انضم إلينا
اغلاق
كيف تصبح لاعب شطرنج عظيم؟

كيف تصبح لاعب شطرنج عظيم؟

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض

لم يتعد بطل العالم في الشطرنج النرويجي ماغنوس كارلسن السادسة والعشرين من عمره بعد، ولقد دافع مؤخرا عن لقبه أمام اللاعب الروسي الجنسية الأوكراني المنشأ سيرجي كارياكين، الذي يماثله سنا أيضا، وقد حقق كل من اللاعبين إنجازات استثنائية في سن مبكرة جدا، فكان كارياكين هو أصغر لاعب يحصل على لقب الأستاذ الدولي قبل بلوغه سن الثانية عشرة، وكذا لقب الأستاذ الدولي الكبير بعد بلوغه الثانية عشرة بسبعة أشهر.

 

أما كارلسن فقد حصل على لقب الأستاذ الدولي الكبير في الثالثة عشر من عمره، ثم أصبح أصغر لاعب يعتلي قمة الترتيب العالمي في التاسعة عشر، كما حصل على أعلى تصنيف في تاريخ لعبة الشطرنج في سن الثانية والعشرين، ليواصل نجاحاته ويتوج بطلا للعالم في العام نفسه.

 

ولكن كيف يمكننا تفسير تلك الإنجازات؟ أو بشكل أعم كيف يصل لاعب الشطرنج إلى هذا المستوى من العظمة؟ ولما كانت لعبة الشطرنج تنطوي على عديد من العمليات المعرفية (الإدراك والتركيز والذاكرة والتفكير والتخيل)، ولما كان بالإمكان رصد نتائج هذه العمليات في التحركات التي يجريها اللاعب، لم تعد دراسة علم النفس للعبة الشطرنج باستفاضة أمرا مفاجئا، وهاك الطريق التي عليك اتباعها كي تصبح لاعب شطرنج عظيم، حسب ما توصل إليه علم النفس.

 

الممارسة 


إن الممارسة هي العامل الأهم في تفسير التفاوت بين الناس في مهارة الشطرنج، وليس ذلك بالأمر المستغرب، فقد كشفت الأبحاث عن وجود علاقة بين عدد ساعات ممارسة الشطرنج والمستوى الذي يبلغه اللاعب، ففي دراسة أجريت على لاعبي شطرنج أرجنتينيين، وجدنا أن أقل اللاعبين ممارسة من بين الأساتذة المحليين، قد قضى 3000 ساعة لتحقيق هذا المستوى، ولا يوجد أي دليل على وجود لاعب ما بلغ مستوى عالميا فجأة بعد تعلمه قواعد اللعبة.

 

إلا أن هناك اختلاف كبير بين الأفراد في مقدار النفع العائد على كل منهم، وعند تساويهم في كمية الجهد المبذول، فمن اللاعبين من يحتاج إلى زمن ممارسة يصل إلى 30.000 ساعة لبلوغ مستوى الأستاذ المحلي نفسه، وعلاوة على ذلك هناك بعض اللاعبين الذين قضوا أكثر من 30.000 ساعة في ممارسة اللعبة دون بلوغ هذا المستوى، لذا لا تعد الممارسة هي العامل الوحيد رغم كونها شرطا ضروريا لتحقيق مستويات عالية من الأداء الاحترافي في لعبة الشطرنج.

 

البداية المبكرة 
يملك الأطفال عقولا شديدة الليونة ويستطيعون التعلم بسرعة كبيرة، فهل ستسفر الممارسة الجادة للشطرنج في سن مبكرة عن أي أثر إيجابي؟ في الدراسة السابقة نفسها ثبت وجود علاقة بين العمر الذي يبدأ فيه اللاعبون ممارسة الشطرنج بشكل جاد، وبين مهاراتهم في اللعبة، ومع ذلك يحتمل ألا يكون سن البدء في حد ذاته هو سبب هذه العلاقة، فلعل السبب هو ساعات الممارسة الإضافية التي تتاح لهؤلاء اللاعبين مقارنة بمن يمارسون اللعبة في سن متأخرة.

العمر ما يزال عاملا مؤثرا في اتقان الشطرنج فعند ثبات كمية الممارسة المتراكمة، وجد أن من يشرعون في ممارسة اللعبة في سن مبكرة جدا، هم أكثر مهارة في الشطرنج ممن يبدؤون الممارسة في وقت لاحق

رويترز
 

إلا أننا قد استخدمنا تقنية إحصائية في الدراسة، أثبتت أن العمر ما يزال عاملا مؤثرا، فعند ثبات كمية الممارسة المتراكمة، وجد أن من يشرعون في ممارسة اللعبة في سن مبكرة جدا، هم - بشكل عام - أكثر مهارة في الشطرنج ممن يبدؤون الممارسة في وقت لاحق.

 

القدرات المعرفية 
لما كان الشطرنج لعبة ذهنية كان عدم نبوغ الأشخاص الأكثر ذكاء فيه مقارنة بالأقل ذكاء ليكون أمرا مفاجئا، ومع ذلك ظلت النتائج مشوشة حتى زمن قريب، ولم يكن هذا السؤال قد حسم بعد، لكن هناك تحليل حديث يكشف عن وجود علاقة متواضعة بين أداء الفرد في اختبارات القدرات العامة ومهارته في الشطرنج.

 

وبذلك تعزز هذه الدراسة موقف نتائج سابقة تفيد أن العلاقة بين القدرات المعرفية العامة ومهارات الشطرنج، أقوى في الأطفال منها في البالغين وذلك هو الجانب الأهم، فهذه النتيجة تظهر ما للقدرات المعرفية العامة من أثر إيجابي على النبوغ في لعبة الشطرنج، وذلك في حالة تدني مستوى المهارات في اللعب، لكن هناك تمرين معين يفوق القدرات المعرفية العامة أهمية من أجل مواصلة التقدم في هذا المجال.

 

مهارات اتخاذ القرار 

ممارسة لعبة الشطرنج جعلت من اللاعب صانع قرار أفضل، لا أن مهاراته في صنع القرار هي ما جعل منه لاعب شطرنج جيد

غيتي
 

في مباراة الشطرنج الواحدة يتخذ كل لاعب نحو 40 قرارا يمكن ملاحظتها (نقلة لقطع اللعب)، وكثير من القرارات السرية مثل القرارات المتعلقة باستراتيجية اللعب، هكذا يكون تميز الأشخاص الذين يجيدون اتخاذ القرارات بشكل عام في لعبة الشطرنج أمرا ممكنا، إلا أنه تم إهمال هذا الاتجاه البحثي.

 

لكن دراسة حديثة غير منشورة قامت بالتحقق من تفوق لاعبي الشطرنج على غيرهم في اتخاذ القرارات، فاكتشفنا صحة هذا الزعم، حيث تفوق لاعبو الشطرنج على غيرهم في المهام التي تتطلب التخطيط والتفكير المعرفي واتخاذ القرار تحت الخطر، إلا أن هناك احتمال آخر وهو أن ممارسة لعبة الشطرنج قد جعلت من اللاعب صانع قرار أفضل، لا أن مهاراته في صنع القرار هي ما جعل منه لاعب شطرنج جيد.

 

المشاعر 
في بطولة العالم الأخيرة بنيويورك لعب كارلسن و كارياكين 16 مباراة مكثفة، استمر بعضها أكثر من 7 ساعات، وحظيت جميعها بمئات الملايين من المتابعين على شبكة الإنترنت، ومن المعروف أن المنافسين من ذوي المهارات العالية في شتى المجالات، لا يحققون أقصى مستوى من الأداء عند تعرضهم لضغط عصبي حاد وليس الشطرنج استثناء لهذه القاعدة.

نهائي بطولة العالم بين النرويجي ماغنوس كارلسن، والروسي سيرجي كارياكين

رويترز
 

إن قدرة لاعبي الشطرنج على الحفاظ على هدوء أعصابهم وحدة التركيز مع مرور الوقت، لهو عامل هام، لكن لسوء الحظ تم تجاهل الجوانب العاطفية في لعبة الشطرنج تماما في أدبيات علم النفس.

  

تتطلب إجادة لعبة الشطرنج آلاف الساعات من الممارسة، ويستطيع أي شخص تقريبا أن يصبح لاعب شطرنج جيد إذا ما بذل جهده ووقته من أجل ذلك.
 

لكن يبدو أن الطريق من الإجادة إلى العظمة يتطلب أكثر من مجرد الممارسة، كالقدرات الذهنية الجيدة ومهارات اتخاذ القرار والبدء في ممارسة اللعبة في وقت مبكر، ونأمل أن تكشف الأبحاث المستقبلية عن تأثير الفروق الفردية في القدرة على تنظيم المشاعر على مهارة لاعب الشطرنج.

أكثر الأفلام ترشيحا للأوسكار

تقارير متصدرة


آخر الأخبار