انضم إلينا
اغلاق
زوجات المفقودين.. معاناة يكرسها المجتمع

زوجات المفقودين.. معاناة يكرسها المجتمع

  • ض
  • ض
في أتون الثورات والتهاب الغضب الجماهيري جنحت أنظمةُ الاستبداد في محاولاتٍ يائسة لكتم الصّرخةِ التي تفجَّرت بها الحناجر، ولإخمادِ الثورة التي هاج موجها ليُغرقهم؛ إلى اتِّباع سياسة الإخفاء القسري التي تتَّفق عليها ملَّة الاستبداد والطغيان أنَّى كانت، وبعد تشظّي الجهود الشعبية الثورية في بلادٍ، والانقلاب عليها في بلاد أُخرى؛ بقي الإخفاء القسري والتغييب طويل الأمد منهجًا متَّبعًا من أطراف النِّزاع المختلفة؛ حتى مِمَّن تحمَّل عنوان الثورة على الطغيان والاستبداد.

 

وخلفَ صور الرجالِ المعلَّقة على جدران الروح والمنزل -وقد اختفتْ أجسادهم في بطن حوتٍ لا يعلم مكانه إلّا الله ثمّ الطغاة- تقبعُ نساءٌ يُعلِّلنَ قلوبهنَّ طورًا ويواسينَ أطفالهُنَّ أطوارًا أُخَر.

 

ليسوا أرقاما
كما كانت وجوه المستبدين متشابهة على امتداد الساحة الجغرافية، كانت معاناة شعوبهم كذلك بالضرورة، مع اختلافٍ في الإحصائيات المعلنة فقط (رويترز)


وكما كانت وجوه المستبدين متشابهة على امتداد الساحة الجغرافية، كانت معاناة شعوبهم كذلك بالضرورة، مع اختلافٍ في الإحصائيات المعلنة فقط حيث أبدع النظام السوري في اختطّاف الشباب وتغييبهم في سراديب أبدية؛ إذ وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان احتجاز 85 ألف رجل على يد أجهزة الأمن السورية من الذين لا يزالون في عداد المفقودين
[1]، ثم حذا حذو النظام تنظيم الدولة وغيره من الجهات المتصارعة.

 

ومن منا لا يذكر أيام إقدام قوات الأمن في ساحة صنعاء على اختطاف جرحى الاعتصامات من المستشفيات الحكومية، واقتيادهم إلى أماكن مجهولة[2]، نعم إنها اليمن حاضرة "الحرب المنسية" كما يحلو لمنظمة العفو تسميتها، التي شهدت تزايدًا غير مسبوق في جرائم الاختفاء القسري[3].

 

ولم يختلف الحال كثيرا في مصر حيث تزايدت عمليات الاختفاء القسري التي تقوم بها سلطات الانقلاب؛ ففي الأشهر الستة الأولى من 2016 وثقت منظمات حقوقية ألف حالة اختفاء قسري، وذلك مقابل توثيق 1873 حالة اختفاء قسري عام 2015 بأكمله[4].

 

زوجة الشهيد نظرة احترام واحتفاء وتقدير؛ وذلك بناءً على الضّخ الثقافي والدّيني والسياسي الداعي إلى تكريم أسر الشهداء، بينما زوجات المفقودين لا يلقين هذا الاحتفاء

وفي ليبيا المنافسة للتربع على عرش ممارسة الاختطاف والاختفاء القسري حاليًّا، فُقِدَ على الأقل 600 شخص في مثل هذه الظروف بين (فبراير/شباط) 2014 و(أبريل/نيسان) 2015 وفقا للهلال الأحمر الليبي[5].

 

ومهما يكن من أمر فإن المطّلع على قاع الأقبية المعتمة وأزقتها المنسية يرى أن هذه النسب والإحصائيات لا تكاد تلامس ما هو عليه الحال في الواقع؛ بسبب صعوبة التوثيق وفق قواعده المتبعة أصولا، وأن الأعداد كبيرة فعلًا وخلفها تكمن جبالٌ من المأساةِ والمعاناة، تحتار أمام جراحها مفتوحة الشفةِ أيها تلثم مداويًا!

 

معاناة مخفيّة ومخيفة

تتضاعف المعاناة على زوجات المفقودين مقارنةً بزوجات الشهداءِ من جوانب عدة  فالمجتمع ينظر إلى زوجة الشهيد نظرة احترام واحتفاء وتقدير؛ وذلك بناءً على الضّخ الثقافي والدّيني والسياسي الداعي إلى تكريم أسر الشهداء، بينما زوجات المفقودين لا يلقين هذا الاحتفاء والاهتمام المعنويّ؛ مما يجعل معاناتهنّ تتضاعفُ تحتَ جمرٍ من الشعور بالتّرك والخذلان.

تبقى زوجة المفقود بحالة ترقب مستمرة وبحث في الوجوه. مما يمنعها من أن تحظى بحياة مستقرة، فلا هي قادرة على الارتباط ولا على الانتظار في مراحل يطول بها الانتظار

رويترز

وفي الجانب المعيشي تحظى أسر الشهداء بكفالةٍ من مؤسسات الإغاثة المختلفة تكفيهم مؤنة سؤال الناس على الأقل، في حين تبقى قضية أسرة المفقود ما بين أخذ وردٍّ ومحل جدلٍ وخلاف، وهل يدخلون مع أسر الشهداء في حكم الكفالة أم لا؛ مما يسبب ضربا من المعاناة الماديّة التي تكسوها مشاعر المهانة في أحايين شتى!

 

أما الجانب النفسي فبينما تُشيِّعُ زوجة الشهيد زوجها إلى مثواه الأخير تحت التراب، تبقى زوجة المفقود بحالة ترقب مستمرة وبحث عنه في الوجوه، مما يمنعها من أن تحظى بحياة مستقرة، فلا هي قادرة على الارتباط ولا على الانتظار في مراحل يطول بها الانتظار؛ فضلا عما تعانيه مع أطفالها في حديثها عن والدهم الذي لا تعرف له مصيرا.

 

وعلى حافة انتظارٍ بلا أملٍ تقفُ صديقتنا الشابة؛ فهي مرتبطةٌ به اجتماعيًا منفصلةٌ عنه نفسيًا وجسديًّا، هذا حال نور مع زوجها المفقود في 2012 وقد اختطفته خفافيش ظلمة من قوات الأمن السوري أثناء عودته إلى بيته في ليلةٍ دمشقيَّةٍ، ومع تطاول غيابه لجأت لتعلل نفسها وتحفظ أولادها إلى مقاعد الدراسة من جديد.
 

وهناك على مقاعد الدراسة تقعُ في قلبِ شابٍ يسعى للزواج بها؛ لتجد نفسها تحترق بين نيران عدة؛ نار أهلها الذينَ لا يرضونَ لها أن تقع فريسة نظرات المجتمع الظالم، ونار أهل زوجها الذين لا يقبلون أن يفكروا بالأمر مطلقا؛ فابنهم على قيد الحياةِ التي لا يعرفون عنها شيئا ونار طفليها اللذين يحتاجان رعايتها، ولن يقبل أهل زوجها بقاءهما معها لو أقدمت على هذه الخطوة، ونار مشاعرها بالذنب تجاه زوج لا تعرف مصيره، وتبقى تحترق بهذه النيران كلها وهي لمّا تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها.

 

أمَّا الشّابة الغضّة آيات فبعد وفاة والدها أمست تشعر هي وابنها الذي لم يرَ والده المفقود منذ 4 سنوات بثقلها على إخوانها وزوجاتهم؛ فاضطرت إلى العمل لتتخلص نوعا ما من نظرات شفقة كاسرة وشعور معذب بإحسان الآخرين، ومع تقدم الخاطبين لها كانت تتحرج من الحديث عن هذا الموضوع؛ فالناس يعاملونها على أنها متزوجة، رغم حاجتها الماسة إلى ذلك نفسيا واجتماعيا.

 

التكييف الفقهي



ويبرز عند الحديث عند المغيبين خلف جدران المجهول الحديث عن التوصيف الشرعي لأحوالهم وأحوال زوجاتهم الشّابات في عمومهنّ، وما هو حالُ عقد الزوجية وغيره من العقود المتعلقة بالمعاملات أو ما يتعلق بالملكية.

 

وقد جاء في تعريف الحنفية للمفقود أنه الغائب الذي لا يُدرى حياته أو موته[6]، وأضاف ابن عابدين في حاشيته: ولا مكانه[7]، فمناط الأمر عند الحنفية هو الجهل بموته أو حياته، لا جهالة مكانه؛ فمن لا يُدرى أحي هو أم ميت لكن مكانه معلوم وهو دار الحرب جعلوه مفقودًا.

 

وذهب المالكية إلى أن المفقود مَن انقطع خبره من الكشف عنه[8]. وأما الشافعية والحنابلة فذهبوا إلى أن المفقود هو من انقطع خبره، وجهل حاله في السفر أو الحضر في قتال، أو عند انكسار سفينة، أو غيرها، وفي معناه الأسير الذي انقطع خبره[9]، وهم بهذا قد اعتمدوا المعنى اللغوي لكلمة "المفقود".

 

في الشرع إن لم تحصل البيّنةُ على وفاة الزوج، أو لم يصدر حكمٌ من القاضي بموته وتعجَّلت المرأة الزواج، فهذا النكاح باطل، ويجب عليها أن تنفصل عن زوجها الثاني فورًا

"المفقود" له أحكام تخصه في الشريعة، وهذا تفصيلها:

أولاً: المفقود هو الشخص الذي غاب عن أهله وانقطعت أخباره، فلا يُدرى أحي هو أم ميت، ويشمل ذلك:

من خرج من بيته أو سافر، وانقطعت أخباره تمامًا.

الأسير الذي لا يعلم موضعه، ولا يمكن الاطلاع على أخباره.

من فُقد خلال الحروب فلا يعلم حاله: أحيُّ هو أم ميت.
 


ثانيًا
: الأصل في المفقود الحياة وانقطاع أخباره وإن كان يوجب شكًا في حياته، إلا أن هذا الشك لا يزيل اليقين، وهو حياته التي تيقنَّاها من قبل والقاعدة الفقهية المقررة عند العلماء "اليقين لا يزول بالشك"، لذلك لا يجوز العدول عن هذا الأصل إلا ببيِّنة واضحة؛ كخبر الثقات القائم على المشاهدة، سواء من رفقاء السجن أم زملاء المعركة، ولا يُكتفى في هذا الباب بالظنون المجردة أو الأخبار المتناقلة.

وبناء عليه فلا يجوز لزوجة المفقود أن تتزوج إلا بعد أن يثبت موته ببينةٍ شرعية، أو يصدر حكم من القاضي الشرعي بذلك.

 

ثالثاً: إن لم تحصل البيّنةُ على وفاة الزوج، أو لم يصدر حكمٌ من القاضي بموته وتعجَّلت المرأة الزواج، فهذا النكاح باطل، ويجب عليها أن تنفصل عن زوجها الثاني فورًا.

 

رابعاً: إذا طالت غيبة المفقود دون أن يعود إلى أهله، فلهم أن يرفعوا أمرهم للقاضي الشرعي الذي يُحدد مدةً للانتظار؛ فإن لم يرجع خلالها حكم القاضي بوفاته.

"للزوجة إذا تضررت من مدة انتظار زوجها المفقود أن ترفع أمرها للقاضي، للتفريق بينها وبين زوجها المفقود للضرر، وفق الشروط الشرعية لهذا النوع من التفريق"

غيتي

ونظراً لخلو المسألة من نص شرعي صحيح، فقد اختلف الفقهاء في تحديد هذه المدة، وأقرب الأقوال في المسألة أنَّه يُرجع في ذلك للقاضي الشرعي في كلِّ بلدةٍ بحيث ينظر في كل قضية، ويحدِّد مدةً للتربص والانتظار يغلب على الظن موته بعدها، بحسب الظروف المحيطة بكل حادثة، والقرائن الملابسة لها؛ لأنَّ حال المفقود يختلف من مكان لآخر، وظروف الفقد تختلف من حالة لأخرى، فلكل واقعة أحوالها وظروفها التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار.

 

وجاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية والعشرين المنعقدة بمكة المكرمة لعام 1434هـ "ويُترك تحديد المدة التي تنتظر للمفقود للقاضي؛ بحيث لا تقل عن سنة ولا تزيد على أربع سنوات من تاريخ فقده؛ ويستعين في ذلك بالوسائل المعاصرة في البحث والاتصال، ويراعي ظروف كل حالة وملابساتها، ويحكم بما يغلب على ظنه فيها"، فإذا مضت المدة التي حددها القاضي للانتظار ولم يعثر له على أثر بعد بذل الوسع في البحث بمختلف الطرق؛ فإن القاضي يحكم حينئذ بوفاته.


هنا تواجهنا مشكلة في كثير من بلاد الربيع العربي بأنّ القضاء الشرعي غالبا ما يكون غير موجودٍ أصلا كما هو الحال في منافي اللجوء السورية، فتعمد المفقود زوجها في هذه الحالات إلى مجالس العلماء أو روابطهم أو أفراد منهم باحثة عن فتوى تستعين بها

وجاء أيضا في قرار المجمع 1434هـ للزوجة إذا تضررت من مدة انتظار زوجها المفقود أن ترفع أمرها للقاضي، للتفريق بينها وبين زوجها المفقود للضرر، وفق الشروط الشرعية لهذا النوع من التفريق.

 

وتفادياً للمشاكل المترتبة على قضايا الغيبة والمفقود، فالأولى للمرأة التي طال غياب زوجها وانقطعت أخباره وتضررت بذلك أن ترفع أمرها للقاضي ليحكم بفسخ النكاح ثم تعتد وتتزوج، فإنَّ فسخ النكاح يختلف عن الحكم بوفاة الزوج، وبالتالي فلا أثر لعودة زوجها الأول على نكاحها الثاني؛ لأن النكاح الأول مفسوخ بحكم القاضي الشرعي.

 

لكن المشكلة أن كثيرا من بلاد الربيع العربي لا يوجد بها قضاء الشرعي كما هو الحال في منافي اللجوء السورية، أو تحت سطوة الانقلاب كما هو في الحالة المصرية، أو قضاءً شرعيا تعددت مرجعياته وتشاكست مؤسساته الناشئة، وغرقت في هموم الاختلاف الفصائليّ كما هو في المناطق المحررة داخل سورية؛ فتعمد المفقود زوجها في هذه الحالات إلى مجالس العلماء أو روابطهم أو أفراد منهم باحثة عن فتوى تستعين بها على حلّ ما ألحقه الطغاة بحياتها ومستقبلها من تعقيدات ومشكلات.

 

وبعد هذا التطواف اليسير فإننا نجد أنفسنا أمام قضية شائكةٍ اجتماعيا ونفسيا واقتصاديا وشرعيا، الحلقة الأضعف فيها أنثى فقدت أدنى مقومات الراحة الأسريّة، يهملها المجتمع وتنساها مؤسسات المجتمع المدني، ولا تستطيع أمام قوانين اجتماعية صارمة أن تبوح بحاجاتها أو تفصح عن ضروب معاناتها، تنتظرُ من ينصفها ويسلط الضوء على مشكلاتها بطريقة منهجية تبحث عن الحلول الناجعة، وتأمل ونأمل معها أن لا يطول انتظارها.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار