انضم إلينا
اغلاق
"نقد الذات".. طوق نجاة أم حبل مشنقة؟

"نقد الذات".. طوق نجاة أم حبل مشنقة؟

محمد الجاويش

محرر منوعات
  • ض
  • ض

النقد الذاتي عبارة عن سلوك يشير فيه الفرد إلى عيوبه الشخصية. قد ينبع ذاك السلوك من الفشل الذي يُعدّ تجربة مؤلمة تهز دواخل الفرد وتهدد جوهره وطموحاته. هذا النقد الذاتي له جوانب عدة ومختلفة من الذات سواء كانت متعلقة بالمظهر البدني أو السمات الفكرية أو السلوك الشخصي، أو حتى الأفكار الداخلية والعواطف.(1)  ورغم أن النقد الذاتي يُعدّ سلوكا صحِّيا لزيادة الوعي بالذات وتحقيق النمو الشخصي عبر التعّلم من الأخطاء واكتشاف زوايا ضعف الذات ومحاولة التغلب عليها فإنه قد يكون حاجزا أمام تقدير الذات وراحة البال، إذ يمنع الشخص من الإيمان بقدراته الشخصية ويعيق حركته ويخوّفه من المخاطرة والتقدم بحياته إلى الأمام. 

 

جذور متأصلة: النقد الذاتي وتجارب الطفولة
تعود الجذور الأولية للنقد الذاتي -غالبا- إلى التجارب السلبية التي يمر بها الشخص في مراحل طفولته المبكرة مع الآباء والأمهات والأقارب وغيرهم. وقد تؤثر نزعة الاستبداد والسيطرة لدى الآباء على التصورات الذاتية لأطفالهم وشعورهم المنخفض بذواتهم، إذ يغدو الطفل أكثر عرضة للنمو مع مستويات مرتفعة من النقد الذاتي لنفسه وللآخرين عندما يشعر بالرفض ويتعرّض للانتقاد بصورة متكررة أو لا يُعامل بالدفء من قِبل والديه.(2)  العكس بالعكس كذلك، فيغدو الطفل أكثر عرضة لتطوير الثقة بالنفس والشعور بالأمان والاستقلالية في خياراته عندما يُمنح الاستقلالية والتشجيع من والديه، وتتاح له فرصة التجربة وارتكاب الأخطاء دون اللوم والانتقاد المستمر. 

 

يقول الباحث غولان شاهار أستاذ الصحة النفسية وعلم النفس التنموي، ومؤلف كتاب(3) "تآكل: علم نفس النقد الذاتي"Erosion: The Psychopathology of Self-Criticism" إن العلاقات الأسرية القاسية التي تعتمد على العقاب، والعوامل الوراثية هما السببان الرئيسان اللذان يدفعان الشخص إلى النظر في ذاته والبحث عن العيوب. يضيف شاهار قائلا إنه من الممكن أن يتضافر السببان معا لتشكيل سلوك النقد الذاتي. (4)

  

إن صدمات الطفولة مثل الإساءة العاطفية والإيذاء الجسدي أو الاعتداء الجنسي تدفع الطفل إلى الشعور بالعار الذي يُعدّ جوهر النقد الذاتي

بيكساباي
  

بينما تقول بيفرلي إنغل أخصائية العلاقات الأسرية والزواج في لوس أوسوس بولاية كاليفورنيا، ومؤلفة كتاب "لم يكن خطأك: حرر نفسك من عار اعتداءات الطفولة باستخدام قوة التعاطف الذاتي" (It Wasn't Your Fault: Freeing Yourself from the Shame of Childhood Abuse with the Power of Self-Compassion) الذي يطرح كيفية استخدام التعاطف الذاتي في التغلب على النقد الذاتي النابع من التّعرض لإساءة المعاملة في مرحلة الطفولة (5): إن المنشأ الأساسي للنقد الذاتي هو الآباء الحازمون، إذ يبدأ سلوك النقد الذاتي في النمو -عادة- داخل الأسرة عند وجود آباء وأمهات لديهم توقعات فائقة غير واقعية لأطفالهم. كما تُضيف إنغل موضحة أن صدمات الطفولة مثل الإساءة العاطفية والإيذاء الجسدي أو الاعتداء الجنسي تدفع الطفل إلى الشعور بالعار الذي يُعدّ جوهر النقد الذاتي. (6)

 

النقد الذاتي: بين النقد المقارن والنقد الداخلي
هناك نوعان من النقد الذاتي: النقد المقارن، والنقد الداخلي. ينطوي النقد الذاتي المقارن على مقارنة الشخص ذاته بذوات الآخرين وإيجاد ما تفتقده ذاته من خلال المقارنة، عادة ما يميل الشخص الذي ينتقد ذاته انتقادا مقارنا إلى تقدير ثقته بنفسه بناء على تخيّله للطريقة التي ينظر بها الآخرون إليه، فعند اعتقاده بأن بعض الأشخاص ينظرون إليه بطريقة سلبية تتكيف ذاته لتعكس هذا التصور.(7)

  

من الناحية الأخرى ينطوي النقد الذاتي الداخلي على شعور الشخص الدائم بالنقصان، إذ يرى أن ذاته لا ترقى إلى المعايير الشخصية والمُثل العليا، وينظر دائما إلى أي نجاح يحققه -طالما لم يصل إلى حد الكمال-  على أنه مجرد فشل جديد لا يرقى إلى النجاح. على سبيل المثال: يشعر الطالب الذي يعاني من النقد الذاتي الداخلي بالفشل عند حصوله على ثاني أعلى درجة في اختبار ما، فأي شيء لم يصل فيه إلى الكمال ما هو إلا مجرد فشل وفقا لمعاييره. (8)

  

 

يقول الباحث غولان شاهار إن النقد الذاتي عبارة عن ميل الشخص إلى وضع معايير ذاتية عالية غير واقعية، ثم يقوم باتخاذ مواقف عقابية حادة ومهينة نحو الذات عند عدم قدرتها على الوفاء بتلك المعايير. يضيف شاهار قائلا إن النقد الذاتي سمة ثبت أنها تؤدي إلى العديد من الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل وأعراض الاضطراب ثنائي القطب. (9) يستكمل شاهار حديثه مؤكدا أن الصراعات النفسية قد تظهر على هيئة مشكلات جسدية مثل التعب المزمن والألم، فيصبح نقد الذات في نهاية المطاف ذا مآلات ضارة على الصحة النفسية والبدنية على حد سواء. 

 

آثار النقد الذاتي على الصحة النفسية
رغم أن النقد الذاتي يُعدّ جزءا طبيعيا من الحياة فإن النقد الذاتي المُفرط في صورته المزمنة يسبب العديد من الأمراض المتعلقة بالصحة العقلية، مثل اضطرابات القلق والاكتئاب، بالإضافة إلى اضطرابات الأكل واضطراب العلاقات الشخصية. للوقوف على إشكاليات العلاقة بين النقد الذاتي وارتباطه باضطرابات القلق أجرى الباحثون بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو وجامعة مانيتوبا في كندا دراسة بحثية على ما يقرب من 6 آلاف مشارك من المسح الوطني للمراضة المشتركة في الولايات المتحدة الأميركية.

 

أوضحت نتائج الدراسة التي نُشرت في 15 (أكتوبر/تشرين الأول) عام 2004 أن النقد الذاتي يرتبط ارتباطا وثيقا بالرهاب الاجتماعي، فالأشخاص الذين يعانون من الرهاب الاجتماعي يتملّكهم الخوف من التقييم السلبي، وهو ما يؤكد أن النقد الذاتي يُعدّ عملية نفسية جوهرية في تطوير الرهاب الاجتماعي والسيطرة عليه. (10) في حين كشفت نتائج دراسة سابقة أن درجات النقد الذاتي كانت أعلى لدى الأشخاص الذين يعانون من القلق واضطرابات الهلع، مما يؤكد أن النقد الذاتي يرتبط باضطرابات القلق جنبا إلى جنب مع الرهاب الاجتماعي. (11)

  

أوضحت دراسات أن النقد الذاتي يرتبط بتقييم الشخص الزائد لشكل ووزن الجسم، كما يرتبط أيضا بعدم الرضا عن صورة الجسم

أن سبلاش
  

كشفت العديد من الدراسات البحثية -أيضا- أن النقد الذاتي يتنبأ بالاكتئاب، إذ أوضحت نتائج الدراسة البحثية التي تمت في قسم علم النفس بكلية الطب في جامعة هارفارد ونشرت في (فبراير/شباط) عام 2002 أن الشعور بانعدام قيمة الذات النابع من النقد الذاتي يعتبر ثاني أكثر عرض مبكر -بعد اضطرابات النوم- ينبئ بالإصابة بالاكتئاب. (12) كما أوضحت الدراسة البحثية التي تمت في قسم علم النفس بجامعة وندسور في كندا ونُشرت في عام 2003 أن النقد الذاتي الداخلي الذي ينتقد فيه الشخص ذاته سعيا إلى الكمال يرتبط بشكل كبير مع الأفكار الانتحارية ومحاولات الانتحار. (13)

 

يوجد ارتباط وثيق -كذلك- بين النقد الذاتي واضطرابات الأكل، إذ أوضحت الدراسة البحثية التي أجراها الباحثون في قسم علم النفس بمعهد الطب النفسي المجتمعي والأسري في المستشفى اليهودي العام بمدينة مونتريال في كندا على المرضى الذين يعانون من اضطرابات الأكل ونشرت في (يناير/كانون الثاني) عام 2007 أن النقد الذاتي يرتبط بتقييم الشخص الزائد لشكل ووزن الجسم، كما يرتبط -أيضا- بعدم الرضا عن صورة الجسم. (14) بينما كشفت العديد من الدراسات الأخرى أن الشعور بالعار -الذي يُعدّ جوهر النقد الذاتي- يرتبط ارتباطًا جوهريًا مع اضطرابات الأكل الأكثر حدة. (15)

 

أظهرت العديد من الدراسات البحثية أن النقد الذاتي يُعدّ عاملا نفسيا سلبي التأثير على العلاقات الشخصية، كشفت الدراسة البحثية التي قام بها الباحثون في قسم علم النفس بجامعة ماكغيل الكندية بالتشارك مع أحد الباحثين في كلية الطب بجامعة هارفارد، ونشرت في (أغسطس/آب) عام 1994 أن النقد الذاتي في سن الثانية عشرة يؤدي بالأطفال إلى العزلة وقلة الانخراط في الأنشطة المدرسية.(16) في حين كشفت دراسة ثانية أن النقد الذاتي يرتبط بالوحدة والاكتئاب وعدم وجود علاقة قوية مع الشركاء من الجنس الآخر أثناء الانتقال إلى الجامعة، بينما أوضحت دراسة أخرى أن الانتقاد الذاتي يرتبط بعدم الرضا الزوجي والإصابة بحلقات الاكتئاب.(17)

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار