انضم إلينا
اغلاق
فلسفة التداوي.. كيف ينظر الطب التقليدي للإنسان؟

فلسفة التداوي.. كيف ينظر الطب التقليدي للإنسان؟

إحدى طرق العلاج بالإبر - المصدر: (Clínica Galileo Denia)

رنا عفيفي

محررة في قسم رواق
  • ض
  • ض
" الطب التقليدي-الحديث يرفض -وبكل ارتياح- القصص والحكايات التي تُروى، ولكني أتذكر قصة رائعة عن ستيفن هوكينغ عالم الفيزياء النظرية... ويبدو أن أحد الخريجين من طلبته بدأ لتوه يعتنق فكرة أن كل تلك الجزيئات -الأقل حجماً من الذرة- ليس لها وجود مادي بالمرة بالمعنى النيوتيني لكرة البلياردو، وأنها في الواقع ترتيبات عابرة للطاقة.. وعندما تاه في هذا الاتجاه سأل هوكينغ وما الذي يجعل الكون متماسكاً إذن؟ فتراجع هوكينغ في مقعده المتحرك وقال: الحكايات."

(الدكتور ويل تيلور)1


افتقار الإنسان الدائم للمعرفة هو ما يحدوه للبحث أكثر والتساؤل بشكل أعمق عن كل ما يعرض له من ظواهر، ولقد كانت النقلة الكبيرة في نظرة الطب للإنسان في أواخر القرن الثامن عشر؛ بتحوله من النظرة التكاملية إلى النظرة الميكانيكية التجزيئية التي دعت لاحقاً -في القرن التالي- إلى محاولة إيجاد فلسفة للطريقة الجديدة في التعامل مع الجسد، والبحث مرة أخرى في التعريفات التي تُبنى عليها القرارات.

 

 فكان أول نص منشور يتناول فلسفة الطب للطبيب والشاعر الأميركي إليشيا بارتلت في عام 1844م.2 وتفرعت التساؤلات في هذا المجال بمرور الزمن لتشمل العديد من المستويات، كالبحث على المستويين الميتافيزيقي والإبستمولوجي "المعرفي"، وكذا البحث على مستوى الأخلاقيات الطبية.

 

إليشيا بارتلت (مواقع التواصل)


وبالرغم من أن علما كالفيزياء مثلاً -وهو علم مؤثر في نظرة البشر وتعاملهم مع الحياة- قد تجاوز النظرة الجزئية واتجه لتفسيرات أكثر تركيباً وتعقيداً لوصف الحقائق؛ إلا أن الطب ما زال على مستواه الإجرائي محتفظاً بذات النظرة التجزيئية. وهنا يبرز سؤال عن موقع هذه الأسئلة من مماراسات التداوي الأخرى، أو لماذا ارتبطت هذه الأسئلة والبحث في فلسفة الطب تاريخياً بالطب في صورته الحديثة؟

 

كيف تنظر طرق التداوي الأخرى للإنسان؟
"المرض وحدة واحدة. فإنه مرض واحد لشخص واحد وفي وقت واحد. إنه يبدأ في مكان واحد -عادة في أضعف نقطة لدى الفرد- إلا أنه يظهر -أيضاً- في الكيان كله بأساليب متعددة.. ووظيفتنا هي البحث عن هذا المرض.. ووظيفة القوة الحيوية هي مساعدتنا على العثور عليه، وذلك بإنتاج علامات أو أعراض تبين لنا نمط المرض."3

 

هكذا بالتقريب تنظر طرق العلاج البديلة للجسم على أنه عبارة عن كيان مركب من الجسد والعواطف والعقل والروح، وهذه الأجزاء تتفاعل جميعاً في نسق ديناميكي نشط ومعقد. وتختلف تسمية هذا التفاعل وتعريفه باختلاف طريقة التداوي؛ ولكن تم التعارف على تسميته بالطاقة الحيوية. والمرض -حينها- يكون عبارة عن خلل في هذه التفاعلات، ويظهر على شكل أعراض متعددة الصور وفي أجزاء مختلفة من الجسد. والعلاج لا يكون علاجا جزئيا لكل عرض على حدة؛ ولكن يكون بعلاج الخلل الأصلي في طاقة الجسم الحيوية. لذلك فإن هذه الطرق لا تسأل -على سبيل المثال- سؤال الاختزال مقابل التكامل وغيره من الأسئلة التي تسألها فلسفة الطب الحديث. وسنعرض بشكل مختصر لبعض فلسفات طرق العلاج البديلة.

 

الهوميوباثي أو العلاج التجانسي:

تعتبر هذه الطريقة العلاجية الأحدث بالنسبة لطرق أخرى، كالطب الصيني والطب الهندي وغيرهما واللذيْن يرجع تاريخهما لآلاف السنين. ويعود تاريخ الهوميوباثي للطبيب الألماني صاموئيل هانمان والذي اكتشفه وبدأ في صياغة مبادئه بداية من العام 1796م4. ويدافع ممارسو الهوميوباثي عنه بأنه أقرب للطرق العلمية من طرق العلاج التقليدية؛ لأنه يملك قانونا يسير عليه وقاعدة تحكمه.

 


يتعامل الهوميوباثي مع الإنسان ككل متكامل لا تمكن تجزئته، فالإنسان عند الهوميوباثي هو خليط العقل والنفس والجسد. والمرض ما هو إلا خلل في توازن الإنسان الداخلي يجعله أكثر استعداداً بشكل فردي للإصابة بالمرض إذا تعرض لمسببه. ففي حين يركز الطب الحديث على العوامل الخارجية كمسببات للأمراض يجب محاربتها والتخلص منها كالبكتيريا على سبيل المثال؛ فإن الهوميوباثي يركز على الإنسان نفسه، ويحاول أن يقلل من استعداده للإصابة بالمرض لحمايته في المستقبل.

 

وحجتهم في ذلك بأن التعرض لمسبب المرض ليس شرطاً في المطلق للإصابة به؛ بل يختلف الحال من شخص لآخر. وفي ذلك يقول د. كينت وهو أحد الهوميوباثيين الأميركيين: "إن الفرد الذي يصاب بالمرض يكون لديه استعداد لهذا المرض وفقاً للحالة التي هو عليها ولدرجة ضعفه وقت الإصابة والعدوى. فإن مسبب المرض كان على مستوى مناسب لاستعداده في لحظة إصابته بالمرض."وفي حين يتعامل الطب الحديث مع كل مرض يصيب الإنسان على حدة؛ فإن الهوميوباثي يتعامل مع هذه الأمراض كأعراض جزئية لخلل أساسي وليس كأمراض مستقلة؛ بمعنى أنه إذا كان الشخص مصاباً بثلاثة أمراض في ذات الوقت؛ فإنها جميعاً عرض لخلل أساسي يجب علاجه.

 

ويتبع العلاج الهوميوباثي قانونا يسمى قانون المتشابهات، ويرجع هذا القانون في الأصل لأبقراط الطبيب والفيلسوف اليوناني. وينص هذا القانون على مبدأ: "دع الشبيه يشفي شبيهه"؛ حيث يحاول المعالج الهوميوباثي أن يعرف من المريض كل الأعراض التي يعاني منها على التوازي خلال فترة مرضه سواء كانت أعراضا جسدية أو نفسية أو تغيرات في بيئته المحيطة، وبناءً على تحليل هذه الأعراض يحدد المادة العلاجية المناسبة لحالة هذا المريض تحديداً. 6


وكمثال يبدو لنا طريفاً ولكنه حقيقي تقول مي وهي معالجة هوميوباثية مصرية: "البصل -مثلاً- معروف عنه تسببه في حرقان العين وإدماعها ورشح الأنف، فإذا أصيب شخص ما بالرمد الربيعي وأعراضه تتشابه كثيراً مع ما يسببه البصل؛ فإن الهوميوباثيين يستخلصون مادة من عائلة البصل تشفي أعراض الرمد."

 

الطب الصيني:


بنظرة مشابهة لنظرة الهوميوباثي؛ ينظر الطب الصيني التقليدي نظرة شمولية لجسد الإنسان7. ويتميز الجسد تبعاً لهذه النظرة بكونه وحدة عضوية واحدة، تتكامل فيها جوانب الجسم المختلفة المادية منها والنفسية والعقلية بشكل متناغم بهدف الحفاظ على طاقة الجسم الحيوية في أحسن صورها.

 

تركز الآلية العلاجية8 في الطب الصيني التقليدي على تقوية وتعزيز مقاومة الجسم البشري للأمراض ورفع احتمالية الوقاية من خلال تحسين الترابط بين أجزاء الجسم المختلفة والحرص على رفع الطاقة الحيوية. ولتحقيق هذه الغاية يستخدم نوعان من الأساليب العلاجية المختلفة؛ إما الأساليب العقلية-الروحانية -مثل كيغونغ-، أو الأساليب والطرق الطبيعية -كالوخز بالإبر، أو الكي، أو العلاج بالأعشاب-. وتتميز هذه الأساليب العلاجية بأنها ذات آثار جانبية أقل لأنها طبيعية تماماً. ويتم تقييم النتائج العلاجية من خلال مقارنة الأعراض قبل وبعد العلاج.

 

وتقوم آلية العلاج على التعرف على الأعراض وتمييزها؛ لتحديد مصدر الخلل في نظام التحكم الذاتي داخل الجسم. ويسعى العلاج الصيني للحفاظ على التناغم، سواء التناغم الداخلي لجسم الإنسان، أو التناغم بين الوجود الإنساني ومحيطه الاجتماعي، أو التناغم مع البيئة الطبيعية التي يعيش فيها.

 

وتعتمد طريقة العلاج على تنشيط النظام الداخلي لجسم الإنسان، وزيادة التواصل داخله بين أجزائه المختلفة، وكذلك رفع مقدرته الدفاعية ضد أي سبب يفسد تناغمه. ويختلف تعريف الحالة المرضية تبعاً للطب الصيني عنها في الطب الحديث؛ حيث يسمي الطب الحديث أي خلل على المستوى الوظيفي الجزئي مرضا يعالَج بالتأثير على نفس المستوى. أما الطب الصيني فيرى أنه إن كان الشخص يحيا بشكل جيد بلا أعراض تؤثر على جودة حياته؛ فإنه يعتبر شخصا صحيحا حتى لو كان يعاني من بعض أعراض الأمراض بتعريف الطب الحديث.

  

التدافع كسبيل للنجاة

إن أول نقد يقدمه الطب الحديث لكل فلسفات التداوي -مدافعاً به عن نفسه- هو أنها طرق غير مثبتة الفاعلية، ولا توجد دلائل على قدرة العلاجات التي تقدمها الطرق الأخرى على شفاء الأمراض؛ بحيث يمكن اعتبارها علوما قائمة بذاتها. فيقول مثلا عن الأدوية الهوميوباثية إنها أقرب للوهم منها للعلاج، وأن الوخز بالإبر الصينية هو مجرد تحفيز للنشاط العصبي ولطاقة الجسم ولا يمكن أبداً اعتباره علاجا نهائيا لأي مرض.


ويرد المتخصصون في طرق التداوي الأخرى بأن الطب الحديث لم يعد فقط نظريات علمية يمكن دفعها وإثبات قصورها؛ وإنما تحول لنظام راسخ ومسيطر ويأبى القائمون عليه مراجعة ما يقومون به لصالح الصحة البشرية. وقوام هذا النظام ليست النظريات فقط؛ وإنما المال والمصلحة والجمود الفكري؛ وإن بدا الطب كعلم دائم التطور.

 

ويبدو هذا القدر من التشكيك واللايقين مربكاً لنا نحن البشر؛ فأي السبل أفضل إذن، وأيها يجب علينا الوقوف خلفه؟! في الأغلب؛ ليس ثمة من سبيل واضح، ولا طريقة سهلة للاختيار؛ وإنما تشجيع هذا التدافع والبحث في محركاته واختبار نتائجه ربما يكون ذلك خيارنا الأمثل في الوقت الحالي. لعلنا بالبحث الصادق عن اليقين نصل إليه؛ وإن -فقط- في مجال الصحة.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار