انضم إلينا
اغلاق
الرقص الأفريقي.. روح الحياة وإرهاب المستعمر

الرقص الأفريقي.. روح الحياة وإرهاب المستعمر

مريم عادل

محررة فنية
  • ض
  • ض

"الرقص في أفريقيا هو بداية كل شيء، وما على الكلام سوى اتباع الرقصات؛ ليتحول الحديث إلى أنغام وألحان ورقصات، فالرقص والغناء والأقنعة هي تراث القارة الأفريقية"

(الزعيم سنغور)

 

عندما يذكر "الرقص الأفريقي" تتعالى في أذهاننا أصوات الطبول القوية والرقصات الجماعية الممتلئة بالحركة والحيوية، لكن كلمة "الرقص" وحدها غالبا ما تكون مصحوبة بمفاهيم مختلفة عن تلك التى تصاحب الرقصات الأفريقية، أكثر هذه المفاهيم شهرة هو التفسير الفرويدي الذي يقول بأن الدور الرئيس للرقص هو التنبيه والانفعال الجنسي؛ لكن الرقص في أفريقيا له وظائف تختلف كثيرا.

 

فالرقص في المجتمعات الأفريقية لا يعتبر نوعا من الإثارة والترفيه والمتعة كما هو شائع في المجتمعات الحديثة، إنما يعبر عن ضرورة واحتياج أساسي فهو جزء رئيسي من الطقوس الدينية والاجتماعية، فهناك رقصات لكل المناسبات حتى إن الكاتبة الزنجية الأميركية بيرل بريمياس صنفت الرقصات الأفريقية المختلفة في مجموعات تمثل في تتابعها دورة الحياة الكاملة من بدايتها إلى نهايتها، فهناك رقصة للإخصاب ورقصة الميلاد والبلوغ والخطبة والزواج والموت، وهي المراحل التي يمر بها كل كائن حي.

 

اضغط للاستماع

 

يرقص الأفارقة حتى في مواجهة جلال ورهبة الموت، ورغم غرابة الأمر إلا أنهم يعتقدون أن بالموت يكمل الحياة، وأن أولئك الذين يموتون ينتقلون إلى حياة الخلود والخير المطلق؛ وهو أمر يستحق من الأحياء أن يشعروا بالفرح ويعبروا عن سعادتهم بالرقص والغناء.

 

يقول نيكوس كازانتزاكيس في رواية زوربا اليوناني "يبدو لي هكذا أنني أفهم شيئا ما، لكن لو حاولت أن أقوله لهدمت كل شيء وذات يوم عندما أكون مستعدا سأرقصه لك"، بطريقة مشابهة يتعلم الأفريقيون الرقص كما يتعلمون الكلام؛ ليعبروا به عمّا يجول في داخلهم من انفعالات ومشاعر؛ لذلك يقول الكاتب الصومالي جون فيالي "الرقص أفضل تعبير عن مشاعر الإنسان العميقة وليس هناك فن يدانيه في هذا التعبير عن الأحاسيس".

 

يتعلم الأفريقيون الرقص كما يتعلمون الكلام؛ ليعبروا به عمّا يجول في داخلهم من انفعالات ومشاعر

غيتي

  

ويعرف المفكر والفنان الأفريقي كتافوديبا الرقص في أفريقيا بأنه أحد مظاهر الحياة السحرية الطقوسية، وهو مزيج من الفنون المختلفة التي يعكس الأفريقيون من خلالها الصراع المتبادل بين الإنسان الأفريقي والطبيعة القاسية التي تحيطه.

 

ويعتقد الكثيرون أن النصف الثاني من القرن العشرين هو عصر أفريقيا بلا منازع؛ لأن العلماء لم يتركوا مظهرا من مظاهر الحياة في أفريقيا إلا وتعرضوا له بالبحث والدراسة، وقد نال الرقص بالطبع قسطا من الدراسات، حيث يرى الدارسون أن الرقص بشكل عام يعتبر مرآة تعكس طبيعة كل شعب، وبحسب عز الدين إسماعيل فإن الشعوب الأفريقية هي أول شعوب العالم معرفة بفنون الرقص والموسيقى، كما أنها من أصدق الجماعات الإنسانية تعبيرا عن بيئتها الفنية عبر فن الرقص.

 

لذلك يعتبر الرقص الأفريقي انعكاسا صادقا للظروف التي يعيشها الإنسان في بيئة شرسة تغلب عليها الغابات بما تخبئه في دروبها من وحوش مفترسة ويظهر فيها عنف الطبيعة تجاه الإنسان وما يواجهه ذلك الإنسان من مخاطر وصراعات في سبيل البقاء، فالحركات السريعة العنيفة في الرقص تحتفي بالقوة والشجاعة والنشاط وخفة الحركة، وهي صفات يتميز بها القادرون على مواجهة هذه البيئة والتغلب عليها والقدرة على مسايرتها وإخضاعها.


"الرقص عند الأفريقي هو حياته، وبين الرقص والحياة زواج مغناطيسي، وحين أكتب عن الناس والحياة في أفريقيا، لا أجد أمامي مصدرا أصدق من الرقص"

(بيرل بريمياس)

 

إرهاب المستعمر

لطالما كانت الفنون درعا يحمي شعوب أفريقيا من طغيان وسطوة المستعمر، فالفن الأفريقي الأصيل كان دائما صيحة تحرر تحمي ثقافة الأمم الأفريقية من عبث الاستعمار، ومثلما حاول المستعمر فرض هيمنته الثقافية على الشعوب الأفريقية؛ فإن ثقافة الأمم الأفريقية الأصيلة أثرت كثيرا في أوروبا ومثلما كانت الروافد الرئيسة لمدار الفن التشكيلي الحديثة مثل التكعيبية والوحشية من أصول أفريقية.
 

كذلك أثر الرقص الأفريقي كثيرا في الرقص الأوربي مما دعا الكثير من الباحثين لدراسته، ويعد الرقص هو أحد أهم الفنون التي تميز بها الأفريقيون، لذلك قدره الساسة الأفريقيون كثيرا وعملوا على تطويره ونشره؛ خاصة ساسة جنوب أفريقيا لأنهم كانوا يرغبون في حشد التأييد القبلي إلى جانبهم عند مطالبتهم بالحرية والخلاص من الحكم الأوروبي.

 

ويقول جون فياني إن هناك رقصة بعينها تدعى "رقصة التقليد" أو رقصة الهجاء والنقد السافر، كانت عبارة عن خطوات وحركات جسمية تمثل تماما هيئات وحركات موظفي الاستعمار؛ إذ يتهكم الراقصون بتقليد هذه الحركات تقليدا ساخرا من المجتمع البريطاني، فيحاكي أسلوبهم وطرق معيشتهم في الحياة اليومية.
 

وكانت هذه الرقصة تحدث أثرا لا يمكن مقاومته في نفوس الحاضرين فتنتزع منهم التصفيق الحار وتشعل مشاعرهم وتملؤهم بالحماسة، لذلك عمل المستعمرون على منعها في كل أنحاء أفريقيا، لما لها في نظرهم من أثر ضار يشجع الناس على التمرد وعدم احترام القوانين ووضعوا عقوبات صارمة لمن يتحدى هذا الأمر.

تعد رقصات المحاربين من الرقصات التي تمثل تقاليد الماضي، فهذه الرقصات تذكرهم برقصات الحرب العنيفة التي كانوا يؤدونها لإرهاب العدو

رويترز

وفي "رقصة الحرب والقتال" يرتدي زعيم الفرقة ملابس مميزة عن باقي الراقصين، فيضع على رأسه قلنسوة مصنوعة من ريش، ويمسك في يده عصا طويلة بالإضافة لبعض الملابس المميزة، وتتحول هذه الأشياء أثناء الرقص كأنها امتدادات طبيعية له، وهؤلاء تحديدا يشعلون في المشاهدين إثارة شديدة بسبب زركشة ملابسهم وما يرتدونه على رؤوسهم من قلنسوات فخمة.
 

يقول جون فياني "يميل الراقص منحرفا مواربا ثم ينسحب متراجعا، ويدور على نفسه دورانا سريعا كالدوامة ويعود بعد ذلك إلى الهجوم، ويطاعن ويخز ويضرب وهو في غمرة من جنون القتال الذي يبلغ ذروته ويحتدم احتداما شديدا عند الظفر على الأعداء، فيدور الراقص على نفسه دوران الظفر المنتشي".

 

وتعد رقصات المحاربين من الرقصات التي تمثل تقاليد الماضي بحسب نعيم قداح الذي يقول "إن هؤلاء المحاربين قد أدركهم الكبر ومع ذلك فتكفيهم همة واحدة تبث فيهم روح الشجاعة لكي يعيدوا إلى الأذهان ذكر رقصات الحرب العنيفة التي كانوا يؤدونها في شبابهم، إنهم شيوخ لكنهم ما إن يسمعوا الصيحة، وما إن يبدؤوا الغناء حتى تختفي التجاعيد، وتنتفش الأجساد النحيلة بالعافية وبالقوة، والعيون الكليلة تتسع لتخترق حجب الماضي وتبدأ رقصة الحرب، وفجأة تتقوس ظهورهم وينقضون على العدو الوهمي، بينما تتقلص عضلاتهم كالحيات التي تصدم بمن يتحداها، ثم فجأة يطلق قارعو الطبول صرخة تهز الجبال فيأخذ الراقصون على غرة.. لقد سقط العدو الوهمي على الأرض".

 

الموسيقى الأفريقية


يخلق الأفارقة الموسيقى من كل شيء إنهم يستطيعون أن يجعلوا كل الأشياء تنطق نغما، فعالمهم الواسع يموج بآلاف الأصوات، فهم يصنعون موسيقاهم من أدوات غريبة مثل الصدف ونسيج العناكب والحصى والعصيِّ والمعادن، إلى جانب الأشكال المعتادة من الآلات الموسيقية مثل القيثارة والطبول الضخمة والمزامير والأبواق.
 

وهناك اعتقاد بأن أبرع قارعي الطبول ليسوا أولئك الذين يتمرنون ويدرسون هذا الفن؛ بل أولئك الذين وهبوا ملكة إلهية وولدوا لكي يؤدوا هذه المهمة، فقارعو الطبول المحترفين يقولون "نحن لا نقرع الطبلة فقط، إنما نحن الطبلة ذاتها، فالموسيقى الأفريقية شأنها شأن الرقص الأفريقي قمة لا تفنى ولا تفرغ".

 

ويرى نعيم قداح أنه لا يمكن فهم الموسيقى الأفريقية بدون فهم العقائد الروحية الأفريقية التي تغذي هذه الموسيقى، فالايمان بعقيدة معينة يمد الراقص بالطاقة والحماس اللذين يدفعانه بسهولة للتفاني في الرقص، فنرى أجساد الراقصين متحررة من كل القيود النفسية والجسمية، ويتحقق أمامنا نوع من التوازن الذي كنا نظنه مستحيل الحدوث.

 

وتعد الطبول أهم الآلات الموسيقية التي تستخدم في الرقص الأفريقي، ودقاتها بمثابة النص اللغوي الأساسي الموجه لأداء الرقص، وقد تمكن الأفارقة من إبداع موسيقى وأنغام وإيقاعات مدهشة وغير مألوفة من خلال قرع الطبول، كما أنهم يؤدون بعض الأصوات والصرخات الجنونية التي تعمل عمل "السم المسكر" ويبدأ الراقصون بعدها في الشعور بالانتشاء والدخول إلى غيبوبة غريبة.

تختلف أزياء الراقصين ويتميز كل منها بطابع فريد خاص به، وتتمايز التصميمات من الأشكال البسيطة إلى المعقدة

رويترز

وتكمل الأزياء المميزة للراقصين الطابع الفريد للرقص الأفريقي، وتختلف أشكال الأزياء من البسيط جدا إلى المعقد، الذي يظهر فيه تميز تلك التصميمات التي أعدت خصيصا للرقص، بعض الأزياء يختفي خلفها الراقص بالكامل خلف القش والخيوط فلا تظهر منه غير عينيه، وبعض الأزياء يضاف إلى ثياب الراقصين أرجل خشبية طويلة تجعلهم يطاولون الفضاء.
 

وهناك أيضا الأزياء التي تكشف عن أجساد الراقصين القوية اللامعة كالأبنوس، وهناك أيضا من يرتدي أصنافا أخرى مختلفة من الجلد وأوراق الأشجار والليف والخرز، أو من يرسمون على أجسامهم أشكالا مختلفة ومن يحملون العظام والأدوات الغريبة.

 

لقد صممت أزياء الراقصين لتتيح لهم حرية الحركة وسهولتها حسب جون فياني الذي يؤكد أن ثياب الراقصين تتألف غالبا من عصائب تتصلب على الصدر وتتحلى بالوشي واللآلئ ومن عصائب أخرى من جلد النمر تلتف حول الخصر، وتتدلى منها طيات رقيقة من الفراء، ويضاف إلى ذلك خلاخل من جلد علقت فيها أجراس وجلاجل صغيرة، وياقة موشاة مزدانة بالخرز وخاتم أو حلق من فراء القدرة البيضاء، ويغطي الرأس ريش كثير قد جعل على شكل أشبه بعرف الأسد، أو شعر رأسه، يهتز الريش عندما يهز الراقص رأسه، ويتدافع برشاقة وخفة.

 

جدير بالذكر أن المجتمعات المعاصرة المتحضرة تعمل على تقييد الذوق الخاص للرقص والغناء؛ إذ ينظر إليه باعتباره نشاطا منحلا يهدد النظم المتعارف عليها خصوصا إذا حدث خارج السياقات الاجتماعية المتفق عليها، ويقول جيلين ويلسون إن "الأمر يتطلب أشخاصا مثل إزادورا دنكان كي يذكروننا أن الإغريق القدامى أمثال أفلاطون قد وصفوا الشخص غير المتعلم أو الأمي بأنه شخص لا يعرف الرقص".

 

"لست أستطيع أن أفكر في أفريقيا دون أن أسمع ثانية دقات الطبول، ودون أن تمر أمام ناظري حشود الراقصين والراقصات، ويخيل إلي أنني أقف مشدوهة أمام مجرى نهر الكونغو السريع أو أركع أمام إله حضارة إيفه العظيمة، أسمع من شفتيه قوله عودي إلى وطنك أيتها الزنجية، وعندما تمثل هذه الذكريات في خاطري أتوقف عن التفكير لأهدأ إلى صوت قوي وعميق هو صوت روحي التي تهيب بي قائلة: ارقصي أيتها الإفريقية ارقصى"
(بيرل بريماس)

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار