انضم إلينا
اغلاق
صحافة النمط الطويل.. هل ترسم مستقبل الإعلام القادم؟

صحافة النمط الطويل.. هل ترسم مستقبل الإعلام القادم؟

فرح عصام

مترجمة
  • ض
  • ض

في 2013، اتخذت شبكة بازفيد (Buzzfeed) الأميركية قرارا تحريريا مهما. كانت الشبكة تعلن أنها ستؤسس منصة تضفي طابعا من الجدية على موقع يشتهر بتوفير القوائم والأخبار المسلية. هذه الخطوة تطلبت، مع ذلك، شخصية من خارج الطاقم المعتاد، شخصا لا يفكّر بطريقة بازفيد، وإنما كمحرر صحفي في مجلة. أي شخص يفكر كصحفي جاد كان ليفي بالغرض.

  

وقع الاختيار على ستيف كيندل، محرر في مجلّة سبين (Spin)، وأوكلت إليه مهمة الإشراف على العملية برمّتها. كانت بازفيد تُريد الانتقال إلى نوع من الصحافة كان لا يُكتب إلا في المجلَّات: صحافة النمط الطويل. في ذات العام، انضمَّت إليها صحيفة بوليتيكو (1)، ثمَّ تبعتها الجارديان ونيويورك تايمز. وسُرعان ما أصبحت قائمة أروع مئة عمل في الصحافة تعني أنهم يقصدون 100 مقال من فئة النمط الطويل.

   

لكن في عالم اليوم، حيث لا تتعدى قدرة البشر على التركيز قدرة سمكة ذهبية (2)، ألا يبدو قرار هذه الصحف الكبرى أشبه بمغامرة محفوفة بالمخاطر؟ بالأخص عندما نسمع من لويس ديفوركين، رئيس تحرير صحيفة لوس أنجلوس تايمز، أن جدلا احتدم في ندوة بعنوان "مستقبل المحتوى" حول مدى ملاءمة النمط الطويل، وهو نسق ينتمي للمجلات المطبوعة، لبيئة المنصات الرقمية؟ هل سيتمكَّن رواد تويتر، الذين يُنهون قراءة تغريدة بشق الأنفس، من قراءة مقالات تتجاوز الألفي كلمة، وقد تصل إلى 10 آلاف؟

      

   

في الأعوام الثلاثة الأخيرة فحسب، سجل النمط الطويل عودة، سواء من خلال مزيّة المقالات الفورية لفيسبوك، أو من خلال خاصية "استكشف" لدى سنابشات. لكن الأمر لم يكن مقتصرا على شبكات تواصل اجتماعي تريد مدة بقاء أطول من مستخدميها، انتقل الأمر إلى مواقع الصحف الإلكترونية. الجميع كان يريد من المستخدمين شيئا واحدا: المكوث مدة أطول.

  

والنمط الطويل هو شكل من أشكال الكتابة الصحفية يتوخى العمق وإشباع القارئ. في العادة، لا يتجاوز المقال 700-800 كلمة يتم فيها العمل بقوة على خاصية تحسين محركات البحث "SEO"، أما في حالة النمط الطويل، فهي تتراوح ما بين 1200-1800 في حدها الأدنى (3). يتّسم هذا الأسلوب بالعُمق، واللغة السردية، والمنظور الجديد لقضية ما، سواء كانت تجري في الوقت الحقيقي (Real-Time)، أو تناول قضية يعتقد الجميع أنها قد انتهت من منظور مختلف.

 

على مدار العام الفائت، رصدت شركة تحليلات الويب "ChartBeat"، التي تراقب أكثر من 50.000 موقع إلكتروني نقلة سريعة لدى الصحف الكبرى بالاتجاه إلى هذا النمط. ويقول أندرو مونتالينتي مدير شركة تحليلات الويب الأخرى "بارسلي دوت كوم" إن ميزة النمط الطويل هو أنه يُساعد مواقع الويب على تمكين حضور علامتها التجارية في الفضاء الإلكتروني، ويضيف: "إننا نرى النمط الطويل من الكتابة يحوِّل القارئ العابر إلى قارئ مُخلص" (4). أي إنَّ القارئ سيعود إلى موقعك مرارا لقراءة هذا النوع من المقالات لأنه يعرف أنك ستوفّر له تجربة قراءة غنية.

    

  

في عام 2014، قرر جوناثان شاينين، محرر أول في صحيفة الجارديان، إطلاق منصة "The Long Read"، وكبداية، وضعت الصحيفة هدفا وهو إنتاج ثلاث مقالات أسبوعيا، لا يقلّ طول الواحد منها عن 5000 كلمة. ويقول: "إن القراء يميلون إلى مشاركة القطع الصحفية المعمّقة التي تقصّ حكاية لا يمكن أن تقصّها منصة أخرى"، و"صحيفة الجارديان ملتزمة بقوة تجاه هذا النمط" (5).

  

بعد مرور أربعة أعوام على تجربة النمط الطويل وإنتاج 500 تقرير يتجاوز طولها 5000 كلمة، قررت الصحيفة اللندنية إطلاع قرائها على الطريقة التي تطهو فيها هذا النوع من التقارير، ويقول:

"إن الكتابة والتحرير عملية قد تستغرق أكثر من شهر واحد. وفي حال كان الأمر يستحق العناء، فالقطعة قد تتطلب منَّا العمل لخمسة أو ستة أشهر، للخروج بشيء يستحق وقت القارئ. وعند أي لحظة ممكنة، يكون بين أيدينا 25 قطعة يجري العمل عليها تحريريا، و50 قطعة يتم الإبلاغ عنها وكتابتها لأول مرة. أحيانا قد يستغرق الأمر منا ما يستغرقه إعداد برنامج وثائقي أو برنامج تلفزيوني لدى مكتب الأخبار.

  

يبدأ العمل على النمط الطويل في العادة بعد سلسلة من الاجتماعات، نستهلّها باقتراح الأفكار (Pitching). في الأسبوع الواحد تصلنا 50 فكرة من كافة الصحفيين حول العالم، فضلا عن زملائنا في الشبكة أو أي صحفي كان يعمل لدينا سابقا. في ختام الأسبوع أجلس مع اثنين من محرري النمط الطويل لدينا، كلير لونغ ريغ ودافيد وولف، ونستعرض الأفكار التي يمكن لنا أن نقوم بإيكال مهمة كتابتها إلى محررينا المعتادين.

      

   

ونطرح أسئلة من قبيل لماذا علينا العمل على هذه الفكرة دون أخرى؟ قد يكون من الصعب فصل الأفكار الرائعة عن البقية، لكن من الممكن الإجابة عن هذا السؤال بالقول إن الفكرة الرائعة تُثير حماسة ثلاثتنا على الفور. أحيانا لأنها مفاجئة وصادمة وفضائحية، وأحيانا لأن هذه القطعة تجعلك تعيد النظر في أمور سلّمت بها طويلا، وأحيانا يخبرنا المحررون حكايا عن الأفكار أنفسها، وكيف تُعيد تشكيل العالم، من قبيل العولمة.. وهلم جرا.

 

وبالطبع فالأفكار ليست سوى البداية، فالخطوة التالية هي اجتماع آخر، أو مكالمة هاتفية نحكي فيها كيف سنقوم بقصّ الحكاية، أو ما الذي سيحدث حقا داخل التقرير؟ لديك 5000 كلمة: ما الذي سنقوله في القسم الأول؟ ماذا يحدث في المنتصف، وكيف ينتهي؟ هل يتعلق الأمر بشخصية واحدة رئيسية، هل سنضيف مشاهد معينة؟ هل سيتعلق الأمر بفكرة واحدة كبرى؟ هل الزمن فيها تصاعدي أم أنها تنطلق من الحاضر رجوعا إلى الماضي؟

 

في العادة فإننا نطلب من المراسلين إرسال ملخّصات يتخيلون فيها خط سير التقرير. لاحقا نطلب منهم إرسال ملخص تفصيلي أكبر لكي نرى كيف سنحوّل الفكرة إلى مسودة أولى، ثم نعقد اجتماعا، ونكتب مسودة ثانية إلى حين الوصول إلى نسخة تضمن للقارئ تجربة ممتعة، إن فهمتني.

ثم يكون لديك مقال تقرأه على هاتفك المحمول في الحافلة أو القطار أو أثناء جلوسك لاستراحة ما.

في البداية قُوبلنا بالكثير من التشكيك. هل سيحب قراء العصر الرقمي قضاء الوقت في قراءة مادة معمقة أو شيء غير متوقع (غير رائج)؟ لكن بعد مرور ثلاث سنوات على التجربة، يسعنا القول إن القراء يحبون بالفعل قراءة واستماع (لدى الجارديان خدمة بودكاست مخصصة للنمط الطويل فقط) هذا النوع من الأعمال". (6)

  

لكن لماذا علينا الكتابة باستخدام النمط الطويل؟

1-    النمط الطويل ينال قسطا أكبر من المشاركات:

   

لقد وجدت دراسة أجرتها إحدى شركات تحليلات الويب أن المقالات ذات طول 3000-10.000 كلمة حصلت على أعلى معدّل مشاركات ممكن عند 8859 مشاركة.  

  

2-    ظهور أعلى في نتائج محركات البحث:

في 2012، أجرت شركة "SERPIQ" الأميركية لتحليلات الويب دراسة لمعرفة أي أشكال المحتوى تتلقى ظهورا أوسع وفق معايير تحسين محركات البحث "SEO" باستخدام 20.000 كلمة مفتاحية. ووجدت الدراسة أنّ المقالات العشر الأوائل كانت تلك التي اجتازت كلماتها حاجز الألفي كلمة للمقال الواحد.

    

    

3- وسائل التواصل الاجتماعي تحب هذا النوع من المحتوى:

لطالما أثبت المحتوى الطويل صموده عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فهو يتمتع بوتيرة تحويل عالية "Conversion Rate". لإثبات ذلك، قام محلل تحسين محركات البحث البريطاني نيل باتيل بإجراء الدراسة التالية، على موقعه الشخصي، وهو موقع يقوم بتوفير خدمات لتسويق المحتوى عبر الإنترنت، ووجد التالي:

  

من 327 منشورا، تلقت المنشورات التي تقع تحت حاجز 1500 كلمة ما معدله 174 تغريدة و59 إعجابا على فيسبوك. في حين تلقت المنشورات التي تخطت حاجز 1500 كلمة 293 تغريدة و75 إعجابا على فيسبوك. وفي دراسة أخرى أجرتها شركة نيوزويب، لاحظت الشركة أن مقالا حول أهمية القراءة تخطى حاجز 3500 كلمة، حظي 220.000 مشاركة. (7)

     

    

ولا أدل على ذلك من قطعة نيويورك تايمز الشهيرة "هطول الثلج"، والتي تعتبر عملا صحفيا مرجعيا في هذا النوع من الكتابات، منذ عام 2012. فقد حصلت القطعة، والتي اعتبرت مقامرة ضخمة للصحيفة آنذاك، على إشادة النقّاد من كافة الصحف، وامتازت باستدخال عناصر بصرية بيئية على النصّ تحث القارئ على متابعة النصّ نظرا لطوله.

   

هل هناك كلمة سرّ أخرى؟

في دراسة أجراها مركز بيو الأميركي للأبحاث، اتضح أنّ 75% من مستخدمي الأجهزة اللوحية هم مستهلكون يوميون لهذا النمط من المقالات. لهذا السبب تحديدا شهد هذا النمط عودة بالتزامن مع الفترة التي أصبحت فيها هذه الأجهزة بأسعار في متناول الجميع تقريبا. وجدت الدراسة نفسها أيضا أن 60% من مستخدمي هذه الأجهزة اللوحية يُنهون قراءة مقال أو اثنين من النمط نفسه في الجلسة الواحدة، في حين يقرأ 19% منهم 4 مقالات أو أكثر. (8)

   

لكن الأمر ليس حكرا على الأجهزة اللوحية، فالأحجام المتنامية لأجهزة الهاتف المحمول أيضا تدفع مستخدميها للإقبال على هذا النمط، كما وجد مركز بيو في دراسة أخرى أجراها على 30 موقعا إلكترونيا. من بين 117 مليون مقال تمت قراءتها عبر الهواتف المحمولة وجدت الدراسة أن القراء قضوا ما معدله 123 ثانية على مقالات القطع الطويل مقابل 57 ثانية على مقالات القطع القصير (تلك الأقل من 1000 كلمة).

      

أضف على ذلك، فإن الدراسة عندما قامت بتقسيم عدد الكلمات بطريقة أكثر تفصيلا، خرجت بالمزيد من النتائج:

   

هناك علاقة طردية بين ارتفاع عدد الكلمات وارتفاع دقائق التفاعل داخل المقال لدى مستخدمي الهواتف المحمولة (من 43 ثانية على مقالات 300 كلمة إلى 4.5 دقائق على المقالات التي قد تصل إلى 5000 كلمة). بكلمات أخرى، يقضي الزوار ثلاثة أضعاف وقت المقالات القصيرة على مقالات تتراوح ما بين 1000-5000 كلمة.

   

الاستنتاج الآخر الذي خرجت به هذه الدراسة هو أنه رغم وجود المحتوى القصير بشكل أكبر على المواقع من المحتوى الطويل، إلا أن مستخدمي الهواتف المحمولة يقرأون تقارير النمط الطويل بنفس وتيرة المقالات القصيرة.

     

لكي نوضح أكثر إليكم الأرقام

     

في هذه الدراسة لدينا 75.000 مقالا، تمثل مقالات القطع القصير ما نسبته 76% بالمائة منها، عند 57.000 مقالا تقريبا، وجلبت (89.5) مليون تفاعل كامل Complete interactions. وتمثل مقالات النمط الطويل ما نسبته 24% عند 18.000 مقال تقريبا، بتفاعل كامل وصل إلى 27.6 مليون.

 

ما يعنيه هذا الأمر، هو أنه برغم وجود عدد أقل من مقالات القطع الطويل، إلا أننا عند حساب إجمالي التفاعلات والدقائق نجد أنها مكافئة تقريبا لإجمالي الدقائق التي قضاها الناس في التفاعل على 57.000 مقال من القطع القصير!

  

   

صحافة النمط الطويل تؤدي بشكل أفضل بفضل الأجهزة اللوحية، والوقت الذي يقضيه الناس بمفردهم اليوم مسمّرين أمام الأجهزة الذكية. هي تؤدي بشكل أفضل من ناحية تحريرية أيضا، فهي أشبه ببحث علمي تمت كتابته باستخدام تقنيات السرد. وتؤدي بشكل أفضل لأنها تعني مدة بقاء أطول داخل الموقع، كما أنها شهية في محرّكات البحث. في عالم يبني فيه الناس وجودهم في وسائل التواصل الاجتماعي على الأفكار الجديدة والمنظورات غير المألوفة للأحداث، دون الحاجة إلى الغوص في كتاب، تبدو صحافة النمط الطويل وكأنها كتاب الأجيال القادمة.

 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار