انضم إلينا
اغلاق
تجليات العقد النسائية في مواقعِ التواصل الاجتماعي

تجليات العقد النسائية في مواقعِ التواصل الاجتماعي

  • ض
  • ض
يبدو أنّ الخيط الرّفيع بين العالم الافتراضي والواقعي قد قُطع واشتبكت الأمور إلى حدٍّ لا يمكنُ التّفريق بينهما، ويصعب معه تمايزهما، ففي هذا العصر الذي شهد أكبرَ حملات هجرةٍ ولجوء ونزوحٍ، لعلّنا نجد أن أكبر هجرة شهدتها البشرية على الإطلاق هي الهجرة من الواقعيّ إلى الافتراضي، والسّكن في وسائل التّواصل الاجتماعيّ.

 

وعندما تغدو هذه الوسائل وطنًا جديدًا فمن الطّبيعي أن تحدث اهتزازتٌ عنيفةٌ تتجاوز السّطح إلى الأعماق في الوضع الإنسانيّ والبنية الاجتماعية، لا سيما بعد أن ارتفع عدد مستخدمي منصّات التواصل الاجتماعي بنسبة 29 % في العامين الأخيرين حيث زاد العدد عن 2.5 مليار شخص في قفزة تشير إلى أهمية هذه الشبكات بالنسبة لحياة الكثير.

 

وقد كشفت إحصائيّات الرّبع الأخير من عام 2016 أنَّ عدد مستخدمي هذه المنصات بلغ 2.6 مليار مستخدم وهو ما يمثل 70 % من إجمالي مستخدمي الانترنت في العالم البالغ عددهم 3.4 مليار شخص[1] في وسائل التواصل الاجتماعي التي هيَ الأكثر انتشارًا على شبكة الانترنت؛ وذلك لما تمتلكه من خصائص تميزها عن المواقع الإلكترونية، إذ مثّلت ثورةً حقيقة في عالم الاتصال، وأصبحت أفضلَ وسيلة للتّواصل بين الأفراد والجماعات، ومن هذه الشبكات والوسائل المستخدمة في الوطن العربي " فيسبوك، واتس آب، يوتيوب، انستغرام، وتويتر".
 


وهذه الوسائل تعمل على تطوير ذاتها دومًا بما يخدم فكرة التّواصل، فأتاح البعض منها إجراء المكالمات المصوّرة وتبادل مقاطع الفيديو ومشاركة الملفّات والتّواصل والتّفاعل بين الجمهور والمتلقّي.

 

ومن نافلة القول بأنَّ المرأة هي من أهم الشّرائح المستفيدة من وسائل التواصل هذه، بل المستخدمة لها والمدمنة عليها ربما وقد وصلت نسبة استخدام النساء لهذه المواقع 30%  حسب ما أصدر مركز المرأة العربية للتدريب والبحوث "كوثر" بتونس، في دراسة بعنوان: المرأة العربية في النقاش الافتراضي: دراسة في تمثّلات المرأة في صفحات الميديا التقليدية في الفيسبوك[3].

 

وفي ظل الاستقرارِ في وسائل التواصل الاجتماعيّ فقدَ كثيرٌ من النّساء الاستقرارَ الواقعي وطَفَت على السّطح سلوكيّات أخرجت السّاكن في أعماقِ النُّفوسِ مِنَ الصّفات والمشاعر، وعزَّزت الهشّ منها وزادت مساحة السلبيّ من التعامل والتفكير على وجه تحوّلت فيه هذه المشاعر المخبوءةُ إلى مظاهر سلوكيّة وعقد تتجّلى في الصّورة المُنعكسة على وجه صفحات هذه الوسائل المختلفة.

 

ونحن هنا لا نُناقش سلبيّات وسائل التواصل الاجتماعي ولا إيجابيّاتها، وإنّما نحاول أن نرصدَ بعض المشاهد التي غَدت علامةً نهتدي بها إلى عقد نفسية واجتماعيّة بدأت تسبّب المتاعب للمرأة المتفاعلة أو المتابعة أو لمحيطها الاجتماعيّ. ومن هذه العقد التي تسلَّلت إلى نفوس نسبةٍ ليست يسيرةً من النّساء والشّاباتّ عبر منصّات التّواصل التي كان المأمول منها تعزيز العلاقات الاجتماعيّة وتمتين العلاقات البَينيّة بينَ الإنسان والإنسان، وبين الإنسان ونفسِه:

 

الشّعور بالعجز والفشلِ وإنكار الذّات والقدرات


لقد حطّمت وسائل التواصل الاجتماعي الكثيرَ في أعماق النساء، وأحدثت شروخًا في أرواحهنَّ ليس من السهل على الإطلاق ترميمها أو ردم تصدّعاتها، وتتكرّس هذه العقد من خلال متابعة صفحات المتفاخرين بأفعالهم وإنجازاتهم ومثاليّتهم الفارهة - وما أكثرهم - أو من خلال متابعة المتميّزين من الكُتّاب الذين يُدلون بآرائهم في الأحداث المتسارعة بغزارة في الكلمة وتدفُّق في الفِكر والفكرَة، وإنَّ الإغراق في هذ النوع من المتابعة يوقع الكثيرات فريسةَ الشعور بالاكتئاب
[4] و بالفشل المحض والعجز عن الإدراك إدراكِ المكانِ والمكانة، وكلّما نشرٌ قارئ نهمٌ أغلفةَ الكتب التي أتمّ قراءَتها تراها تغرق في دوّامةٍ من أسئلةِ الحسرةِ التي تحرقها بهدوءٍ من خلف شاشة هاتفها الذكي.

 

هلا فتاة سورية تبلغ من العمر 33 عامًا تقول لميدان إنها تتابع صفحات هؤلاء الناجحين أو "مدّعي النجاح" فتزداد حزنًا على نفسها التي لا تملك من القدرات ما تجاريهم فيه، مما يسبِّب لها إحباطًا ويأسًا يُقعدها عن فعل شيء، وتدخل بعدَ كلّ جولةٍ من المتابعةِ والتفكيرِ في حالة من الاكتئاب الشّديد، وقد يصل بها الأمرُ إلى الدخول في موجاتِ بكاءٍ شديدةٍ وطويلة وغير مفهومة، وشعورٍ سلبيّ تجاه ذاتها الفاشلة. أمّا إسلام من اليمن فلا تستطيع تطبيق الصورة المثاليّة الجميلة التي ترسمها مواقع التواصل لعدد من الشخصيات التي تتبعها معيشيًّا وفكريًّا.

 

يجبُ أن نُعزز ثقتنا بأنفسنا وأن نسعى إلى أن نكون أنفسنا لا غيرنا، فاستنساخ الذات من الآخرين ليس نجاحًا، بل النجاح أن نعرف ذواتنا بحق، ونرسخها في الحياة الواقعية والافتراضية على حد سواء.

ومع يقيننا أن العالم الافتراضي أتاح للكثيرين فرصة استعراض العضلات الوهميّة، والتّفاخر بالإنجازات الخلبيّة والاستكثار من صفاتٍ وأفعالٍ لا تعدو كونها ضربًا من الخيال إلا أنه في المقابل هناك نماذج ناجحة ومتألّقة تستحقّ المتابعة والتفكّر في خطِّ سيرِ نجاحها من أجل اقتفاءِ أثرِها للوصول إلى النَّجاح، إلا أنَّها أقلُّ بكثيرٍ مما نتوقَّعه.

 

وقد تحدّثت الخبيرة الاجتماعية الدكتورة لطيفة لميدان مؤكّدةً انتشارَ هذه الحالة بين مرتادات مواقع التواصل الاجتماعيّ بشكلٍ كبير، ومن الآليات التي اقترحتها من أجل تحويل هذا الشّعور السلبي الذي قد يهيمنُ على المرأة فيغرقها بالفشل إلى طاقة إيجابية تنطلق بها نحو النجاح:

 

أولًا: أن تقتنع الشّابة والمرأة أن الصّورة التي تعكسها وسائل التواصل الاجتماعي غالبًا ما تكون أكبر بكثير من الصّورة الحقيقة على أرض الواقع؛ لأنّ الإنسان بطبعه يسعى إلى التجمُّل في ظهوره العلنيّ وتصديرِ الصّورة المثاليّة عن نفسه وهذه الوسائلُ تمثّل بيئةً مناسبةً لتحقيقِ ذلك، ولو أنَّنا تحلَّلنا من خداع الصّورة ورأينا الحالة الواقعيَّة لكثيرٍ من الذين يصيبنا الانبهار بهم لكان الأمرُ مختلفًا.

 

ثانيًا: من المهمّ جدًّا أن نبحث عن النَّماذج الحقيقيّة الناجحة، ونتفكَّرَ في أسباب نجاحهَا، ونعمل على تطبيقها مع قناعتنا بأن الله عز وجل خلق الناس مختلفين في القدرات والأنماط، وهذا من نعم الله على البشرية من أجل تحقيق التكامل فلا ينبغي أن نسعى للتّطابق مع الآخر بل ينبغي أن نكتشف مواطن الإبداع فينا، ونعزّزها ونطوّرها.

 

ثالثًا: يجبُ أن نُعزز ثقتنا بأنفسنا وأن نسعى إلى أن نكون أنفسنا لا غيرنا، فاستنساخ الذات من الآخرين ليس نجاحًا بل النجاح أن نعرف ذواتنا بحق، ونرسخها في الحياة الواقعية والافتراضية على حد سواء.

 

الكفر والزّهد بالحياة الزوجية

لا نرتاب إذا صدمتنا إحصائيات تقول إن محاكم دبي باتت تسجل يوميًّا 4 حالات طلاق وفق إحصائيات أواخر 2015 وأوائل 2016

بيكساباي

كثيرةٌ هي التّصرفات التي قد تؤذي من حيث لا نشعر، ومنها ما أدمَنه عددٌ من النّساء في التّباهي بحميميّة الحياة الزوجيّة وعرضِها في الفضاء المفتوح بطريقة المناكفاتِ اللّطيفة أو الغزل الفجّ علنًا في الصّور والتعليقات والحوارات المفتوحة للجميع، أو في المنشورات التفاعليّة الأسريّة بين مجموعة من الشّقيقات بطريقة تُظهر الحياةَ بسعادةٍ طافحةٍ لا همّ فيها.

 

وهذا يؤدّي بالكثيرات إلى حالة من التذمّر الدّاخلي من الزوج الذي لا يفصح عن مشاعره جيّدًا، أو لا يُخرج مشاعره خارج دائرة البيت ويبقيها حبيسة الجدران، كما يؤدّي بها الأمر إلى النّفور من أفراد أسرتها المنهمكين في أعمالهم المنشغلين عنها، وهي تظنّ أن الصّورة الدائمة لحياة أولئك المتباهين هي ما سطّروه على صفحات وسائل التّواصل.

 

نهى البالغة من العمر 37 عامًا من الجزائر تقول لميدان وهي تنفث دخان سيجارتها: "زوجي لم يعد يملأُ عيني ولم أعد أراه قادرًا على إقناعي به، ودائمًا أقارنه بأمثاله من الرّجال ممن هم في عمره فأراهم على صفحات الفيس بوك وفي غرف الواتس الجماعية يتغزلون بزوجاتهم وهو لا يفعل ذلك، وللحقيقة هو قادر على مناقشتي بكثير من المواضيع بعقلانية لكنه غير مبدع بالكتابة رغم أنه مهندس، تؤذيني فكرة أنني أستحق أفضل منه". ومن حالات نهى ومثيلاتها فإننا لا نرتاب إذا صدمتنا إحصائيات تقول إن محاكم دبي باتت تسجل يوميًّا 4 حالات طلاق وفق إحصائيات أواخر 2015 وأوائل 2016م[5].

 

أمَّا مروة البالغة من العمر 19 عامًا من فلسطين تتحدث لميدان عن حزنها من رؤية إخوة صديقاتها يمزحن معهن في حين أن إخوتها لا يفعلون ذلك لكونهم يرونهم عيبًا، وكم تتمنى مروة أن تكون من أسرة صديقاتها. من الواضح جدًّا أن جعل العلاقات الزوجية كلًأ مباحًا وإظهار المشاعر الحميمة التي كانت في زمن مضى لها قداسةٌ تمنعها من الإشهار حتى جاء تجسيد هذه المشاعر في مشاهد تمثيلية عبر المسلسلات والأفلام ثم جاءت مواقع التواصل الاجتماعي مدرجًا مسرحيًّا كبيرًا تنشر فيه هذه الصور كتعبير فجٍّ عن النّجاح الأسري وميدانٍ للتنافس في إبراز المشاعر المتأججة مما تسبَّب في إشكالات كبيرةٍ داخل الأسرة الواحدة بين الزوجة وزوجها وبين الأشقاء والشقيقات.

 

المستشارة الأسرية لبابة تقول لميدان معلقة على هذه الظاهرة:

"لقد شهدنا كثيرًا من المشكلات الأسريّة سبَّبها الاستسلام لوهم الصورة، وهناك أمثلة غير يسيرة على حالات شجارٍ وشقاقٍ حصلت، ولكن الأهمّ من ذلك هو الشّعور النفسي الذي قد تكتمه الفتاة أو المرأة في نفسها نفورًا وزهدًا بأسرتها مما يسبّب لها أذىً كبيرًا، وأقول لكل هؤلاء الزوجات والفتيات لا تنخدعوا بهذه الصور، ولا تظنّوا أنها صورة الحياة الواقعية التي يعيشها هؤلاء في كل تفاصيل حياتهم أو أنَّها الصّورة لما يجبُ أن تكونَ عليه الأسرة المثاليّة السعيدة، فالصّورة تبقى صورةً ولا تعطوها أكبر من حجمها ومساحتها في الحياة الواقعيّة، ثم عليكم أن تقتنعوا أن هؤلاء اللّواتي تظنّون حياتهن طافحة بشكل مطلق بالسعادة والفرح وأن لا هموم لديهن؛ عندهنّ الكثير من الآلام التي لا تنشر في الفضاء المفتوح، وعندهنّ من الهموم كما كلّ أنسان، فهذه طبيعة إنسانية لا يمكن إنكارُها أو الهروب منها".

 

الكيد

إن المبالغة في الحديث عن الذّات وعن العلاقة الزوجيّة وأفعال الأبناء وإنجازاتِهم فيه كسر لخواطر مَن لم ينعم الله عز وجل عليهنّ بالزواج أو الطفل

بيكساباي

بعض السلوكات التي تمارسها النساء من التّباهي بما أنعم الله عليهنّ مما لا يدَ لهنّ فيه أم ممّا حصلته باجتهادها يكون في جزء منه كيدًا مغفّلًا، وفي بعض منه كيدًا موصوفًا موجَّهًا لأشخاصٍ بعينهم أو جهات، وعلى كل حال فإن من الآثار التي لا يُلتَفت إليها في هذا الإطار حجم كسر الخواطر الذي يحصل نتيجة هذه السلوكات، وما يتسبّب به من أحزان عميقة. 
وذلك كالمبالغة في نشر صور الأبناء والأطفال والمبالغة نقل أحوال الزوجية أو صور الطعام والمواد المنمقة أو الألبسة وأدوات الزينة.. إن المبالغة في الحديث عن الذّات وعن العلاقة الزوجيّة وأفعال الأبناء وإنجازاتِهم فيه كسر لخواطر مَن لم ينعم الله عز وجل عليهنّ بالزواج، أو الطفل.

 

صفاء متزوجة من 12 سنة لم ترزق بولد، تقول لميدان والدّمع يغلبُها: "الحمد لله على قضائه، لقد حرمني الله الولد، ووالله لا أحسد أحدًا ممَّن رزقهم الله، وأفرحُ عندما أرى أسرةً أنعم الله عليها بطفل، لكنَّني هذه الأيام لا أستطيع منع نفسي من الحزن لكثرة ما أرى من صور تنشرها الأمهات عن أطفالهن، أشعر أن الكلّ يفعل ذلك لإلحاق الحزن بي".

 

وأما (آمنة) من الغوطة الشّرقيّة فتتساءل عن اللّواتي يتباهين بنشر أنواع الطّعام، ألَا يفكرن بأن هذا يؤثّر سلبًا في مَن لا يجدون طعامًا في هذا الحصار وهم يرَون أصناف الطّعام والموائد التي تصرّ النساء على تصويرها بشكل مبالغ به جدًّا".

 

وهنا لا بدّ من التّأكيد بأن مواقع التواصل الاجتماعي وُجدت من أجل أن يتواصَل النّاس فيما بينهم وأن يعبّروا عن ذواتهم وعن مناسباتهم الشّخصية والذّاتية، إلّا أنّ المطلوب هو الكثير من الوعي بمآلات التصرفات والتوازن في تطبيقها ونشرها، لا سيما في هذه الظّروف القاسية التي تمرُّ بها شعوبُنا وبلادُنا. إنَّ أقلَّ ما يجبُ علينا تجاه المحرومين والمنكسرين والمتألمّين هو أن نكون أكثر انتباهًا ووعيًا في تصرّفاتنا الافتراضية.

 

ثم لا بدّ من الإشارة إلى أن التّباهي غير المتوازن يعبّر عن شخصيّة غير متوازنة وعن شعورٍ بالنّقص، تسعى فاعلتُه لإقناع نفسها بإتمامه عبر مواقع التواصل الاجتماعي. كما تؤكد الدكتور لطيفة لميدان هذا بقولها: "لقد عاينتُ حالات ٍكثيرةً ممّن يتباهين بأولادهنّ وأزواجهنّ أو زينتهنّ بعدم ثقتهنّ العميقة بأنفسهنّ، وباهتزازٍ في شخصياتهنّ، فالمبالغةُ في نشر ذلك مؤشّرٌ سلبيّ على عدم الثّقة بالنّفس أو بالسّلوك التّربوي مع الطّفل أو بالعلاقة مع الزّوج، فتحاولُ بذلك تعزيزَ ثقتِها الصّورية بنفسها، وفي الغالب كلّما كان النشر متوازنًا هادئًا وبعيدًا عن المبالغة يكون معبّرًا عن شخصيّة سويّة سليمة متصالحة مع ذاتها".

 

الصدمات العاطفية وفارس الأحلام الوهم


بعد أن سكنَ كثيرون في هواتفهم الذّكية، وظنّوا أن نوافذَ الدّردشة هي البوّابات التي عليهم أن يطرقوها للحصول على شريكةِ العمر وشريك المستقبل فانتشَرت العلاقاتُ العاطفيّة التي أنتجَتها الدّردشاتُ الافتراضيّةُ، وبدأت الفتياتُ تحلمُ بفارسِهَا الجميل يُطل عليهَا من إحدى هذه النوافذ حاملًا بين يديه مجموعاتٍ من الرّموز من ابتساماتٍ مرسومةٍ على الشّاشاتِ وباقات الورود المصوّرة، إلا أنّ كثيرًا من هذه العلاقات العاطفيّة فضلًا عن كونها لا تنتهي بزواجٍ واستقرارٍ فإنّها تؤولُ إلى صدماتٍ عنيفةٍ تَلحق بالأنثى بسبب اكتشاف خداع الطّرف الآخر المحتجب خلف شَاشة هاتفِه الذّكي، كما أنّ هذه الصّدمات العاطفيّة قد تنتج عن اكتشاف الوقوع في مصيدة ذئبٍ بشريٍّ تخفّى في ثوبِ ناصحٍ أو مصلحٍ أو مشفقٍ أو مفكّر حتّى إذا وثقت به المسكينة وانجرفت وراء ثقتها ثم عاطفتها بدأت مرحلة من ابتزازاتٍ رخيصة توقعها في ردود فعل عنيفة.

 

الأستاذ محمد خير موسى رئيس وحدة البحوث والدراسات في هيئة علماء فلسطين في الخارج الذي أطلق هاشتاغ #عقد_الفيس_بوك يتحدث عن هذا المشهد قائلا: "ما إن تنشر فتاةٌ منشورًا يفيضُ همًّا، أو يقطرُ حزنًا؛ أو يدفق كآبة؛ حتّى يسارعَ النَّشامى وأهلُ الشّهامةِ إلى التّسلّلِ إلى خلوتِها من خلفِ نوافذِ الدردشةِ متقمّصين شخصيّة جابر عثراتِ الكرام؛ وجابرُ عثراتِ الكرامِ لقبٌ عرَّفَ به عكرمة الفيّاض نفسَه إذ تسلَّلَ في عتمةِ الليلِ وطرقَ البابَ على خزيمة بن بشر أحد أشرافِ العربِ وفضلائهم ليواسيه بماله دونَ أن يعرفه وليخرجه من محنته الماليّةِ وأزمته الاجتماعيّة التي ألمَّت به. وهنا تبدأ فيوضاتُ الإشفاقِ تتدفّقُ من بينِ أحرفِهم المتحرّقة عليها، وتتدافعُ المواعظُ تتسابقُ بها العباراتُ المزدانةُ باللّهفةِ لتمسح حزنها وتبلسمَ جراحَها، وتصدّقُ المسكينةُ أَيمَانَ الصّدقِ والحرصِ؛ فتشعرُ بالامتنانِ للمُصلِحِ المختفي وراءَ اسمٍ وهميّ، أو الحريصِ المتستّرِ وراءَ هيبةِ الاسم الصريح".

 

ثم يوجه الأستاذ محمد كلامه إلى الفتيات عبر صفحته الشخصية بفيسبوك قائلًا:

"لا تصدّقي الملثّمينَ القابعينَ خلفَ أسماء وهميّة مهما أظهروا من حرصٍ وحدبٍ وإشفاقٍ، فإنّ جابرَ عثراتِ الكرامِ لا يتسلّلُ إلى مخادعِ الغافلاتِ في لحظةِ انكسارٍ وضعف، فلا والله لا يفعلُ ذلكَ الرّجالُ الرّجال.. من يقتنصُ لحظةَ ضعفِ الأنثى وانكسارِها وحاجتِها إلى من يسمعها ويحتويها فيسارعُ لينالَ الثّقةَ التي تعطيها الأنثى في لحظة ضعفها لمن يمسحُ بحنانِ كلماتِه على جراحها النازفة فغالبًا ما يكونُ ذئبًا يلبسُ جلدَ الحَمَلِ الوديعِ؛ فاحذريه ولا تصدّقيه ولا تُجارِيه ولا تُحادثيه".

 

(س) فتاةٌ جامعيّة عمرها 23 عامًا تتحدّث عن شخصيّة إعلاميّة مشهورة تكتبُ في الفكرِ والسّياسة تواصَل معها، وبدأ يُشعرها بالاهتمام الذي كانت تحتاجُ إليه في لحظاتِ ضعفٍ شديد وانكسار، تعلّقت به ثم أخذ يستدرجها بكلامه حتى أوقعها، ثم قالت: "قلت له كلامًا لم أكن أتوقّع قوله، وأرسلت له صوري، وأجريتُ معه محادثات غير جيدة وفجأة تركني ولم يعد يرد على رسائلي وتوسّلاتي.. تراودني فكرةُ فضحه وكشفُ زيفه للآلاف المتابعة له لكن أخشى الفضيحة على نفسي.." 

الفيسبوك لا ينقل المشاعر كما هي عليها في الواقع غالبًا، فكم فيه من المغالطات في نقل المشاعر، إذ يشعرك بلهيبِها من البعض وهُم في الواقع أبرد من الأسكيمو

مواقع التواصل


أما (ن) البالغة من العمر 30 عامًا تقول لقد تعرّفت على عددٍ من الشّباب عبر دردشات وسائل التواصل الاجتماعي وفي كلّ مرة كان التّعارف بقصد الزّواج، إلا أنّني في كلّ مرة كنتُ أشعرُ بالصّدمة والإحباط بعد اكتشاف أنّ بعضهم كان يفعلُ ذلك للتسلية ورغبةً في عيش حالاتِ الرّومنسية والهُيام الزّائفة، وبعضهم صوّر لصديقتي نفسه بطريقةٍ حالمة حتى إذا حدث اللّقاء الواقعي شعرَت بأنّ الأمر مخالفٌ تمامًا عمّا كان يصور لها، نشعر أنا وهي بالعزوف عن فكرة الارتباط والرّعب من فكرةِ الوقوع بصدمات جديدة".

 

يقول الأستاذ محمد خير موسى عن هذه النقطة: "ومًا ما كانَت الفتاة الحالمة بالخطوبةِ ترى الشّابّ الحُلُم يأتيها على صهوة حصانٍ أبيضَ بيده طاقةٌ من زهرٍ تشكّلت ألوانُه وأنواعُه، لكنَّها اليوم تراهُ يمتطي عصا سحريّةٍ زرقاء، تتطايرُ منها كمشاتٌ مثل النّجوم من الإعجاباتِ وتتناثرُ وراءه أكوامٌ من التّعليقاتِ والمشاركاتِ.

 

أن يغدوَ الفيس بوك وغيرُه موطنًا جديدًا يهاجرُ إليه الشبابُ بحثًا عن أنفسِهم تارةً وبحثًا عن النَّفعِ حينًا، ورغبةً في تقطيعِ الوقتِ أحيانًا فهذا ممَّا أصبحَ واقعًا مرًّا يحتاجُ إلى نقاشاتٍ معمَّقةٍ، ولكن أن يصبحَ الفيس بوك ووسائلُ التَّواصل الاجتماعيّ قِبلةَ الباحثينَ عن زوجاتٍ والباحثاتِ عن أزواجٍ فهذا ممَّا يحتاجُ إلى إسنادِ الجبهةِ إلى راحةِ الكفِّ وإطلاقِ صفنة اندهاشيّة تدوم وتدوم وتدوم".. ثم يقول:

 

"العالم الأزرق لا ينقل المشاعر كما هي عليها في الواقع غالبًا، فكم فيه من المغالطات في نقل المشاعر، إذ يشعرك بلهيبِها من البعض وهُم في الواقع أبرد من الأسكيمو، ويفشل في نقل حرارتها من البعض الآخر، والتواصل الشّعوري مهمٌّ للغاية في قضية الزواج فلا تصدّقوا الكثيرَ من المشاعر الزائفة التي يوهمكم اشتعالكم الداخليّ الصّادق بصدقها منهم؛ فتمهَّلوا كثيرا.. تذكروا جيّدًا أنكم ستسكنون في بيوتٍ من جدران بعد الزّواج وليس في نوافذ الدردشة الافتراضيّة، فلا تكوننّ الدردشات الخاصة علامةً على صلاحية من تدردشون معه على السكن والحياة والاستقرار، فقد تنفع هذه في بعض الاستكشاف للشخصيّة لكنَّها مطلقًا لا تغني عن الرؤية الواقعيّة والحوار المباشر؛ فتمهّلوا كثيرا"

 

توثيق اللحظة أم قتلها؟

توثيق اللّحظة يُسعد العين في الحال ويسعدُ الذّاكرة في المآل، ولكن تذوّق اللحظة هو ما تحتاجه النفس البشرية والأرواح العطشى للجمال

بيكساباي

حالة الَهوَس الموجودة في توثيق اللّحظات في وسائل التّواصل الاجتماعيّ أصبحت أكبر مما يمكن أن يصفه قلمُ كاتب، فلا يكادُ يضحكُ الطّفل حتى تهرع الأمّهات إلى الهواتف لتوثيقها قبل أن تطير، وما إن يبدو مشهدٌ جميلٌ في نزهة عائليّة حتى يسارع الجميع إلى امتشاقِ هواتفهم ليبصروا المشهد من خلف زجاج النوافذ الافتراضيّة ويلتقطوا اللّحظة الجميلة قبل إفلاتها.

 

من الطّبيعي أن يوثّق الإنسانُ اللّحظات الجميلة التي يمرّ بها ولكن ليس من الطبيعيّ على الإطلاق أن ينسى المرء طعم الجمال ولا يبقى لتذوّق اللّحظات معنىً أمام توثيقها. وإن توثيق اللّحظة يُسعد العين في الحال ويسعدُ الذّاكرة في المآل، ولكن تذوّق اللحظة هو ما تحتاجه النفس الشرية والأرواح العطشى للجمال. أن تفقد الأمّ الرغبة في ملاعبة طفلِها إلا وهاتفها بيدها يشير إلى أن التوثيق غدا هو الغاية من افتعال السعادة في الوقت الذي تكون السعادة النابعة من اللّحظة الجميلة هي غاية منشودة بحدّ ذاتها.

 

الحاجّة أم خالد تقول إنها لم تعد تشعر بالسعادة والحميميّة التي كانت تشعر بها عندما تخرج في نزهة مع أبنائها وبناتها وأحفادها فكلّهم مشغولون بالتصوير، وتقول كنا قبل الهواتف نجلس ونمزح ونفرح ونتأمّل في جمال الكون أمَّا الآن بعد الهواتف فقدنا كلّ هذا ".
 

ما قُدِّمَ ليس رصدًا لجميع مشكلات وسائل التواصل الاجتماعي كما ذكرنَا في البداية، وإنما هو محاولةٌ في تسليطِ الضّوء على تجليّات بعض السلوكيّات التي تحوّلت إلى عُقد تحتاج منّا الوقوف أمامها مليًّا ويغدو الإشكال الأكبرُ في إعادة البرزخ بين الواقعي والافتراضي والتّوازن الذي يجب أن تعيشه المرأة في علاقتِها مع نفسها وبحثها عن ذاتها وكينونتها، ورفضِ الغرقِ في أوهام الافتراض، وعدم السماح لهذه المنصّات بتمزيقِ النّسيج الأسريّ من خلال منهجيّة غير سويّة في التّعامل معها تفكيرًا وعملًا، والاهتمام بالشّعور الإنساني، وعدم تغليب الأنا وسعادتها وإشباع رغباتها على ما قد يسبّب جرحًا وحرجًا للمتابعين والمتفاعلين، والحذر من الوقوع في شباك الوَهم والذئاب المتصيدة من خلف شاشات الهواتف الذكية، وإن نبذلَ وسعنَا في إحياء اللّحظة والحياة فيها وتوثيقها دون قتلها.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار