنافسة؛ بينما يتميز أفراد المجموعة الثانية بالإبداع، وقدرتهم على التأمل والاستكشاف؛ حيث طُلب من المتشاركين في كل فئة أن يحددوا كم من الوقت استغرقته الدقيقة لتمر دون النظر في ساعاتهم.

 

تشير بعض الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين يتأخرون بصورة شبه دائمة على مواعيدهم أكثر عرضة لأن يكونوا من أصحاب المهام المتعددة  (مواقع التواصل الإجتماعي)

فوجد كونتي أن أفراد الفئة (أ) شعروا بأن الدقيقة قد انتهت في الثانية الـ 58، بينما أفراد الفئة (ب) شعروا بأن الدقيقة قد انقضت بعد مرور 77 ثانية. فأكدت هذه النتائج أن أفراد الفئة الأولى الذين يتميزون بالطموح هم أكثر قدرة على تقدير الوقت بدقة، على عكس أفراد الفئة الثانية الذين كانوا أقل قدرة على تقدير الوقت.

 

بالإضافة إلى التقدير الخاطئ للوقت، هناك سمة أخرى قد ترتبط إلى حدٍ كبير بالتأخير الدائم لدى البعض. فتشير بعض الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين يتأخرون بصورة شبه دائمة على مواعيدهم أكثر عرضة لأن يكونوا من أصحاب المهام المتعددة. فكشفت دراسة أخرى أجراها "كونتي" عام 2003؛ أن الأشخاص الذين يميلون إلى أداء أكثر من مهمة في آنٍ واحد متأخرين على وظائفهم. (4)

 

الخوف من أحكام الآخرين

وصول الشخص الطبيعي مبكرًا بضع دقائق يمنحه الفخر والثقة بالنفس لكن على العكس، فوصول الشخص المتأخر على الدوام مبكرًا يجعله يشعر بأنه أحمق.
 

مواقع التواصل 
 

التأخير المزمن قد لا يتعلق بعدم القدرة على التخطيط والتنظيم واستغلال الوقت على الإطلاق. ففي كثير من الأحيان يعتقد الشخص أن هذا التأخر نتاج لعدم تنظيم الوقت، فيحاول مرارًا وتكرارًا أن يكون منظمًا ودقيقًا في مواعيده، لكن بالرغم من الرغبة الشديدة في كسر عادة التأخر المزمن إلا أنه لا يستطيع، ودائمًا يجد نفسه متأخرًا عن مواعيده مهما بذل من جهد في المحاولة. لكن كما أشرنا سابقًا أن التأخر المزمن كعادة ترتبط في المقام الأول بطريقة تفكير الشخص. لذا فبالإضافة إلى غياب الدافع في كثير من الأحيان وظهور المشتتات التي تبدو أكثر جاذبية من طبيعتها، هناك سببان رئيسان يمثلان الخلل في طريقة تفكير الشخص هما:
 

عدم الفاعلية: يرى الشخص أن الذهاب في وقتٍ مبكر هو أمر غير فعال، كون حضوره قبل الموعد ولو ببضع دقائق يتطلب منه الجلوس والانتظار دون القيام بأي شيء. بالرغم من أن هذه الدقائق قصيرة جدًا لا تكفي القيام بأي مهمة، إلا أنها تُهيأ له وكأنها فترة طويلة تكفي لأداء شيء ما، فيقرر استغلالها لكن يحين وقت موعد ذهابه دون أن ينهيها وهو ما يجعله متأخرًا.

 

أحكام الآخرين: من ناحية أخرى؛ يكره الشخص عدم الارتياح المصاحب لحضوره مبكرًا عن موعده ولو بدقائق قليلة. فيشعر الشخص أن الانتظار أمر صعب وغير مريح على الإطلاق؛ لأنه يعتقد أن الأشخاص المتواجدين حوله يراقبونه ويقومون بإصدار الأحكام عليه. فوصول الشخص الطبيعي مبكرًا بضع دقائق يمنحه الفخر والثقة بالنفس لكن على العكس، فوصول الشخص المتأخر على الدوام مبكرًا يجعله يشعر بأنه أحمق. فهو يخاف من حكم الآخرين عليه، ويخشى أن يعتقد الآخرون بأن وقته ليس ذا قيمة. (5)
 

أصلح عقلك 


تتمثل أولى خطوات حل أي مشكلة في التعرف على السبب والتركيز عليه لمحاولة معالجته. في هذه الحالة بالطبع لن نصل في الوقت المحدد كل مرة نريدها، لأننا لا نستطيع السيطرة على الظروف الخارجية مثل الحالات الطارئة أو الازدحام المروري.
 

لكن إن كان السبب الأساسي الذي يُعزى إليه التأخر المزمن هو عدم القدرة على تقدير الوقت بشكل فعال قد يكون الحل في مراقبة الوقت الذي يستغرقه الشخص في المهام والأنشطة اليومية، حتى يتسنى له تقدير الوقت بصورة فعالة فيما بعد؛ مما يساعده على عدم التأخّر بعد ذلك. وبالرغم من ذلك إلا أن الذهاب قبل الموعد ببضع دقائق لا يزال هو الحل الأمثل.

 

لكن هذا يتركنا مع مشكلة أعمق؛ ألا وهي الدافع، كيف يستطيع الشخص النضال والصراع مع كل المشتتات والعوائق من أجل الوصول إلى موعده في الوقت المناسب. يكمن الحل في الإصرار على عدم التأخّر ومنح نفسه الوقت الكافي الذي يجعله يصل في موعده المحدد؛ مراعيًا في ذلك فرضية حدوث أي تدخل خارجي لا يمكن السيطرة عليه، بالطبع سوف يستغرق ذلك المزيد والمزيد من الجهد؛ لأن كسر العادات القديمة من أصعب الأمور التي قد يواجهها الإنسان. من ناحية أخرى يجب أن يبتعد الشخص عن المشتتات بقدر الإمكان والتركيز على الموعد الذي بصدد الذهاب إليه، وتعلم أن يقول "لا" ويرفض الأمور الجانبية غير الهامة التي قد تقوده في النهاية إلى التأخّر.

أكثر 20 مدينة جذبا للزوار عالميا خلال العام 2016

تقارير متصدرة


آخر الأخبار