انضم إلينا
اغلاق
الموت بحقنة السم.. طفلة تحكي معاناة والديها مع الإدمان

الموت بحقنة السم.. طفلة تحكي معاناة والديها مع الإدمان

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
الإدمان كابوس حقيقي، أو أسوأ، هذه قصة طفلة لوالدين مدمنين، تحكي تجربتها، وكيف تغيرت رؤيتها للأمر


نص المادة
فتاة صغيرة علمت بإدمان والديها الهيروين؛ لكن مشاعرها تجاه ذلك ستتغير مع الوقت. تقول: كنتُ في الثامنة حينما تكلمت مع والدي عن الهيروين أول مرة. كان يعمل على منحوتة، متربعا في جلسته على الأرض، وشعره المجعد يتدلى أمامه. وقفت أمام رفّ كتبه، أتمعن في مجلّدات الفنّ السميكة. قلبت صفحات أحدها، فوجدت قطعة من ورق الألمونيوم، مطويّةً على هيئة مربّع، وعليها آثار حروق دائرية صغيرة. لم أرَ مثل هذا من قبل؛ لكني شعرت أن لهذا الشيء الغريب علاقة بإدمانه المخدرات.
 

رغم معرفتي بمعاناة وَالِدَيَّ مع الإدمان، كان فهمي لمعنى ذلك غير مكتمل، سواءً بالنسبة لهم أو للغرباء ذوي العيون المتبلّدة في الطُرقات وغرف انتظار العيادات

رويترز
 

سألته: "بابا، ما هذا؟" عبس مثلما يفعل عندما أرفض تجربة تكنيك جديد في الرسم؛ لكن في هذه المرة كنت أعرف أني لست مصدر إحباطه. مرّت ثوانٍ ثقيلة قبل أن يجيبني أخيرا. "إنها إحدى متعلقات تعاطي المخدرات؛ لكنها ترجع إلى زمن بعيد. لا بد أنها فُقدت وضلّت طريقها إلى هذا الكتاب." ثم مرّت فترة صمت أخرى. لا بد أن الشعور بالذنب قد تملّكه، لأنه اعترف لاحقا أن ورقة الألومنيوم لم تكن بهذا القِدَم الذي زعمه، رغم تأكيده لي على إقلاعه عن المخدّرات ثانية، وأن الأمر مختلف هذه المرة. ضَمَّني بين ذراعيهِ المفتولتين، ورائحة التبغ والجص تفوح منه، ثم طبع قُبلةً على رأسي، قبل أن يُعاود نحت الكتلة الخشبية؛ ليُخرِجَ منها جَسَدَاً أُنثوياً.

 

لم يكن والدي ليسمح لنفسه بالتحدث عن معاناته بصراحة مطلقة؛ لكنه كان يعرف أنّي أهتمُّ بالأمر، وكان يرغب في طمأنتي. إنَّ إخبارهُ لي بحالته، جعلني ذلك أثق به. ومنحني شُعوراً بأهمية دوري

علمتُ بإدمان وَالِدَيَّ الهيروين في سِنٍّ صغيرة. فلا تحتاج إلى أن تكون أذكى الأطفال لتَعرف الغرض من "الميثادون"، أو لتفكَّ شفرة نقاشات عالية دامعة عن "ضرورة الإقلاع في الحال" لا يحول بينك وبينها إلا جدارٌ نحيل، في فترة نومك المفترضة. كانت هذه حالة شائعة في المكان والزمان اللذين نشأت فيهما، أقصد القرية الشرقية بنيويورك وحي "ميشن" بسان فرانسيسكو، في فترة التسعينيات؛ حيث كان كثيرٌ من الناس يزدادون انطواءً على أنفسهم، بسبب ويلات المخدرات، فتشحبُ بشرتهم، وتتبلَّدُ عيونهم كما لو أنَّ شيئاً ما يلتهمهم من الداخل.

 

لكن رغم معرفتي بمعاناة وَالِدَيَّ مع الإدمان، كان فهمي لمعنى ذلك غير مكتمل، سواءً بالنسبة لهم أو للغرباء ذوي العيون المتبلّدة في الطُرقات وغرف انتظار العيادات. ألتقط من الأفلام وإعلانات التوعية الكئيبة ما يكفي لأُدرِكَ ضرر المخدّرات؛ لكنّ إدراكي لذلك الضرر كان شبيهاً بإدراكي البسيط لفائدة البروكلي الصحيّة. حقيقةً، لم أكن أستطيع التفرقة بين مشكلة وَالِدَيَّ مع المخدرات ومشاكل سائر الكبار، مثل دفع الإيجار أو الحفاظ على نظافة المنزل. فحتّى مع امتلاك بعض الحقائق والمشاهدات، لن يفهم الطفل إلا القليل عما يفعله البالغون.
 

خلال السنوات التالية لواقعة ورقة الألومنيوم، بعد انفصال وَالِدَيَّ ونجاح أمي في التخلُّص من الإدمان، كنت أتبادل مع أبي أحاديث مشفرة عن جهوده لفعل الشيء نفسه. كان يخبرني أنه "في أتمِّ صحة"، وهي طريقته في إخباري بتوقفه عن التعاطي. لم يكن ليسمح لنفسه بالتحدث عن معاناته بصراحة مطلقة؛ لكنه كان يعرف أنّي أهتمُّ بالأمر، وكان يرغب في طمأنتي. إنَّ إخبارهُ لي بحالته، مهما كانت طريقة التشفير، جعلني أثق به. منحني ذلك شُعوراً بأهمية دوري، وإِنِ اقتصر على مساندتي له من موقعي ذاك، على هامش معركته الخفيّة.

على قَدْرِ علمي، لا يكون الهيروين مُميتاً إلا بِجُرعَةٍ زائدة، ولقد اعتبرتُ خُلُوَّ جسد والدي  مِنَ المُخَدِّرِ دليلاً على أنَّ وفاتَهُ غير مرتبطةٍ بسنوات إدمانه الطويلة، كنتُ أشعرُ بالانتصار

بيكساباي
 

لقد آمنتُ بِهِ بِشِدَّة، حتّى إنّي كنت الوحيدة التي لم تفترض تلقائياً وجود علاقة بين المخدّرات ووفاته. كنت في الثانية عشرة آنذاك، أعيش مع والدتي بشمال نيويورك. وذهب هو للعيش في حدائق "ريدوود" بشمال كاليفورنيا، ينشدُ مزيدَ قُربٍ من الطبيعة، وبعضَ البُعد عن المخدّرات. هناك تُوفِّيَ خلال نومه. ورغم وجودي في الناحية الأخرى من البلاد، عند وقوع ذلك، فقد شعرتُ بيقينٍ أنَّهُ لم يعُد إلى إدمانه، بسبب بطاقات البريد التي أرسلها إلي، حيث ذكرَ دوماً كيف كانت الأمور جيدة، وكيف أنه لا يحتمل انتظار زيارتي له، كي نخيّم معاً أسفل الأشجار المهيبة العتيقة.

 

الدمار الذي يُحدِثُهُ حقنُ السمّ في عروقك على مدار عقدين تقريبا، لا يزول كليّةً متى أقلعتَ عن استخدامه. إنَّ أعضاء جسد رجلٍ في الثالثة والأربعين من عمره لا تتوقف عن العمل فجأةً دون سبب

في النهاية، أكَّد تقرير المشرحة خُلُوَّ دِماء والدي من الهيروين ساعة وفاته. لم يستطع مُحقِّقُ الوفيات تحديد سبب الوفاة؛ ممّا ترك أسئلةً كثيرةً دون إجابات، لكنّي كنتُ أملكُ إجابة السؤال الوحيد الذي يهمُّني. على قَدْرِ علمي، لا يكون الهيروين مُميتاً إلا بِجُرعَةٍ زائدة، ولقد اعتبرتُ خُلُوَّ جسدهِ مِنَ المُخَدِّرِ دليلاً على أنَّ وفاتَهُ غير مرتبطةٍ بسنوات إدمانه الطويلة. كنتُ أشعرُ بالانتصار.

 

قضيتُ العقد التالي من عُمري في حِدادٍ على أبي، أُخبرُ كل من ألقاه كيف كان فنَّاناً عظيماً، وكم علَّمني دُروساً في الحياة، والأدب، واللغة. مثل ركاكة مفهوم "صيحةُ اليوم"، وأنَّ الإفراط في قول "يُعجبني هذا" يجعلكَ تبدو جاهلا. وبينما كان أبي قِدِّيساً محبوباً وبريئا، رُحتُ أُنَفِّسُ عن الغضب الذي تملَّكني بعد فقده في جميع الجهات. استخدمتهُ كمدفعٍ في وجه أمي، وأساتذتي، وزملائي، ورجال الشرطة، وأصحاب المحلات. كنتُ ساخطةً على العالم لأنه حرمني منه.


عندما دخلتُ عقدي الثالث، أدركت أني لم أكن أعرف الكثير عن أبي، بعيداً عن ذكرياتي الوردية، لذا بدأت بالتواصل مع أصدقائه القدامى. أصبحَت الصورةُ الغائمة، التي أحتفظُ بها في ذِهني منذ طفولتي، عن الهيروين، أكثر وضوحا وتفصيلا. اكتشفت أنه كان يتعاطاهُ بانتظامٍ ولفتراتٍ أطول بكثير ممّا كنتُ أظنُّ يوماً. ومع الوقت وجدتني في مواجهة الحقيقة الجليّة: إنَّ الدمار الذي يُحدِثُهُ حقنُ السمّ في عروقك على مدار عقدين تقريبا، لا يزول كليّةً متى أقلعتَ عن استخدامه. إنَّ أعضاء جسد رجلٍ في الثالثة والأربعين من عمره لا تتوقف عن العمل فجأةً دون سبب. ربما كان جسدهُ خالياً من الهيروين ساعة وفاته، لكنّ ذلك لا يعني أنَّ الهيروين ليس سبب الوفاة. بدأتُ أرى وفاته كأمرٍ سمحَ بحدوثه عمدا، لا لُغزاً. كنتُ أشعرُ بالغضب.

 

إنَّ أهمَّ مُتطلَّبات الأُبُوَّة هو تواجدكَ في حياة طفلِك. أمّا سائر الأشياء فمجرّد تنويعاتٍ على نوع هذا التواجد ودرجته؛ لكنَّكَ لن تكون والداً جيِّداً، أو حتّى والداً سيِّئاً، إذا لم تكن هناك أصلاً

بيكسيلز

كان سماحي لنفسي بالثورة عليه، أو قل على ذكراه، تشبه إطلاق نَفَسٍ كتمتهُ طوال عشرين عاماً تقريباً. في طفولتي، كنتُ أرى الإدمان في صورة شيطانٍ ضخم وسيء، يكافح وَالِدَيَّ للهروب منه، كي نتمكّن جميعاً مِنَ العيش في سلامٍ وأمانٍ أبديين. أمَّا الآن، أتساءل كيف سمحوا لأنفسهم بالدخول في هذه الورطة من الأساس. كيف أمكنهم النظر إلى وجه طفلتِهم البريئة النائمة في غرفة، ثم غلق الباب وتدخين الهيروين في الغرفة الأخرى؟

 

كان والدي أباً جيِّداً من عدّة جهات. كان يقرأ لي قصص "الأخوين جريم"، والأساطير اليونانية، ويهتم بكل قطعة فنية أصنعها، ويشجعني على التعبير عن أفكاري بصراحة ووضوح. لكنه -رغم ذلك- فشل فيما أظنه واجبه الأول، أن يفعل جميع ما في وسعه ليحفظ تواجده في حياتي. إنَّ أهمَّ مُتطلَّبات الأُبُوَّة هو تواجدكَ في حياة طفلِك. أمّا سائر الأشياء فمجرّد تنويعاتٍ على نوع هذا التواجد ودرجته؛ لكنَّكَ لن تكون والداً جيِّداً، أو حتّى والداً سيِّئاً، إذا لم تكن هناك أصلاً. لم يمُت أبي قدراً، هذا ما أدركتهُ بمرور الوقت؛ بل انتحر بالإهمال، مثلما يكذب البعض بعدم قول الحقيقة كاملة.

 

بطريقة ما، كان إطلاقِي العنان لغضبي من والدي سببا في تقليص سلطة هذا الغضب علي. إنَّ القصَّة التي نسمعها عادةً عن الأحبّاءِ المدمنين، تلك القصَّة الرقيقة التي يستحيل فيها الغضب غُفراناً، لا تعترف بطبيعة المشاعر المعقدة، إنَّها طبقاتٌ فوق طبقاتِ تواصل التبدُّلِ في حالتي. لا أعرف إذا كنتُ سأغفرُ لوالدي، أو متى سيكون هذا. لكن لا بأس. فالغضب لم يُقلِّل من حُبِّي له وتقديري لكل خِصالِهِ الرائعة؛ بل جعلهُ فقط أكثر واقعيّة. إنَّها صرخة، دعوني أراه بوضوحٍ حقيقي، ليس مجرَّدَ الأب المحبوب الذي فقدتُهُ في وقتٍ مُبَكِّرٍ جِدَّاً، بل الإنسان الخاطئ الذي يمكنني الآن ارتداء ملابس الحداد لفقدهِ بصورةٍ أكثرَ استيعاباً وصدقاً.

----------------------------------------------------------------------------------------------

المقال مترجم عن: الرابط التالي

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار