انضم إلينا
اغلاق
كيف يمكن لمجرم أن يقتلك رغم استيعابه لحجم ألمك؟

كيف يمكن لمجرم أن يقتلك رغم استيعابه لحجم ألمك؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
مقدمة الترجمة

ما الذي يدفع أشخاصا إلى ارتكاب جريمة ما، وهل يؤثر العقل فقط على السلوكيات الإجرامية لدى البشر، أم أن العوامل البيئية تتدخل هي الأخرى في مثل هذه المسألة؟ كان تشيزري لومبروزو رائدا في تفسير السلوكيات الإجرامية في كتابه "نظرية الرجل المجرم"، لكن كثيرا من الانتقادات طالت عمله الرائد. ومع تطور علم النفس والتجارب المرتبطة به لتفسير السلوكيات النفسية ليس فقط للمجرمين، بل لجميع المرضى النفسيين، حتى من لم يرتكب جرائم منهم، نشرف على استيعاب الطريقة التي ربما يفكر بها المجرمون. يصحبنا إد يونغ، المتخصص في تغطية الموضوعات العلمية بمجلة ذا أتلانتيك، في مقاله حول آراء بعض الباحثين المتعلقة بنظرة المرضى النفسيين إلى العالم واختلافهم عن الأشخاص الطبيعيين. فهل تبلغ هذه الاختلافات مدى شديد التطرف بدرجة تجعل نظرية لومبروزو أقرب إلى التحقق، أم إن الاختلافات طفيفة وغير جوهرية ويمكن معالجتها عن طريق الأخصائيين؟

 

نص التقرير

يندر وجود شخص يبذل جهدا لقضاء وقت مع المرضى النفسيين السيكوباتيين، والأندر منه شخص يهاتف إدارة أحد السجون مرارا وتكرارا من أجل القيام بهذه المهمة. ولكن بعد أكثر من عام من المقابلات والمفاوضات لإتمام هذا الأمر، نجحت أريال باسكن سامرز من جامعة ييل أخيرا في إقناع إدارة سجن شديد الحراسة في ولاية كونيتيكت للسماح لها بالعمل مع نزلاء السجن، ولدراسة الأشخاص ذوي الميول السيكوباتية.

 

يعاني المرضى النفسيون السيكوباتيون بحكم التعريف من مشكلات في استيعاب عواطف الآخرين، وهو ما يفسر جزء منه السبب الذي يجعلهم شديدي الأنانية، والسبب الذي يجعلهم يتجاهلون بكل قسوة سعادة الآخرين، وهو السبب الذي يجعلهم أيضا يرتكبون جرائم العنف بمعدلات تزيد ثلاثة أضعاف عن الآخرين.

 

لكن المثير للفضول أنهم لا يجدون صعوبة في استيعاب ما الذي يفكر فيه الآخرون، أو ما الذي يريدونه، أو ما الذي يعتقدونه، وهي المهارة التي تُعرف على نطاق واسع بـ "تبني وجهة النظر"، أو "التعقيل"، أو "نظرية العقل". تقول باسكن سامرز: "يشير سلوكهم على ما يبدو إلى أنهم لا يضعون في اعتبارهم ما يفكر فيه الآخرون". لكنّ أداءهم الذي يُظهرونه في التجارب يُظهر عكس ذلك، فعندما يستمعون إلى قصة ما ويُطرح عليهم تساؤل للتصريح بما تفكر به الشخصية التي تُروى عنها القصة، فإنهم يتمكنون من ذلك.

  

يرتكب المرضى النفسيون السيكوباتيون جرائم العنف بمعدلات تزيد ثلاثة أضعاف عن الآخرين

مواقع التواصل 
  

يبدو هذا منطقيا في ظاهر الأمر، فلدينا أشخاص قادرون على استيعاب ما يفكر فيه ضحاياهم، ولكنهم لا يكترثون وحسب، ومن ثم لا تكترث أفعالهم. غير أن باسكن سامرز توصلت إلى أن هناك أشياء تدور بعقولهم أكثر مما يبدو للعيان.

 

يستخدم أغلبنا عقله وذهنه بصورة أوتوماتيكية، وتتسرب عقول الآخرين إلى عقولنا منذ الطفولة. يحدث الشيء نفسه على ما يبدو ولكن بدرجة أضعف مع هؤلاء المرضى النفسيين. أوضحت باسكن سامرز وزميلاتها ليندسي درايتون ولوري سانتوس، من خلال دراسة نزلاء سجن كونيتكيت، أن هؤلاء الأشخاص قادرون على تعمد تبني وجهة نظر شخص آخر، لكنهم في المعتاد لا يفعلون ذلك بصورة أوتوماتيكية بالدرجة نفسها التي يفعلها بها الآخرون. تقول باسكن سامرز: "إنها المرة الأولى التي نشهد فيها دليلا على أن هؤلاء المرضى النفسيين لا يملكون هذه القدرة الأوتوماتيكية التي يمتلكها أغلبنا".

 

بدأت الباحثة في دراسة المرضى النفسيين السيكوباتيين قبل ما يقارب عشر سنوات، "قبل أن يشيع استخدام مصطلح "سيكوباتي" في كل العروض التلفزيونية"، حسبما تقول. إذ توضح: "لقد أصبحت منبهرة بمدى التعقيد الذي تبلغه عقولهم. فنادرا ما يُبدون قصورا كاملا في الأشياء. ويوجد فارق دقيق مثير للاهتمام، فأحيانا يبدو أنهم يظهرون إدراكا جيدا، وأحيانا لا يبدون كذلك. كما أنهم أحيانا يُظهرون اتباعهم لنظرية العقل، وأحيانا أخرى لا يُظهرونها. وتلك معضلة مثيرة للاهتمام".

  

 

لا يقيّم نظام السجون في الولايات المتحدة درجة المرض النفسي لدى السجناء عند الدخول، لذا نظمت باسكن سامرز اختبارا معياريا بنفسها لـ 106 أشخاص من النزلاء الذكور في سجن كونيتيكت. وثبت أن 22 منهم مرضى نفسيون، فيما لم يكن 28 مرضى نفسيين، أما البقية فقد وقعوا في المنطقة الرمادية. أجرت الباحثة جميع المقابلات داخل مختبر نفسي مؤقت داخل السجن نفسه، وكان المختبر عبارة عن غرفة بها طاولة، ومكتب حاسوب، ولا يحتوي على أي عوائق بين المتطوعين والباحثين.

 

قالت باسكن سامرز: "يوجد أمن، ولكنه في الخارج لأن ما نفعله شيء سرّي. إننا نمارس عديدا من التمرينات ونجلس دائما بالقرب من الباب. ولكننا لم نشهد على الإطلاق أي حادث، أو حالة اقتراب. كانت هذه المرة الأولى للعديد من النزلاء التي يأتي فيها شخص ويطلب منهم الحديث عن حياتهم". وتضيف إن المرضى النفسيين أثبتوا أنهم "غليظون، ونرجسيون، ومخادعون. بإمكانهم أن يكونوا عدوانيين، ويحبون الحديث عن تفاصيل بشعة تتعلق بالجرائم، وأعتقد أنهم يفعلون ذلك كي يصدمونا. لكن الأمر لا يكون هكذا في كل الأوقات، إذ إنهم يفعلون كثيرا من الأشياء المتعلقة بإدارة الانطباع".

 

وبعد تقييم 106 متطوعين، أعطتهم مهمة تعتمد على الحاسوب. رأى المتطوعون صورة افتراضية مجسدة لإنسان يرتدي ملابس السجن ويقف في غرفة ووجهه إما إلى اليسار أو إلى اليمين. وكان هناك إما نقطتان حمراوان في الجدار المواجه لهذا المجسد، أو نقطة حمراء واحدة أمامه ونقطة أخرى خلفه. كانت وظيفتهم أن يحددوا عدد النقاط التي يمكنهم رؤيتها أو التي يمكن للصورة الافتراضية رؤيتها.

  

 

يستطيع الناس في المعتاد معرفة عدد النقاط التي يراها المجسد، إلا أنهم يكونون أبطأ في الاستيعاب عندما تكون النقاط خلف المجسد. يعود السبب في ذلك إلى أن ما يرونه (النقطتين) يتداخل مع قدرتهم على الرؤية من خلال عين المجسد (نقطة واحدة)، ويسمى هذا "التداخل المتمركز حول الذات". لكنهم يكونون أبطأ أيضا في تحديد عدد النقاط التي يمكنهم رؤيتها إذا كان ذلك العدد يختلف عن عدد النقاط التي يراها المجسد. يوضح هذا الاختبار مدى استعدادية البشر لتبنيّ نظرة الغير، يتأثر المتطوعون تأثرا أوتوماتيكيا بنظرة المجسد، حتى إذا أثر ذلك سلبا على أدائهم، ويسمى هذا "التداخل المتمركز حول الغير".

 

وجدت باسكن سامرز أن المرضى النفسيين من النزلاء أظهروا المستوى الاعتيادي من التداخل المتمركز حول الذات، أي إن نظرتهم الشخصية كانت تفرض نفسها على نظرة المجسد. لكنهم أظهروا تداخلا متمركزا حول الغير أقل بكثير من النزلاء الآخرين، أي لم تكن نظرة المجسد تعبث مع نظرتهم مثلما يحدث مع أغلب الأشخاص.

 

من المؤكد أن جميع المرضى النفسيين ليسوا سواء، وأنهم يختلفون اختلافا كبيرا في سلوكياتهم. لكن باسكن سامرز وجدت أيضا أنه كلما زادت درجاتهم في اختبار تقييم المرض النفسي، قلَّ تأثرهم بما رأى المجسد. وكلما قل تأثرهم، زاد عدد تهم الاعتداء في سجلاتهم.

قد يكون المرضى النفسيون مخادعين، ولكن من غير المرجح أنهم كانوا يتعمدون التلاعب بالمهمة المطلوبة منهم لإخراج نتائج مثيرة للاهتمام. تقول باسكن سامرز: "إن المهمة سريعة جدا، ولا نرى اختلافات في الدقة بينهم وبين الآخرين الأقل منهم في درجات المرض النفسي".

  

من المؤكد أن جميع المرضى النفسيين ليسوا سواء، وأنهم يختلفون اختلافا كبيرا في سلوكياتهم  (مواقع التواصل )

 

توضح النتائج لها أن "المرضى النفسيين (أو على الأقل الذكور منهم) لا يتبنون وجهة نظر الآخرين بصورة أوتوماتيكية. فما يكون لا إراديا لأغلب الأشخاص يكون خيارا عمديا بالنسبة لهم، وهو شيء يستطيعون تفعيله إذا كان سيساعدهم في تحقيق أهدافهم، ويتجاهلونه في مواقف أخرى. ويساعد ذلك في تفسير السبب في سلوكياتهم القاسية والوحشية، بل والعنيفة.

 

بيد أن أوتا فريث، أستاذة علم النفس في كلية لندن الجامعية، تلفت النظر إلى أن هناك بعض الجدل الدائر حول تجربة المجسد التي استُخدمت في دراسات أخرى، إذ تقول: "ما الذي تقيسه (التجربة) حقا؟" فمن الممكن أن يكون المجسد يتصرف بطريقة أقل شبها بتصرفات البشر وأقرب إلى التوجيهات، أي إنه مجرد إشارة بصرية توجه الانتباه نحو مكان محدد. ولعل التجربة تقيس كيفية تغيير البشر لانتباههم بطريقة عفوية، بدلا من قياسها لتبنّي وجهة النظر.

 

وتجادل باسكن سامرز بأن التجربة تتعلق بالانتباه وتبني وجهة النظر، وهو "شيء جيد للأبحاث المتعلقة بالمرض النفسي". ويعود السبب في ذلك، حسبما أظهرت هي وآخرون، إلى أن المرضى النفسيين يولّون في المعتاد اهتماما وثيقا للأشياء التي تكون ذات صلة بهدفهم، لكنهم يتجاهلون إلى حد كبير المعلومات الهامشية. تقول باسكن سامرز: "كما لو أنهم الأسوأ في أداء المهام المتعددة. الجميع سيئ في أداء المهام المتعددة، لكنهم سيئون حقا". لذا يمكن أن يكون افتقارهم إلى التبنّي الأوتوماتيكي لوجهة النظر الأخرى مجرد مظهر لهذا الاختلاف الانتباهي، وكلا الأمرين متصلان.

 

تُظهر مجموعات أخرى من البشر اختلافات لديهم في نظرية العقل، فمثلا طلبت فريث في دراسة أخرى من الأشخاص أن يتنبأوا بالمكان الذي قد تبحث فيه فتاة عن بلية (كرة زجاجية) تحركت دون معرفتها. علم المشاهدون مكان البلية، فهل يستطيعون تجاوز معرفتهم السابقة كي يضعوا أنفسهم مكان الفتاة؟ كشف تطبيق لتتبع العين عن أن البالغين الطبيعيين من الناحية العصبية ينظرون إلى نفس المكان الذي قد تبحث فيه الفتاة، لكن الأشخاص الذين يعانون من متلازمة أسبرجر تقل احتمالية قيامهم بنفس ما يقوم به الآخرون، إذ لا يتوقع هؤلاء على ما يبدو بطريقة عفوية أفعال الآخرين. تقول فريث: "من المقلق قليلا إذا كُن (باسكن سامرز وزملاؤها) يقترحن، بهدف تفسير القسوة لدى المرضى النفسيين، نفس الآلية الكامنة التي استخدمناها في الماضي لتفسير مشاكل التواصل مع التوحد، وإن كانت معتمدة على اختبار مختلف، إذ إنها في النهاية حالات مختلفة جدا".

  

 

ولكن توجد اختلافات دقيقة ومهمة بين الدراستين، حسبما تقول باسكن سامرز. فلم تنظر تجربة فريث إلى ما إذا كانت نظرة الشخص الآخر تؤثر على نظرة العينة محل الدراسة، وذلك هو الفارق مع المرضى النفسيين، إذ يستطيع هؤلاء تبنّي وجهات نظر الأشخاص الآخرين، لكن هذه الوجهات لا تصطدم بصورة أوتوماتيكية مع نظرتهم. وتقول: "ليس هذا النموذج التقليدي الذي يُعرض عند تحديد أوجه قصور نظرية العقل".

 

ولا "تفسر" هذه النتائج الجديدة المرض النفسي، بل لن تفعل أي دراسة أخرى ذلك. ومثلما هو الحال مع أغلب المشاكل النفسية، يتعلق الأمر بمجموعة معقدة من المؤثرات الجينية والبيئية، التي تؤثر مجتمعة على أعقد عضو في أجسادنا (بل وربما الأقل استيعابا حتى الآن) وهو الدماغ. قد يظهر المرضى النفسيون افتقارا لتبني وجهة النظر بصورة أوتوماتيكية، لكن السؤال المثير للاهتمام هو: "ما السبب وراء ذلك؟" حسبما توضح إيسي فيدينج، من كلية لندن الجامعية. تقول فيدينج: "ما الشيء الموجود في التركيبة الجينية والتربية البيئية الذي يجعل شخصا ما هكذا؟ إننا في حاجة إلى (دراسات مطولة) كي نجيب عن هذه التساؤلات ونبحث في مدى مرونة هذه العمليات".

 

وفي غضون ذلك، تضيف باسكن سامرز أن هناك طرقا لاستخدام ما نعرفه بالفعل، وتقول: "إننا نفكر في تدريب ضباط السجن على طريقة الحديث إلى النزلاء الذين يعانون من مرض نفسي، وإجبارهم على مزيد من تبنّي وجهة النظر الأخرى". فبعد مشادات داخل السجن، توضح قائلة: "إنه من الطبيعي أن نقول "لقد فعلت شيئا خاطئا" أو "ما الذي حدث هنا؟"، فهذه البيانات تشير إلى أن المرضى النفسيين لن يكونوا قادرين على الإجابة عن ذلك السؤال. وإذا لم تجبرهم على تبني وجهة نظر نزيل آخر حول ما حدث، فلن يستوعبوا".

__________________________

   

 مترجم عن (ذا أتلانتيك) 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار